الأساطير المُؤسّسة للسرديّة الجهادية

5712
عدد القراءات

2019-08-21

في ذهنية كلّ جهادي تقع عملية شحن عقائدي متدرجة وكثيفة، تفسّر لنا كلّ هذا الإقبال على الموت، لا يمكن أن نفهم عملية "الانتحار" التي هي في عُرفهم "شهادة"، عبر ركوب السيارات المفخخة، أو ارتداء الأحزمة الناسفة، أو غيرها من ضروب الانتحار، من أجل عقيدة "الجماعة"، إلا بالبحث عن الأصول المولّدة للعنف ذاتها وحوافزها.
هذه المقالة تكشف ما أسميه "الأساطير المؤسسة للسرديّة الجهادية".

البحث في الجذور التاريخية لمقولة المَظْلُوميّة يعيد إلى هزيمة الأندلس والحروب الصليبية أو ربّما إلى ما قبلها

السؤال الأساسي الذي تدور حوله المقالة: هو البحث عن المحفزات الأساسية للفعل الجهادي، الذي هو فعل يتراكم زمنياً ومضمونياً عن طريق مجموعة أوهام أو أساطير، تتحول في ذهنية الجهادي إلى حقائق مطلقة، ومنها نفهم كلّ هذا الإقبال على الموت، وكلّ هذا البحث الغريب عن "الشهادة".
الأمر لا يتعلق بمجرد وُعود أُخروية بجنّة "عرضها السموات والأرض"، وبـ "حور عين"، فقط على أهمية الوعد الأخروي، ولكنّها ترتبط بتأثيث سياقي تعبوي لذهنية الجهادي وإقناعه بأن يُقاتل، أو أن يُفجّر نفسه من أجل "نصرة الأمة" و"غلبة الإسلام" على ما دونه.

سأحاول التطرق إلى الموضوع من خلال خُلاصات دراساتي العديدة، وكتابيَّ حول الظاهرة الجهادية: الأول كان تحت عنوان "تحت راية العقاب: سلفيون جهاديون تونسيون"، الذي صدر عام 2015، والثاني كان تحت عنوان "كنتُ في الرقّة: هارب من الدولة الإسلامية" الذي صدر عام 2017.

اقرأ أيضاً: عودة الجهاديين الفرنسيين: هل ينتصر القانون أم الرأي العام؟
كلا الكتابين يتبعان مسارات وقصص الجهاديين، من خلال هذه المسارات سنحاول البحث عن تشكّل هذه الأوهام والأساطير، التي تحوّلت إلى يقينيات، والتي أسّست للسرديّة الجهادية.
طبعاً يحتاج استعمال مصطلح "الجهادية" في التعاطي مع الظاهرة إلى تبريرات وحُجج تفسّر سبب الاعتماد عليه دون غيره من المصطلحات التي تُوَصّفُ الظاهرة. الأمر في نظري يتطلب نقاشاً طويلاً، ربما ليس هنا مجاله، ولكن يستلزم تحديدات لا بدّ منها.
إشكالية المصطلح
بداية؛ من المهم القول إنّنا أمام ظاهرة معقدة ومركبة، وهو ما أدّى إلى اختلاف اصطلاحي حقيقي، حول إطلاق مصطلح يكون جامعاً وشاملاً لها؛ نحن أمام تعدّد اصطلاحي في تسمية الظاهرة؛ فنحن نسميها إرهاباً، والأكيد أنّها كذلك، ونحن نسمّيها أصولية، وهي بالتأكيد كذلك، مع إقرارنا بأنّ ليس كلّ الأصوليات مُؤدية الى العنف؛ فهناك جماعات أصولية كثيرة في العالم، دينية وعرقية، لا تستعمل العنف.
من المهم التحديد أنّه عندما يتعلق الأمر بمفهوم العنف؛ فإنّنا نعني هنا العنف المادي المسلح دون غيره؛ لأنّ مفهوم العنف بحدّ ذاته واسع ويحتمل تأويلات عدّة، فهناك العنف المعنوي، كما هناك العنف اللفظي والعنف الرمزي، وغيرهما من أشكال العنف.

لا يمكن فهم الشحن العقائدي، والإقبال على الموت والانتحار، دون الأخذ بعين الاعتبار الأساطير المؤسسة للسردية الجهادية

فضلاً عن تسميات الإرهاب، الأصولية، هناك من يطلق على الظاهرة التطرف العنيف، وهي التسمية التي أصبحت تُطلق على الظاهرة من قبل المنظمات الدولية؛ كالأمم المتحدة، ومنظمة اليونسكو، وغيرهما من منظمات المجتمع المدني.
كما يطلق على الظاهرة أيضاً مصطلح راديكالية، ويطلق عليها تاريخياً أيضاً، اختصاراً، الإسلامية "islamisme"، وفاعلوها "les islamistes".
لكلّ هذه الاصطلاحات سياقاتها ومنازل استعمالاتها؛ ففي الإعلام نجنحُ إلى استعمال مصطلح الإرهاب كمصطلح يُعبّر عن الظاهرة، تُشرّع المعاني السلبية لهذا المصطلح للانخراط في "الحرب" على الظاهرة، باعتبارها تُهدّد الدولة والسلم الاجتماعي معاً.
رغم أنّنا نتحدث في هذه المقالة على الإرهاب بشكل مخصوص، وهو إرهاب الجماعات الإسلامية، فإنّه من المهم القول إنّ مصطلح الإرهاب، وعلى الأقل نظرياً لا يرتبط بدين معين، فبعض الجماعات الدينية الأخرى من غير الإسلامية، استعملت العنف في مراحل دينية سابقة ولاحقة من التاريخ، كما أنّ هناك دولاً، ولمصالحها الاقتصادية والسياسية، تستعمل واستعملت الإرهاب، وهو الذي دُرج على استعماله من قبل الباحثين والمفكرين "بإرهاب الدول".
من بين هذه المصطلحات المُتعدّدة للظاهرة نفسها، والتي يمكن أن نحدّدها هنا، وهي استعمال العنف من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة.

اقرأ أيضاً: ماذا يحمل تنامي دور النساء في صفوف حركة الشباب الجهادية؟
أميل لاستعمال مصطلح "الجهادية" أو التنظيمات الجهادية في تُوصيف هذه الجماعات، وذلك لعدّة أسباب، من بينها: أنّ "المصطلح أقرب للتوصيف الواقعي فنحن أمام تنظيمات تتخذ من مقولة "الجهاد" عنواناً رئيساً لأعمالها العنيفة؛ بل إنّ مقولة الجهاد هي مقولة رئيسة ومركزية في أدبيات هذه الجماعات.
تاريخ الجماعات الإسلامية هو تاريخ مستمرّ لاستعمال هذا المصطلح، يمكن أن نُعدّد تاريخ منظمات عديدة استعانت بالمصطلح كعنوان رئيس في تسمياتها من قبيل "قاعدة الجهاد" التي أسّسها أسامة بن لادن، عام 1988، وتنظيم "التوحيد والجهاد" الذي أسّسه أبو مصعب الزرقاوي، عام 2003، ثمّ حوّله فيما بعد إلى تنظيم "قاعدة الجهاد ببلاد الرافدين".
تحوّل مصطلح الجهاد عبر الزمن لعنوان جامع لتسميات العشرات من التنظيمات الجهادية الأخرى في العالم.

اقرأ أيضاً: شجرة الجهاد: التاريخ العائليّ للتنظيمات المتطرفة في مصر
لا يتعلق الأمر بتسميات المنظمات والجماعات فقط؛ بل في أنّه يمثل المفهوم المركزي الذي يتخذه مُنظرو هذه الجماعات في أعمالهم وكتاباتهم، من قبيل أبي محمد المقدسي، عبر كتاباته المتعددة، ومنبره "التوحيد والجهاد"، مروراً بأبي مصعب السوري، وأبي قتادة الفلسطيني، وكتابه "الجهاد والاجتهاد"، وانتهاءً بمنظري تنظيم الدولة الإسلامية، أو داعش، من قبيل: أبي بكر ناجي، وتركي البنعلي، وغيرهما.
طبعاً هناك تحفّظ من قبل البعض على إضفاء الشرعية على أفعال هذه المنظمات في حالة استعمال مصطلح الجهاد أو الجهادية، الأمر نفسه ينطبق على استعمال مصطلحات من قبيل "الدولة الإسلامية" مثلاً، أو "الحركات الإسلامية" التي تطلقها هذه الجماعات على نفسها، وهي اعتراضات -في نظري- عاطفية أكثر منها تستند إلى فهم لجوهر الظاهرة وطبيعتها.

اقرأ أيضاً: من هو الجهادي الفرنسي؟ .. هذه الدراسة تجيبك
يطول الحديث في الحقيقة حول إشكالية المصطلح على أهميتها، وسأكتفي بأنّ العديد من المختصين في مراكز الأبحاث في أوروبا والولايات المتحدة، تستعمل مصطلح الجهادية كمصطلح تعدّه الأقرب إلى العلمية في التعبير عن الظاهرة.

في المنهج والتبريرات المُخاتلة

أهمية التدقيق في المسألة الاصطلاحية تتنزل في إطار الفهم الأكثر علمية للظاهرة، بعيداً عن التفسيرات والتبريرات العاطفية، وفي هذا السياق؛ يجنح العديد من الباحثين من ذوي النزعة التبريرية الاعتذارية، وأحياناً من خلفيات سياسية، إلى القول: إنّ الأمر لا علاقة له "بالجهاد" كمصطلح ثقافي وحضاري، بالتالي؛ يَرُدُّون أصول العنف الجهادي إلى أسباب اقتصادية، من قبيل الفقر، أو اجتماعية؛ من قبيل التهميش والحُقْرة، أو سياسية؛ من قبيل القمع.
في هذا الباب بالذات تتنزل أهمية هذا المبحث، أي "السرديّة الجهادية"، وأصولها، والبحث عن حوافزها؛ هل يتعلق الأمر بمجرد دوافع اقتصادية واجتماعية وسياسة على أهميتها، أم أنّ الأمر يتعلق بأسباب أخرى أكثر عمقاً؟
في مبحث النظر في الأصول المولّدة للعنف الجهادي هناك تفسيرات متعدّدة تخضع لفهم جزئي للظاهرة أحياناً، ولمنطق إيجاد المُبرّرات السياسية لها أحياناً أخرى؛ نحن هنا أمام مدارس متعدّدة لتفسير الظاهرة بقيت نتائجها محدودة وجزئيّة في فهمها، بالتالي لم تستطع الحدّ من انتشارها وتواصلها عبر الزمن.

