الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة

6238
عدد القراءات

2019-04-30

بعد أن بشّر العديد من المحلّلين والمنظرين بالثورات منزوعة الأيديولوجيا، والمتحررة من التعقيدات التنظيمية للأحزاب، عقب "الربيع العربي"، أجبرت التحولات التي تلت الملاحم المشهدية في الميادين والشوارع هذا الاحتفاء على التراجع لصالح خطاب مغاير، يقدر قيمة العمل المؤسسي في السياسة، ويرثي غياب الأحزاب، التي اتُّهمت بالضعف والتخاذل والتخلي عن القيام بدورها في توجيه وتأطير النشاطات السياسية للجيل الشاب الثائر، رغم أنّها طولبت، منذ بداية "الربيع"، بالتنحي جانباً، وإفساح المجال لهذا الجيل بالذات.

اقرأ أيضاً: الكشف عن ثروة خامنئي يستفز أحزاباً شيعية في العراق
مصدر هذا التشوش؛ هو سقوط تصور بعينه عن العمل السياسي، افترض إمكان تحقق الاستحقاقات التي طال انتظارها في العالم العربي من ديمقراطية وتنمية وعدالة بمجرد خروج الشباب للميادين؛ وأصمّ الآذان حديث عن الجيل الإيجابي والعصري الثائر ضدّ الفساد والتكلس السياسي لبعض الأنظمة العربية، وجعل من الصعب تحدي هذا التصور البسيط الذي سرعان ما تكشفت تناقضاته وعواقبه الكارثية في آنٍ.

عقب "الربيع العربي" اتُّهمت الأحزاب بالضعف والتخاذل والتخلي عن القيام بدورها تجاه الشباب الثائر

فقد كانت موجة "الربيع العربي" بمثابة تطوير وتتويج لموجة من النضالات السياسية، التي امتدت على مدار عقود، شاركت فيها الأحزاب بالطبع، في مرحلة أو أخرى من مراحلها، إلا أنّ ترتيبات التاريخ قضت بأن تنطلق موجة "الربيع" من خارج الأحزاب؛ بل وعلى حسابها بالذات.
على وقع هذه النقلة، في مدركات الفاعلين السياسيين في العالم العربي، لأهمية الأحزاب كأحد مقومات الحياة السياسية، ودور الأيديولوجيا في إحداث التغيير المأمول، بعد أن اتضح عقم الرؤى التي حددت أفق العمليات الثورية إلى الحدّ الذي أدى إلى هزيمتها، تسعى "حفريات" لتقديم قراءات متنوعة للتجربة الحزبية في العالم العربي، تعتمد في الأساس على الفحص التاريخي لجوانب محددة من الحياة الحزبية، وتتتبع بالدرس والتحليل إشكاليات تأسيس عدد من الأحزاب، وتحولاتها السياسية، وعلاقتها بالقضايا المطروحة على جدول أعمال الشعوب العربية من قبيل صياغة الهوية السياسية للدولة، والموقف من العلمانية والتحديث والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، القضايا التي اندلع "الربيع العربي" على أمل تحقيقها.
 كانت موجة "الربيع العربي" بمثابة تطوير وتتويج لموجة من النضالات السياسية

رافعة التحديث السياسي
تهتم أدبيات "التنمية السياسية" بالدور التحديثي للحزب السياسي؛ بل تنظر إليه باعتباره رمزاً للتحديث السياسي، مثلما تمثل السدود والمصانع رموزاً للتحديث الاقتصادي (أسامة الغزالي حرب 1987)، والحاصل أنّ الأحزاب التي نمت خلال القرن الماضي في العالم العربي كانت بمثابة قنوات لتغيير وتحديث الوعي في المنطقة (بول سالم 2002)؛ بل واستطاعت الأحزاب الكبرى، كالوفد مثلاً في مصر، صياغة تحديد واضح لمفهوم الجماعة السياسية (التحول من مفهوم الأمة ككيان ثقافي إلى مفهوم الشعب كوحدة سياسية حديثة)، وإضفاء شرعية على الحدود السياسية للدولة (بما مثّل قطيعة مع موروث الإمبراطورية العثمانية الغاربة، وتحدياً، لاحقاً، للأيديولوجيات القومية البازغة)، ووضْع أسس متفق عليها للشرعية السياسية.

