استهداف واشنطن للميليشيات في العراق وسوريا: ما طبيعة الرسائل التحذيرية؟

استهداف واشنطن للميليشيات في العراق وسوريا: ما طبيعة الرسائل التحذيرية؟

مشاهدة

03/07/2021

شهد العراق تصعيداً عسكرياً، مؤخراً، من قبل الولايات المتحدة على مواقع للميليشيات الموالية لإيران على الحدود السورية العراقية، ردّاً على الاستهدافات الأخيرة، المكثفة والمتواصلة، ضدّ المصالح الأمريكية في بغداد وأربيل، واللافت أنّ الضربة العسكرية الأمريكية المباغتة جاءت بالتزامن مع التحضيرات الجارية للمحادثات المتعثرة في فيينا، والمتوقّع أن تبدأ جولة سابعة، خلال الأيام المقبلة، وقد عدّها مراقبون "رسالة تحذيرية" من واشنطن التي خفّضت صراعها مع طهران، منذ الدخول في جولات التفاوض غير المباشر لإحياء الاتفاق النووي.

التصعيد: الخلفيات والملابسات

مطلع الأسبوع الحالي، نفذت المجموعات الولائية هجوماً مسلحاً، بواسطة ثلاث طائرات مسيرة، بالقرب من المنطقة التي توجد فيها القنصلية الأمريكية، في أربيل بإقليم كردستان العراق، وبينما اتهمت واشنطن الميليشيات المدعومة من طهران بالوقوف وراء الحادث، فإنّ جهاز مكافحة الإرهاب في كردستان، كشف أنّ أجنحة الطائرات حملت شعارات، من بينها "قاصم الجبارين"، أحد الفصائل التابعة لـ "كتائب حزب الله" العراقي، والمسؤول، على نحو مباشر، عن تنفيذ عدة تفجيرات ضد الأرتال اللوجيستية التابعة لقوات التحالف، إضافة لعبارات أخرى، مثل: "السلام عليك يا جمال العراق"، في إشارة إلى قائد هيئة الحشد الشعبي "أبو مهدي المهندس"، الذي اغتيل مع قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، مطلع العام الماضي.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد تسبّب الهجوم العسكري الأمريكي الذي استهدف موقعين أمنيين داخل الأراضي السورية، وموقعاً ثالثاً داخل الأراضي العراقية، يتم استخدامهم لتخزين الأسلحة التي تتمّ الاستعانة بها مع الطائرات المسيّرة "درون"، في مقتل سبعة مقاتلين عراقيين على الأقل، بينما لم تفصح البيانات الصادرة عن الميليشيات الموالية لإيران عن هوية القتلى.

رسالة ردع لإيران

وفي حديثه لـ "حفريات"، يشير الباحث العراقي المتخصص في الشؤون الأمنية والسياسية محمد الجبوري، إلى أنّ الإدارة الديمقراطية في واشنطن، على ما يبدو، اتخذت قرارها بضرورة توجيه ضربات محددة ودقيقة للميلشيات الإيرانية، كنوع من التحذير والضغط على طهران، خصوصاً بعد وصول إبراهيم رئيسي لمنصب الرئيس، لافتاً إلى أنّ "وصول رجل محافظ ومتشدد لقمة هرم السلطة بإيران، وتعثر المفاوضات النووية، في ظلّ وضع طهران المزيد من العراقيل أمام إحياء الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، وموقفها المراوغ من مفتشي هيئة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فرض واقعاً مغايراً وملحاً باتجاه التعامل الخشن، والذي يقتضي الضغط ورفع درجة التوتر حتى لا تبدو واشنطن مكتوفة الأيدي، لا سيما مع الهجمات المتزايدة التي تتعرض لها مصالحها بالعراق، منذ مطلع العام الحالي، ومن ثم، فإنّ الأحداث التي جرت في بغداد، هي بقرار مباشر من الرئيس جو بايدن، وتعكس توجهاً لافتاً".

اقرأ أيضاً: الكاظمي: العراق خط الدفاع الأول ضد داعش

البنتاغون قال؛ إنّ "قرار الرئيس جو بايدن بضرب الميليشيات في العراق وسوريا سليم قانونياً"، وإن "الضربة تهدف إلى الردع، وإيران طرف سيّئ"، وتابع: "هجماتنا في العراق وسوريا رسالة بأنّنا لن نتسامح مع أيّ هجوم على قواتنا، لا نسعى لنزاع مع إيران لكن لدينا انتشار عسكري يسمح بالردّ".

وفي البيان الرسمي الصادر عن البنتاغون، أوضح أنّ "المنشآت المستهدفة كانت تستخدمها ميليشيات حزب الله العراقي وكتائب سيد الشهداء في الهجمات على المواقع والمصالح الأمريكية"، موضحاً أنّ الرئيس الأمريكي وجه بضرورة تنفيذ "المزيد من الضربات لتعطيل هجمات الميليشيات المدعومة من إيران ضدّ المصالح الأمريكية"، وأردف: "بتوجيه من الرئيس بايدن شنت القوات العسكرية الأمريكية في وقت سابق من هذا المساء غارات جوية دفاعية دقيقة ضد المنشآت التي تستخدمها الميليشيات المدعومة من إيران في المنطقة الحدودية العراقية السورية".