اقرأ أيضاً: جهاد الطلب.. هل أصّل الفقهاء لصناعة الأعداء؟
لا تزعم هذه المقالة تقديم فهم مكتمل للظاهرة، ولا إيجاد الترياق المناسب لوقف انتشارها، ولكنّها محاولة لفهم أكثر عمقاً للآليات الداخلية التي تحركها.
في هذا المبحث بالذات؛ أعتقد أنّ هناك قاعدة تحليلية في موضوع الجهادية لا يمكن التغافل عنها، أو التقليل منها لفهمها، هذه القاعدة التحليلية نصّها: أنّه: لا يمكن فهم الظاهرة الجهادية إلا في شموليتها؛ أي أنّنا لا يمكن أن نفهم الظاهرة الجهادية دون الأخذ بعين الاعتبار بكافة أشكالها وتمظهراتها في العديد من البلدان، فالاقتصار على تمظهراتها في بلد واحد، كتونس مثلاً، أو مصر، أو السعودية، أو غيرها من البلدان، يُوقع في الخطأ وعدم الإدراك الحقيقي لطبيعتها.
فالذين يستندون على التفسير الاجتماعي – الاقتصادي؛ أي الفقر والتهميش، كسبب رئيسي لولادة وانتشار الظاهرة في تونس على سبيل المثال، سيجدون أنّ المثال السعودي أو الجزراوي، أي الجهاديين القادمين من الجزيرة العربية، يُقلّل من أهمية تحليلهم وفهمم للظاهرة، وربما ينسف كلّ الحُجج التي تقول إنّ الفقر والتهميش كعوامل اقتصادية واجتماعية هي السبب في انتشارها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تحويل جهادي إلى مكافح للتطرف
فالجزراوية؛ الذين انضمّوا بالآلاف للتنظيمات المتطرفة، يتمتعون في غالبيتهم بمكانة اقتصادية واجتماعية متميزة في بلدانهم، ولم يكن التهميش أو الفقر دافعاً لانضمامهم لهذه الجماعات.
فضلاً عن التفسير الاقتصادي – الاجتماعي؛ هناك تفسير سياسي- ديني، يقول إنّ القمع السياسي والتضييق الديني يؤديان إلى تفريخ التنظيمات المتطرفة وإقبال الشباب على هذه الجماعات، وانضمامهم إليها.
ينسف مثال الجهاديين القادمين من أوروبا وأمريكا، والدول الغربية عموماً، هذا التفسير؛ فالآلاف من الأوروبيين الذين انضموا إلى تنظيم داعش أو القاعدة من قبل جاؤوا من بلدان تتمتع بحريّات دينية واسعة، وديمقراطيات عريقة، بالتالي؛ فإنّ القول إنّ القمع السياسي والديني مصدر أساسي لولادة الظاهرة له محدوديته؛ بل لا معنى له في هذه الحالة.
إذا طُبّق تفسير القمع السياسي والديني كسبب لنشوء الظاهرة أو نموها، في بلدان من قبيل فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا؛ فإننا نعجز عن فهم كيفية انضمام شباب هذه الدول بالآلاف لتنظيم داعش، على سبيل المثال. 
عملية المقارنة بين تمظهرات الظاهرة في العديد من البلدان وحدها قادرة على كشف المحركات الداخلية للظاهرة، الأمر يتعلق بالبحث عمّا يمكن أن نسمّيه العامل المشترك الجامع، أو البصمة المكرّرة بين جميع الجماعات الجهادية بصرف النظر عن اختلافات سياقاتها وتاريخها وبيئاتها.

اقرأ أيضاً: محنة ابن حنبل.. مع "السَّلفيات الجهادية"
مسارات الجهاديين واختلاف انتماءاتهم، الاجتماعية والجغرافية واللّسانية والإثنية، تمكّننا من نتيجة لا يرقى إليها أيّ شكّ؛ هي أنّ العامل الثقافي – العقائدي يُعدّ أكثر العوامل شمولية في تفسير الظاهرة، هذا العامل نجده في كلّ أمثلة التنظيمات الجهادية، مهما تفرقت جغرافياتها، واختلفت أصولها الإثنية أو اللغوية.
نحن هنا أولاً أمام تفسير ثقافي – عقائدي، مبني على شحن عقائدي مستمدّ من قراءة مهيمنة للنصوص الدينية، وثانياً: أمام تفسير ثقافي- عقائدي ينبني على استغلال السياق السياسي والاجتماعي والتاريخي، الذي أنتج الحركات الإسلامية بشكل عام، والحركات الجهادية بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: داردو سكافينو: الجهاديون ليسوا حفنة من الحمقى
في هذا الإطار؛ من المهم القول إنّ الحجج التحفيزية والتجيشية ذاتها التي استعملتها حركة الإسلام السياسي، ممثلة في تنظيم الإخوان المسلمين، والتي تخلّت عنها في بلدان عدّة لظروف مختلفة، تستعملها الحركات الجهادية اليوم.
نحن هنا أمام قضية الأصول الأولى، أمام الحاضنة الفكرية والأيديولوجية نفسها.
في تاريخ حركات الإسلام السياسي؛ تبدو كتابات سيد قطب النصوص التي تعود إليها كلّ الحركات الإسلامية، إخوانية كانت أو سلفية جهادية، على اعتبارها "الأصل المشترك".
ليس من مهمة هذه المقالة البحث في جديّة حركات الإسلام السياسي، ممثلة في تفرعات الإخوان المسلمين في العالم، في تبني قيم الديمقراطية والمزاوجة بينها وبين الإسلام، وليس من مهامها إثبات أو التشكيك في سلمية الحركات الإسلامية التي تُدرج نفسها في "اللعبة الديمقراطية"؛ فهذا مبحث آخر يطول الحديث فيه.
من المؤكَّد أنّ المقولات المحركة للحركات الجهادية، اليوم، هي المقولات ذاتها التي أنتجها وكرّسها الإسلام السياسي في بداياته، يكفي أن نشير إلى أنّ شعارات "الإسلام هو الحلّ"، أو "الإسلام دين ودولة"؛ هي شعارات إخوانية؛ هذه الشعارات هي، وبامتياز، في قلب المشروع الجهادي اليوم.

اقرأ أيضاً: لنكن صرحاء... أين الخلل في البنية العقلية الجهادية المعاصرة؟
ربّما تخلت بعض الأحزاب الإخوانية، لأسباب عدّة، على هذا الشعارات في العديد من البلدان، ولكنّها ما تزال تمثل القلب النابض لكلّ المشروع الشعبوي والتعبوي الإخواني، الأمر ينطبق على مطلب "الدولة الإسلامية"؛ الذي هو مطلب إخواني بامتياز، يكفي هنا الرجوع إلى أدبيات حسن البنا وسيد قطب، وكل مُنظّري حركات الإسلام السياسي؛ لفهم مركزيّة هذا المطلب في أدبياتهم.
هذا المطلب هو اليوم جوهر ومُرتجى وحلم التنظيمات الجهادية، وقد رأينا آثاره في إعلان أبي بكر البغدادي تأسيس هذه الدولة قبل أن تنهار بعد حوالي خمسة أعوام من إنشائها.

في الأساطير المؤسسة
شكّلت شعارات مثل "الإسلام هو الحل" و"الإسلام دين ودولة"، وشعارات أخرى، المحتوى المضموني للتفسير الثقافي – العقائدي للظاهرة الجهادية؛ هذا التفسير بُني في رأيي على أربع أساطير مؤسِّسة، شكّلت على الدوام العوامل المحفزة لعملية الشحن العقائدي والتعبئة التي تأسس عليها مشروع الإسلام السياسي، والتي تمثّل العمود الفقريّ لكلّ عملية التجييش الجهادي اليوم، هذه الأساطير تباعاً هي:

١– أسطورة المَظْلُوميّة

نحن أمام حافز مُؤسّس للظاهرة الجهادية خاصة، والإسلام السياسي عامة، في تنظيرات قادة الحركات الجهادية؛ إنّ العالم العربي والإسلامي يعيش مَظلمة مستمرة، هي مظلومية في الماضي والحاضر والمستقبل.
إذا بحثنا في الجذور التاريخية لمقولة المَظْلُوميّة؛ فإنّنا ربما نعود إلى هزيمة الأندلس والحروب الصليبية، أو ربّما نعود إلى ما قبلها؛ أي إلى هزائم وغزوات واجتياحات أخرى عاشها العالم الإسلامي.
المظلومية تشكّلت تاريخياً، واستفاد منها الإسلام السياسي، كما استفادت منها العديد من الحركات السياسية الأخرى، ولكنّها بلغت عند أصحاب الطرح الجهادي ذروتها، يطول تعداد المظلوميات، ولكنّنا سنقتصر في تحليلنا على مظلوميات تاريخ الحركة الجهادية المعاصرة.

اقرأ أيضاً: تقرير أمريكي يحذّر من نوع جديد من الجهاد..
في هذا السياق؛ سوف نعثر على خمس مظلوميات أساسية، كانت حافزاً لهجرة الآلاف من الشباب المسلم، للقتال إلى جانب التنظيمات الجهادية: 
أ– مظلومية القضية الفلسطينية: شكّلت على الدوام منبعاً لكلّ التجييش السياسي، بَنت عليها الحركات اليسارية القومية شرعيتها في الستينيات والسبعينيات، ليقع افتكاك هذه المظلومية بصفة حصرية اليوم، من قبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة (حماس، الجهاد الإسلامي، حزب الله).
ب– مظلومية الغزو السوفييتي لأفغانستان (1979)، وبداية هجرة الشباب العربي للقتال هناك، كانت الحرب الأفغانية حافزاً مضافاً للمظلومية الفلسطينية، ونشأ مع هذه المظلومية الجيل الأول من الجهاديين: الأفغان العرب، جيل خاص، كانت أولى معاركه في الجزائر إبان العشرية السوداء.  
ج- الاحتلال الأمريكي للعراق: بعد عقدين تقريباً من المظلومية الأفغانية؛ تأسست مظلومية جديدة، هي المظلومية العراقية، ونشأ معها الجيل الثاني من الجهاديين.
د– المظلومية السورية: مع انطلاق "الثورة السورية"، بلغت التنظيمات الجهادية فورتها التاريخية، وهاجر الشباب بالآلاف إلى "أرض الشام" للجهاد، ونشأ فيها الجيل الثالث من الجهاديين.
ج– مظلومية الاستعمار: فضلاً عن هذه المظلوميات الأربع التي ذكرتها سابقاً، تتغذى الجهادية من مظلوميات أخرى عديدة، غير أنّ مظلومية الاستعمار القديم والجديد، تشكّل أبرز المظلوميات التي تستعملها الحركات الجهادية للتعبئة والتجنيد عن طريق استعمال قضية نهب استغلال الثروات الوطنية كمحفز وعامل لكراهية "الآخر". 

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ "الإرهاب ولد في المغرب" وماذا عن "مجرّة الجهاديين"؟
من المهم التنويه في سياق الحديث عن القضايا الآنفة الذكر؛ إلى أنّنا لا نتحدث عن "عدالة" هذه القضايا، أو شرعيتها السياسية أو الإنسانية، بقدر ما نتحدث عن توظيفها في عملية التعبئة والتجييش الجهادي. 
وقد تتخذ المظلومية أشكالاً أخرى محلية لا ترتبط بالضرورة بالعدو الخارجي؛ بل بالعدو الداخلي (الحُكام والسلطات)، من قبيل منع السلطات والحكّام من "تطبيق شرع الله"، أو "الزجّ بالشباب المسلم في السجون"؛ بسبب تديّنه، وهي مظلومية كثيراً ما استعملتها حركات الإسلام السياسي عامة، والحركة الجهادية خاصة، في تونس ومصر، على سبيل المثال.

٢– أسطورة الخلاص الإسلامي
محور هذه الأسطورة؛ مقولة "الإسلام هو الحلّ"، صحيح أنّ هذا الشعار هو شعار إخواني بالأساس، وبه استقطبت الحركات الإخوانية، وعلى امتداد أكثر من نصف قرن، أتباعها، وعبّأتهم، وحرّضتهم، غير أنّ هذا الشعار اتّخذ صبغته القصوى ونسخته النقيّة مع الحركات الجهادية.
محتوى هذه الفكرة؛ أنّه "لا يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح أولها"، كما يقول الحديث، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بتحكيم الإسلام شريعة ومنهج حياة؛ عن طريق اعتماد "الحاكمية" على مصطلح المُنظر الإسلامي الهندي "أبي الأعلى المودودي".

