الأحزاب التونسية تهزم "النّهضة" بطريقة ديمقراطية

تونس

الأحزاب التونسية تهزم "النّهضة" بطريقة ديمقراطية

مشاهدة

13/01/2020

في سابقةٍ هي الأولى منذ عام 2011، فشلت حركة النهضة الإسلامية بتونس في تمرير حكومتها، بقيادة الحبيب الجملي، التي أسقطها البرلمان بأغلبية ساحقة، بعد أن صوّت ضدّها 134 نائباً من أصل 200 نائب حضروا الجلسة، أبدوا تخوّفهم من سيطرة الحركة على مفاصل الحكم، بعد أن سيطرت على البرلمان.

اقرأ أيضاً: اتحاد الشغل: الحبيب الجملي يتعرض لضغوط من النهضة
ولم تحظَ الحكومة سوى بثقة 72 نائباً، هم في الأصل نواب حركة النّهضة (54 نائباً)، وائتلاف الكرامة القريب منها (18 نائباً)، وهو عدد لم يكن كافياً للحكومة التي كانت بحاجةٍ إلى 109 نواب للحصول على الثقة.

أوّل حكومة يسقطها البرلمان
بذلك تكون حكومة الجملي أوّل حكومةٍ تسقط في البرلمان، منذ أوّل انتخاباتٍ تشهدها تونس بعد 2011، عكس الحكومات الخمس التي تعاقبت على تونس، ونالت جميعها الثقة بأغلبيةٍ مريحةٍ، أوّلها حكومة حمادي الجبالي (قيادي بحركة النهضة)، ثم حكومة علي العريض (قيادي بحركة النهضة)، فحكومة المهدي جمعة (مستقل تدعمه حركة النهضة)، ثم حكومة الحبيب الصيد، وحكومة يوسف الشاهد، اللذين اقترحهما نداء تونس، شريك حركة النهضة السابق.

جمعي القاسمي: الفشل غير المتوقّع لحركة النهضة سيعمّق خلافاتها الداخلية، خاصّةً أنّ شقاً واسعاً منها غير مقتنعٍ بسياساتها

وكانت كتلة الحزب الدستوري الحر (17 نائباً) المحسوبة على نظام بن علي، قد اعترضت على حكومة الجملي، ووصفتها بـ"حكومة الإخوان"، كما رفض نواب حزب الرحمة السلفي التصويت لحكومة الحبيب الجملي، واعتبرتها باقي الأحزاب حكومة "نهضاوية"، لم تشرك باقي الأحزاب فيها، ما أثار مخاوفهم من تغوّل الحركة، وتفرّدها بالحكم، خاصّةً بعد وضع يدها على وزارات السيادة.
ومثّل موقف عضو مجلس شورى النّهضة، زياد العذاري، بعدم منح الثقة لحكومة الجملي، صدمةً لحركة النّهضة، التي طالب أعضاؤها بضرورة إقالته من مجلس الشورى ومن كتلة الحركة، خاصّةً أنّه قدّم الشهر الماضي استقالته من أمانتها العامّة.

اقرأ أيضاً: المعارضة التونسية تتحرك لمنع انفراد النهضة بتشكيل الحكومة
وشدّد العذاري على ضرورة التحلّي بالقدرة الكافية من أجل عدم إعادة الأخطاء نفسها، داعياً إلى ضرورة الاعتراف بأخطاء الماضي، والاعتراف بأنّ هذه الحكومة تفتقد للحزام السياسي، مقرّاً بعدم ارتياحه لوجود غموضٍ كبيرٍ، سيدخل تونس في فترةٍ من التردّد.
صفعةٌ سياسيةٌ لحركة النهضة
وصرّح زعيم حركة النّهضة، راشد الغنّوشي، بأنّ الحبيب الجملي لم يبقَ وفياً لتكليف حركته، وخالف سياستها، بتكوين حكومةٍ "مستقلّةٍ"، أقصت الأحزاب التونسية منها، واصفاً ذلك بالعمل غير الموفّق.
ويرى مراقبون أنّ عدم نيل الحكومة المقترحة ثقة البرلمان، يعدّ ضربة قوية لحزب النهضة الذي فشل في إقناع كلّ الأحزاب التونسية، على اختلاف توجهاتها، بالدخول في تحالفٍ معها، يمكّنها من تكوين أغلبيةٍ، تستطيع من خلالها تشكيل حكومةٍ ائتلافيةٍ، وذلك بعد أن كانت طرفاً رئيسياً وحاسماً في كلّ المحطات السياسية، منذ ثورة 2011.