ترتيبات التاريخ قضت بأن تنطلق موجة "الربيع" من خارج الأحزاب بل وعلى حسابها بالذات

وعلى هذا النحو، يمكن اتخاذ حزب الوفد منطلقاً لصياغة سمة عامة لليبرالية العربية الصاعدة، التي ظهرت نتيجة عجز النظرة التقليدية عن تفسير وتوجيه التحول الاجتماعي، وعن التواؤم مع أوضاع الدولة الحديثة التي تطلبت صياغة هوية قومية (بالمعنى القُطري)، وتحديث المجتمع عبر دمج المجموعات القبلية والعرقية والدينية في إطار جماعة سياسية موحدة؛ من خلال الصحافة، والكتب المطبوعة، والتعليم العام، والتجنيد الإجباري.
فمن خلال الليبرالية التحديثية بالذات؛ استطاعت الطبقات العليا العربية الهيمنة على الحياة السياسية بشكل مؤسسي، عن طريق دسترة المجال السياسي والنظم البرلمانية، وبالتالي؛ تمكّنت من التحكم في الدولة، وضمنت بقاءها بعيدة عن استثماراتها الاقتصادية، التي خدمتها الدولة في طبيعة الحال.

اقرأ أيضاً: هكذا ردت الأحزاب الجزائرية على مقترح قائد الجيش
وعلى هذا النحو؛ قدمت الليبرالية الدستورية الإطار السياسي لتمرير أفكار تحديث المجتمع ونظام الحكم، وتجديد الفكر الديني والعلمانية، وترسيخ مفهوم جديد للجماعة السياسية، يعلو على الانتماءات الطائفية التي كانت حجر الأساس في السياسات العثمانية.
تأسست جماعة الإخوان المسلمين عام 1928

ردكلة العمل الحزبي
مع نمو الطبقات الوسطى وتململ "الأفندية" من البطالة، صعدت قوى سياسية رافضة لاتجاه البيئة الاجتماعية نحو العلمانية، تمثلت في جماعة الإخوان المسلمين (تأسست 1928)، التي تمحورت دعايتها التأسيسية حول إمكان تجاوز التعقيدات الهيكلية للحياة الحديثة؛ عبر اللجوء إلى مبادئ الإسلام وسنن الخلفاء الراشدين وإعادة الخلافة الإسلامية.

يمكن اتخاذ حزب الوفد منطلقاً لصياغة سمة عامة لليبرالية العربية الصاعدة

وزامن صعود الإخوان بزوغ تيارات متأثرة بالتيارات الفاشية في أوروبا، عبّرت عنها حركة مصر الفتاة (تأسست 1933)؛ التي ساهمت بفاعلية في تحطيم النظام البرلماني، وتركت أثراً هائلاً في مجمل العمل السياسي العربي بعد أن حدّدت الملامح العامة لأيديولوجيا الاستبداد الوطني، التي وُضعت موضع التنفيذ مع صعود عبد الناصر، وفي هذا الظرف السياسي المضطرب لم يكن غريباً أن تظهر سياسات حزبية معادية لليبرالية الدستورية في سوريا؛ حيث تمكّن الحزب القومي الاجتماعي من تأطير الميول الشعبية الداعمة لألمانيا النازية، والكارهة للاحتلال الإنجليزي والفرنسي للمنطقة، حتى أصبح أقوى حزب منظم على الساحة السياسية في سوريا الثلاثينيات.
وتنامت الرّدكلة مع نكبة 1948؛ حيث صعدت نسخة ثورية من القومية العربية على أنقاض النخب الحاكمة التقليدية، رفعت شعار العروبة في مواجهة الميول القطرية للطبقات العليا، وتبنت نسخة "مخصوصة" من الاشتراكية في مواجهة ليبرالية تلك الطبقات، ووظفت القاموس الشيوعي في اتهام الطبقات العليا بـ "الاستغلال" و"العمالة للإمبريالية".