اقرأ أيضاً: فيلسوف فرنسي يحلل لماذا يقدم الشباب أنفسهم طواعية إلى التنظيمات الجهادية
تعد الحركات الجهادية بأنّ "خلاص البشرية"، وفق عبارة سيد قطب، وهنا نعود إلى ما عدّه المنظّر الأول، أو المُعلم للحركات الجهادية العربية في العالم، لا يأتي إلا بتحكيم الإسلام، إذا تخلّت الحركات الإخوانية في بعض الأقطار، وربّما مرحلياً، عن هذا الشعار؛ فإنّه تحوّل في منهج الحركات الجهادية إلى أحد الحوافز الأساسية للتجنيد.
فكرة الخلاص فكرة مركزية في الأدبيات الإسلامية، وهي لا تتعلق فقط بإعطاء أمل للحركة الإسلامية و"للأمة الإسلامية"، للنهوض والتقدم؛ أنّها أكثر من ذلك هي خلاص للعالم أجمع، هذه الفكرة نجدها منذ الأسطر الأولى لمقدمة "معالم في الطريق"؛ حيث يقول سيد قطب: "تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية، لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها، فهذا عرض للمرض، وليس المرض، ولكن بسبب إفلاسها في عالم القيم"، وينتهي قطب إلى تقديم الترياق: "والإسلام (وحده)؛ هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج" (ص 3 و4، مقدمة "معالم في الطريق"، مكتبة الشروق، الطبعة السادسة، 1989).
خَلاص العالم في السردية الجهادية لن يأتي إلا عن طريق حلّ وحيد؛ هو "تطبيق الإسلام"، غير أنّ تطبيق هذه المقولة واعتمادها لا يتم إلا بمقولة أخرى، لا تقل عنها خطورة، وهي أسطورة الفرقة الناجية.

٣- أسطورة الفرقة الناجية
عندما يَقتنع الشاب الجهادي بأنّ أمّته مظلومة ومهدَّدة، وأنّ لا سبيل لإزاحة الظلم عنها إلا بتحكيم الشريعة، وبالتالي الاقتناع الكامل بأسطورة "الخلاص الإسلامي" كحلّ، تقوم التعبئة العقائدية بإقناعه بفكرة جوهرية أخرى؛ هي أنّ هذا الخلاص الإسلامي لا يمكن تحقيقه إلا بصفوة الصفوة من المسلمين، أو الطلائعيين الحاملين للمشروع الإسلامي، وهذا لا يتأتى إلا بغرس فكرة أساسية، وأسطورة لا تقل أهمية عن الأسطورتين الآنفتين، وهي أسطورة "الفرقة الناجية"؛ التي تحمل رسالة الإسلام وتوصلها ليس فقط للمسلمين، في نقاوتها وطهارتها، ولكن للعالم بأكمله!

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال
ربّما يطول الحديث في البحث عن جذور فكرة "الفرقة الناجية"، لكنّها فكرة مُتأصلة في المخيال الإسلامي، قديماً وحديثاً، فيشعر "الإخواني" بأنّه انضمّ فعلياً إلى "الفرقة الناجية" عندما تقع تزكيته وينضمّ إلى "نظام الأسرة" الذي حدّد هرميته تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، كما يشعر الجهادي بأنّه انضمّ فعلياً إلى "الفرقة الناجية"؛ عندما يتمّ ضمّه إلى "جلسة سرية" تضمّ الإخوة المُقتنعين "بالمنهج" الجهادي.
طبعاً فكرة "الفرقة الناجية" نجدها في تيارات إسلامية أخرى، من قبيل الجماعات الصوفية وجماعة الدعوة والتبليغ، وغيرها من الجماعات، ولكن هَمّنا هو البحث في هذه المقولة كمحرك أساسي لفعل التكفير والقتل، الذي هو سمة التيارات الجهادية.

ما العمل أمام هذه الأساطير أو اليقينيات في ذهنية الجهاديين، والتي نجدها منتشرة في نصوصنا الدينية، وفي مناهجنا التربوية؟

على هذه المقولة "الفرقة الناجية"، وما يستتبعها من فقه "نواقض الإسلام" تنصّب التيارات الجهادية نفسها كممثل وحيد لله، وبالتالي شرعية القتل باسمه.
طبعاً تُبنى مقولة "الفرقة الناجية" على الحديث النبوي المشهور، الذي يقول: "ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وهذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" (حديث رواه أبو داود والحاكم، وصحّحه ابن تيمية في مجموع الفتاوى والشاطبي في الاعتصام).
طبعاً يختلف الفقهاء في رواية الحديث، وألفاظه تزيد وتنقص، وصحته وضعفه كذلك، وهذا مبحث آخر، لكنّ الأهمّ أنّه كان نصّاً أساسياً في عملية شَرْعَنة الإقصاء والتكفير التي تعتمدها الجماعات الجهادية.
الاعتماد على هذه المقولة أدّى إلى عملية تكفير لا نهاية لها بين الجماعات الجهادية طوال الخمسين عاماً الأخيرة؛ فقد كفّرت الجماعة الإسلامية المسلحة، في التسعينيات، مقاتلي الجيش الإسلامي للإنقاذ في الجزائر، وانتهى الجهاز الأمني لتنظيم الدولة الإسلامية إلى تكفير وتصفية أعضاء جماعة "الحازمية"، أتباع أحمد ابن عمر الحازمي، في فترة ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام.
طبعاً لن نتحدث في هذا السياق عن أثر مقولة "الفرقة الناجية" في تكفير الجماعات الجهادية في أحيان كثيرة لعموم المسلمين، وبشكل مستمر للحُكَّام، وتكفير الجماعات والطوائف الإسلامية الأخرى؛ فهذا الأمر لا يحتاج إلى أدلة أو براهين كثيرة.

اقرأ أيضاً: الجهاديات.. هكذا تغير دور المرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة
مقولة "الفرقة الناجية"، واقتناع الجهادي بها تؤدي به آليّاً إلى "الخروج" والانعزال، وربما كانت جماعة "التكفير والهجرة"، التي نشأت في مصر، في أواسط الستينيات، مثالاً جيداً للانعزالية والخروج على المجتمع، التي تأسّست على شعور أعضاء الجماعة بأنّهم يمثلون "الفرقة الناجية" المنصورة، التي وكّلها الله بتنفيذ تعاليمه وتحقيق مُراده في الأرض.
أسطورة اعتقاد الجهادي الراسخ بأنّه ينتمي إلى "الفرقة الناجية" تُعدّ مرحلة متقدمة جداً من التعبئة الجهادية؛ فعندما يصل الشاب إلى هذا الاعتقاد، فإنّه يكون قد اندمج فعلياً في "الجماعة" المنصورة في ذهنيته، وقطع بشكل كامل مع "المجتمع الجاهلي"، الذي كان ينتمي إليه، هذه المرحلة المُتقدمة في ذهنية الجهادي تتراكم مع سيطرة مقولة أخرى، أو أسطورة أخرى، لا تقل عنها أهمية، وهي مقولة انتصار "الإسلام ونهاية العالم". 
٤- أسطورة انتصار الإسلام ونهاية العالم
عندما يصل الجهادي إلى مرحلة انتمائه إلى الفرقة الناجية، يُعبَّأ عقائدياً بمقولة "انتصار الإسلام وسيادته على العالم"، الأمر يتعلق بحتمية إلهية في ذهنية كلّ جهادي، النصر هنا هو وعد الله، ولا يخلف الله وعده، والتاريخ الإيماني يقول للجهادي: إنّ العالم لا يمكن أن ينتهي إلا بانتصار المسلمين وسيادتهم على البشرية، وإنّه سيكون جندياً في هذا الانتصار الكبير، وستذهب أشلاؤه قرباناً لهذا الوعد. بُنيت أسطورة انتصار الإسلام ونهاية العالم في الذهنية الجهادية على العديد من التفسيرات للآيات القرآنية، والكثير من الأحاديث النبوية، من قبيل الحديث الشهير الذي يقول: "لا تقوم الساعة حتّى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض...".
من المعلوم أنّ تنظيم الدولة داعش وظّف هذا الحديث توظيفاً منقطع النظير، واستغل وجود قرية دابق في سوريا، التي سيطر عليها في مرحلة معينة، للترويج لمعركة انتصار الإسلام ونهاية العالم، واستقدام حوالي 27 ألفاً من المقاتلين الأجانب للمشاركة في معركة نهاية العالم التي لم تَتمْ! كما اتّخذ تنظيم داعش من تسمية "دابق" عنواناً لمجلته الإعلامية، كما اتّخذ من تسمية "أعماق" شعاراً لوكالته الإخبارية التي كانت تنقل نشاطات ومعارك التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: "جهاد النساء" .. لماذا اخترن داعش؟
تحفل الأدبيات الجهادية بكلّ المؤيدات النصّية التي تنبئ بأسطورة انتصار الإسلام في نهاية العالم، ويجد الجهاديون في علامات اقتراب الساعة ومعركتها النهائية ما يشبع نهمهم في هذه المعركة، التي سيكون اليهود أحد أطرافها الرئيسة، لا نعدم في المدونة النصية ما يشير إلى الأصول التاريخية للكراهية ضدّ اليهود والمعركة ضدّهم كعلامة لهذا النصر القادم؛ من قبيل الحديث الذي يتوعد بالانتصار النهائي عليهم والذي يقول: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله" (رواه مسلم).

بمثل هذه الأحاديث، وغيرها، تشكّلت الذهنية الجهادية عبر الزمن متوعّدة بالانتصار النهائي للإسلام ونهاية العالم.
تربّت أجيال متعاقبة من الجهاديين، طوال الخمسين عاماً الأخيرة، على هذه الأسطورة التي كانت أحد أبرز مقولات الشحن العقائدي، والتي دفعت بالمئات من الشباب الجهادي إلى الموت في "الغزوات" والعمليات الانتحارية.
ختاماً، وعبر هذه الأساطير المؤسّسة، وبها نفهم الذهنية الجهادية، وهي بمثابة "يقينيات" لا يرقى الشكّ بالنسبة إلى الذين تبنوا "المنهج" من الشباب العربي والإسلامي.
لا يمكن فهم كلّ هذا الشحن العقائدي، وكلّ هذا الإقبال على الموت والانتحار، دون الأخذ بعين الاعتبار بكلّ هذه الأساطير المؤسسة للسردية الجهادية.
نحن أمام مقولات ويقينيات في ذهنية الجهاديين تُدرجُ في هذا التفسير الثقافي – العقائدي للظاهرة الجهادية.

اقرأ أيضاً: لماذا يهاجم الجهاديون الصوفيين؟
ما العمل أمام مثل هذه الأساطير أو اليقينيات في ذهنية الجهاديين، والتي نجدها منتشرة في نصوصنا الدينية، وفي مناهجنا التربوية، وفي مدارسنا، وفي أسرنا، وحتى في بعض وسائل إعلامنا التي تزعم أنّها تحارب الإرهاب؟!
طبعاً؛ ليس من مهام هذه المقالة إيجاد الترياق المناسب من أجل تفكيك هذه الأساطير ودحضها، فهذا عمل يتجاوز المجهود المتواضع للكاتب في تفسير الظاهرة، إلى مجهود آخر يتعلق بكلّ النظام السياسي والثقافي والتربوي الذي يريد مكافحة التطرف العنيف أو الظاهرة الجهادية.
يكفي هذه المقالة شرفاً أنّها من ضمن محاولات الإشارة إلى "أصول الشرّ"، وحوافز العنف وما يعتقد الكاتب أنّها "أساطير"، بمعنى أوهام، تحوّلت إلى يقينيات في ذهنية الجهاديين. 
كلمة أخيرة مهمة في هذا الإطار: إنّ حصر هذه الأساطير وتحديدها باعتبارها أصولاً أربعة للفعل الجهادي، لا يعني عدم وجود أساطير أخرى، غير أنّ حضور هذه الأساطير الآنفة الذكر في الذهنية الجهادية أمر لا غنى عنه في فهم وتفسير كلّ هذا العنف باسم الله ونصوصه، أساطير تفسر لنا كلّ ظلام النفق الطويل الذي دخلناه منذ حوالي نصف قرن. 

• هذه المقالة تنشر بالتزامن مع موقع "صواب"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا يبحث المهمَّشون عن بطل شعبي؟ وكيف يصنعونه؟

2019-09-22

دائما ما شغلني سؤال وجوديّ وأرّقني كثيراً، هل البطل الشعبي حقيقة أم وهم؟ ولماذا يحتاج المهمشون إلى أبطال يلوذون بهم؟ وكيف تتم صناعة هذا البطل؟
ظلّ الجواب حائراً؛ فالأبطال الشعبيون المعروفون، يفصل بيننا وبينهم زمن بعيد، ولا أملك إجابات شافية بشأنهم، وكنت في حاجة إلى التعرف إلى تجربة البطل الشعبي وجهاً لوجه، وأن أراه وأن أسأله كيف صار بطلاً؟ ولماذا اختاره الناس دون غيره؟ ولمّا كانت حياتنا الاجتماعية اليوم تفتقد لوجود أبطال شعبيين حقيقيين، ظلت أسئلتي مخبّأة داخل تلافيف عقلي.

