الإخوان المسلمون في الغرب (2) : المعرفة والانتخابات والإسلاموفوبيا

الإخوان المسلمون في الغرب (2) : المعرفة والانتخابات والإسلاموفوبيا

مشاهدة

01/11/2020

يرى الباحث الإيطاليّ لورينزو فيدينو، زميل مؤسّسة راند للأبحاث والتّنمية في واشنطن العاصمة، أنّ التّعدد الذي تتّصف به مواقف الحكومات الغربيّة تجاه حركة الإخوان المسلمين في مجتمعاتها ينسحب أيضاً على الحكومة الواحدة، التي يمكن أن يختلف داخلها موقف وزير عن نظيره فيما يتعلّق بالقضيّة الإسلامويّة. ويُرجِع الباحث ذلك الاختلاف إلى عدد من العوامل.

بالرّغم من وضوح موقف الوكالات الاستخباراتيّة الأوروبيّة عادة، وهو موقف سلبيّ من الإخوان، إلّا أنّ الحكومات والمشرّعين والبيروقراطيّين غير ملزمين بالموقف الاستخباراتيّ، وغالباً ما تكون لديهم وجهات نظر مغايرة. فالخبراء من داخل وخارج الحكومات يؤثّرون على آراء صنّاع القرار، ممّا يأخذ الأمور إلى وضعيّة معقّدة وغالباً فوضويّة تعتنق فيها المؤسّسات سياسات متناقضة. وبالتّالي، لا يمكن الحديث عن حكومة أوروبيّة تتبنّى اتّجاهاً موحّداً وواضحاً بخصوص الإخوان.

وقد تمتلك الحكومة ميولاً سلبيّة نحو الإخوان لكنّها ترضخ للتّعاون معهم بغرض تحقيق أهداف قصيرة المدى أو تكتيكيّة، وفي أوقات أخرى تمتلك نظرة إيجابية نحوهم لكنّها تمتنع عن التّعاون معهم تحت ضغط الصّحافة والإعلام. ويحصل أن تؤثّر أجهزة وأجنحة في الدّولة ذاتها على أخرى.

فجوة معرفيّة وعوائق بيروقراطيّة

لا يحظى كثير من صُنّاع القرار والمشرّعين الأمريكيّين والأوروبيّين، بحسب فيدينو، بالمعرفة الأساسيّة حول الإسلام والإسلامويّة. وتشير تقارير كثيرة وحِوارات أجريت مع سياسيّين غربيّين إلى عدم معرفتهم ببديهيّات الأمور، من قبيل الفارق بين السّنة والشّيعة، وإلى أيّ المذهبين تنتمي حركة حماس أو حزب الله. وتأتي المبادرة بالتّعاون والانخراط مع الإخوان المسلمين،غالباً، على يد هذا النّوع من المسؤولين الحكوميّين ذوي المعرفة الضّحلة.

ومن بين الأمور الّتي تُسهِم في صناعة هذا الجهل المستشري، كما يصفه الباحث، عزوف المحلّلين والخبراء المختصّين، عن العمل مع الحكومات وتفضيلهم العمل مع القطاع الخاصّ؛ حيث ثمّة رواتب وامتيازات أفضل؛ بل إنّ قلّة موهوبة بين هؤلاء المختصّين تتابع بحرص تطوّر الأوضاع.

لا يحظى كثير من صُنّاع القرار والمشرّعين الأمريكيّين والأوروبيّين، بحسب فيدينو، بالمعرفة الأساسيّة حول الإسلام والإسلامويّة

ومن أجل التّعامل مع هذه الفجوة المعرفيّة، تلجأ المؤسّسات الحكوميّة إلى تعيين مستشارين ومحلّلين من داخل الجاليات المسلمة، إلّا أنّ هذا كثيراً ما يؤدّي إلى تسرّب بعض المتعاطفين مع الإخوان إلى دائرة صنع القرار، ولم يفوّت هؤلاء الفرصة في أيّ مرّة للتّأثير في الحكومة لكي تتّخذ سياسات تخدم مصلحة الأجندة الإسلامويّة.

وتؤدّي عدم مشاركة أجهزة الاستخبارات الغربيّة لكثير من معلوماتها مع الحكومة إلى ترسيخ العقبات المعرفيّة. وعلاوة على ذلك، تجعل العوائق البيروقراطيّة في عمليّات تبادل المعلومات، وتفضيل التّعامل مع المؤسّسات الأعلى صوتاً والأوضح بنية، التّعامل مع الإخوان أسهل من منافسيهم.