اقرأ أيضاً: الانتخابات الرئاسية في الجزائر تشق أكبر الأحزاب الإسلامية
ولم يكن أصحاب هذا القاموس من الشيوعيين أنفسهم بمعزل عن هذه التطورات؛ حيث بدأت حركة شيوعية نشطة في الظهور في مصر الأربعينيات، واستغلت الاختلالات الناجمة عن الحرب العالمية الثانية في التوسع والانتشار، في وقت تمكّن فيه الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان من مضاعفة جهوده في تجنيد الأعضاء وصياغة التحالفات، حتى انقسم إلى فرعين: سوري بقيادة خالد بكداش، ولبناني بقيادة فرج الله الحلو، وفي العراق؛ تمكّن الحزب الشيوعي من الإفلات من الضربات المميتة في الثلاثينيات، بفضل القيادة الصارمة لـ"الرفيق فهد"، حتى اكتسب الحزب شعبية جارفة في أواخر الأربعينيات، بقيادته للمعارضة ضدّ قمع العرش.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
في ذلك الزمن المضطرب؛ نشأ حزب طالما شارك جماعة الإخوان رغبتها الحثيثة في عودة الخلافة، والتعالي على الحدود السياسية للدولة الوطنية؛ هو حزب التحرير، الذي جعل من "تطهير الإسلام من أدران العقلانية والوضعية" مهمة مقدسة، في سبيل الكفاح السياسي على هدي بدايات الدعوة الإسلامية، لكن بحكم مهمته المستحيلة هذه ظلّ على هامش الصراع السياسي في المنطقة.
ففي هذا الوقت؛ كانت كلٌّ من القومية والشيوعية تتنافسان على ساحة التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية؛ وتشابكت الظاهرتان وتصارعتا، حتى رجحت العوامل الداخلية: قصور نمو الطبقة العاملة، والدولية: التبعية للسوفييت الذي انحاز للأنظمة القومية، والموقف من إسرائيل والوحدة بين الشعوب العربية، وهما القضيتان اللتان سحبتا الحركة الشيوعية للأسفل، ودفعتا بالقوميين إلى الصدارة.

 

ولأنّ القومية هي التي وصلت إلى السلطة، وحافظت عليها لأكثر من ستّة عقود، فقد فرضت منطقها على مجمل العمل السياسي العربي، وأثرت تحولاتها في طبيعة المجتمعات التي حكمتها، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مصدر للهوية الطائفية والحكم الاستبدادي.
حظيت القومية، خلال الخمسينيات والستينيات، بفرصة تاريخية لا تُعوَّض لخلق بنية سياسية تعلو على الانتماءات الطائفية والعرقية، ونجحت مؤقتاً في صياغة هوية عربية تأثرت بها، مرحلياً، قطاعات كبرى من سكان المنطقة، لكنها في النهاية أخفقت في دمج السكان دمجاً نهائياً داخل مفهوم حديث للجماعة السياسية، في وقتٍ عجزت فيه عجزاً فادحاً عن تقديم الأسس الشرعية اللازمة لاستقرار النظام السياسي على المدى الطويل؛ بفعل افتقارها إلى:

 

قدمت الليبرالية الدستورية الإطار السياسي لتمرير أفكار تحديث المجتمع ونظام الحكم وتجديد الفكر الديني والعلمانية

