"الأدب الإسلامي".. كيف بدأت القصة؟ وما هي إشكالات التجربة؟

الأدب

"الأدب الإسلامي".. كيف بدأت القصة؟ وما هي إشكالات التجربة؟

مشاهدة

24/02/2019

بقي مصطلح "الأدب الإسلامي" لقرون طويلة مقتصراً على الإشارة إلى الأشعار والخطب من زمن النبوة والخلافة الراشدة والعصر الأموي، إلّا أنّ دلالة جديدة لهذا المصطلح بدأت تظهر منذ ستينيات القرن الماضي، فما هي قصتها؟
محاولات التأسيس والتنظير
لم تظهر محاولات التنظير لـ "الأدب الإسلامي" -بمعناه المعاصر- إلا في النصف الثاني من القرن الماضي، وجاءت البداية بالتحديد في العام 1961، حين كتب محمد قطب، شقيق سيد قطب، كتابه "منهج الفن الإسلامي"، وحاول فيه بثّ أفكار شقيقه، محاولاً إقامة الرابط ما بين العقيدة من جهة، وبين الفنون من جهة أخرى، ومن ضمنها الأدب، في محاولة منه لتجاوز التمييز بين الدين والفن، وهو ما كان من المسلّمات في أدب الحداثة.

اقرأ أيضاً: صراعات صغيرة بين عمالقة الفكر والأدب
وفي عام 1963، أصدر الطبيب والأديب المصري، نجيب الكيلاني، أول كتبه النقدية في هذا الشأن بعنوان "الإسلامية والمذاهب الأدبية"، وقد كان عضواً في جماعة الإخوان المسلمين آنذاك، وذهب في كتابه باتجاه المحاججة والدعوة لإقامة الربط بين القيم الإسلامية والكتابة الأدبية، ومن ثم توسّع كيلاني وأتبعه بدراسات وكتب أخرى مشابهة مثل؛ "آفاق الأدب الإسلامي"، و"الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق"، و"مدخل إلى الأدب الإسلامي"، و"تجربتي الذاتية في القصة الإسلامية".
وفي السبعينيات، تكاثرت الكتب في هذا الاتجاه، فأصدر الكاتب العراقي، عماد الدين خليل، عام 1974 كتابه "في النقد الإسلامي المعاصر"، وكتب الكاتب المصري، أنور الجندي، كمّاً كبيراً من المؤلفات التي تمحورت حول التصدي للتغريب والدعوة لأسلمة الأدب.

حاول محمد قطب ربط العقيدة الإسلامية بالفنون

مؤتمر ورابطة خاصّة
وبعد اختيار المفكر الإسلامي الهندي، أبو الحسن الندوي، عضواً في المجمع العلمي العربي في دمشق، قدم بحثاً دعا فيه إلى تأسيس "أدب إسلامي"، وتوجيه الاهتمام إليه. وبناء على هذا الطلب عُقد مؤتمر خاص باسم "الندوة العالمية للأدب الإسلامي" في مدينة "لكنهو" الهندية، وكان ذلك في نيسان (إبريل) عام 1981، وحضره ممثلين عن عدد كبير من الجامعات والروابط الأدبية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

بعد اختيار المفكر الإسلامي أبو الحسن الندوي عضواً في المجمع العلمي العربي في دمشق قدم بحثاً دعا فيه إلى تأسيس أدب إسلامي

خرجت الندوة بتوصيات عدّة، فدعت إلى إبراز مفهوم الأدب الإسلامي، وتأسيس رابطة باسم "رابطة الأدب الإسلامي العالَمية" (تأسست لاحقاً عام 1984)، بحيث تضطلع بمهمة نشر وترويج "الأدب الإسلامي"، وتنسّق جهود الأدباء الإسلاميين، مع إصدار مجلة خاصة باسم "الأدب الإسلامي".
أعطت انطلاقة الرابطة دفعة كبيرة للمصطلح ومدى انتشاره، ومنذ الثمانينيات بدأت الفكرة بالانتشار على نحو متسارع في أوساط أساتذة الجامعات، وروابط واتحادات الكتاب والأدباء، وتزامن ذلك من تزايد مظاهر "الصحوة الإسلامية" في تلك الفترة حتى أصبح أحد أبرز تعبيراتها وتجلّياتها.