لرئيس الجمهورية التونسية الحقّ في حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخاباتٍ تشريعيةٍ جديدة، إذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول

وأظهرت مداولات جلسة التصويت على الحكومة، والتي تواصلت إلى ساعةٍ متأخرةٍ من يوم الجمعة 10 كانون الثاني (يناير) 2020، هشاشة الثقل البرلماني لنواب النهضة، والضعف السياسي للحركة، التي اعتادت الاستناد إلى تحالفات ترمي عليها فشلها منذ صعدت إلى المشهد السياسي؛ حيث مرّت من تحالف الترويكا، إلى توافقٍ مع نداء تونس انتهى قبل نهاية عهدتها البرلمانية الثانية.
ورأى المحلل السياسي، جمعي القاسمي، في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ "فشل النهضة في تمرير حكومتها، يعدّ صفعةً قويةً بكل المقاييس، ستحدّ من مناوراتها السياسية، وستؤسّس لمرحلةٍ جديدةٍ، تتراجع فيها سطوة هذا الحزب الإسلامي المرتبط بجماعة الإخوان".


وأضاف القاسمي إلى أنّ هذا الفشل غير المتوقّع للحركة، سيعمّق خلافاتها الداخلية، خاصّةً أنّ شقاً واسعاً منها غير مقتنعٍ بسياساتها، ويحمّل رئيس كتلة الحركة مسؤولية اللخبطة التي شهدها البرلمان ليلة إسقاط الحكومة، وأبرز مثالٍ على ذلك خروج أمينها العام السابق عن طاعتها.

اقرأ أيضاً: هل تورّط الرئيس التونسي باستقبال أردوغان بضغط من النهضة؟
وكانت حركة النّهضة قد تلقّت الصفعة الأولى أساساً كحزبٍ أغلبي ضعيفٍ أمام التوازنات السياسية الحالية التي تخدم بشكلٍ كبيرٍ المعارضة، حين انقلب عليها حزب "تحيا تونس"، الذي ظلّ شريكاً لها طيلة ثلاثة أعوام، بإعلانه قرار عدم الدخول في الائتلاف الحكومي الذي تسعى الحركة إلى تشكيله.
وتلقّت لاحقاً صفعاتٍ متتاليةٍ بسبب التوازنات السياسية الجديدة، وتحوّلها إلى أقليّةٍ برلمانيةٍ معزولةٍ أمام المعارضة التي باتت أغلبيةً في البرلمان، حين نجحت باقي الكتل النيابية في إسقاط عددٍ من فصول قانون المالية الذي تضمن مقترحات أثارت جدلاً كبيراً، وحين عجزت عن تمرير مقترح تأسيس صندوق الزكاة.
تكتّل أكثر من 90 نائباً في مواجهة حركة النهضة
مباشرةً بعد إجهاض حكومة الجملي، أعلن عددٌ من السياسيين عن تكوين جبهةٍ برلمانيةٍ تضمّ أكثر من 90 نائباً من كتل "قلب تونس" (علماني يضمّ 38 نائباً)، حركة الشعب (15 نائباً)، والإصلاح الوطني (15 نائباً)، وحزب تحيا تونس بقيادة رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد (14 نائباً)، وكتلة المستقبل (9 نواب) على تقديم مبادرة وطنية خلال الأيام القليلة المقبلة.
وقال نبيل القروي، رئيس حزب قلب تونس الليبرالي، الذي حلَّ ثانياً في الانتخابات التشريعية، إنّ أيديهم ممدودةً للجميع من أجل التحالف في جبهةٍ برلمانيةٍ واحدةٍ، لتكوين الحكومة الجديدة، على أن تنطلق مشاوراتهم، بالتنسيق مع رئيس البلاد، قيس سعيّد، لاختيار الشخصية المناسبة لرئاسة الحكومة المقبلة.