1-  مفهوم الشعب كوحدة سياسية يعبر عنها مجال سياسي مفتوح ومتنوع (شريف يونس 2012)؛ لذا كانت الركيزة الأساسية لحكم هذه الأنظمة هي تفريغ الساحة السياسية من أيّة معارضة، كبرى أو محدودة، مع السيطرة الصارمة على الاتحادات العمالية والمجتمع المدني، وهو ما ترك بصمته الشائهة على العمل السياسي في هذه البلدان.
2- تصور واضح للحدود السياسية (وهو عنصر جوهري بالنسبة إلى الدولة الحديثة)، وتعاليها على حقائق الواقع السياسي العربي، واعتبارها الدول العربية وحدودها ظاهرة استعمارية اصطناعية.
غياب هذين المحددين سمح للناصرية بمصادرة السياسة في الداخل المصري، والتدخل في شؤون كافة دول المنطقة، ومحاولة تغليب تيار ما على اللعبة السياسية في البلدان العربية (كما حاولت، وفشلت، في العراق وسوريا)، أو دعم قيادي ما في مواجهة نظرائه (كما فرضت بن بيلا على الهرم السياسي للدولة الجزائرية الوليدة، ...وغيرها من المحاولات)، ما أثار اضطراباً خطيراً داخل الجسم السياسي لهذه البلدان.
كما سمح الغياب ذاته للبعث العراقي باستئصال المعارضة السياسية، ولم يكن الغزو العراقي للكويت عام 1990، سوى نتيجة لتحدي شرعية حدود الدول الجديدة هذه، فيما كانت السيطرة السياسية الحديدية للبعث السوري على النشاط السياسي في الداخل، والوصاية على لبنان على مدى العقود الماضية، وحتى ثورة الأرز العام 2005، ثمرة من ثمار اختلال هذا التصور المبني على إدانة مجمل قاموس الفكر الدستوري الغربي، المتعلق بالسيادة ومفهوم الشعب كوحدة سياسية، وآليات تمثيله عبر المؤسسات المنتخبة، بالتالي؛ الإمكانية الدائمة لتداول السلطة.


مصادر:
- أسامة الغزالي حرب، الأحزاب السياسية في العالم الثالث، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1987.
- بول سالم، الميراث المر: الأيديولوجيا والسياسة في العالم العربي، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2002.
- شريف يونس، نداء الشعب: تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية، الشروق، مصر 2012.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



إعدام جماعي وانفجارات.. هذا ما يشهده الصومال

أعدمت مجموعة من رجال الأمن الصومالي أمس 9 مدنيين في مدينة جالكعي وسط الصومال.

وصرح أحد أعيان المدينة محمد يوسف بأن " رجال الأمن اعتقلوا 9 أشخاص في المدينة واقتادوهم إلى خارجها، قبل أن يتم إعدامهم بشكل جماعي ما أثار غضب الأهالي"، وفق ما نقلت وكالة الأناضول، فيما أكدت مصادر صحفية أن القتلى ينتمون لقبيلة دغل ومرفيلي القاطنة في إقليم جنوب غرب البلاد.

رجال الأمن الصومالي يقدمون على إعدام جماعي لـ 9 مدنيين من مدينة جالكعي وسط البلاد

بدورها نددت الحكومة الصومالية بحادثة القتل الجماعي، كما وعدت بفتح تحقيق حوله وتقديم المتهمين للعدالة.

من جهتهم، حذر شيوخ وأعيان قبيلة دغل ومرفيلي السلطات المحلية، من المساس بأبنائهم العاملين وسط الصومال، بعد تعرضهم "لمضايقات من قبل رجال الأمن" هناك، واتهامهم بـ "التستر على عناصر حركة الشباب التي تنفذ عمليات ضد رجال الأمن والمصالح الحكومية".

هذا ونقلت وكالة سبوتنيك أن انفجارين وقعا  في العاصمة الصومالية مقديشو اليوم، ما أسفر عن إصابة شخص واحد على الأقل.

انفجار قنبلتين في العاصمة الصومالية مقديشو بعد توقيف سيارة محملة بالمتفجرات

ونقل موقع "جوب جوج" الصومالي أن "الانفجار الأول ضرب منطقة سيادكا، القريبة من مجلس النواب، والثاني كان بالقرب من حاجز أمني". ونقل الموقع عن شاهد عيان أن "الانفجار الثاني وقع بعد أن أوقفت قوات الأمن سيارة محملة بالمتفجرات، وأسفر الانفجار عن إصابة السائق، الذي تم توقيفه لاحقا".

كاتدرائية نوتردام تحيي أول قداس بعد الحريق

تحيي كاتدرائية نوتردام بباريس اليوم أول قداس بعد الحريق الذي تعرضت له قبل نحو شهرين ودمر قسماً كبيراً منها.