الناس وخصوصاً المهمّشين يحتاجون دائماً إلى بطل شعبي يشبههم ويمتلك القوة والقدرة والشجاعة

الى أن جمعني لقاء في مقهي شعبي بأحد أقطاب الأولتراس السابقين، أو حسب مصطلحاتهم (كابو)، واسمه الحركي في الأولتراس (رامبو)، هو شاب جامعي في العشرينيات من عمره، درس الفلسفة وأحبها، لكن حبه الحقيقي لكرة القدم ولجماعة المشجعين لفريقه، يتحدث (رامبو) بشغف حقيقي عن الكرة والمباريات والمدرجات، يعشق التشجيع حدّ الهوس، يمتاز بثقافة مقبولة لمن هم في مثل سنّه، تحدث عن حكايات الأولتراس ومغامراتهم وشغبهم في المدرجات، وعن احترامهم لقياداتهم، وبعض من أسرارهم التنظيمية.
استمعت إليه بانتباه شجّعه على المضيّ في كشف المزيد من كنوز أسراره، وفي أثناء حديثه مرّ علينا أحد أفراد الأولتراس فحيّاه باحترام وردّ الشاب التحية باحترام أكثر، ثم قام من مجلسه إليه  وتجاذبا الحديث لدقائق معدودة، عاد إلينا (رامبو) مبتسماً قائلاً إنّ هذا الشاب أحد أساطير الأولتراس، (العشري) -وهو اسم الشاب الذي مر بنا- هو أحد أهم الأبطال الشعبيين عند المشجعين، على حد تعبيره، ثم غمز بعينه "وهو أيضاً أهم إنجازاتي في الخداع الاستراتيجي"!
حفزتني طريقته في الحوار وقلت له كيف؟ قال: كما تعلمون جميعاً أنّ هناك صراعاً بيننا وبين أولتراس الفريق المنافس، وتعلمون كذلك أنّهم كانوا دائماً ما يضايقوننا، وكثيراً ما أفسدوا رسوماتنا على جدران المدينة، وسرقوا راياتنا، ونصبوا الكمائن لنا، وأوسعونا ضرباً وشتماً حتى سرنا منكّسي الرؤوس في المدينة، ثم أردف قائلاً: لم ينتصروا علينا لأنّهم أشجع أو أقوى بل لأنهم أكثر عدداً، لهذا كان لا بد من مخرج من حالة الانكسار والهزيمة، فكّرت كثيراً لأيام وليالٍ، إلى أن وصلت أنّ الحل في وجود بطل شعبي، فقرّرت أن يكون لدينا بطل شعبي، يخشاه الجميع ونحتمي به، ويخرج بنا من الهزيمة والانكسار إلى الفوز والانتصار!

الخطوة التالية بعد اختيار "البطل" هي رسم الشخصية العنيفة النبيلة القادرة على القتال من أجل المبادئ

بطبيعة الحال سألته كيف جعلت من هذا الشاب بطلاً شعبياً؟ هل كان له إنجاز ما؟ قال ضاحكاً لم يكن (العشري) يملك من مقومات البطولة سوى شكلة وطريقة كلامه، ثم قال وكأنه يتذوق الكلمات، (العشري) طويل القامة وله وقوام رياضي، وجهه خشبي متجهم، وله لكنة تدل على أنّه من منطقة شعبية تشتهر بأعمال الشغب، عيب (العشري) الوحيد أنّه طيب فعلاً، وأنّه لم يدخل معركة في حياته ولا يحب المشاغبات، فهو إنسان مسالم جداً لا يعرف سوى الأولتراس.
فقلت له وكيف حوّلته إلى بطل؟ قال: من السهل صناعة بطل تاريخي، فيكفي أن تستحضر شخصية ما، لها موقف تاريخي مهم، ويتم التركيز على هذا الموقف وتكراره وتضخيمه، وبعدها يصبح بطلاً من التاريخ، مثل صلاح الدين الايوبي، أو قطز، أو حتى من الأبطال الشعبيين مثل أبي زيد الهلالي سلامة، أو عنترة بن شداد،  كل ما تحتاجه هو كتابة تاريخهم من منظور بطولي، لكن المعجزة الحقيقية أن تصنع بطلاً من لحم ودم يعيش وسط الناس، ويرونه بطلاً فعلاً ويحكون بطولاته الوهمية بأنفسهم!

اقرأ أيضاً: هل ظل قلب محمد منير مأهولاً بالمساكن الشعبية؟
فقلت له وكيف صنعت كل ذلك؟ أخذ نَفَساً من لفافة التبغ الرخيص التي يدخنها، وقال: البطل يحتاج إلى الهيبة لهذا كانت أول خطوة هي صناعة الهيبة لـ (العشري)، لهذا استغللت أول اجتماع مع الأولتراس المنافس لتصفية بعض المواقف الصدامية التي سبقت مبارة القمة، لتقديم هذه الهيبة المصنوعة للناس، فقلت له إنّ هذا الاجتماع هام جداً وليس مطلوباً منك أي تدخل في الحوار أو أن تدلي برأيك في أي شيء، كل ما عليك هو أن تدخن بشراهة، وأن تنظر إليهم بتحدٍّ وتظل صامتاً، وألا يظهر على وجهك أي تعابير كأنّك خشبة، وفعلاً أثار شكله وصمته وظهوره المفاجئ مخاوف الجميع! وتعاملوا معه بكثير من الاحترام والريبة والخوف، نظراً للهالة التي أحاطت به، والحقيقة لقد أجاد العشري أداء الشخصية كما هو مرسوم له.

اقرأ أيضاً: الحياة الشعبية في العريش: البساطة والسحر إذ يعانقان الخرافة
وتابع مُحدّثي: ثم كانت الخطوة التالية.. وهي رسم الشخصية العنيفة النبيلة، القادرة على القتال من أجل المبادئ، فأشعت قبيل الاجتماع الأسبوعي للمشجعين، أنّ (العشري) في قسم الشرطة، لأنّه ضرب شاباً كان يعاكس فتاة من منطقته، وأنّه تعامل معه بكل قسوة وتركه مليئاً بالجروح والإصابات، ثم أردفت "أصل العشري غبي وأحمق عندما يغضب، خصوصاً مع الشباب الذين لا يراعون الأصول والجدعنة".
يقول (رامبو) بالفعل انتشرت إشاعة العشري البطل الشعبي المتجهم، الذي ينتصر للمبادئ، وكنت أتعمد أن أحكي عنه البطولات الوهمية مثل انتصاره لسيدة مسكينة أم لأطفال تعرضت للسخرية في المترو وهو لا يعرفها، أو أن أحضر الاجتماع الأسبوعي وأنا أدعي الغضب طالباً من أعضاء الأولتراس عدم استقبال (العشري) مجدداً؛ لأنّه سيورّطنا جميعاً، فيسألون لماذا؟ فأجيبهم بضيق مفتعل: أمس كاد أن يقتل شاباً في معركة بالأيدي بينهم؛ لأنه لا يريد أن يدفع ثمن مشروباته في المقهي المجاور، وطبعاً يزداد انبهار الشباب بالبطل (العشري) مع كل حكاية من هذا النوع.

اقرأ أيضاً: التدين الشعبي وأهازيج البحث عن الخلاص
ثم نظر إليّ ساخراً، وقال: تعرف أنّ كل تلك الحكايات لم تصنع منه بطلاً، إنّ الذي صنع منه بطلاً شعبياً فعلاً، كانت تلك الحكايات التي حكاها الآخرون عنه، فكثيراً ما كنت أنسج الحكاية وأطلقها في الشارع، ثم تعود إليّ محمّلة بكمّ أكبر من البطولات.. لقد تكفل مجتمع المشجعين باستكمال حالة البطل، فكلّ من وصلته الحكاية زاد عليها فقرة أو فقرتين، حتى أنّ بعضهم كان يتطوع فيقسم أنّه رأى (العشري) يفعل كذا، أو أنه شاهده وهو ينقذ طفلاً سقط على قضبان القطار قبل قدومه بثوانٍ.

وجود الأبطال الشعبيين حتى لو كانوا وهميين يمنح المهمّشين الإحساس بالأمان والدفء الاجتماعي والانتصار الذي يفتقدونه

ثم زادت حكايات (العشري) الوهمية والتي جعلت منه (روبين هود) الجديد، وأصبح بين عشية وضحاها نصير الغلابى والمساكين، مع ملاحظة أنّ هذا البطل كان على نطاق ضيق وهو مجتمع الأولتراس، ساعدني العشري كثيراً في رسم صورة البطل الشعبي بطريقته المتجهمة، طبعاً كنت أهدّد به الخصوم، مما أوقف الاعتداء علينا بل أحياناً كثيرة كانوا يتوسلون إلينا أن نسوي الخلافات بيننا بعيداً عن (العشري)، حكايات كثيرة تلك التي يملكها (رامبو) عن قائد المشاغبين (العشري) أو بطله الشعبي المصنوع.
أجابت تلك الحكاية الحقيقية التي من لحم ودم، على أسئلتي القديمة، فعلى الرغم من أنّ شخصية البطل الوهمي الشعبي التي صنعها (رامبو) كانت على نطاق ضيق لا يتجاوز المئات من الشباب، إلا أنّ التجربة ذاتها تملك دلالة اجتماعية مهمة ويمكن اعتبارهم عينة من المجتمع، وبالتالي يمكن تكرارها على نطاق أكبر، إنّ صناعة البطل تزداد طردياً مع مستوى الصانع والمجتمع المصنوع له، على أي حال اكتشفت أنّ الناس، وخصوصاً المهمّشين، يحتاجون دائماً إلى بطل شعبي، يشبههم، ويمتلك القوة والقدرة والشجاعة التي تجعلهم يحتمون به، لا يشغلهم هل هو حقيقي أم لا، طالما لا يطالبهم بشيء، ولا يكلّفهم ما لا يطيقون، لا يشغلهم إذا كانت بطولاته حقيقة أم قصصاً وهمية؟  طالما انتصر الخير فيها على الشر؛ فالبطل الشعبي يصبح ملكاً لهم وإرثاً للأجيال التالية وإذا مات عمدوا إلى خلق آخر بمعايير جديدة.
يبدو لي أنّ وجود الأبطال الشعبيين حتى لو كانوا وهميين، يمنح المهمّشين الإحساس بالأمان والدفء الاجتماعي والانتصار الذي يفتقدونه، وعلى قدر ما يمنحهم من البطولات على قدر ما يمنحونه التقديس والاحترام والمبالغة في تحويله إلى أسطورة  أو إلى شخصية خارقة، بحجة أنّه مثال للانتصار والعدل والخير والحق والحرية.

للمشاركة:

كيف انعكست إقالة بولتون على سياسات ترامب الخارجية؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-09-19

قوبلت إقالة المستشار الثالث للأمن القومي للرئيس دونالد ترامب، جون بولتون، التي تمّ الإعلان عنها عبر تغريدة، كما هو الحال بالنسبة إلى سلفَيه السابقَين، بوصفها تعكس مزاجية الرئيس الأمريكي، الذي يبدو أنّه لم يستقر بعد على التشكيلة النهائية لفريقه، رغم مرور ما يقارب الثلاثة أعوام على تسلّمه موقع المسؤولية الأولى في أمريكا، وقرب دخوله بمرحلة "البطة العرجاء"، في ظلّ التفرغ للانتخابات القادمة، والتي يبدو أنّها تشكل البوصلة الأساس في قرارات الرئيس، وتطلّعه لجمع أكبر كمّ من الصور التي يمكن استخدامها في الحملة الانتخابية، وإبعاد ومهاجمة كلّ ما يمكن أن يحول دون ذلك؛ من أشخاص، أو مؤسسات إعلامية وفدرالية مختلفة.

