الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة

الأحزاب

الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة

مشاهدة

30/04/2019

بعد أن بشّر العديد من المحلّلين والمنظرين بالثورات منزوعة الأيديولوجيا، والمتحررة من التعقيدات التنظيمية للأحزاب، عقب "الربيع العربي"، أجبرت التحولات التي تلت الملاحم المشهدية في الميادين والشوارع هذا الاحتفاء على التراجع لصالح خطاب مغاير، يقدر قيمة العمل المؤسسي في السياسة، ويرثي غياب الأحزاب، التي اتُّهمت بالضعف والتخاذل والتخلي عن القيام بدورها في توجيه وتأطير النشاطات السياسية للجيل الشاب الثائر، رغم أنّها طولبت، منذ بداية "الربيع"، بالتنحي جانباً، وإفساح المجال لهذا الجيل بالذات.

اقرأ أيضاً: الكشف عن ثروة خامنئي يستفز أحزاباً شيعية في العراق
مصدر هذا التشوش؛ هو سقوط تصور بعينه عن العمل السياسي، افترض إمكان تحقق الاستحقاقات التي طال انتظارها في العالم العربي من ديمقراطية وتنمية وعدالة بمجرد خروج الشباب للميادين؛ وأصمّ الآذان حديث عن الجيل الإيجابي والعصري الثائر ضدّ الفساد والتكلس السياسي لبعض الأنظمة العربية، وجعل من الصعب تحدي هذا التصور البسيط الذي سرعان ما تكشفت تناقضاته وعواقبه الكارثية في آنٍ.

عقب "الربيع العربي" اتُّهمت الأحزاب بالضعف والتخاذل والتخلي عن القيام بدورها تجاه الشباب الثائر

فقد كانت موجة "الربيع العربي" بمثابة تطوير وتتويج لموجة من النضالات السياسية، التي امتدت على مدار عقود، شاركت فيها الأحزاب بالطبع، في مرحلة أو أخرى من مراحلها، إلا أنّ ترتيبات التاريخ قضت بأن تنطلق موجة "الربيع" من خارج الأحزاب؛ بل وعلى حسابها بالذات.
على وقع هذه النقلة، في مدركات الفاعلين السياسيين في العالم العربي، لأهمية الأحزاب كأحد مقومات الحياة السياسية، ودور الأيديولوجيا في إحداث التغيير المأمول، بعد أن اتضح عقم الرؤى التي حددت أفق العمليات الثورية إلى الحدّ الذي أدى إلى هزيمتها، تسعى "حفريات" لتقديم قراءات متنوعة للتجربة الحزبية في العالم العربي، تعتمد في الأساس على الفحص التاريخي لجوانب محددة من الحياة الحزبية، وتتتبع بالدرس والتحليل إشكاليات تأسيس عدد من الأحزاب، وتحولاتها السياسية، وعلاقتها بالقضايا المطروحة على جدول أعمال الشعوب العربية من قبيل صياغة الهوية السياسية للدولة، والموقف من العلمانية والتحديث والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، القضايا التي اندلع "الربيع العربي" على أمل تحقيقها.
 كانت موجة "الربيع العربي" بمثابة تطوير وتتويج لموجة من النضالات السياسية

رافعة التحديث السياسي
تهتم أدبيات "التنمية السياسية" بالدور التحديثي للحزب السياسي؛ بل تنظر إليه باعتباره رمزاً للتحديث السياسي، مثلما تمثل السدود والمصانع رموزاً للتحديث الاقتصادي (أسامة الغزالي حرب 1987)، والحاصل أنّ الأحزاب التي نمت خلال القرن الماضي في العالم العربي كانت بمثابة قنوات لتغيير وتحديث الوعي في المنطقة (بول سالم 2002)؛ بل واستطاعت الأحزاب الكبرى، كالوفد مثلاً في مصر، صياغة تحديد واضح لمفهوم الجماعة السياسية (التحول من مفهوم الأمة ككيان ثقافي إلى مفهوم الشعب كوحدة سياسية حديثة)، وإضفاء شرعية على الحدود السياسية للدولة (بما مثّل قطيعة مع موروث الإمبراطورية العثمانية الغاربة، وتحدياً، لاحقاً، للأيديولوجيات القومية البازغة)، ووضْع أسس متفق عليها للشرعية السياسية.