ويترأس أسقف باريس ميشال أوبوتي القداس في نوتردام الذي سيحضره نحو ثلاثين شخصاً فقط نصفهم من رجال الدين.

وقالت أبرشية باريس في تصريح نقلته وكالة الأنباء الفرنسية إن القداس لن يحضره مصلون "لأسباب أمنية واضحة"، لكن ستقوم قناة "كي تي أو" الكاثوليكية بنقل وقائعه مباشرة "ليتمكن المسيحيون من المشاركة فيه".

أبرشية باريس: القداس في نوتردام لن يحضره مصلون لأسباب أمنية واضحة وسيحضره نحو 30 شخصاً

وإلى جانب المونسنيور أوبوتي، سيحضر القداس خادم رعية الكاتدرائية المونسنيور باتريك شوفيه وعدد من الكهنة ومتطوعون وأشخاص يعملون في الورشة وعاملون في أبرشية باريس. ولن تشارك جوقة معهد نوتردام في القداس، لكن قائداً لجوقة الترتيل سيكون حاضراً.

وسيطلب من الكهنة بالتأكيد ارتداء خوذ لكنهم سيحضرون بلباسهم الكهنوتي.

وتضرر جزء كبير من الكاتدرائية التي تمثّل رمزاً في قلب العاصمة الفرنسية، في حريق أثار حملة تضامن واسعة في العالم لإنقاذ وترميم هذا الموقع الذي يرتدي طابعاً رمزياً كبيراً في قلب العاصمة الفرنسية.

ودمر الحريق مسلة الكاتدرائية وسقفها وجزءاً من قبتها.

واختير موعد هذا القداس في ذكرى تكريس مذبح الكاتدرائية. وقال حول الموضوع المونسنيور شوفيه، إنه "تاريخ يرتدي طابعاً مهماً روحياٌ"، معبراً عن ارتياحه لتمكنه من إثبات أن "نوتردام حية بالتأكيد".

منذ الحريق، يعمل بين 60 و150 عاملاً في الورشة مواصلين نقل الركام وتعزيز البنية. وما زالت المنشأة في طور تعزيزها. أما أعمال تأمينها بالكامل فيمكن أن تستغرق أسابيع قبل إطلاق الأشغال الطويلة والمعقدة لترميمها.

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعادة بناء الكاتدرائية خلال خمس سنوات.

وحتى الآن، لم يتم دفع سوى تسعة بالمئة من المساهمات الموعودة والبالغة قيمتها 850 مليون يورو.

ويفسر ذلك بأن التبرعات الصغيرة للأفراد يمكن تقديمها بدون أي شروط، لكن الشركات الكبرى والمجموعات عليها صياغة عقود حول تخصيص مساهماتها.

في عام 2017 زار نحو 12 مليون سائح كاتدرائية نوتردام التي تعد تحفة معمارية للفن القوطي وتجري فيها أشغال منذ سنوات.

والكاتدرائية مدرجة على لائحة التراث العالمي منذ 1991. وقد اكتسبت شهرة كبيرة بفضل رواية فيكتور هوغو "أحدب نوتردام" التي تم اقتباسها عدة مرات في السينما والعروض المسرحية الغنائية.

مطالبات بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان في السودان..

أكد مسؤول أمريكي كبير على أنّ هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية بعد فض الاعتصام، محذراً من الفوضى. بينما طالبت الشفافية الدولية بوضع حد للفساد، داعية إلى مقاضاة منتهكي حقوق الإنسان هناك.

وطالب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون إفريقيا، تيبور ناجي، بإجراء تحقيق "مستقل وذي مصداقية" في عملية القمع، التي شهدها السودان بدايات الشهر الجاري وأدت إلى مقتل العشرات، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية.

مسؤول أمريكي يؤكد أن هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية

وفي سياق آخر، أصدرت منظمة الشفافية الدولية بياناً، أمس، دعت فيه إلى "وضع حد للفساد لحماية حقوق الإنسان في السودان".

وأضافت المنظمة في بيانها "في الأسابيع الأخيرة وردت تقارير عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وفظائع ارتكبها الجيش السوداني. تدعو منظمة الشفافية الدولية إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان".