لم يكن بولتون راضياً عن السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي تجاه ملفات؛ كوريا الشمالية وإيران وحركة طالبان

ضمن هذا الفهم، يمكن تفسير القرار غير المفاجئ لترامب بإقالة بولتون، المعروف بأنّه "صقوري" ويقف على يمين ترامب، والذي لم يكن راضياً عن السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي، تجاه ملفات "كوريا الشمالية، وإيران، وحركة طالبان"، خاصّة ما يتردّد حول دور بولتون في إفشال اجتماع قمة أمريكية مع الفرقاء الأفغانيين "الحكومة وطالبان"، كانت ستعقد في أمريكا، وما يتردّد حول لقاء مرتقب بالرئيس الإيراني، حسن روحاني، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، التي ستعقد قريباً في نيويورك، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مرجعيات سياسات ترامب وتكتيكاته في صناعة قراراته، وفيما إذا كانت فروقات بينه وبين بولتون.

اقرأ أيضاً: من بين دخان أرامكو.. بولتون حين ينظر بسخرية إلى ترامب
لم تغب مصطلحات مثل "التفاوض والصفقة" عن قاموس ترامب، منذ تولّيه السلطة ومعالجته لكافة الملفات الخارجية، وهي مصطلحات مرتبطة بخلفيّته التجارية، والقطاعات التي عمل فيها، القائمة على المفاوضات، وصولاً للصفقات، وكان ترامب وفياً لمعتقداته، التي أسقطها على السياسة، وإذا كان في اتفاقاته الاقتصادية يستخدم أرصدته المالية؛ ففي السياسة استبدلها بالقوة العسكرية "الجبارة" لأمريكا، للتلويح بها أمام الخصوم، وصولاً إلى المفاوضات، ولاحقاً الصفقات، فيما "بولتون" القادم من خلفيّة أمنية وصقورية، يؤمن باستخدام القوة، لا التلويح بها لإخضاع الخصوم، وبأنّه لا وجود لصفقات أو مفاوضات، سواء مع كوريا الشمالية، أو مع طالبان، أو مع الحرس الثوري الإيراني، وميليشياته التي قتلت أمريكيين في لبنان والعراق وأمريكا اللاتينية.

اقرأ أيضاً: بولتون و"العمل المستحيل" مع ترامب: كوريا وإيران أم شاربه الكث؟
لعلّنا لا نبالغ إذ نقول؛ إنّ تداعيات غياب "بولتون" عن مطبخ صناعة القرار الأمريكي، لن تكون ذات تأثير يذكر على السياسات الأمريكية، ارتباطاً بأسباب إقالته، فبوجود بولتون عقد الرئيس الأمريكي قمَّتَين مع رئيس كوريا الجنوبية، وعقدت أمريكا 11 جلسة حوار مع حركة طالبان في قطر، فيما تواصلت المفاوضات، المباشرة وغير المباشرة، مع طهران، والتي مهّدت للقاء محتمل بين الرئيسَين، ترامب وروحاني، ترتبط احتمالات عقده من عدمه بمخرجات المبادرة الفرنسية من جهة، وتطورات الصراع بين الإصلاحيين بقيادة روحاني، والمتشدّدين بقيادة المرشد خامنئي، والخلاف حول شروط إيران بأن تكون أيّة مفاوضات بعد رفع العقوبات، وهو الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة؛ حيث تتطلع لمفاوضات على غرار مفاوضاتها مع كوريا الشمالية؛ أي مفاوضات مع استمرار العقوبات، وربط إمكانية رفعها كلياً أو جزئياً بنتائج تلك المفاوضات.

لم تغب مصطلحات مثل "التفاوض والصفقة" عن قاموس ترامب منذ تولّيه السلطة ومعالجته الملفات الخارجية وهي مرتبطة بخلفيّته التجارية

بعيداً عن المبالغات والرومانسية السياسية التي تعد أحد أبرز مظاهر الخطاب السياسي والإعلامي في الشرق الأوسط، وربط السياسات بالأشخاص، وتجاوز حقيقة أنّ هناك مؤسسية ودولة "عميقة" تحكم الولايات المتحدة، فإنّ أولى تداعيات غياب بولتون؛ هي أنّنا سنكون أمام فريق أمريكي أكثر تجانساً تجاه قضايا الشرق الأوسط، ورسالة لليمين المتشدّد في إسرائيل بضبط اندفاعاته، فيما غياب بولتون سيكون "عبئاً" جديداً على إيران، التي يفترض أن تلتقط رسالة هذه الإقالة بما يشكّل دافعاً لديها لبدء مفاوضات مع أمريكا، بعيداً عن "التشدّق" بأنّ "صمودها" كان سبباً بالإطاحة ببولتون، خاصة أنّ الطامحين بضربة ساحقة لإيران، لا يترددون بالاعتراف بأنّ غياب بولتون شكّل خسارة لهم.
وفيما يتعلق بملفات الشرق الأوسط الأخرى (سوريا، والعراق، وتركيا، واليمن)، إضافة إلى القضية الفلسطينية و"صفقة القرن"، وقضايا الإرهاب؛ فمن غير المرجَّح أن تشهد تغييرات مهمّة، خاصة أنّها مرتبطة بسياسات ثابتة ومستقرة، قبل تولّي بولتون مسؤولياته، وهو ما يعزز احتمالات أن تكون شخصية مستشار الأمن القومي الجديد، شخصية من خارج اليمين الأمريكي، وأن تكون أقرب للفريق الأمريكي الحالي (الخارجية والبنتاغون)، والاستخبارات، خاصّة أنّ شخصية مثل بولتون أدّت الدور المطلوب منها؛ بإثارة "الرعب" لدى الخصوم، لإيصالهم إلى التفاوض، وربما عقد الصفقات لاحقاً، وهو ما كان يطمح إليه الرئيس ترامب في مرحلة سابقة، وقد انتهت تلك الحاجة بقرب تفرغه لإدارة حملته الانتخابية، وحاجته إلى أكبر كمٍّ من الصور التي يصافحه فيها الخصوم لعرضها على الناخب الأمريكي، وإقناعه بأنّه الأقدر على تحقيق متطلبات الأمن القومي الأمريكي، داخل أمريكا، وحفظ مصالحها الإستراتيجية من وراء البحار.

للمشاركة:

هل نجحت النخب الفكرية والدينية في اختبار العالم الرقمي؟

2019-09-19

لا زالت مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالمفاجآت في معرض تفاعلنا الجمعي معها، سواء تعلق الأمر بتفاعل الرأي العام أو من يُصطلح عليهم بالنخبة، ولو أنّ حضور الجميع في هذه العوالم الرقمية، أفضى للمفارقة، إلى جسر الهوة النظرية بين "العامة" و"النخبة"، كما لو أنّنا نعيش تطبيقات "إلجام العوام عن علم الكلام" لأبي حامد الغزالي، بشكل معاصر ورقمي.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟
وما يهمنا أكثر في هذا السياق، التوقف عند بعض الدروس التي أفرزها هذا الواقع الرقمي، وتفاعل نخبة الساحة، مع تركيز مقصود وصريح على تفاعل النخبة الفكرية والدينية حصراً، حتى لا نتيه في كثرة التفاصيل مع باقي النخب، السياسية والفنية والرياضية والاقتصادية وغيرها.

لا زالت مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالمفاجآت في معرض تفاعلنا الجمعي معها

وبيان ذلك، أنّ خطاب الإصلاح والنهضة والديمقراطية، نجده بوتيرة أكبر لدى النخبة الفكرية والدينية، بل يتم خلع نوع من السموّ مع الخطاب النخبوي الفكري، مقابل نوع من القداسة مع الخطاب النخبوي الديني، بينما الأمر مختلف كلياً مع خطاب باقي النخب، ومن هنا أهم أسباب التوقف عند أولى نتائج تفاعل النخبة الفكرية والدينية مع مستجدات العالم الرقمي.
ونزعم بلا أدنى تردد، وانطلاقاً من معاينة هذه التفاعلات طيلة سنوات، موازاة مع إجراء مقارنات والانخراط في حوارات، أنّه من الصعب إحصاء الأوهام التي كشفت حقيقتها لشعوب المنطقة مواقعُ التواصل الاجتماعي، ونخص بالذكر، المشاريع الفكرية والدينية كما سلف الذكر، ومن شتى المرجعيات والإيديولوجيات، إلى درجة تخول لنا الجزم بأنّه لو كان هؤلاء على وعي بتبعات هذا التفاعل على صورتهم، ما كان لهم ليتورطوا في هذا التفاعل مع عوالم رقمية لا تحتمل الازدواجية أو الوصاية وما شابه ذلك.

اقرأ أيضاً: مخاوف أمريكية من عملة فيسبوك الرقمية.. ما الأسباب؟
نقصد بالازدواجية تلك الممارسة التي أصبحت تميز أداء العديد من النخب الفكرية والثقافية في تفاعلها مع العامة عبر المنصات الرقمية، ومنها الازدواجية التي تكرسها ثنائية القول والفعل، بين ما يصدر عنها نظرياً، وما تكرسه عملياً في هذه العوالم، ناهيك عن العالم المادي.
كما نقصد بالوصاية تلك الممارسة التي أصبحت تميز أداء العديد من النخب الدينية والدعوية في تفاعلها مع العامة عبر المنصات الرقمية، بما يُفسر حالة الدهشة الأقرب إلى الصدمة، التي تنتاب هذه النخب من فرط الأسئلة الدينية الحرجة التي يعج بها العالم الرقمي.

عدم الوعي بالفوارق بين العالمين المادي والرقمي يُساهم في تكريس عزلة النخب عن العامة والمجتمع

يبدو المشهد النقدي في العالم الرقمي أشبه بتطبيق وتفعيل المطرقة النقدية الشهيرة لنيشته على الجميع، بلا استثناء، بل إنّ هذه المطرقة النيتشوية تشتغل بحرية لا تضاهى، ولا تبالي بمكانة عمرو أو مقام زيد، ولكن لامبالاة هذه الأعلام وتلك الإيديولوجيات، وعدم تفطنها لآليات اشتغال العالم الرقمي، ونخص بالذكر عدم تفطنها لآليات اشتغال مواقع التواصل الاجتماعي، كانت هدية للمتلقي، لكي تتضح معالم وآفاق مشاريع هؤلاء جميعاً.
وبينما أفرزت العوالم الرقمية مجموعة من التحديات والإكراهات، بما فيها واقع الحيرة والتيه الذي يُميز أسئلة العديد من شباب المنطقة في التعامل مع أحداث الساحة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها، لا زالت هذه النخب تتصرف وتتعامل مع هذه العوالم على غرار تعاملها في العالم المادي.

اقرأ أيضاً: إطلاق أول خريطة رقمية للمكتبات ومراكز المعلومات العربية
كانت مواقع التواصل الاجتماعي مناسبة لنكتشف هذا التباين الجليّ بين القول والفعل، عند العديد من رجال الفكر والدين، كما كانت مناسبة لأخذ صورة أولية، حتى لا نقول شبه نهائية، عن حدود المشروع الإصلاحي الذي روّجه هؤلاء، وأثروا به على الشارع طيلة قرون أو عقود.
ويكفي تأمل تفاعل المشاريع الإسلاموية الحركية في الساحة المغربية مع العالم الرقمي، حتى نتأكد من طبيعة وحقيقة هذه المشاريع، خاصة أنّ سقف الحرية مرتفع في هذه المواقع، مقابل تراجع سقف ممارسة الرقابة.
والنتيجة، أنّ حضور هؤلاء في العالم الرقمي، كشف عن حقيقة الخطاب والمشروع، والأمر سيان مع باقي الإيديولوجيات، مع فارق أنّ معضلة الإيديولوجية الإسلاموية؛ أي مجمل الحركات الإسلامية، الدعوية والسياسية والقتالية [أو "الجهادية"]، تنهل من المقدس، وتدّعي تمثيل الإسلام وتزايد على العامة والخاصة في هذا المضمار، وتعتبر كل مَن سوّلت له نفسه نقد الإسلاميين، أنّه يتوجه بالنقد إلى الإسلام نفسه.