هذه الخطوة رآها المحلل السياسي، محمد بوعود، محاولة للحلول في المرتبة الأولى من حيث ترتيب الكتل البرلمانية، وقطع الطريق أمام النّهضة صاحبة المرتبة الأولى، ليصبح رئيس البلاد مجبراً على الأخذ بعين الاعتبار قوة وحجم هذه الكتلة، في اختيار الشخصية القادمة لتكوين حكومةٍ جديدةٍ.

اقرأ أيضاً: تونس: رئيس الحكومة الجديد مستقل فعلاً أم واجهة لحركة النهضة الإخوانية؟‎
ولفت بوعود، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ حركة النّهضة خسرت أولى جولاتها نتيجة حساباتها الخاطئة، ومحاولتها الضحك على الجميع، وتكوين تحالفاتٍ وهميةٍ مع مختلف الأطراف، مشيراً إلى أنّ ارتدادات سقوطها، ستبدأ من الداخل الرافض لسياسات الحركة.
حكومة الرئيس أو الانتخابات المبكّرة
ومن المفترض بعد هذا الفشل في منح الثقة أن تعود الكرة إلى ملعب الرئيس التونسي، قيس سعيّد، الذي سيسعى إلى تكليف شخصيةٍ أخرى لتشكيل حكومةٍ جديدةٍ، بعد القيام بإجراء مشاوراتٍ مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية في غضون الأيام العشرة المقبلة"، وفق الفصل 89 من الدستور التونسي.

الطاهر شقروش: مشروع الإسلام السياسي خسر كافة معاركه العسكرية ومعاركه السياسية في كامل المنطقة وبات عاجزاً عن الاستقطاب

ولرئيس الجمهورية، بحسب الدستور التونسي، الحقّ في حلّ البرلمان، والدعوة إلى انتخاباتٍ تشريعيةٍ جديدة، إذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة.
ومن السيناريوهات الأقرب للمشهد التونسي، جمع 109 أصوات لتمرير حكومة الرئيس، بحسب مدير المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية، الطاهر شقروش، الذي أكّد أنّ جميع المؤشرّات ترجّح هذه الفرضية، خاصّة أنّ الرئيس التونسي يتّجه، بحسب معطياته، نحو حكومة تدافع عن السيادة الوطنية، والخيارات الاجتماعية، إلى جانب الديمقراطية.
وشدّد شقروش، في حديثه لـ "حفريات"، على أنّ حركة النّهضة تخشى إجراء انتخاباتٍ تشريعيةٍ مبكّرةٍ، لأنّها في تراجعٍ متواصلٍ منذ العام 2011، وخسرت أكثر من مليون ناخبٍ، في المحطات الانتخابية الثلاث التي مرّت بها، في المقابل لا تخشى بقية الأحزاب التي تمكنت من حصد أعداد من الأصوات الانتخابية، من إعادة الانتخابات.

مدير المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية وصف ما حصل داخل قبّة البرلمان بالتحوّل النوعي، معتبراً أنّها المرّة الأولى التي تتم فيها إزاحة حركة النّهضة وهزيمتها بطريقةٍ ديمقراطيةٍ لا غبار عليها، وأرجع ذلك إلى ما يشهده مشروع الإسلام السياسي مؤخراً في كامل المنطقة، "بعد أن خسر كافة معاركه العسكرية، ومعاركه السياسية، خاصّة أنّه بات عاجزاً عن الاستقطاب".

الصفحة الرئيسية