وقالت، المنسق الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة الشفافية الدولية، كندة حتر: "الوضع في السودان ينطوي على طاقة كامنة تؤدي إلى سنوات من عدم الاستقرار والعنف، الأمر الذي سيحصن فقط مستويات الفساد العالية بالفعل هناك."

وأضافت حتر: "تحتاج البلاد إلى فترة من الاستقرار لبناء مؤسسات ديمقراطية وأنظمة الحكم الرشيد واستعادة ثقة الشعب في الحكومة".

وكان قد أقرّ المتحدّث باسم المجلس العسكري الحاكم في السودان، أول من أمس، بأنّ المجلس هو الذي أمر بفضّ الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم في عملية تسبّبت في مقتل العشرات.

منظمة الشفافية الدولية تدعو إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان في السودان ووضع حد للفساد

واعتصم المتظاهرون لأسابيع أمام قيادة الجيش في الخرطوم للمطالبة بداية برحيل الزعيم عمر البشير، ولاحقا للضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة لحكومة مدنية.

لكن في 3 حزيران (يونيو) وبعد ايام على انهيار المحادثات بين قادة الاحتجاجات والجيش، اقتحم مسلحون يرتدون ملابس عسكرية مخيم الاعتصام في عملية قالت لجنة الاطباء انها خلفت 120 قتيلاً. الا ان وزارة الصحة اعتبرت أن الحصيلة في ذلك اليوم بلغت 61 قتيلاً فقط.

هل يُسجن صحفيان لنشرهما مقالاً عن الاقتصاد التركي؟

حملت حكومة العدالة والتنمية التركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة عبر الاستناد على نظرية  المؤامرة، التي تحاول الحكومة الإسلامية الاختباء خلفها في تبرير فشلها في إدارة الأزمة الاقتصادية.

حكومة العدالة والتنمية تحمل وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة

وفي أحدث فصول هذه المعارك بين أنقرة والإعلام العالمي، برزت قضية وكالة بلومبيرغ الدولية التي اتهمها الادعاء العام التركي بنشر تقارير عن الاقتصاد التركي "تناقض الواقع"، وتبالغ في تصوير أزمة العملة التركية، وفق ما نقل موقع "أحوال تركية".

وقالت وكالة بلومبيرغ، إنّ المدعين العامين الأتراك يسعون إلى فرض عقوبة السجن لمدة قد تصل إلى خمس سنوات على اثنين من مراسليها في تركيا، بسبب تقريرهما حول أزمة الليرة التركية العام الماضي.

وأوضحت "بلومبيرغ" أن كريم كاراكايا وفيركان يالينكيتش قد اتُهما بمحاولة تقويض الاستقرار الاقتصادي لتركيا بسبب قصة إخبارية كتباها في آب (أغسطس) 2018.

وبحسب تقرير "أحوال تركية"، فإن هذه الاتهامات تأتي بعد أن اشتكت هيئة تنظيم البنوك في تركيا، من تقرير بلومبيرغ حول أزمة العملة.

ودان رئيس تحرير بلومبيرغ، جون مكلثويت، لائحة الاتهام، مشدداً على أنّ مراسلي وكالته قدّما تقارير عادلة ودقيقة عن الاقتصاد التركي.

وكانت تقارير لبلومبيرغ وغيرها قد تناولت أزمة العملة التركية، كما تحدثت عن أن بعض فروع البنوك في تركيا تعاني من انخفاض في العملة الأجنبية، وهو ما ركزت عليه بلومبيرغ التي كشفت، في تقرير لها، أنّ أحد فروع البنوك لم يستطع على الفور، تلبية طلب من أحد العملاء لسحب 5000 دولار.

المدعون العامون الأتراك يطالبون بسجن مراسلين "بلومبيرغ" لخمسة أعوام بسبب تقرير حول الليرة التركية

واستندت بلومبيرغ في تقريرها، على أنّ العميل زار فروع ثلاثة بنوك كبيرة، لكن لم تتم تلبية طلبه، إذ استنتج أن البنوك تكافح لمواكبة الطلب المتزايد على العملات الأجنبية.