اقرأ أيضاً: الإعلام الرسمي والرقمي.. بماذا يثق الشباب العربي؟
ولأنّ الزمن النقدي لا يرحم ولا يمزح، فإنّ تجميع تفاعل هذه النخب على مرّ السنوات، والاشتغال على تقييمها، كشف عدة نتائج تتطلب الكثير من التأمل والاعتبار، ويبدو الأمر كما لو أنّ العديد من هؤلاء كانوا ولا زالوا "خارج التغطية" حسب قاموس اللغة الرقمية ذاتها، بحيث لا زال خطاب بعضهم أو أغلبهم، يتكرر كما هو قائم عملياً في العالم المادي، على أساس أنّه لا توجد فوارق جوهرية بين الخطاب الموجَّه للعالم المادي (في الندوات والمؤتمرات والمحاضرات والإصدارات)، والخطاب الموجه للعالم الرقمي (في التدوينات والروابط والتفاعلات)، وواضح أنّ عدم الوعي ببعض هذه الفوارق، يُساهم في تكريس عزلة هذه النخب عن العامة وبالتالي المجتمع.
وهذا مقام واحد من الخلاصات، ويهمّ شكل الخطاب؛ أي عدم تفطن هذه النخب إلى هذه الفوارق النوعية بين طبيعة الخطاب المُوَجه للعالم المادي، مقارنة مع طبيعة الخطاب المُوَجّه للعالم الرقمي.

اقرأ أيضاً: "سلفنة" الفضاء الرقمي.. لهذه الأسباب يولي السلفيون مواقع التواصل أهمية كبيرة
وهناك مقام آخر، وهو الأهم، ويهمّ مضمون الخطاب، بحيث لا زالت العديد من هذه النخب تمارس الأستاذية على المتلقي الرقمي، كما لو أنّها في مؤسسة دينية أو حرم جامعي أو شيء من هذا القبيل، بينما يعجّ العالم الرقمي بالغث والسمين، كما يعج بجميع شرائح المجتمع، بما يقتضي الوعي برسائل وإشارات الخطاب الذي يجب ترويجه في هذا العالم، أقله الانتصار لأخلاق التواضع، وأخذ مسافة من خطاب الاستعلاء، والانخراط في التفاعل مع هواجس وأسئلة شباب المنطقة؛ لأنّ أي تقاعس في التفاعل مع تلك الهواجس، يساهم في تغذية قاعدة "الطبيعة لا تقبل الفراغ"، ومعلوم طبيعة الإيديولوجيات التي يروق لها وجود فراغ هنا أو هناك، من قبيل الإيديولوجية الشعبوية والعدمية والإسلاموية وغيرها.

لا زالت العديد من هذه النخب تمارس الأستاذية على المتلقي الرقمي كما لو أنّها في مؤسسة دينية أو حرم جامعي

هذا دون الحديث عن أمراض أخرى لا حصر من قبيل ثقافة الغِلّ والحسد وتصفية الحسابات وممارسات غير سوية من هذه الطينة. وما لا تنتبه إليه هذه النخب، أنّه لا يمكن توقع بصيص أمل في تفاعل المتلقي مع خطابها إذا كانت تعاني من هذه الآفات والأعطاب، ولو من باب احترام القاعدة الكونية التي تفيد أنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، ضمن قواعد أخرى.
ونرى أنّ عدم وعي هذه النخب بأبسط هذه المقتضيات الرقمية، يقف، ضمن أسباب أخرى، وراء انتشار "الإلحاد" المعرفي والديني، ونقصد بـ"الإلحاد" هنا، أخذ مسافة من المشاريع الفكرية والدينية على حد سواء، وهذا عامل واحد فقط، من العوامل المغذية للخطاب الشعبوي المضاد، والذي يزداد استفحالاً في الساحة.
هذه الوقفة الأولية مجرد إشارة أو تنبيه إلى رافعي شعار الإصلاح والنهضة والتقدم وما جاور هذه الشعارات المشروعة نظرياً على الأقل، إلا أنّ تفعيلها على أرض الواقع المادي والرقمي، ليست مسألة هينة؛ لأنّه يتطلب التصدي لهذه الآفات السلوكية الذاتية، وإصلاح ما يمكن إصلاحه في هذا السياق، قبل الاشتغال النظري والعملي على إصلاح المحيط القريب والبعيد، ومن ذلك إصلاح أحوال أوطان وشعوب المنطقة التي تمر من مرحلة حضارية حرجة.
نحن محاصرون أكثر من أي وقت مضى، وليست هذه الآفات التي كشفت عنها مواقع التواصل الاجتماعي والخاصة بأداء النخب الفكرية والدينية، سوى أمثلة تطبيقية على مدى استفحال هذا الحصار، الذي لا نشك أنّه سيطول، طالما لم ننتبه إليه، ولم نشتغل بشكل جماعي ومسؤول وصريح على مواجهته.

للمشاركة:



فرنسي يحاول اقتحام مسجد بسيارته عمداً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-22

حاول رجل اقتحام أحد المساجد بفرنسا بسيارته عمداً، أمس، في عملية لم يُصب فيها أحد سواه.

وأعلنت سلطات منطقة "الرين العليا" في مقاطعة الألزاس؛ أنّ "رجلاً حاول اقتحام مسجد كولمار في شرق فرنسا بسيارته"، مضيفة أنّه "لم يصب أحد باستثناء السائق"، ومعلنة أنّ "التحقيق جار"، وفق وكالة "فرانس برس".

فرنسا تحقّق مع رجل حاول أن يقتحم مسجد كولمار، شرق فرنسا، بسيارته ولم يصب أحد باستثنائه

وصرّحت المدعية العامة في كولمار، كاترين سوريتا مينار؛ بأنّ "الرجل جُرح بسلاح أبيض كان يحمله، ونُقل إلى المستشفى، حيث سيخضع لجراحة".

وتابعت: "سيعاينه طبيب نفسي في أقرب وقت ممكن"، معتبرة أنّ المعلومات الأولية تفيد بأنّه يعاني "مشاكل نفسية".

وقالت إنّ شهود عيان وصفو حالة الفاعل وكلماته التي تلفَّظ بها قبل البدء بالهجوم، مؤكّدة أنّه "سيوضع قيد التوقيف الاحتياطي وسيتم استجوابه في أقرب وقت"، موضحة: "عندها سنعرف المزيد حول دوافعه".

 وقد أكّدت الدعية العامة؛ "عدم سقوط أيّ جريح، رغم وجود بعض الأشخاص في المسجد حينها".

بدورها، أوردت صحيفة "لالزاس"؛ أنّ خبراء تفكيك متفجرات عاينوا السيارة، وأكّدوا أنّها لم تكن تحتوي على متفجرات".

يذكر أنّ وتيرة جرائم الكراهية ضدّ المسلمين قد زادت مؤخراً في فرنسا، في ظلّ تنامي الخطاب السياسي المعادي للمسلمين، وموجة الإسلاموفوبيا، التي اجتاحت أوروبا، وما تلقاه من ترويج في بعض وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية.

 

للمشاركة:

قتلى في اشتباكات عنيفة بين داعش وهيئة تحرير الشام.. لماذا؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-22

قُتل 13 إرهابياً خلال اشتباك عنيف اندلع بين مسلَّحين من تنظيم داعش وآخرين من هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، أمس، في محيط بلدة سرمدا على الحدود التركية.

وأوضحت المصادر، التي نقلت عنها وكالة "سبوتنيك"؛ أنّ سبب الاشتباكات يعود إلى خلاف على "فدية"، وذلك بعد خطف مسلحي تنظيم داعش لشاب سوري، يعمل والده في صياغة وتجارة الذهب؛ حيث باع مسلحو داعش الشاب المخطوف لمجموعة إرهابية تتبع لهيئة تحرير الشام، بمبلغ 200 ألف دولار، إلا أنّ مسلحي الهيئة أخلّوا بالاتفاق بعد حصولهم على الشاب، وامتنعوا عن دفع المبلغ، فتطوّر الخلاف بين الطرفين إلى اشتباكات عنيفة، أسفرت عن مقتل 13 مسلحاً وإصابة آخرين.

13قتيلاً باشتباكات بين النصرة وداعش بريف إدلب للحصول على فدية ابن تاجر ذهب مخطوف

وأضافت المصادر؛ أنّ هيئة تحرير الشام قالت إنّها دفعت مبلغ 400 ألف دولار للخاطفين من أجل استعادة الشاب؛ حيث اشترطت على ذويه دفع كامل المبلغ، حتى تتمّ إعادته إلى بيته.

وكشفت؛ أنّه في الآونة الأخيرة انتشرت في محافظة إدلب حالات خطف عديدة، يتم من خلالها خطف أطفال من أجل مبالغ مالية كبيرة، وفي معظم الأحيان يكون أبناء التجار هم الأهداف المفضلة للخاطفين.

وتنتشر في المناطق الحدودية شمال إدلب عصابات إجرامية من بقايا تنظيم داعش الإرهابي، بينهم أعداد من المسلحين الهاربين من العراق، ومن الرقة، ومن شرق حماه، إضافة لنحو 100 آخرين، تمكّنوا من الفرار من سجن إدلب المركزي العام الماضي.

وتمارس هذه العصابات عمليات الخطف والسرقة والسطو المسلح وعمليات التنقيب عن الآثار في الأراضي السورية؛ حيث نمت بينها وبين تنظيم جبهة النصرة تجارة كبيرة بالآثار المسروقة وبالسلاح والسيارات.

وكانت مصادر محلية في ريف إدلب قد كشفت لوكالة "سبوتنيك"، في آب (أغسطس) 2018؛ أنّ أعداداً كبيرة من بقايا تنظيم داعش انتقلت بالتنسيق مع هيئة تحرير الشام إلى بلدات أطمة والدانا وحارم وسلقين ودركوش، وبدأت تنشط بشكل كبير وعلني في محافظة إدلب، خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي.

وخلال العامين الماضيين، قدم الآلاف من مقاتلي تنظيم داعش من مناطق مختلفة، بينهم مقاتلو "تنظيم جند الأقصى" الذين فروا من بادية حماة الشرقية، وآخرون فروا من مدينة الموصل العراقية والرقة ومناطق أخرى في البادية السورية، ليستقروا في بلدات الدانا وسرمدا ودركوش على الحدود التركية مع إدلب وغيرها، فيما استقبل تنظيم "حراس الدين"، الموالي للقاعدة، مقاتلي "أنصار التوحيد"، الدواعش المتحدرين من جنسيات خليجية وعربية، في مناطق سيطرته شمال حماه وجنوب إدلب، وأمّن مستوطنات خاصة لهم ولعوائلهم.

 

للمشاركة:

إثيوبيا تعتقل خلية إرهابية.. هذه مخططاتها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-22

ألقت السلطات الإثيوبية القبض على عدد لم تحدّده من متشددي حركة الشباب الصومالية وداعش، كانوا يخططون لشنّ هجمات على أهداف مختلفة في البلاد، من بينها فنادق.

وقال جهاز المخابرات الوطنية، في بيان أذيع على محطة "فانا" الإذاعية، التابعة للدولة، أمس: إنّ "بعض من ألقي القبض عليهم كانوا يقومون بأعمال مخابراتية شملت تصوير الأهداف المحتملة"، وفق ما نقلت "رويترز".

إثيوبيا تعتقل مجموعة من الإرهابيين ينتمون لحركة الشباب وداعش كان يخططون لعمليات إرهابية

وصرّح مسؤولون بالجهاز بالقول: "كانت المجموعة تعدّ لمهاجمة فنادق واحتفالات دينية وأماكن تجمع وأماكن عامة في أديس أبابا".