والعراقيل القانونيّة الّتي تحصر عمل أجهزة الأمن في بعض الدّول الغربيّة، مثل الولايات المتّحدة وبريطانيا والدنمارك، في التّهديدات المباشرة والآنية للأمن القوميّ تلعب دوراً في التّغاضي عن ممارسات جماعة الإخوان البطيئة والتدريجيّة. وإن كان الوضع مختلفاً في دول مثل؛ ألمانيا وهولاندا؛ حيث يسمح لأجهزة الأمن بحريّة أكبر في تتبّع ما تراه تهديداً على النّظام الدّيمقراطيّ والتّماسك الاجتماعيّ، بالمعنى الواسع لهذه التّعبيرات.

دوافع السياسيين الغربيين

ليست القناعات الشّخصيّة ولا الأجندات الحزبيّة وحدها ما يحرّك السياسيّين الغربيّين. وكما سبقت الإشارة، تلعب الحملات الصّحافيّة والإعلاميّة مثلاً دوراً مهمّاً في عزوف كثير من السّياسيّين عن قراراتهم بالتّعاطي بشكل إيجابي مع الإخوان المسلمين. لكن، وفقاً للباحث، تأتي الانتخابات على رأس المحدّدات الحاسمة في عقد التّحالفات أو فكّها. وتحّرك الرّغبة في النّجاح الانتخابيّ كثيراً من السّياسيّين نحو خطب ودّ المجتمعات المسلمة في دولهم، ولا سيما المجموعات المنظّمة داخلها.

عادة ما يصوّت المسلمون في أوروبا إلى أحزاب اليسار، شأنهم في ذلك شأن الجماعات المهاجرة

ويعدّ "الصّوت المسلم" محوريّاً في الانتخابات في مدن أوروبيّة مثل؛ روتردام وأمستردام وبرادفورد ومالمو، وبعض المناطق في لندن وباريس، وتسعى إليه كافّة القوى السّياسيّة. وفي بروكسل؛ حيث يشكل المسلمون حالياً نحو 17% من مجمل السّكان، يتنافس السّياسيون على أصوات المسلمين - ومن المدن الأخرى التي تزيد فيها نسبة المسلمين عن 10 % كولونيا وكوبنهاغن.

ومن ناحيتهم، يستغلّ الإخوان المسلمون هذه الحاجة السّياسيّة، باعتبارهم الأكثر تنظيماً والأقدر على تعبئة المصوّتين وتوزيع المنشورات واستخدام المؤسّسات الّتي تتماسّ مع الجمهور المسلم، في الحصول على مكاسب سياسيّة وماليّة.

وعادة ما يصوّت المسلمون في أوروبا إلى أحزاب اليسار، شأنهم في ذلك شأن الجماعات المهاجرة، وإن كان ذلك لا يعني الافتقار إلى التّنوع داخل الجّالية المسلمة، خصوصاً الجيلين؛ الثّاني والثّالث.

 

 

الإسلاموفوبيا: كيف يوظّف الإخوان معاناة المسلمين سياسيّاً

باستطاعة الإخوان تدمير المرشّحين والسيّاسيّين المعادين لهم من خلال اتّهامهم بالإسلاموفوبيا. ويؤكدّ فيدينو أنّه بالرّغم من حقيقة تعرّض المسلمين لممارسات عنصريّة وتمييزيّة من قِبل بعض شرائح المجتمع الغربيّ، إلّا أنّ ذلك لا ينفي أنّ ورقة الإسلاموفوبيا تُستَخدم كسلاح سياسيّ ناجع بأيدي الإخوان المسلمين. فالإخوان يُبالغون بشأن بعض الوقائع المعادية للمسلمين من أجل تعزيز الشّعور بأنّ الأخيرين هم "جالية تحت الحصار"، وبأنّ الإخوان هم المدافعون الوحيدون عنهم.

يلعب الإخوان على أوتار تاريخيّة معيّنة تختلف بين دولة وأخرى فمثلا ينعتون نقّادهم في أمريكا بالمكارثيّين، وفي إيطاليا بالفاشيّين

أيضاً، صارت ورقة الإسلاموفوبيا فعّالة بقوّة في إسكات المنتقدين للإسلامويّة وإجبار صنّاع القرار على العمل مع المنظّمات التّابعة للإخوان. فتهمة الإسلاموفوبيا لا توجّة فقط ضدّ المتحاملين أو المنتقدين للإسلام، وإنّما يواجَه أيّ انتقاد لشخصيّة أو منظّمة إخوانيّة، كما يشير الباحث، باتّهامات بالعنصريّة والإسلاموفوبيا.

وعلاوة على ذلك، يلعب الإخوان على أوتار تاريخيّة معيّنة تختلف بين دولة وأخرى: إنّهم ينعتون نقّادهم في أمريكا بالمكارثيّين، وفي إيطاليا بالفاشيّين، وفي بلدان أخرى بأصحاب العقليّة ما بعد الاستعماريّة. وكما يلخّص نهجهم واحد من السّياسيّين الأمريكيّين: "اعطونا المال أو سنقول إنّكم على عداوة مع الإسلام".

//0x87h

الصفحة الرئيسية