وهبطت الليرة التركية إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية، وزادت من سوء الوضع الاقتصادي الملفاتُ السياسية الداخلية، وكذلك التوترات بين أنقرة وواشنطن في أكثر من ملف إقليمي ودولي.

كان الرئيس التركي رجب إردوغان، انتقد بشدة في نيسان (أبريل) 2019، وسائل الإعلام الغربية التي اتهمها بتضخيم الصعوبات الاقتصادية لتركيا، مشيراً خصوصاً إلى مقال نشرته "فايننشال تايمز" حول البنك المركزي التركي.

وتندد منظمات تعنى بالدفاع عن حرية الصحافة، بانتظام بحملات الاعتقال التي تطال الصحافيين، وبإقفال وسائل إعلام منذ الانقلاب الفاشل في 2016.

وتحتل تركيا المرتبة الـ157 من أصل 180 في ترتيب حرية الصحافة لعام 2018، الذي وضعته منظمة "مراسلون بلا حدود" غير الحكومية.

إلى أي مدى سيصمد سيناريو عض الأصابع بين أمريكا وإيران؟

تأتي العملية الأخيرة، التي استهدفت ناقلات نفط على بعد حوالي أربعين كيلومتراً من السواحل الإيرانية المقابلة لسواحل سلطنة عمان، في إطار تناقض أصبح مكشوفاً في التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، ومواصلة معركة عض الأصابع بين الجانبين، في إطار رهانات أمريكية على تنازلات إيرانية، وانصياع طهران للمطالب الأمريكية بالتفاوض، مقابل رهانات إيرانية بإمكانية صمودها أمام الضغوط الأمريكية، وضعف احتمالات قيام أمريكا بشن هجوم على إيران؛ لأسباب مرتبطة بالانتخابات الأمريكية القادمة، والخلافات الداخلية بين البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي.

اقرأ أيضاً: ترامب يكشف من وراء تفجيرات خليج عُمان

استهداف ناقلات النفط، جاء متزامناً مع تطورين بارزين وهما: زيارة رئيس الوزراء الياباني "صديق الرئيس الأمريكي ترامب" إلى طهران حاملاً رسالة من ترامب، وإطلاق صاروخ كروز من قبل الحوثيين على مطار أبها المدني جنوب المملكة العربية السعودية، بعد ضربات ضد أهداف مدنية وعسكرية ومنشآت اقتصادية تم تنفيذها من خلال طائرات إيرانية مسيّرة، إضافة إلى العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، قبل أكثر من شهر.

خلافاً لعملية الفجيرة أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء تفجير ناقلات النفط في خليج عُمان

وخلافاً لعملية الفجيرة، أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء العملية الأخيرة، وبأدلّة تشير إلى قيام عناصر من الحرس الثوري الإيراني باستعادة لغم لم ينفجر بمحاذاة إحدى ناقلات النفط خلال تفجيرها، فيما جاء إطلاق الحوثيين صاروخ كروز ليؤكد مسؤولية الحرس الثوري، ارتباطاً بالقدرات المحدودة للحوثيين على التعامل مع هكذا صواريخ.

رغم انشغالات المحللين والرأي العام بسؤال الحرب في المنطقة، من حيث توقيتها ومدياتها وأطرافها، وفيما إذا كانت ضربة محدودة ستوجهها أمريكا لأهداف إيرانية أم ستكون حرباً شاملة مفتوحة؟، إلا أنّ ردود الفعل الأمريكية المتناقضة ترسل رسائل واضحة أنّها متمسكة بخيار الضغط على إيران لأبعد حد ممكن لإجبارها على التفاوض، وأنّها ليست بصدد الذهاب إلى الحرب، ويبدو أنّ القيادة الإيرانية، وفي ظل تقدير عميق لرد الفعل الأمريكي المحتمل وأنّه لن يصل لمستوى شنّ حرب ضدها، تمارس تنفيذ سياسة استفزاز لأمريكا، وحلفائها في المنطقة، وإحراجها بتنفيذ عمليات نوعية ضد ناقلات النفط في الخليج، وقد أرسل رد الفعل الأمريكي السلبي على عمليات تفجير ناقلات الفجيرة رسالة لطهران بأنّ بإمكانها مواصلة الاستفزاز وتعطيل الملاحة البحرية "النفطية" في الخليج، وهو ما يعزز قناعات واسعة في المنطقة بأنّ إيران ستنفذ المزيد من العمليات ضد أهداف متعددة في الخليج، دون رد فعل أمريكي خارج أطر التنديد والوعيد، خاصة وأنّ تلك العمليات لا يتوقع أن تشمل أهدافاً أمريكية، بما في ذلك بوارجها في الخليج العربي، وقواعدها العسكرية المنتشرة في دول الخليج، وخاصة في البحرين؛ حيث قيادة الأسطول الأمريكي الخامس، وفي قطر؛ حيث القواعد العسكرية في السيلية والعديد، وقاذفات بي 52 الرابضة فيها.