تقرير: يبدو قائد عصائب أهل الحقّ، قيس الخزعلي، أكثر ثقة بنفسه، بعد رحيل ترامب، ويلقي خطبه أمام أنصاره بدلاً من مخاطبتهم من أماكن سرّية

وأوضح وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، أنّ الضربة الأخيرة تعدّ "رسالة ردع" إلى إيران وفصائلها، حيث قال: "اتخذنا إجراءً ضرورياً ومناسباً ومدروساً يهدف للحدّ من مخاطر التصعيد، وكذلك لتوجيه رسالة ردع واضحة لا لبس فيها".

مخاطر وتحديات الطائرة المسيرة

وعليه، يرى الدكتور عبد السلام القصاص، الباحث المصري في العلوم السياسية، أنّ الضربة الأمريكية كانت متوقعة؛ إذ إنّ الإدارة الأمريكية ليس بمقدروها أن تتحمّل المزيد من الهجمات المتكررة الموجهة ضدّ قوات التحالف، وكذا مواقعها الدبلوماسية وقواعدها العسكرية، ويردف لـ "حفريات": "التقارير الرسمية والاستخباراتية، وكذا تقديرات الموقف لمراكز الأبحاث في الولايات المتحدة المؤثرة في دوائر صنع القرار، حذرت، مؤخراً، وبشدة، من ظهور الطائرات المسيرة في الصراع المحتدم بين واشنطن وطهران بالعراق، وقد بدأت الفصائل المسلحة باستخدامها على نحو مطرد، الأمر الذي جعل قائد القيادة المركزية الأمريكية، كينيث ماكينزي، يحذر من مخاطر ذلك الوضع الذي تحاول من خلاله العناصر الميلشياوية إرغام قوات التحالف على الانسحاب من العراق، بالتالي، اعتبر ماكينزي هذا السلاح الجديد أولوية قصوى للولايات المتحدة، بيد أنّه كشف عن عدم الوصول لحل بشأنه".

الباحث المصري في العلوم السياسية الدكتور عبد السلام القصاص

دان رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، الهجمات الأمريكية الأخيرة، ورأى فيها "انتهاكاً سافراً لسيادة العراق"، كما طالب بـ "التهدئة وتجنّب التصعيد بكلّ أشكاله"، وقال في بيان رسمي: "يجدّد العراق رفضه أن يكون ساحة لتصفية الحسابات، ويتمسك بحقه في السيادة على أراضيه ومنع استخدامها كساحة لردود الفعل والاعتداءات".

 الدكتور عبد السلام القصاص لـ"حفريات": الضربة الأمريكية كانت متوقعة؛ إذ إنّ واشنطن ليس بمقدروها أن تتحمّل المزيد من الهجمات المتكررة الموجهة ضدّ قوات التحالف

ويعقّب الباحث المصري في العلوم السياسية على ذلك، بأنّ الحكومة العراقية، والكاظمي، تحديداً، يدرك أنّ الساحة العراقية التي تهمين عليها الفصائل المسلحة الموالية لطهران، سياسياً وميدانياً، تحولت إلى منطقة صراع لحساب المصالح الإقليمية والدولية لـ "الولي الفقيه"، الأمر الذي يعكس حجم ودرجة نفوذ الأخير، وبالتالي؛ فالمصلحة العراقية يتم تغييبها، طوال الوقت، كما أنّ "السيادة العراقية" ستظل رهينة الأهداف الأمريكية، تارة، والمصالح الإيرانية، تارة أخرى؛ ومن دون تجاوز تلك القاعدة الصلبة لن يتغير الموقف بحال، وسوف تتكرر الهجمات من الطرفين على الأراضي العراقية.

الخزعلي أكثر ثقة

وبحسب معهد واشنطن؛ فإنّ بعض الميليشيات العراقية، هي "أكثر استعداداً لتنفيذ أوامر إيران عندما تطلب هذه الميليشيات إطلاق حلقة من التصعيد، بدلاً من خفضه. واليوم يبدو قائد عصائب أهل الحقّ، قيس الخزعلي، أكثر ثقة بنفسه، بعد رحيل دونالد ترامب، ويلقي خطبه أمام أنصاره بدلاً من مخاطبتهم من أماكن سرّية، وقد سبق أن هدّد القوات الأمريكية، في مطلع نيسان (أبريل) الماضي، قائلاً: "نؤكد أنّ عمليات المقاومة الحالية ستستمر وتتزايد، كماً ونوعاً، إذا لم تسحب الولايات المتحدة قواتها من جميع المناطق العراقية، بما فيها شمال العراق (إقليم كردستان)".

اقرأ أيضاً: أمريكا تستهدف مواقع ميليشيات موالية لإيران في العراق وسوريا.. تفاصيل

ويلفت المعهد الأمريكي إلى أنّ الجمهورية الإسلامية ترى في هذه "الخطة قصيرة المدى خطوة واحدة نحو تحقيق انسحاب كامل للقوات الأمريكية من جارتها الغربية، وفي نظر إيران، كانت القوات الأمريكية قد غادرت العراق ذات مرة، عام 2011، ولا يوجد سبب يحول دون تكرار هذا الأمر مجدداً، كما تتفق الميليشيات العراقية تماماً مع هذا الرأي؛ فهي تعتقد أنّها لن تتمكن من تحقيق هدفها النهائي، أي الاستحواذ على الدولة العراقية، على غرار ما فعله "حزب الله" في لبنان، ما لم تغادر القوات الأمريكية العراق".

الصفحة الرئيسية