الأسد المنتشي والولي المرتجف: أهكذا تُقرأ الزيارة السورية لإيران؟

الأسد المنتشي والولي المرتجف: أهكذا تُقرأ الزيارة السورية لإيران؟

مشاهدة

19/05/2022

بعثت زيارة الرئيس السوري، بشار الأسد، إلى إيران، مؤخراً، بمؤشرات عديدة فيما يتصل بطبيعة التحالف الإستراتيجي بين طهران ودمشق، رغم ظهور "الأسد" في تحركات خارجية لافتة، عكست محاولة منه، أو بالأحرى، استجابة للانفتاح على محيطه الإقليمي الحيوي والعربي.

أكثر من مجرد زيارة

غير أنّ الزيارة الأخيرة التي التقى خلالها الأسد بالمرشد الإيراني، علي خامنئي، والرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، وهي الأولى منذ ثلاثة أعوام، تكشف دلالات وأبعاداً متفاوتة، على مستوى التوقيت والسياق السياسي والإقليمي، خاصة أنّها تتزامن مع المفاوضات في فيينا، وتعثّرها، وكذا مع احتدام الاستقطاب الدولي على خلفية الأزمة الروسية الأوكرانية، الأمر الذي يبدو فيه تحرك "الأسد" بمثابة محاولة إيرانية متعمدة لصنع مشهد مباشر وفوري يؤكد نفوذ طهران الخارجي بالمنطقة.

مطلع الأسبوع، نقلت وكالة الأنباء الإيرانية "مهر"، عن رئيس الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين، الدكتور محسن صالح، المقرب من النظام في طهران، قوله إنّ الزيارة تأتي "في ختام مرحلة وبداية جديدة لمرحلة تمكين سوريا، مجدداً، لإعادة وحدتها وإعمارها وتحريرها أرضها المغتصبة، سواء كان الجولان، أو في الشمال المحتل من قبل تركيا، أو في التنف والحسكة حيث المحتل الأمريكي".

وتابع: "سوريا لن تضعف، وهي حليفة الجمهورية الإسلامية؛ فهذه الزيارة هي حلقة من تدفق تيار محور المقاومة.. ليجرف مستنقعات التطبيع الآسن. هذه اللقاءات التي حصلت في طهران ستزيل ما تبقى من تفاصيل التاريخ المفروض على منطقتنا..".

كما أكدت وكالة "نور نيوز" الإيرانية أنّ الرئيس السوري زار إيران "أقرب حليف إقليمي له، بينما التقى بالمرشد الإيراني". وقال خامنئي، في بيان نشر على موقعه الرسمي؛ إنّ العلاقات بين طهران ودمشق "حيوية" و"ينبغي بذل مزيد من الجهود المشتركة لتطوير العلاقات بين البلدين أكثر فأكثر".

"الأسد"في طهران.. ما علاقة موسكو؟

واللافت أنّ صحيفة "لاكروا" الفرنسية، قد ألمحت، في تقرير تحليلي، نهاية الأسبوع الماضي، إلى أنّ زيارة الأسد لطهران، والتي تأتي بعد آخر زيارة (عام 2019)، والتي كانت بصحبة قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، تؤشر على وجود رغبة إيرانية للتحرك في مواجهة محاولات عربية لإعادة دمج دمشق في محيطها الإقليمي، وترتيب عودتها لجامعة الدول العربية. كما أنّ "الأسد" يعمد إلى تقوية علاقاته بنظام الملالي بعد انحسار دور موسكو في سوريا، ومخاوفه من انشغال الأخيرة بالحرب في أوكرانيا وتأثيرات ذلك على دعم بلاده.

وعرجت الصحيفة الفرنسية على تحليل للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، مفاده أنّ طهران بصدد التحرك سريعاً لملء فراغ روسيا في دمشق، بعد انشغال الأخيرة بالصراع في كييف.

صحيفة "لاكروا" الفرنسية: زيارة الأسد لطهران تؤشر على وجود رغبة إيرانية للتحرك في مواجهة محاولات عربية لإعادة دمج دمشق في محيطها الإقليمي، وعودتها لجامعة الدول العربية

 ووفق تحليل المعهد الألماني؛ فإنّ "التحديات الاقتصادية بسبب العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا، واحتمال رفع العقوبات عن طهران مع العودة للاتفاق النووي، يمكن أن تمنحها (أي طهران) مزيداً من الحرية في اقتصاد ما بعد الحرب في سوريا".

تتفق والرأي ذاته، الباحثة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، صافيناز محمد أحمد، التي ترى أنّ "انشغال روسيا -حليف إيران في سوريا- بالحرب ضدّ أوكرانيا، سيتيح لإيران، حال استمرار أمد الصراع الروسي الأوكراني، الفوز بالعديد من فرص الاستثمار الاقتصادي فى سوريا؛ حيث حرصت روسيا دائماً على ضمان استحواذ شركاتها على معظم العقود الخاصة بإعادة الإعمار، لا سيما فى مناطق سوريا المفيدة، هذا إلى جانب عقود الطاقة، والاستثمار في البنية التحتية، والارتباطات الخاصة بعقود التعاون العسكرية والتسليح. ومن ثم، فإنّ مزيداً من الانشغال الروسي في أوكرانيا، يعني، بالتبعية، مزيداً من تراجع الاهتمام الروسي بسوريا، وهو ما يصب فى صالح الحليف الإيراني.

 ومن هنا، يمكن تفسير تصريحات المرشد الأعلى الإيراني بضرورة دفع العلاقات الإيرانية السورية إلى مزيد من التنسيق والفاعلية، في ضوء متغير الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيره على نمط التفاعل الروسي الإيراني في سوريا، مؤخراً، بكونها تدفع إلى ضرورة استغلال الطرفين، السوري والإيراني، هذا المستجد النوعي في ترقية حالة التعاون الإستراتيجي بينهما".

أبعاد ودلالات

وفي حديثه لـ "حفريات"، يوضح الخبير في الشأن الإيراني، نزار جاف؛ أنّ زيارة رئيس النظام السوري الأخيرة لإيران لفتت الأنظار إليها أكثر من الزيارات الأخرى التي جرت؛ إذ إنّ اللقاءات السابقة كانت تجري في ظلّ ما کانت تتمتع به طهران من قوة، بينما النظام السوري يعاني من ضعف وانحلال وتفكك، لكن هذه الزيارة الأخيرة تتميز بأنّها قد جاءت في وقت صار واضحاً للجميع أنّ النظام الإيراني هو الذي يعاني من أوضاع سلبية صارت تنعکس عليه بصورة كبيرة.

نزار جاف: النظام السوري أمام جملة تحولات إقليمية

ويوضح جاف أنّه على المستوى الداخلي يواجه الملالي موجة احتجاجات لا سقف أو حدود لها، وکلما تنتهي واحدة تندلع أخرى أشدّ من التي سبقتها، خاصة أنّ حكومة "رئيسي" لم تتمکن، حتى الآن، من إثبات دورها الفعال للتصدي للمشكلات المحلية المتفاقمة، بل إنّها تبدو كأنّها "حكومة هشّة وضعيفة" توجهها الأحداث المحلية والخارجية.

ويلفت جاف إلى أنّ الرئيس الإيراني لم يتمکن، حتى الآن، من جعل الانفتاح على بلدان المنطقة، لا سيما السعودية، أمراً واقعاً، وما تزال المفاوضات الجارية بهذا الشأن طيّ الکتمان. ويضيف: "خارجياً؛ تبدو العزلة الدولية مؤثرة، على نحو واسع، على حكومة إبراهيم رئيسي، أكثر من أيّ وقت مضى، فلم يتمکن النظام من إحداث أيّ تغيير نسبي، ولو طفيف، تجاه هذه العزلة، وإحداث انفراجة فيها".

الخبير في الشأن الإيراني، نزار جاف لـ "حفريات": طهران تحاول أن تشدّ الأسد إليها بقوة، كما لا تريد أن تفرط في دورها ونفوذها، إقليمياً ودولياً، بسوريا

يتابع: "النظام السوري أمام جملة تحولات إقليمية، يمكنها تفسير تلك الزيارة، منها؛ تراجع الدور الترکي بسبب السياسات غير الناجحة لأردوغان، بالإضافة إلى حالة الضعف التي يواجهها النظام الإيراني، ومع ميل عربي (بموافقة وإشارة ضمنية غربية) للانفتاح على سوريا، ثم الاجتياح الروسي لأوکرانيا وإعادة تموضع القوات الروسية في سوريا، ولذلك، فإنّ زيارة الأسد جاءت فيما يبدو بطلب إيراني مباشر؛ لأنّ طهران تتخوف کثيراً من أن يتم ابتلاع سوريا عربياً أو حتى يجري تحييدها وإبعادها نسبياً عن طهران.

الرئيس السوري، الذي يشعر بحالة من النشوة، خلال هذه الفترة، بفضل التطورات الجارية في الأزمة الأوکرانية، بينما يجد أنّ أبواب دمشق تطرق کما لم يحدث من قبل، قد "ظهر قوياً، هذه المرة، في زيارته لطهران، ولم يکن بذلك التشتت والضياع والشعور بالضآلة کما کان حاله في الزيارات السابقة"؛ يقول جاف

ويختتم: "طهران تحاول جهد إمکانها أن تجذب الأسد إليها بقوة أکثر من السابق، كما لا تريد أن تفرّط في دورها ونفوذها المهم والحساس، إقليمياً، في سوريا، خصوصاً أنّ طهران باتت تدرك جيداً أنّ السياسة العربية تعمل جاهدة لإعادة سوريا للصف العربي، وتنزع عنها الأغلال الإيرانية. وکما أنّه من الصعب على "الأسد" التخلي عن الدور الإيراني في بلاده في ظلّ التطورات الجارية، وانعکاساتها على نظامه، فإنّه ليس من السهل على الرئيس السوري كذلك غلق الأبواب العربية والدولية المنفتحة بوجهه".

مواضيع ذات صلة:

هل تخلى الأسد عن إيران وحزب الله مقابل الجولان؟ هذا ما كشفه دبلوماسي أمريكي

بعد أنباء عن إصلاح العلاقات.. هل يجلس أردوغان على طاولة الحوار مع الأسد؟ ‎

هل طرد الأسد قيادياً في الحرس الثوري الإيراني؟

الصفحة الرئيسية