وأضاف المسؤولون: "المخابرات الإثيوبية نسّقت مع جيبوتي المجاورة لاعتقال المشتبه بهم، وفيما لم يذكر البيان عدد أفراد الخلية الإرهابية، أشار إلى أنّ قائدها يُدعى محمد عبد الله دولوث".

وعن دولوث؛ أوضح جهاز الأمن أنّه "دخل البلاد عبر جيبوتي في مهمة إرهابية، بعد إجراء استطلاعات وتحديد فنادق مختلفة ومؤسسات دينية (لم يسمها)".

ولفت البيان إلى أنّه جرى اعتقال الإرهابي دولوث بالقرب من مطار بولي في أديس أبابا؛ حيث كان يخضع للمراقبة من قبل أفراد الأمن الإثيوبي.

وتابع: "تمّ العثور على أوراق ثبوتية مزوَّرة من إقليم الصومال الإثيوبي، ومبالغ مالية ضخمة رُصدت لتنفيذ الهجمات الإرهابية في البلاد، كانت بحوزة أفراد الخلية".

وكان النائب العام الإثيوبي، برهانو سجاي، قد كشف، في نيسان (أبريل) الماضي؛ اعتقال خلية ترتبط بحركة الشباب الصومالية وتنظيمات إرهابية عالمية، سعت إلى تنفيذ هجمات إرهابية في مراكز للمؤتمرات وتجمعات شعبية.

 

للمشاركة:



التوترات مع إيران

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-22

رضوان السيد

نشر مارتن غريفيت مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن في «نيويورك تايمز»، يوم الثامن عشر من سبتمبر الجاري، مقالةً عن إمكانيات وفُرَص السلام في ذلك البلد. وهو متفائل، رغم التعقيدات الداخلية والتدخلات الخارجية. وهو لا يذكر المرجعيات الثلاث للحل بحسب قرار مجلس الأمن رقم 2216، لكنه يقول، كما نقول نحن في لبنان منذ عقدين، بأنّ السلاح ينبغي أن تنفرد الدولة بامتلاكه. وبالطبع ستكون هناك حكومة جديدة نتيجة التفاوض، تبدأ بعد وقف إطلاق النار، وعودة السلطات إلى مقراتها بنزع السلاح، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية. وهو لا يذكر بوضوح كيف سيجري تقاسم السلطة: بحسب الأقاليم الستة أو السبعة التي اتفق عليها الحوار الوطني، أم لا بد من تنظيم جديد بعد تمرد الحوثيين بالشمال وظهور حراك جنوبي؟!
ويتبين من ذلك مدى تعقد الوضع اليمني، وبخاصةٍ أن اتفاقاً محدوداً حول الحديدة ما أمكن تنفيذه، وقد مضت عليه سبعة أشهر. لكنّ غريفيث ما ذكر أهمَّ موانع الحلّ السياسي؛ وهو التدخل الإيراني، إذ يعمل الحوثيون عند إيران منذ عام 2009. ففي ذلك العام، وهم يتقاتلون مع الجيش اليمني، شنوا هجماتٍ من جبال صعدة على المملكة، بحجة تقديمها تسهيلات للجيش اليمني في قتاله الميليشيات! والواقع أنّ الإيرانيين كانوا يتفاوضون مع الأميركيين على الخروج من العراق، فطلبوا من الحوثيين التحرش بالمملكة.
إنّ التكليف الإيراني للحوثيين تزايد وتعاظم، وما عاد قاصراً على جبال صعدة، بل هو في البر والبحر والجو. وإيران الآن أشدّ ما تكون احتياجاً للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، وأمن النفط، والممرات البحرية. وكأنما لم تكف الهجمات الحوثية العنيفة، فكانت الهجمة الكبرى الأخيرة.
لا حلول ولا استقرار في العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان، ما دامت إيران التي استثمرت طويلاً في هذه الميليشيات محتاجة لنشر الاضطراب والفوضى في المحيط العربي، للضغط على الدول والمجتمعات، ومنعها من الاستقرار والسلام والتنمية. وقد استطاعت إيران إما تقسيم البلدان أو إشعال حرب أهلية فيها، أو الاستيلاء عليها.
في 2014 إبان استيلاء الحوثيين على البلاد، قال لي ساسة ألمان: الحوثيون يستحقون المساعدة! والمنظمات الدولية تآمرت معهم كما هو معروف لسنوات، حتى تذمرت أخيراً لأنّ الحوثيين صاروا يبيعون كل المساعدات. والأهم من ذلك أن الألمان والبريطانيين وأخيراً الأميركان ما انقطعوا عن التفاوُض معهم، لذا فهم يأملون، كما حصل في لبنان والعراق، أن يستولوا أخيراً على نصف اليمن على الأقل!
وما يحصل باليمن الآن حصل مثله من قبل في العراق ولبنان ومع إسرائيل: تتجاوز الميليشيات القانون أو تحتل المدن وتُرهب المواطنين، ثم يتفاوض معها الغربيون على استقرارٍ هش مقابل الاستيلاء على السلطة ومقدراتها، فتربح إيران، وتربح ميليشياتها، ويسكت الأميركيون والأوروبيون.
ما العمل إذن؟ في الأيام الأخيرة أظهرت كل الدول الكبرى والوسطى انزعاجاً من الغارة على بقيق وخريص، وتعطيل التصدير لجزء من نفط المملكة، الأمر أضرَّ بكل الدول، إذ يكون عليها أن تدفع سعراً أعلى للنفط قد يصل إلى مائة دولار للبرميل! لكن هل سيوقف الفرنسيون والأميركيون مفاوضاتهم مع الإيرانيين ولو مؤقتاً إظهاراً للانزعاج والغضب؟ وهل تكون هناك إجراءات تمنع إيران وميليشياتها من العدوان؟!
أنصار التريث والصبر يذهبون إلى أنّ عدم الردّ أفضل، لأنه يعرّي العدوان أمام العالم. وهذا الذي كنا نقوله في مواجهة العدوانات الإسرائيلية. والأوروبيون وروسيا والصين والهند وتركيا يقولون جميعاً إنه لولا خروج ترامب من الاتفاق والحصار البترولي لما حصل ما حصل؛ إذ من حق إيران الدفاع عن نفسها! لكنّ المملكة ما هاجمت إيران ولا حاصرتها، فما من منطقٍ آخر للمواجهة والتصدي، ويا للعرب!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

العثمانيون جاءوا إلى الوطن العربي برائحة الموت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-22

طلال بن خال الطريفي

«إرهاب الدولة الذي مارسه العثمانيون بحق اللبنانيين». انتقاد وجهه الرئيس اللبناني ميشال عون إلى الدور الذي لعبه حكام السلطة العثمانية في المناطق التي كانوا يحكمونها في المنطقة العربية. انتقاد كان كافياً لإثارة حملة حكومية تركية على عون بلغت حد وصف كلامه بـ«الهذيان»، ووصلت إلى استدعاء سفراء الدولتين للاحتجاج من جانب أنقرة ومحاولات التفسير والتبرير من جانب بيروت.

ومع أن عون كان يقصد ما يتعلق بلبنان بشكل خاص، خلال الحقبة العثمانية، فإن الانتقادات للدور العثماني تشمل أجزاء أخرى من بلاد العرب، من الجزيرة العربية إلى مصر، وصولاً إلى بلاد الشام.

ومن الصعب فصل هذا الجدل عن محاولات إحياء التراث العثماني التي تنتهجها سياسات رجب طيب إردوغان، وهي سياسات تسعى إلى استعادة هذا التراث والانقضاض على الأسس الثقافية والاجتماعية التي بنى عليها كمال أتاتورك دولة تركيا الحديثة. ومع أن الجانب التاريخي من حقبة الحكم العثماني، بسلبياته وإيجابياته، هو الذي يفترض أن يطغى على الجدل الدائر، فإن هذا الجانب هو آخر ما يشغل بال السياسيين في الوقت الذي تمر علاقات إردوغان بأطراف عربية كثيرة بمرحلة صعبة.

في صفحة «قضايا» سنحاول إعادة النقاش إلى الحيز التاريخي، من خلال مشاركات متخصصين جامعيين في مادة التاريخ، وتحديداً تاريخ السلطة العثمانية. والمشاركات من الدكاترة طلال الطريفي وعصام خليفة ومحمد عفيفي.

من أكثر الجدليات التي طرحتها كتب التاريخ الحديث عن التاريخ العثماني علاقته بالمنطقة العربية، إذ انقسم المؤرخون في ذلك بين من صوروا ضم العثمانيين للعالم العربي لحمايته من الحملات البرتغالية في عهد سليم الأول، ومن رأى أنه بداية النهاية للحكم العربي، ومنه توقفت الحضارة العربية وتأخرت، مقارنة بالتطور العالمي. وبين هذين التصورين، سنلمحُ أن إشكالاً عميقاً يضربُ أطنابه في إعطاء صورة ذهنية متناقضة تجاه العثمانيين، يحارُ معها دارس التاريخ وقارئه.

غير أن معرفة الظروف التاريخية التي مرَّت بها المنطقة العربية، وحالة المخاض الفكري والاجتماعي الذي تشكَّل بعد سيطرة العثمانيين على الوطن العربي، ستجعلنا نطمح إلى الوعي التاريخي، لا المعرفة التاريخية، فالمعرفة متناقضة، فيما الوعي أكثر دقة وتصويراً للواقع التاريخي.

أما من صوروا العثمانيين على أنهم حُماة للوطن العربي، فكانوا على الأغلب متأثرين بدعاية «النير التركي»، وفكرة الجامعة الإسلامية التي جاء بها عبد الحميد الثاني، ومن خلالها كان يطمح إلى المحافظة على مكتسبات أجداده الأوائل في العالم الإسلامي، بعد أن بدت خسارتهم على الجانب الأوروبي.

فيما أن النقيض من هذه الصورة قد تبناه مؤرخون متأثرون بالحركة القومية العربية التي جاءت نتيجة الضغط العرقي، والاستغلال التركي لمقدرات العرب قروناً من التاريخ، من دون أن يكون لهم دور رئيس في الحركة التاريخية في أوطانهم، وفي التاريخ العالمي ككل.

والحقيقة التي تقودنا إلى الوعي بالتاريخ أن العثمانيين جاءوا للوطن العربي برائحة الموت، محاولين تدجين الجنس العربي وإرهابه، وجعله جنساً تابعاً، حالهم حال بقية الأجناس الأخرى التي خضعت للعثمانيين.

وبعيداً عن كتابات المؤدلجين من المؤرخين العرب الذين يتشدقون بالدعاية للعثمانيين، وتعداد مآثرهم المزعومة، يجب علينا أن نعود للمصادر الأصيلة التي تحدثت عن ظروف الحكم العثماني للمنطقة العربية، فمثلاً كتاب محمد بن إياس (توفى 929هـ-1523م) «بدائع الزهور في وقائع الدهور»، المُعاصر لأحداث دخول سليم الأول لمصر، أعطى الصورة الحقيقية لهذا السلطان الذي صُوِّر كفاتحٍ، وأُلبس ثوب البطولة، بينما تحدث ابن إياس عما لا يقبله أولئك المتعاطفون مع الدعاية التركية، وذكر كمية المآسي التي مر بها المصريون في أثناء دخوله مصر، من قتلِ الشيوخ والأطفال، وسبي النساء، واسترقاق المسلمين منهم قبل غيرهم، ومجاهرة الجنود العثمانيين بشرب الخمر في نهار رمضان، وارتكاب الجرائم العظيمة التي لا يمكن أن نقرأها في كثيرٍ من كتب العرب الذين تحدثوا عن سليم الأول، وإسقاطه دولة المماليك، ناهيك عن أنه سعى لتدمير البنية الاقتصادية المصرية، حين اقتاد أصحاب الصناعة والحرفيين إلى إسطنبول، من دون أن يفكر في مصير هذا القطر العربي اقتصادياً، وما أورثه تصرفه.