اقرأ أيضاً: ماذا تستفيد إيران من الهجمات في خليج عُمان وعلى السعودية؟

العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط بالقرب من السواحل الإيرانية، تزامنت مع تصريحات ذات دلالة أصدرها المرشد الأعلى خامنئي، حول موقف طهران من الملف النووي الإيراني، وأنّ إيران تؤكد بشكل قاطع أنّها ليست بصدد إنتاج قنبلة نووية؛ لأنّها "محرمة دينياً"، وهو ما يعني تنازلاً إيرانياً واستعداداً لإغلاق الملف النووي، وتقديم ورقة للرئيس الأمريكي، باعتبار أنّ القضية النووية تشكل السبب الجوهري لانسحابه من الاتفاق الموقّع مع إدارة الرئيس الأمريك السابق باراك أوباما، وهو ما يكشف ملامح الإستراتيجية الإيرانية بإبداء استعداد للتفاوض مع أمريكا وتقديم تنازلات في ملفات محددة كالملف النووي، وشن عمليات تثبت استمرار توفر بدائل لدى القيادة الإيرانية، في حال قررت أمريكا مواصلة الضغط على طهران، في العقوبات الاقتصادية التي أصبح واضحاً أنّها تنتهك إيران من الداخل، وهو ما تخشى معه القيادة الإيرانية، من اندلاع انتفاضة شاملة، تضعف موقفها التفاوضي وقدراتها على مواصلة حرب عض الأصابع مع أمريكا وخصومها في الخليج والسعودية.

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب خياراً غير واقعي

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران، محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب شاملة، خياراً غير واقعي، رغم الانضباط الإيراني العالي والدقيق في التخطيط لتنفيذ العمليات واختيار الأهداف والتوقيت، كما أنّ الرهانات على عامل الوقت، الذي يشكل قاسماً مشتركاً في رهانات القيادتين؛ الأمريكية والإيرانية، لم يعد مضموناً في ظل احتمالات وقوع أخطاء عسكرية، أو تنفيذ عمليات من قبل قوى أخرى بما فيها "داعش" و"القاعدة"، التي تحفل سجلاتها بتنفيذ عمليات بحرية ضد حاملات طائرات في خليج عدن"كول".

اقرأ أيضاً: كيف نتصدى لإيران في الخليج؟

العملية الأخيرة وردّ الفعل الأمريكي عليها المتضمن تقديرات استخبارية بإمكانية تنفيذ عمليات جديدة ضد ناقلات النفط في الخليج، وضد أهداف في دول الخليج، بما يعنيه أنّ أمريكا ليست بوارد الرد على إيران، يطرحان تساؤلات حول قدرة المنطقة وخاصة المملكة السعودية والإمارات، ودول أخرى تعاني أزمات اقتصادية خانقة، على الصبر على التجاوزات الإيرانية، في ظل شكوك "رسمية وشعبية"، عميقة تتصاعد في المنطقة بأنّ هناك توافقات أمريكية إيرانية على السيناريوهات التي يتم تنفيذها، تتزامن مع توجهات أوساط أمريكية لتقييد تصدير الأسلحة الأمريكية للإمارات والسعودية، على خلفية دورهما في حرب اليمن.