الألماس الدموي: كيف تمّ استغلال الأطفال في حروب إفريقيا؟

إفريقيا

الألماس الدموي: كيف تمّ استغلال الأطفال في حروب إفريقيا؟

مشاهدة

11/09/2019

في السادس عشر من حزيران (يونيو) من كل عام؛ تحتفل "اليونيسف"، منذ 28 عاماً، بيوم الطفل الإفريقي، الذي أطلقته عام 1991، لتعزيز حقوق أطفال إفريقيا الذين أنهكتهم الصراعات والحروب الأهلية؛ حيث تمّ تجنيد الآلاف منهم للمشاركة في عمليات قتل، لا سيّما في سيراليون، التي خاضت حرباً ضروساً لمدة 11 عاماً من أجل أن تقتني الأرستقراطيات الأوروبيات حليّاً ماسية يتباهين بها أمام الجميع.

اضطرابات ما بعد الاستقلال
رغم أنّ الحرب الأهلية في سيراليون لم تبدأ رسمياً، حتى عام 1991، إلا أنّ العديد من الأحداث وقعت في العقود التي سبقت التسعينيات، دفعت البلاد في النهاية إلى صراع عنيف؛ حيث حصلت سيراليون على استقلالها عن المملكة المتحدة، عام 1961، وتميزت الأعوام التالية بالفساد الحكومي الكبير، وعدم الكفاءة، والفشل الناجم عن التدخل الغربي للسيطرة على الموارد، حتى الانتخابات التي عقدت كانت عنيفة وغير حقيقية، وبدأ النظام التعليمي في التفكّك، وازداد الوضع تعقيداً؛ عندما تولى "سياكا ستيفنز"، رئيس الوزراء الثالث، منصبه عام 1968، وقد عمل لمدة 17 عاماً، وخلال فترة ولايته، أنشأ نظاماً سياسياً من حزب واحد أدّى إلى مزيد من تفكيك المكاتب الإدارية العامة ومستويات قصوى من الفساد، وتحت سيطرته عانت سيراليون من أزمة اقتصادية مطلقة، وبقي الموظفون العموميون من دون أجر، وردّاً على ذلك؛ نهب العديد منهم الممتلكات والمكاتب الحكومية ودمّروها، وشمل ذلك معلمي المدارس العامة، ما أدّى إلى الانهيار التام للنظام التعليمي العام، وبحلول عام 1991، كانت سيراليون واحدة من أكثر البلدان فقراً في العالم، وكان مواطنوها غير راضين عن ظروفهم المعيشية.

اقرأ أيضاً: المغرب تغلق "مناجم الموت"..هذه هي الأسباب

معظم تلك العمالة من الأطفال

وفق موسوعة أطلس العالم الأمريكية، فإنّ الحرب بدأت مع ضجر الكثير من الناس؛ حيث البلاد في وضع بائس، هنا بدأت مجموعة متمردة تتشكل، جذبت هذه المجموعة، والتي سمّت نفسها "الجبهة المتحدة الثورية"، انتباه العديد من الأفراد من خلال رسائل التمرد، اتحدت الجبهة المتحدة الثورية مع المجموعة المتمردة الليبيرية "الجبهة الوطنية الليبيرية" (NPFL)، وفي 23 آذار (مارس) 1991، حاولت المجموعتان الانقلاب على الحكومة القائمة، وتمكّنت الجبهة المتحدة الثورية من السيطرة على مناطق واسعة من الأراضي الجنوبية والشرقية، وردّ جيش سيراليون على انقلابهم في نيسان (أبريل) 1992، واستمرّ القتال بين الجيش والجبهة المتحدة الثورية حتى عام 1995؛ عندما استأجرت الحكومة شركة عسكرية خاصة لمحاربة الجبهة المتحدة الثورية، وبحلول عام 1996، كانت الجبهة المتحدة الثورية على استعداد للتوقيع على السلام في أبيدجان، وقبل تأسيس السلام، انسحبت القوات العسكرية الخاصة، واستمرت الجبهة في القتال، وبحلول عام 1997تمت الإطاحة بالحكومة مرة أخرى، من قبل مجموعة من الضباط العسكريين، الذين سيطروا على أنفسهم، وأشاروا إلى حكومتهم باسم المجلس الثوري للقوات المسلحة.
لعنة الموارد الطبيعية
قد تكون الموارد الطبيعية لعنة إذا لم يتم استخدامها بما يحقق مصالح الشعب، فتصبح صيداً ثميناً لقوى الاحتلال، التي لطالما نهبت مستعمراتها الإفريقية ثريّة الموارد، وفي سيراليون كان الألماس هو السلعة التي أسالت لعاب الرجل الأبيض من جديد؛ ففي كتابه "الحرب القذرة في غرب إفريقيا"، يروي الكاتب الصحفي المتخصص في غرب إفريقيا، لانسانا جيبيري؛ أنّ سيراليون قبل الحرب وحتى عندما كانت مستعمرة إنجليزية، تمتعت بسلام اجتماعي بين كافة الأعراق والقبائل والأديان، ربما كانت أكثر دول إفريقيا سلاماً بين الناس، وكان الألماس هو السلعة النفيسة التي يتنافس الغرب عليها، فمنذ مستهل القرن العشرين، كان الإنجليز يستخدمون المواطنين في استخراج الألماس تحت ظروف قاسية، ولكن بعد الاستقلال أصبحت تجارة الألماس منبع فساد من رجال الدولة، وبعض المواطنين الذين يستخرجونه في الخفاء، وهو ما جعل حركة تمرد حتمية تطفو فوق هذه المدينة المسالمة.

اقرأ أيضاً: أرقام صادمة.. عمالة الأطفال في تركيا

كانت سيراليون واحدة من أكثر البلدان فقراً في العالم
ويروي أستاذ علم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا، أوغسطين كبوسوا، في لقاء على قناة "فرانس 24"؛ أنّ البلاد كانت تدعى أثينا إفريقيا بعد الاستقلال، فمجانية التعليم والصحة، جعلت منها موطناً يتعايش فيه الناس رغم فقرهم.

في كتابه "الصراع والتواطؤ في سيراليون" يروي الاقتصادي الإنجليزي ديفيد كين كيف دمّرت إنجلترا اقتصاد سيراليون الناشئ

عام 2006؛ قدّم المخرج الأمريكي فيلمه "الألماس الدموي"، والذي اقتبس اسمه من عناوين الصحف العالمية التي تحدثت عن تلك الحرب، ما دفع الأمم المتحدة للتدخل لوقف العنف. يروي الفيلم حيثيات الفساد الحكومي وعنف المتمردين، وتواطؤ المعسكر الغربي في تلك الحرب، التي خلّفت أكثر من 120 ألف قتيل، إضافة إلى ملايين اللاجئين، غير 5 آلاف طفل تمّ تجنيدهم وإجبارهم على تعاطي المخدرات، وأمروهم بشنّ هجمات مسلحة على قراهم، حتى يثبتوا ولاءهم للمتمردين.
ووفق كتاب "الحرب القذرة"؛ كان من العادي أن يقتل طفل لم يتجاوز الثانية عشرة إخوته أو أقاربه، وبحلول نهاية القرن العشرين، وحّدت القوات المسلحة الثورية، والجبهة المتحدة الثورية معركتهما، وادّعتا أنّ الحرب قد انتهت، لكن بدأ شكل جديد للعنف، تمثّل في: السرقة، والاعتداء البدني، والاغتصاب الذي ساد جميع أنحاء البلاد، حتى سيطرت القوات المسلحة للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا على المنطقة الغربية من سيراليون، ووقعت الجبهة المتحدة الثورية وحكومة سيراليون على اتفاق لومي للسلام، في 27 آذار (مارس) 1999، وتولى قائد الجبهة، فوداي سانكوه، منصب نائب رئيس البلاد، وتمّ منحه السيطرة على مناجم الألماس الوطنية كجزء من المفاوضات.
اللهو الخفي "بريطانيا"
لم يتم نزع سلاح قوات المتمردين، كما هو مخطط، واستعادت قوتها في أيار (مايو) عام 2000، حتى فقدت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة السيطرة، وقررت المملكة المتحدة المشاركة، هزمت المملكة المتحدة، بدعم من سلاح الجوّ الغيني، الجبهة المتحدة الثورية، وأُعلن السلام أخيراً، في 18 كانون الثاني (يناير) 2002، لكنّ المثير للجدل، هو أنّ الألماس الذي اكتشفته بريطانيا قديماً، في الهند وأمريكا الجنوبية، ولم يكن يمثل أيّة قيمة لتلك الشعوب، منحته بريطانيا قيمة لا تضاهى، وأشعلت لأجله حروباً، على غرار حروب الأفيون، وعندما اكتشفته في إفريقيا، سيطر رجل الأعمال الإنجليزي، سيسيل رودس، على كافة المناطق التي تتضمّن الألماس في إفريقيا جنوب الصحراء، بحلول عام 1888، وبشراكة مع الأخوين، دي بيرز، أنشأوا الشركة الأم لتجارة الألماس " DeBeers"، والتي احتكرت جهود تعدين الألماس في سيراليون خصوصاً، يعمل فيها الأفراد من عبيد المستعمرات في ظروف قاسية للغاية، يموت أغلبهم جراء الأمراض والأوبئة.

كتاب "الحرب القذرة"

أصبح الألماس شعار الحب، فصار خاتم الخطبة الألماسي هو رمز إخلاص الرجل، حتى إنّ الشركة المحتكرة أطلقت حملة إعلانية تحت شعار "ألماسة إلى الأبد"، لزيادة خلق الطلب لدى مواطني أوروبا الأثرياء، وبعد برهة من موجة الكساد العالمي، عام 1929، خاف المحتكرون من إغراق السوق بالألماس المتوفر لديهم، حتى لا ينخفض السعر، متأثراً بزيادة العرض، وهو ما دفعهم لاحتكار الألماس، واستعباد مزيد من الأفارقة للتنقيب عنه، في مجاري الأنهار؛ حيث يغطس كلّ واحد في المياه الطينية الضحلة، ويقوم بجلب الرمال من أسفل نخلها، حتى يتاح له استخراج قطعة صغيرة من الألماس، تستمر هذه العملية 12 ساعة يومياً على الأقل، معظم تلك العمالة كانت من الأطفال والرجال الأقوياء، أما النساء والفتيات، فتّم استعبادهن جنسياً للخدمة في بيوت المحتلين.
  في كتابه "الصراع والتواطؤ في سيراليون"، يروي الاقتصادي الإنجليزي، ديفيد كين، كيف دمّرت إنجلترا اقتصاد سيراليون الناشئ، بعد عقود من تجارة الألماس غير الشرعية، وكانت الشرارة الأكبر لهذا التواطؤ "سيسيل" حوت البيزنس الإنجليزي في ذلك الوقت، والذي قدّم سلعة لم يكن للبشر بها حاجة من قبل، وعن طريق خلق الطلب صنع منها إمبراطورية واستعبد الأطفال للعمل، والنساء والفتيات للخدمة والجنس.

الصفحة الرئيسية