ترتيبات التاريخ قضت بأن تنطلق موجة "الربيع" من خارج الأحزاب بل وعلى حسابها بالذات

وعلى هذا النحو، يمكن اتخاذ حزب الوفد منطلقاً لصياغة سمة عامة لليبرالية العربية الصاعدة، التي ظهرت نتيجة عجز النظرة التقليدية عن تفسير وتوجيه التحول الاجتماعي، وعن التواؤم مع أوضاع الدولة الحديثة التي تطلبت صياغة هوية قومية (بالمعنى القُطري)، وتحديث المجتمع عبر دمج المجموعات القبلية والعرقية والدينية في إطار جماعة سياسية موحدة؛ من خلال الصحافة، والكتب المطبوعة، والتعليم العام، والتجنيد الإجباري.
فمن خلال الليبرالية التحديثية بالذات؛ استطاعت الطبقات العليا العربية الهيمنة على الحياة السياسية بشكل مؤسسي، عن طريق دسترة المجال السياسي والنظم البرلمانية، وبالتالي؛ تمكّنت من التحكم في الدولة، وضمنت بقاءها بعيدة عن استثماراتها الاقتصادية، التي خدمتها الدولة في طبيعة الحال.

اقرأ أيضاً: هكذا ردت الأحزاب الجزائرية على مقترح قائد الجيش
وعلى هذا النحو؛ قدمت الليبرالية الدستورية الإطار السياسي لتمرير أفكار تحديث المجتمع ونظام الحكم، وتجديد الفكر الديني والعلمانية، وترسيخ مفهوم جديد للجماعة السياسية، يعلو على الانتماءات الطائفية التي كانت حجر الأساس في السياسات العثمانية.
تأسست جماعة الإخوان المسلمين عام 1928

ردكلة العمل الحزبي
مع نمو الطبقات الوسطى وتململ "الأفندية" من البطالة، صعدت قوى سياسية رافضة لاتجاه البيئة الاجتماعية نحو العلمانية، تمثلت في جماعة الإخوان المسلمين (تأسست 1928)، التي تمحورت دعايتها التأسيسية حول إمكان تجاوز التعقيدات الهيكلية للحياة الحديثة؛ عبر اللجوء إلى مبادئ الإسلام وسنن الخلفاء الراشدين وإعادة الخلافة الإسلامية.

يمكن اتخاذ حزب الوفد منطلقاً لصياغة سمة عامة لليبرالية العربية الصاعدة

وزامن صعود الإخوان بزوغ تيارات متأثرة بالتيارات الفاشية في أوروبا، عبّرت عنها حركة مصر الفتاة (تأسست 1933)؛ التي ساهمت بفاعلية في تحطيم النظام البرلماني، وتركت أثراً هائلاً في مجمل العمل السياسي العربي بعد أن حدّدت الملامح العامة لأيديولوجيا الاستبداد الوطني، التي وُضعت موضع التنفيذ مع صعود عبد الناصر، وفي هذا الظرف السياسي المضطرب لم يكن غريباً أن تظهر سياسات حزبية معادية لليبرالية الدستورية في سوريا؛ حيث تمكّن الحزب القومي الاجتماعي من تأطير الميول الشعبية الداعمة لألمانيا النازية، والكارهة للاحتلال الإنجليزي والفرنسي للمنطقة، حتى أصبح أقوى حزب منظم على الساحة السياسية في سوريا الثلاثينيات.
وتنامت الرّدكلة مع نكبة 1948؛ حيث صعدت نسخة ثورية من القومية العربية على أنقاض النخب الحاكمة التقليدية، رفعت شعار العروبة في مواجهة الميول القطرية للطبقات العليا، وتبنت نسخة "مخصوصة" من الاشتراكية في مواجهة ليبرالية تلك الطبقات، ووظفت القاموس الشيوعي في اتهام الطبقات العليا بـ "الاستغلال" و"العمالة للإمبريالية".

اقرأ أيضاً: الانتخابات الرئاسية في الجزائر تشق أكبر الأحزاب الإسلامية
ولم يكن أصحاب هذا القاموس من الشيوعيين أنفسهم بمعزل عن هذه التطورات؛ حيث بدأت حركة شيوعية نشطة في الظهور في مصر الأربعينيات، واستغلت الاختلالات الناجمة عن الحرب العالمية الثانية في التوسع والانتشار، في وقت تمكّن فيه الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان من مضاعفة جهوده في تجنيد الأعضاء وصياغة التحالفات، حتى انقسم إلى فرعين: سوري بقيادة خالد بكداش، ولبناني بقيادة فرج الله الحلو، وفي العراق؛ تمكّن الحزب الشيوعي من الإفلات من الضربات المميتة في الثلاثينيات، بفضل القيادة الصارمة لـ"الرفيق فهد"، حتى اكتسب الحزب شعبية جارفة في أواخر الأربعينيات، بقيادته للمعارضة ضدّ قمع العرش.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
في ذلك الزمن المضطرب؛ نشأ حزب طالما شارك جماعة الإخوان رغبتها الحثيثة في عودة الخلافة، والتعالي على الحدود السياسية للدولة الوطنية؛ هو حزب التحرير، الذي جعل من "تطهير الإسلام من أدران العقلانية والوضعية" مهمة مقدسة، في سبيل الكفاح السياسي على هدي بدايات الدعوة الإسلامية، لكن بحكم مهمته المستحيلة هذه ظلّ على هامش الصراع السياسي في المنطقة.
ففي هذا الوقت؛ كانت كلٌّ من القومية والشيوعية تتنافسان على ساحة التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية؛ وتشابكت الظاهرتان وتصارعتا، حتى رجحت العوامل الداخلية: قصور نمو الطبقة العاملة، والدولية: التبعية للسوفييت الذي انحاز للأنظمة القومية، والموقف من إسرائيل والوحدة بين الشعوب العربية، وهما القضيتان اللتان سحبتا الحركة الشيوعية للأسفل، ودفعتا بالقوميين إلى الصدارة.

 


ولأنّ القومية هي التي وصلت إلى السلطة، وحافظت عليها لأكثر من ستّة عقود، فقد فرضت منطقها على مجمل العمل السياسي العربي، وأثرت تحولاتها في طبيعة المجتمعات التي حكمتها، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مصدر للهوية الطائفية والحكم الاستبدادي.
حظيت القومية، خلال الخمسينيات والستينيات، بفرصة تاريخية لا تُعوَّض لخلق بنية سياسية تعلو على الانتماءات الطائفية والعرقية، ونجحت مؤقتاً في صياغة هوية عربية تأثرت بها، مرحلياً، قطاعات كبرى من سكان المنطقة، لكنها في النهاية أخفقت في دمج السكان دمجاً نهائياً داخل مفهوم حديث للجماعة السياسية، في وقتٍ عجزت فيه عجزاً فادحاً عن تقديم الأسس الشرعية اللازمة لاستقرار النظام السياسي على المدى الطويل؛ بفعل افتقارها إلى:

 

قدمت الليبرالية الدستورية الإطار السياسي لتمرير أفكار تحديث المجتمع ونظام الحكم وتجديد الفكر الديني والعلمانية

1-  مفهوم الشعب كوحدة سياسية يعبر عنها مجال سياسي مفتوح ومتنوع (شريف يونس 2012)؛ لذا كانت الركيزة الأساسية لحكم هذه الأنظمة هي تفريغ الساحة السياسية من أيّة معارضة، كبرى أو محدودة، مع السيطرة الصارمة على الاتحادات العمالية والمجتمع المدني، وهو ما ترك بصمته الشائهة على العمل السياسي في هذه البلدان.
2- تصور واضح للحدود السياسية (وهو عنصر جوهري بالنسبة إلى الدولة الحديثة)، وتعاليها على حقائق الواقع السياسي العربي، واعتبارها الدول العربية وحدودها ظاهرة استعمارية اصطناعية.
غياب هذين المحددين سمح للناصرية بمصادرة السياسة في الداخل المصري، والتدخل في شؤون كافة دول المنطقة، ومحاولة تغليب تيار ما على اللعبة السياسية في البلدان العربية (كما حاولت، وفشلت، في العراق وسوريا)، أو دعم قيادي ما في مواجهة نظرائه (كما فرضت بن بيلا على الهرم السياسي للدولة الجزائرية الوليدة، ...وغيرها من المحاولات)، ما أثار اضطراباً خطيراً داخل الجسم السياسي لهذه البلدان.
كما سمح الغياب ذاته للبعث العراقي باستئصال المعارضة السياسية، ولم يكن الغزو العراقي للكويت عام 1990، سوى نتيجة لتحدي شرعية حدود الدول الجديدة هذه، فيما كانت السيطرة السياسية الحديدية للبعث السوري على النشاط السياسي في الداخل، والوصاية على لبنان على مدى العقود الماضية، وحتى ثورة الأرز العام 2005، ثمرة من ثمار اختلال هذا التصور المبني على إدانة مجمل قاموس الفكر الدستوري الغربي، المتعلق بالسيادة ومفهوم الشعب كوحدة سياسية، وآليات تمثيله عبر المؤسسات المنتخبة، بالتالي؛ الإمكانية الدائمة لتداول السلطة.


مصادر:
- أسامة الغزالي حرب، الأحزاب السياسية في العالم الثالث، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1987.
- بول سالم، الميراث المر: الأيديولوجيا والسياسة في العالم العربي، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2002.
- شريف يونس، نداء الشعب: تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية، الشروق، مصر 2012.

الصفحة الرئيسية