الندوي يلقي كلمته في المؤتمر الرابع للرابطة المنعقد بتركيا العام 1996

تجارب ونماذج.. ما هو المشترك بينها؟
كثيراً ما يضع منظرو الأدب الإسلامي الشاعر الهندي، محمد إقبال، وتجربته الشعرية في موضع الريادة والتأسيس لهذا الاتجاه الأدبي، فهو عندهم "رائد الشعر الإسلامي"؛ وذلك باعتبار أنّه تناول في شعره حب الإسلام والتغنّي بأمجاده والدعوة لأخلاقه. وستبقى هذه هي الموضوعات الأساسية لعموم تجربة الأدب الإسلامي عبر العقود اللاحقة.

أسس علي باكثير للمسرح الإسلامي من خلال كتابته لعدد كبير من المسرحيات التي تناولت التاريخ الإسلامي

وفي عام 1945 ظهرت رواية "وا إسلاماه" للكاتب المصري، علي أحمد باكثير، وهي رواية تاريخية تناولت سيرة قطز وقصة إنقاذه لبلاد المسلمين من غزو المغول، تم تحويلها إلى فيلم سينمائي عام 1961، وبحيث حملت ذات المعاني الممجدة للتاريخ الإسلامي. كما أسس باكثير لـ"المسرح الإسلامي" من خلال كتاباته لعدد كبير من المسرحيات في الاتجاه ذاته.
وفي أواخر الخمسينيات، برز اسم الشيخ السوري، علي الطنطاوي، مع إصداره عدداً من الكتب التي تناولت السير والتاريخ الإسلامي بأسلوب جديد غير معهود، فصدرت عناوين مثل؛ "حكايات من التاريخ"، و"رجال من التاريخ"، و"قصص من التاريخ".
تناول فيها الشيخ القصص بأسلوب ميسّر بعيد عن أساليب الرواية التقليدية لكتب التاريخ، مع تقديم العبر والعظات، والحرص على تقديم صورة مبهرة عن "التاريخ الإسلامي"، وإبراز أسماء العظماء والأبطال فيه، وبذلك أصبحت هذه الموضوعات أكثر أُلفةً بشكل متزايد.

اقرأ أيضاً: الأدب العربي المغدور
وخلال عقدي السبعينيات والثمانينيات برز اسم الطبيب والكاتب المصري، نجيب الكيلاني، والذي يكاد يكون الاسم الأبرز في هذا الاتجاه منذ ظهوره، فكتب أعمالاً كثيرة، حاول فيها التعبير عن واقع ومشاكل الشعوب الإسلامية من الصين، كما في رواية "ليالي تركستان"، إلى إندونيسيا، كما في رواية "عذراء جاكرتا"، إلى نيجيريا ورواية "عمالقة الشمال"، مروراً بفلسطين والتي كتب عنها رواية "عمر يظهر في القدس".

يكاد يكون نجيب الكيلاني الاسم الأبرز في اتجاه "الأدب الإسلامي"

وبرز اسم الكاتب الأردني، مأمون جرار، في ميدان "الشعر الإسلامي"، فأصدر دواوين عدة منها: "القدس تصرخ" (1969)، و"قصائد للفجر الآتي" (1981)، و"مشاهد من عالم القهر" (1983)، ورسالة إلى الشهداء" (2003)، و"تسبيحات كونية" (2008)، كما كتب في السِيَر عناوين مثل؛ "صور ومواقف من حياة الصالحات"، و"من قصص النبي"، و"شخصيات قرآنية"، خلال التسعينيات.

اقرأ أيضاً: الفتور القرائي.. وحدة الكتب وحيرة الأدباء
وفي العقد الحالي ظهر في الأردن أيضاً اسم الكاتب، أيمن العتوم، والذي اكتسب شهرة على مستوى العالم العربي، بعد أن قام بإصدار عشر روايات خلال الفترة (2012-2019)، اقتبس عناوينها جميعاً من آيات قرآنية، وعلى الرغم من تنوّع أحداثها ومواضيعها إلا أنّها بقيت في معظمها ضمن إطار محاولة الإصلاح والتقويم الأخلاقي للقارئ.
وبالعموم التزمت مختلف أعمال "الأدب الإسلامي" بتكرار ذات المقولات الإسلامية المعتادة، من البكاء والندب على الواقع المُظلم، إلى الحديث عن المؤامرة على الأمة، إلى تمجيد التاريخ، إلى التبشير بفجر جديد قد لاحت طلائعه.

تشترك روايات العتوم العشرة بطابع الرسالة الأخلاقية

كيف اجتمع الإسلامي والاشتراكي؟
أما عن تعريف "الأدب الإسلامي" فيكتب مأمون جرار، وهو رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الأردن: "هو التعبير الفني الهادف عن واقع الحياة والكون والإنسان عن وجدان الأديب، تعبيراً يَنبع مِن التصور الإسلامي للخالق ومخلوقاته، ولا يُجافي القيم الإسلامية".
أما القاصّ الإسلامي نعيم الغول، فيرى أنه: "التعبير الفني الجميل الهادف وَفْق التصوُّر الإسلامي عن الكون والحياة والإنسان، ومِن المُهمِّ أن يكون تعبيراً هادفاً؛ أي: إنه التزام بالإسلام". وهكذا، فإنّ كلا التعريفين يتفقان على أنّه فن هادف، ينطلق من التصوّر الإسلامي، ويلتزم الأخلاق الإسلامية.

التزمت أعمال الأدب الإسلامي بتكرار المقولات الإسلامية المعتادة من البكاء والندب على الواقع المُظلم للحديث عن المؤامرة على الأمة

ويشير الكاتب، محمد نور الإسلام، في مقال له منشور على شبكة "الألوكة" إلى خصائص الأدب الإسلامي، فيقول: "إنّ الأدب الإسلامي له صفات بارِزة، وخصائص واضحة يَمتاز بها عما سِواه مِن المذاهب الأدبية، وهذه الخصائص كثيرة، نتناول أهمها فيما يلي: أنه أدب غائيٌّ هادف وهو وسيلة إلى غاية، تتلخص هذه الغاية في ترسيخ الإيمان بالله في الصدور، وتأصيل القيَم الفاضِلة في النفوس. وأنه أدب مُلتزِم وليكن التزامناً مغايراً لالتزام الاشتراكيين والوجوديين، فهو التزام بالإسلام وقيمِه وتصوراته، وتقييدٌ بمبادئه ومثُله وغاياته".
وعند الحديث عن الغاية والالتزام، يتبادر إلى الذهن النموذج الأشهر للأدب الملتزم وهو الأدب الاشتراكي، والذي أخذ كتابه على أنفسهم الالتزام بغايات وأهداف محددة يتوخون إيصالها من العمل الأدبي، كالتأكيد على قيم العدالة الاجتماعية أو الصراع الطبقي. وبحيث يبدو الأدب الإسلامي كاتجاه متأثر بشكل بالغ بهذه النزعات الحديثة.

 

وسيلة أم غاية؟
يشير سياق ظهور تجربة "الأدب الإسلامي" إلى أنّه جاء كرد فعل على الأدب الحديث، ناشئاً على أساس مواجهة كل ما هو حديث باعتباره "تغريباً" واعتداء على الثوابت، وهو ما ينعكس في محاولة أسلمة كل شيء؛ من المعرفة إلى الفن وحتى الأدب، وبحيث يتم تطعيمه بمظاهر إسلامية دون إحداث تغيير جوهري أو تقديم بديل مستقل.

اقرأ أيضاً: كيف عبّر الفن والأدب عن الصراع الطبقي في مصر؟
وإذا كانت تيارات أدب الحداثة قد انطلقت من أساس التحرر وتجاوز المحرمات والمحظورات، فإنّ دعوات أسلمة الأدب أخذت الجانب النقيض، ووضعت محددات ومحظورات عديدة، حتى بات شرط "الالتزام الأخلاقي" هو السمة الأبرز لها، وكما في الدراما وسائر الفنون، اقتضى هذا الشرط اجتناب كل ما يتصل بموضوعات أساسية في الحياة كالحب والجنس.
إضافة إلى ذلك، فإنّ الحرص على تجنب كل ما يصنّف تحت جنس "المفسدات" أبعد هذا الاتجاه عن جانب كبير من المشاكل الواقعية، ودفع به للارتباط بصور مزيفة عن الواقع، وجعله منعزلاً عن جانب كبير من مكنونات النفس البشرية وقضايا المجتمعات.
ويبقى الإشكال الأكبر في هذه التجربة هو في التأكيد على الطابع الرسالي، وهو ما يعبر عنه بـ "الالتزام"، والذي يعكس رغبة شمولية في توظيف كل الأدوات المتاحة في سبيل مشروع (سياسي)، يتضمن خلق وتشكيل المجتمعات وقيمها وأذواقها، على نحو معين.

الصفحة الرئيسية