أيضاً ابنه سليمان القانوني الذي جاء إلى دمشق، ودخلها دخول الحاقدين، كما ذكر ابن طولون في كتاباته المعاصرة للحدث، حيث كان القتل واستباحة الشام أبرز عناوين دخوله، وتحويل كثير من أهاليها إلى رقيق، واقتياد كثيرين منهم عبيداً إلى إسطنبول.

هذه هي الصورة الحقيقية لبداية العثمانيين في الوطن العربي، حيث تسلسلت بعد ذلك مآسي العرب، إلى أن سقط العثمانيون في بداية القرن العشرين، وليس أدل على ذلك مما قام به الاتحاديون من إعدام للوطنيين العرب، واستغلالٍ للمقدرات العربية بما يخدمهم، ويزيد من إذلال وتأخر الوطن العربي.

أما أهمية الجزيرة العربية بالنسبة للعثمانيين، فقد انحصرت في مناطق محدودة جداً، فلم يحرص العثمانيون بداية سوى على الحجاز، بعد أن أسقطوا المماليك، حيث إن تبعية الحجاز جاءت كإرث طبيعي لمناطق نفوذ المماليك، وأكثر شيء حرصت عليه الدولة العثمانية من الحجاز إضفاء الصبغة الدينية عليهم، والقُدسيَّة التي كانوا يطمحون إليها.

أما بقية أقاليم الجزيرة العربية، فلم تكن في حساباتهم، سوى اليمن بعد ذلك لموقعها الاستراتيجي في التحكم بالطرق البحرية الداخلة للبحر الأحمر، وبقية المناطق تُركت تواجه مصيرها، وضياعها السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي. ففي الوقت الذي تشدَّق فيه بعض المؤرخين بهدف حماية العالم العربي والإسلامي من قبل العثمانيين، كانت السفن الأوروبية تضرب سواحل الخليج العربي، وتستعمرها من دون أن يكون هنالك أي ردة فعل عثمانية حقيقية واقعية، وترك العثمانيون الخليج يواجه مصيره من خلال قياداته المحلية المتواضعة التي سيطرت عليها القوى الأوروبية، وورثتها واحدة بعد أخرى، على مرأى من العثمانيين.

أما وسط الجزيرة العربية، فكان منسياً مُتجاهلاً، لم يلتفت له العثمانيون نهائياً، مما أدى لتدهور هذا الإقليم على المستويات كافة: سياسياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً. وكانت قياداته المحلية تتنازع وتتناحر وتتعدد، من دون أن يعي العثمانيون ما كان يدور فيه من أحداث وتفاصيل. ولم يكن لوسط الجزيرة العربية أهمية، سوى بعد أن قامت الدولة السعودية الأولى التي هزت العرش العثماني في الحجاز، واسترد السعوديون الحكم العربي المباشر للمقدسات، مما جعل الدولة العثمانية في حالٍ من القلق والتخبط حتى أُسقطت الدولة السعودية الأولى، ونكل العثمانيون بقادتها، وأعدموهم بوضع رؤوسهم على فوهات المدافع، وأعدموا الإمام الشهيد عبد الله بن سعود بن عبد العزيز في إسطنبول، إيغالاً منهم في التشفي والكره لكل قيادة عربية ناشئة تؤثر على مناطق نفوذهم.

كذلك حاول العثمانيون إغراق الجزيرة العربية ومناطقها بمزيدٍ من التدهور والتفكك، حين أسقطوا الدولة السعودية الأولى، فهدموا أسوار المدن، وقتلوا رموز القيادات المحلية بطريقة وحشية، حتى أن زعيم إحدى البلدات النجدية قُطعت رأسه، ورمي في شوارع البلدة، وهددوا من يقوم بدفنه، وتركوا البلدات النجدية في يد جيش من المرتزقة، وراحوا بعد ذلك يفكرون في الاستيلاء على بعض المناطق الحيوية التي يضمنون من خلالها عدم قيام أي قوة جديدة في الجزيرة العربية، من خلال سيطرتهم على الأحساء، لجعل حاميتهم العسكرية فيها، كشُرطي يحافظ على طموحاتهم في إغراق الجزيرة بمزيدٍ من التشتت والتأخر.

لم يتباكى العثمانيون، ومعهم بعض المؤرخين العرب المتعاطفين، إلا بعد أن شعروا باقتراب فقدان سيطرتهم على الوطن العربي، فراحوا يؤكدون إسلامية الدولة، وأنها من حمت العرب من الهجمات الأوروبية، فيما أن الواقع يتنافى مع ذلك تماماً، فما قام به العثمانيون من قتل وتشريد ووحشية ضد العرب، لم تقم به بعض الدول الأوروبية المُستعمرة بعد ذلك.

ومن أكبر مشكلات العرب مع التاريخ العثماني أن كثيراً منهم تعامل معه بعاطفته، بعيداً عن الموضوعية العلمية، وراحوا يتهمون كل من يطمح لكشف حقيقة العثمانيين بالتأثر بالنظرة الأوروبية، واتهامه بالروح العنصرية القومية، فيما أن الأولى أن توجه هذه الاتهامات إلى العثمانيين، من خلال محاولتهم تتريك العرب، وطمس هويتهم العربية، حتى أنهم أوغلوا في ذلك حين فرضوا تدريس قواعد اللغة العربية بالتركية، من خلال معلمين أتراك في الوطن العربي.

وليس أدل على ذلك مما جاء على لسان عبيد الله الأفغاني، في جامع أيا صوفيا، وأورده كخاتمة للصورة الحقيقية في النظرة التركية تجاه العرب، حيث قال في خطبة الجمعة:

«أيها الأتراك المسلمون، كفاكم وهناً ومسامحة، انفضوا عنكم هذا الغبار، وامحوا عن مساجدكم أسماء الخلفاء الراشدين وآل الرسول ممن لا يعنيكم أمرهم، واكتبوا بدلها أسماء الأبطال الاتحاديين، أمثال طلعت وجمال وأنور وجاويد، الذين هم أولياء الله الصالحين، قدس الله سرهم».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

محمد العيسى: الإسلام السياسي خطر يهدد الجميع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

اعتبر الأمين العام محمد العيسى خلال مؤتمر عقد في باريس الثلاثاء أنّ “الإسلام السياسي” يمثّل “تهديدا”، مشيرا إلى أنّ الرابطة اعتمدت “رؤية جديدة لمواجهة التعصّب”.

وقال العيسى، وزير العدل السعودي السابق، الذي يشغل منذ 2016 منصب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ومقرّها مكة المكرمة، “نحن ندعم تماما فحوى الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أبريل الماضي عندما تحدّث عن ‘الإسلام السياسي'”.

وتشكل جماعة الإخوان المكون الأساسي لتيارات الإسلام السياسي، ويصفها الكثير من المتابعين بأنها منبع العنف والتطرف في العالم العربي والإسلامي. وتعتمد هذه الجماعات على توظيف الدين في الشأن العام.

ومنذ تأسيسها عام 1928 في مصر كان تنظيم الإخوان يستهدف أسلمة المجتمع موظفا العنف في خدمة هذا المشروع.

وشارك في مؤتمر باريس عدد من كبار رجال الدين في العديد من الدول الإسلامية، إضافة إلى المسؤولين عن الطوائف الكاثوليكية واليهودية والبروتستانتية والأرثوذكسية في فرنسا.

وأوضح الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي “كما قال الرئيس ماكرون، فإنّ هذا الإسلام السياسي يمثّل تهديدا ومصدرا للانقسام في المجتمع”.

وشدّد العيسى، من جهته، في المؤتمر الدولي للسلام على أهمية أن يحترم المسلمون في فرنسا “دستور بلدهم وقوانينه وثقافته”.

وفي أبريل الماضي اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “أن الإسلام السياسي بات يمثل تهديدا ويسعى للانعزال عن الجمهورية الفرنسية”.

وقال ماكرون “لا ينبغي علينا أن نحجب أعيننا عن الحقائق: نحن نتحدث عن أناس أرادوا باسم الدين مواصلة مشروع سياسي وهو الإسلام السياسي الذي يريد أن يحدث انقساما داخل جمهوريتنا”.

ودافع الرئيس الفرنسي بقوة عن العلمانية منددا بانتشار “الطائفية” ووعد بألا يكون هناك أي “تهاون” بمواجهة أولئك الذين يريدون فرض “إسلام سياسي يسعى إلى الانفصال” عن المجتمع الفرنسي. يأتي هذا في وقت بدأت فيه دول غربية تشعر بالقلق من تمدد الجماعة بين الجالية، ومن شبكاتها المالية واستثماراتها، فضلا عن أفكارها المتشددة.

واعتبر خبراء في الإسلام السياسي أن الجماعة دأبت خلال تجاربها في أوروبا منذ الستينات والسبعينات من القرن الماضي على ملء الفراغ الذي تتركه جماعات أخرى، والتركيز على الخدمات الاجتماعية والدعوية لاستقطاب المسلمين، مع إقناع السلطات بأن نشاطها لا يتناقض مع ثقافة البلاد وقوانينها.

وأشاروا إلى أن دولا كثيرة مازالت مخدوعة إلى الآن في طبيعة حركة الإخوان رغم صدور تقارير بعضها من جهات رسمية غربية تعتبر أن الجماعة توفر الأرضية الفكرية والتنظيمية للتشدّد الديني الذي يجتاح أوروبا.

ولاحظ الخبراء أن جمعيات مختلفة كانت عضوا تابعا للجمعيات والمراكز الإسلامية في أوروبا المرتبطة بالإخوان بدأت تعلن انفصالها عن الجماعة وتنظيمها الدولي، لافتين إلى أن الهدف من ذلك هو التحسب لحظر الجماعة.

وقال العيسى في المؤتمر “يجب على جميع المسلمين في أوروبا احترام دساتير وقوانين وثقافات البلدان التي يعيشون فيها”، مشدّدا على أنّه “يجب عليهم ألا يقبلوا استيراد الفتاوى والأفكار الأجنبية”.

وتابع “نحن هنا لتعزيز جهود التماسك الاجتماعي للجمهورية الفرنسية ونرفض بالكامل أيّ تدخّل في الشؤون الداخلية لأيّ بلد، وخاصة في الشؤون الدينية”، مؤكّدا أنّ الرابطة هي منظمة “دولية” و”مستقلة” ولا تنتمي إلى “أحد”.

ولفت العيسى إلى أنّ الرابطة “تبنّت رؤية جديدة للتعامل مع التعصّب والعنف والإرهاب” من خلال اتّخاذها “مبادرات وبرامج عمليّة”.

وحسبما قال البيت الأبيض، يتزامن هذا التوجه الرافض لفكر وسلوك حركات الإسلام السياسي وعلى رأسها تنظيم الإخوان، مع وقت تعمل فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إدراج جماعة الإخوان المسلمين للقائمة الأميركية الخاصة بـ”الجماعات الإرهابية الأجنبية”.

وقالت سارا ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في تصريحات لـ’بي.بي.سي’ إن “الرئيس تشاور مع فريقه للأمن الوطني وزعماء المنطقة الذين يشاركونه القلق”، مشيرة إلى أن ضم الجماعة للقائمة “يأخذ مساره في داخل الدوائر الداخلية لصنع القرار”.

وسيسمح ضم الإخوان المسلمين لقائمة الجماعات الإرهابية للمسؤولين الأميركيين بفرض عقوبات على أي شخص أو جماعة على صلة بها.

ويأتي الإجراء بعد استضافة ترامب للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي تشن حكومته حملة أمنية ضد الجماعة وعدد من الجماعات الإسلامية الأخرى.

ويجدر التذكير بأن مصر والعديد من الدول العربية الأخرى كانت قد صنفت الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وذلك في أعقاب إطاحة الجيش بالرئيس محمد مرسي، المنتمي للجماعة، عام 2013.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية