الإخوان المسلمون في سويسرا.. قصة سعيد رمضان وابنه!

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
6628
عدد القراءات

2019-08-06

ترجمة: مدني قصري


كشف صحفيان فرنسيان مؤخراً أنّ "مؤسسة قطر الخيرية" قد استثمرت الكثير من الأموال في أوروبا لدعم شبكات ومصالح وشخصيات الإخوان المسلمين.

لعب سعيد رمضان دوراً فعّالاً بتنظيم فروع جماعة الإخوان في فلسطين والأردن قبيل إنشاء إسرائيل

في العام 2014؛ تمّ توظيف أربعة ملايين يورو في شبكة الإخوان المسلمين في سويسرا وحدها؛ أي تقريباً ما تمّ استثماره في ألمانيا، وهو ما يثير الدهشة، نظراً إلى بصمة ألمانيا الأعلى على المستوى العالمي، إضافة إلى دعم مشاريع المتحف والمسجد، المرتبطة بالفرع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين، قدمت قطر أيضاً للناشط الإسلامي الفرنسي السويسري، طارق رمضان، دخلاً منتظماً يصل إلى 35000 دولار شهرياً "كمستشار" لـ "مؤسسة قطر الخيرية"، يمكن تفسير اهتمام قطر بسويسرا بالتاريخ الطويل لأنشطة الإخوان المسلمين في هذه الدولة، كانت البلاد في قلب شبكات الإخوان المسلمين في أوروبا منذ أواخر الخمسينيات، ويعود السبب في ذلك، إلى حدٍّ كبير، إلى وجود عائلة رمضان فيها.

طرد واستقرار

والد طارق، سعيد رمضان، انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين في سنّ المراهقة، وفي العام 1945؛ أصبح السكرتير الخاص لحسن البنا، مؤسس الحركة، ولعب سعيد رمضان دوراً فعّالاً في تنظيم فروع جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين والأردن في الأعوام التي سبقت إنشاء "إسرائيل".

في العام 2014 تمّ توظيف 4 ملايين يورو في شبكة الإخوان المسلمين في سويسرا وحدها

طُرد رمضان مرّتين من مصر؛ أوّلاً من قِبل الملك فاروق، ثم من قِبل جمال عبد الناصر، بعد خلاف ناصر مع منظمة الإخوان، جاب رمضان العالم العربي وباكستان لعدة أعوام، قبل أن يستقرّ مع عائلته في جنيف، العام 1958، في منفاه، وفي الأعوام التي تلت ذلك، تلقى الدعم من دول معارضة لطموحات ناصر في الهيمنة الإقليمية والاشتراكية العربية.
بمساعدة من حلفائه؛ افتتح سعيد رمضان مركزاً إسلامياً في "فيلا" كان حصل عليها من علي بن عبد الله علي آل ثاني، أمير قطر آنذاك، العام 1959، في البداية؛ تمّ الترحيب بإنشاء المركز الإسلامي من قبل السلطات السويسرية، وظنّت هذه الأخيرة أنّ رمضان شخصية موالية للغرب؛ لأنّها كانت تَعرف معارضته لجمال عبد الناصر.
في جنيف؛ نشر سعيد رمضان مجلة "المسلمون"، المجلة الفكرية الرئيسة لجماعة الإخوان المسلمين، والعام 1962؛ أصبح رمضان سفيراً متجولاً للرابطة الإسلامية العالمية الناشئة التي أنشأتها المملكة العربية السعودية، وكان هدف عمله الصحفي والسياسي والديني؛ حماية الشتات الإسلامي المتزايد في أوروبا من تأثير الثقافة الغربية، وتعزيز هُويته الإسلامية، وقد ساعدت شبكة الإخوان المسلمين في الغرب في المساهمة في تحقيق هذا الهدف، واعتبر رمضان أنّ جنيف هي أساس توسع الشبكة.

" قطر الخيرية" استثمرت الأموال بأوروبا لدعم الإخوان

منافسة شرسة بين الناصرية والرمضانية 

ومع ذلك، كان لرمضان العديد من الأعداء، وكانت مصر تناهض رمضان في كل مرّة، وتضغط على قطر لسحب دعمها له، بعد ذلك؛ كان على رمضان أن يجد لغة جديدة لمركزه الإسلامي.
في سويسرا؛ كان لدى النظام المصري جهاز مراقبة متطور لعملياته ضد جماعة الإخوان المسلمين، والذي لم يُستخدَم فقط لمراقبة المتشددين المصريين، ولكن أيضاً لجمع المعلومات حول الجالية اليهودية السويسرية، ولتنظيم حملات ضدّ إسرائيل، وكانت المنافسة بين مصر كدولة والإخوان المسلمين كتنظيم متشدد للفوز في الصراع من أجل التأثير على الطلاب العرب في أوروبا شرسةً بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: وثائقي فرنسي عن حفيد مؤسس "الإخوان" طارق رمضان
لقد جعل رمضان من هذه المنافسة هدفاً رئيساً لدعاية جماعة الإخوان المسلمين، وكانت المجموعة الصغيرة من المصريين الذين كانوا يدرسون في الجامعات السويسرية تميل إلى انتقاد ديكتاتورية ناصر؛ لذلك أرسلت مصر الناصرية آنذاك وكيلاً خاصاً إلى سويسرا لحث الطلبة العرب ودفعهم لإنشاء منظمة طلابية عربية جديدة، خالية من التأثير الرمضاني الإخواني، وقد حصل الطلاب الموالون للزعيم جمال عبد الناصر على تمديد لمِنَحِهم الدراسية... .

لعبة رمضان المزدوجة
في هذه الأثناء؛ أدرك السويسريون بشكل متزايد أنّ رمضان كان يلعب لعبة مزدوجة: لقد قدّم نفسه كصديق مُعادٍ للشيوعية للسلطات السويسرية، بينما كان يعارض الحضارة الغربية، بما في ذلك سويسرا نفسها... وصف تقرير سويسري داخلي "موقف منشورات جماعة الإخوان المسلمين" إزاء العادات والأفكار الغربية، والتي عادة ما تكون غير متسامحة أو حتى عمياء، فهم (أي الإخوان)، على وجه الخصوص، يُندّدون بالغرب بسبب تلويثه للعالم الإسلامي (...)، وماديته ونسبيته، كما وُجِّهت من قِبلهم تحذيرات مستمرة أوّلاً وقبل كلّ شيء ضدّ التعليم الجامعي العقلاني، لتعامله السلبي مع الإسلام والدين والتاريخ".

قدمت قطر لطارق رمضان دخلاً منتظماً يصل إلى 35 ألف دولار شهرياً كمستشار لمؤسسة قطر الخيرية

كشف تقريرٌ آخر؛ أنّ جماعة الإخوان المسلمين كانت مهووسة بفكرة التحالف بين اليهود والصليبيين ضدّ الإسلام، وفي قلب هذا التحالف إسرائيل، وهي دولة توصَف بأنّها "تجسيد لفكر الجحيم، وخليط وُلِد من المواجهة بين الصهيونية الجشعة، والتي تنبع من التلمود المزيف والتوراة المزيفة، والتي تشكّلت وتجسّدت في بروتوكول حكماء صهيون وروح الصليبيين، المستوحاة من الغيرة، التي تبرّر الكثير من أسباب الغضب ضدّ الإسلام".
"في رأينا؛ لا يمكن سحق هذا الطفل المشوَّه إلا باستخدام سلاح العقيدة الدينية والإيمان، وأيُّ نظام من المعتقدات أقوى وأكثر قدرة على سحق اليهود والصليبيين من نظام الإسلام؟"، ومع ذلك؛ فإنّ إدراك السويسريين أنّ سعيد رمضان كان ناشطاً معادياً للغرب، ومعادِياً للسامية، لم يحقق أيّ تأثير على تطوّر سياسة سويسرا.

سعيد رمضان

سويسرا تغضّ الطرف

في العام 1965، أعلن المصريون أنّ جماعة الإخوان المسلمين قد حاولت تنظيم انقلاب على ناصر، واتُّهِم سعيد رمضان بأنّه عقل هذه المحاولة... الولايات المتحدة وبريطانيا اللتان اعتقدتا أنّ جماعة الإخوان المسلمين كانت في مرحلة نهائية من التراجع، فوجئتا بهذه الأحداث، وشككتا في الاتهامات المصرية بأنّها كانت تتواطأ سرّاً مع جماعة الإخوان المسلمين. وفي ذات السياق، فقد رأت مصر في تقاعس سويسرا عن سحب تصريح الإقامة من رمضان، دليلاً على التأثير الأمريكي والبريطاني على السياسة السويسرية، ومع ذلك؛ ففي المناقشات الداخلية التي أجرتها السلطات السويسرية حول وضع إقامة رمضان المستقبلية في سويسرا، لم يتم اكتشاف أيّ تأثير من هذا النمط.

اقرأ أيضاً: 35 ألف يورو شهرياً يتقاضاها المفكر الإسلامي طارق رمضان.. من يدفعها؟ ولماذا؟
كان السويسريون متعاطفين مع رمضان بسبب معارضته للاشتراكية وناصر، في الواقع؛ استهدف تأميم مصر بشكل كبير الاستثمارات السويسرية في مصر، وأعوام التجسس والدعاية التي قامت بها مصر في سويسرا أدّت إلى زيادة غضب السلطات السويسرية؛ لذلك كان السويسريون يميلون إلى غضّ الطرف عن أنشطة رمضان.

توسيع شبكة الإخوان أوروبياً
يبدو أنّ التطور الجيوسياسي يبرر هذه السياسة، بعد حرب الأيام الستة، ومع هزيمة جيوش ناصر، أصبح السويسريون يعتقدون أنّ صعود الإسلاميين كان متوقعاً، وأنّ "أصدقاء سعيد رمضان يمكنهم الاستيلاء على السلطة في الأشهر المقبلة في أيّة دولة من الدول التي تعتبر تقدمية أو اشتراكية، والتي اهتزت بعمق بسبب الأحداث الأخيرة".

كانت المنافسة بين مصر الناصرية والإخوان المسلمين في الستينيات للفوز بصراع التأثير على الطلاب العرب في أوروبا شرسة

مع عدم الرغبة في مهاجمة قادة المستقبل، تبنّى السويسريون موقفاً أكثر مواتاة تجاه سعيد رمضان وعائلته، هذا التقييم، وليست الروابط المزعومة بين سعيد رمضان وأجهزة الاستخبارات الغربية، السبب في السماح لرمضان بالبقاء في سويسرا، بفضل هدوئه المكتسب حديثاً في جنيف، تمكّن سعيد رمضان من توسيع شبكة الإخوان المسلمين بانتظام، بفضل موهبته في الترويج الذاتي.
في مقابلة له العام 1975، على سبيل المثال، ادّعى أنّ المركز الإسلامي يشرف على أربعين مسجداً في أوروبا الغربية، وادّعى أنّه زعيم السبعة ملايين مسلم، الذين يقيمون في القارة، وكانت طموحات سعيد رمضان بلا حدود، كما سيؤكّده التطور المستقبلي لجماعة الإخوان المسلمين في أوروبا.
طارق رمضان

تعاون مع إيران وليبيا القذافي
في الثمانينيات؛ بدأت تقارير الاستخبارات الغربية تحذّر من النفوذ المتزايد للإخوان المسلمين في أوروبا الغربية، في كفاحها ضدّ الأنظمة التي تحكم بلدانها الأصلية، عملت جماعات الإخوان المسلمين في أوروبا بالتعاون مع جمهورية إيران الإسلامية الناشئة حديثاً، ومع العقيد الليبي معمّر القذافي، وهما نظامان مشهوران بدعمهما للإرهاب المعادي للغرب.

أدرك السويسريون أنّ رمضان كان يلعب لعبة مزدوجة: معاداة للشيوعية بينما كان يعارض الحضارة الغربية

في سويسرا؛ كان الوسيط بين الإخوان المسلمين وإيران يُدعَى أحمد هُوبر هُوب "Ahmed Huber Hube"، وهو صحفي متمرس؛ كان اشتراكياً، لكنّه اعتنق الإسلام في الستينيات من القرن الماضي، وكان هوبر من أوائل المتحولين المنتمين للمركز الإسلامي لسعيد رمضان في جنيف، ومن المفارقات؛ أنّ معاداة هوبر وكراهيته للسامية إزاء إسرائيل جعلته معجباً كبيراً بالزعيم المصري، جمال عبد الناصر، الذي كان أحد الدوافع الرئيسة لتحوّله الإسلامي، وكان ناصر منبوذاً من قبل الإخوان المسلمين لقيامه بحملة قمع ضدّ الجماعة في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وكان الإسلاميون يرون أنّ قومية ناصر العربية بِدعة مرفوضة.

اقرأ أيضاً: معضلة الدين والتديّن في واقعة طارق رمضان
أصبحت معاداة هوبر للسامية أكثر تطرفاً على مرّ السنين، بعد أن رحّب بحماسة بالثورة الإيرانية 1978-1979، زار هوبر البلاد في عام 1983، وخلال إقامته في إيران، تمّ الاتصال بِهوبر من قبل مسؤولي الحكومة الدينية؛ الذين طلبوا منه المساعدة في تشكيل تحالف بين الإسلاميين الإيرانيين واليمين المتطرف الأوروبي ضدّ "الشياطين العظماء الثلاثة": الصهيونية والماركسية ونمط الحياة الأمريكي.
تُظهِر التقارير الصادرة عن الشرطة السويسرية؛ أنّ هوبر واصل التفاعل بانتظام مع السلطات الإيرانية، وقد جعل من طموح طهران في الجمع بين أيديولوجيتها واليمين الأوروبي المتطرف مهمّة حياته الرئيسة، وعمل هوبر بلا كلل لنشر قضية إيران في سويسرا، سواء بين المسلمين السويسريين أو غير المسلمين، لكن على مدار الأحداث، لم يحقق هوبر سوى نجاح محدود للغاية.

بنك التقوى ودوره في تمويل الإخوان
رغم أنّ هوبر كان يعمل بشكل أساسي لصالح إيران، إلا أنّه شارك في أنشطة جماعة الإخوان المسلمين، عام 1988، تم تأسس بنك التقوى في سويسرا من قبل يوسف ندا وغالب حمت، وهما ناشطان بارزان في جماعة الإخوان المسلمين، لتمويل المشاريع المتعلقة بالإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم، وكان هوبر وفرانسوا جينود، الناشط القومي الاشتراكي البارز وراعي الجماعات المتششدة الفلسطينية، يرأسان مجلس إدارة المنظمة. في التسعينيات؛ كان هوبر يَحضُر بانتظام أحداثاً في منظمة الطلاب المسلمين في الولايات المتحدة، وهي منظمة تابعة للفرع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين.

العام 1965 أعلن المصريون أنّ الجماعة حاولت تنظيم انقلاب على ناصر واتُّهِم سعيد رمضان بأنّه عقلها المدبر

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001؛ أدرج الأمريكيون بنك التقوى وهوبر في قائمتهم للإرهابيين، مشتبهين في أنّ البنك المذكور كان يموّل تنظيم القاعدة، لكنّ التحقيقات القضائية السويسرية فشلت في إثبات هذه الادعاءات.
لم تكن جماعة الإخوان المسلمين المجموعة الوحيدة التي تنُازِع من أجل قلوب وعقول المغتربين المسلمين في أوروبا، لقد قامت حكومات الدول ذات الغالبية المسلمة، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، بتمويل المراكز الثقافية، ورعاية معاهد البحوث، وإرسال الدعاة لزيادة نفوذها في أوروبا، ولم تكن سويسرا، مع عدد سكانها المسلمين الصغير، ذوي الأصول البلقانية، ومعظمهم من العلمانيين، في قلب هذه المنافسة، إلا أنّها كانت مركزاً إستراتيجياً للإخوان المسلمين، الذين استخدموا البلاد كقاعدة للتنسيق والتخطيط، كما في حالة بنك التقوى.

دور جان زيغلر في إعداد رمضان

كانت فترة الثمانينيات عقداً مهماً في نسل سعيد رمضان، الذي أصبح متورطاً بشكل متزايد في النشاط السياسي، وكان طارق رمضان يخالط الدوائر اليسارية في جنيف، ويصادق الزوجين الشيوعيين المثيرين للجدل، جان زيغلر وإريكا ديوبر-باولي، وكلاهما يتمتعان بسلطة سياسية كبيرة في سويسرا الناطقة بالفرنسية، ورقة كبيرة في الصراعات المستقبلية التي شارك فيها رمضان، عام 1993، عندما قام طارق رمضان بحملة لإطلاق مسرحية فولتير Voltaire"" "محمد"، التي عُرضت في جنيف، حظي بدعم من إيريكا ديوبر باولي، الملحقة الثقافية للمدينة.

اقرأ أيضاً: الإسلامي طارق رمضان يعترف بـ"ممارسة الإغواء"
كانت هذه واحدة من الحالات الأولى التي نجح فيها نشطاء إسلاميون في حملة قمع حرية التعبير والفنّ في الغرب، بعد أن فقدوا الدعوة لإلغاء كتاب "آيات شيطانية"، أثناء قضية سلمان رشدي في العام 1989، وفي العام 1995؛ مُنع طارق رمضان من دخول فرنسا بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية الإسلامية الدموية.
دافع جان زيغلر، النائب البرلماني الاشتراكي في برن بسويسرا، عن طارق رمضان، مطالباً الحكومة السويسرية بالطعن في قرار فرنسا والدفاع عن معتقدات رمضان الإسلامية.

بعد هزيمة العرب العام 1967 أصبح السويسريون يعتقدون أنّ صعود الإسلاميين كان متوقعاً

لعب جان زيغلر أيضاً دوراً مهمّاً في إعداد مهنة طارق رمضان المستقبلية، باعتباره "مثقفاً" مسلماً رائداً، أطروحة دكتوراه رمضان حول "الإصلاحيين" الإسلاميين، والتي شملت جدّه حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، تم الحُكم عليها بأنّها وثيقة دفاعية وتبريرية لشخصٍ بعينه، وليست بحثاً علمياً من قِبل اثنين من أعضاء لجنة تحكيم الخبراء، وبالتالي تمّ رفضها، حتى مدير دكتوراه رمضان، تشارلز جينكواند، المتخصص في العالم العربي، رفضها وانتقدها بشدة، قائلاً: "إنّها أطروحة إشكالية للغاية وأيديولوجية، ولا تجلب شيئاً جديداً، طلبتُ من طارق رمضان إجراء تصحيحات، لكنّه لم يغيّر كثيراً في نصّه، أعتقد أنّه سخِر مني". لولا ديوبر-باولي وزيغلر، لكانت مهنة رمضان الأكاديمية قد وُلدت ميّتة، ومع ذلك تدخّل الشيوعيان لدى الجامعة، وحذّرا من فضيحة إعلامية إذا رُفِضت أطروحة رمضان، ونجح الضغط، وعقدت الجامعة هيئة محلفين جديدة، أعطت لرمضان أسوأ تصنيف ممكن، ودرجة "مقبول"، دون أيّ امتياز، وهو ما أنهى أمل رمضان في شغل منصب أكاديمي في سويسرا.
ومع ذلك، حصل رمضان في نهاية المطاف على منبر في جامعة أكسفورد، التي يساهم في تمويلها حلفاؤه في قطر.

الاتحاد السويسري الإسلامي يحلّ محلّ جمعية مسلمي ومسلمات سويسرا

في العام 1995؛ توفّي سعيد رمضان، وأصبح نجله، هاني رمضان، وهو الأقل شهرة بين الأَخوين، رئيساً للمركز الإسلامي في جنيف، وفي العام 1994؛ أسس الإخوة رمضان جمعية "مسلمي ومسلمات سويسرا"، والتي كانت تطمح إلى أن تصبح منظمة جامعة للعديد من المساجد العربية التي تقع معظمها في سويسرا الناطقة بالفرنسية.
لقد ذكرت الصحافة أنّ منشورات تشيد بالجهاد في الجزائر قد تمّ توزيعها في اجتماع التأسيس؛ توقفت المجموعة عن العمل في أوائل العقد الأول من القرن العشرين، وحلّ محلها الاتحاد السويسري الإسلامي (LMS)، وهي منظمة عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية التي تشرف على جماعة الإخوان المسلمين، وقاد التونسي، محمد كرموس، الشخصية المركزية في المشهد الإسلامي السويسري، الاتحاد السويسري الإسلامي، منذ إنشائه عام 1994 وعام 2008.

اقرأ أيضاً: تجميد حسابات شقيق طارق رمضان للاشتباه في تمويله الإرهاب
أنشأ كرموس وزوجته نادية العديد من المنظمات المرتبطة بالإخوان المسلمين في سويسرا على مرّ أعوام، والتي تمّ تمويل البعض منها من قِبل قطر. على سبيل المثال؛ تلقى متحف الحضارات الإسلامية في لا شو دو فوندز، بقيادة نادية كرموس، تبرعاً بقيمة 1.4 مليون فرنك سويسري (1.1 مليون جنيه إسترليني) من قطر، ووصف الصحفي الاستقصائي السويسري سيلفان بيسون، الزوجين كرموس، بأنّهما "العمود الفقري لإسلاموية رخوة تتطور في المجال الثقافي السويسري".

دور النهضة التونسية

في العام 1991؛ قمعت حكومة زين العابدين بن علي التونسية، "النهضة"، الفرع التونسي لجماعة الإخوان المسلمين، لقد تم سجن أكثر من 8000 ناشط في هذه الحركة، وقد فرّ كثيرون آخرون إلى أوروبا، بما في ذلك إلى سويسرا، تمّ تعزيز مجتمع الإخوان المسلمين في سويسرا دون شكّ، من خلال تدفق مقاتلي النهضة من تونس، منذ ذلك الحين، أصبح العديد من المتشددين الإسلاميين في سويسرا من أصل تونسي.

اقرأ أيضاً: أفكار الإسلامي طارق رمضان الدينية التعصبية أخطر من قصصه العاطفية
في جنيف؛ المركز العالمي للدبلوماسية المفتوحة والسرية، أنشأ نشطاءُ حركة النهضة عدّة منظمات غير حكومية. العربي قاسمي، على سبيل المثال، وهو قائد سابق لحركة النهضة في المنطقة الشمالية الغربية من تونس، والذي فرّ إلى سويسرا، كان عضواً في مجلس إدارة جمعية الإغاثة الفلسطينية، التي كان الأمريكيون يتهمونها بأنّها الفرع السويسري لشبكة تمويل حماس، المسمّى "اتحاد الخير" (Union of Good) ، وهناك عضو آخر في المجلس يُدعَى أنور الغربي، كان مسؤولاً عن المنظمة غير الحكومية "الحقّ للجميع"roit pour tous ). في أوج ذروتها، عام 2010، نظمت منظمة "الحقّ للجميع" رحلات للنواب اليساريين إلى قطاع غزة، ودعت كبار مسؤولي حماس والإخوان المسلمين إلى سويسرا، ونظمت مناسبات ثقافية مع طارق رمضان وجان زيغلر، حليفه السابق، بعد سقوط بن علي، تولّى العديد من اللاجئين التونسيين في سويسرا قيادة الحكومة الجديدة، بقيادة النهضة.
أصبح الغربي مستشاراً للشؤون الدولية للرئيس التونسي، منصف مرزوقي، في حين انضم العربي قاسمي إلى مجلس شورى النهضة، مجلس إدارته، وقد أصبح هدفاً للنقد والسخرية، عام 2014؛ عندما قام بالتحريض على العنف ضدّ خصومه في شريط فيديو.

الاتصال مع حماس
أضحى وجود العديد من نشطاء جماعة الإخوان المسلمين ذا فائدة للسياسة الخارجية السويسرية، عندما صوّت السويسريون، عام 2009، في استفتاء لحظر بناء المآذن، كان زعيم حزب النهضة، رشيد الغنوشي، من بين أكثر المعارضين لهذا القرار، وسمح وجود الكثير من نشطاء حزب النهضة وجماعة الإخوان المسلمين في البلاد للمسؤولين السويسريين بلقائهم، وهذا في مناسبات عديدة، لتهدئة التوترات في العالم الإسلامي قبل أن يبدأ نوع من تكرار فضيحة الكاريكاتيرات الدنماركية.

اقرأ أيضاً: طارق رمضان يرتدي قناع اليسار الجذري
من ناحية أخرى؛ كان لهذا النهج المريح للإسلاموية عواقب سلبية كثيرة، وأدّت الاتصالات مع الإسلاميين، خاصةً مع حماس، خلال ولاية وزيرة الخارجية الاشتراكية، ميشلين كالمي-ري (2003-2011)، إلى الإضرار بعلاقات سويسرا مع إسرائيل والولايات المتحدة. وبالمثل؛ فإنّ العديد من السويسريين الـ 90 الذين انضموا إلى الجهاديين في سوريا والعراق في الأعوام الأخيرة كانوا من أصل تونسي، وهذا ليس مفاجئاً بالنظر إلى الشبكات الإسلامية التي سُمِح لها بالتجذّر في سويسرا.


المصدر: eeradicalization.com/fr

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف تتحالف الجماعات الإرهابية والإجرامية في العالم؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-10-20

ترجمة: مدني قصري


"إنّ تجارة السلاح أسهل هنا من أي مكان آخر في العالم. يمكننا الاعتماد على حدود إشكالية والفساد - لا يمكنكم أن تتخيلوا عدد الأبواب التي يمكن فتحها ببضعة آلاف يورو". الرجل الذي صرح بهذا يشير إلى تجارة الأسلحة في البلقان وفي جنوب أوروبا. ماضيه دليل على ما يقوله؛ حيث عمل لفترة طويلة في مهنة الإجرام دون أن يكتشف. والسبب في كون هذه الشبكات الإجرامية ليست تحت المجهر هو أنّ مسألة تهريب الأسلحة إلى أوروبا قضية أكثر تعقيداً وأكثر خصوصية وصعوبة بالنسبة إلى السلطات المحلية.

تسبب صعود ونشاط تنظيم داعش في انفجار التقارير والمقالات والتحقيقات حول كيفية وقوع الأسلحة في أيدي مجموعات أخرى

في السنوات الأخيرة، قيل وكُتب الكثير عن تهريب الأسلحة من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. لقد تسبب صعود ونشاط تنظيم داعش في انفجار التقارير والمقالات والتحقيقات حول كيفية وقوع الأسلحة في أيدي مجموعة أو أخرى. وقد تم العثور على الأسلحة الكرواتية والبلغارية والروسية والغربية في الأسواق السوداء في الشرق الأوسط؛ حيث إنّ الأسلحة التي تباع رسمياً من قبل مختلف البلدان تسقط بسهولة في القطاع الرمادي، بسبب الفساد أو الهجمات العسكرية ذات النهاية السيئة. لكن، ماذا عن تهريب الأسلحة إلى أوروبا؟
للإرهاب علاقة وثيقة بالجريمة المنظمة

عولمة الحاضر كعوملة الماضي 
إنّ عدد المقالات والبحوث حول هذه المسألة أقل بكثير. تبيّن الاتصالات مع العديد من المصادر حول هذا الموضوع أنّ الشبكات الإجرامية في أوروبا تتطور باستمرار. تشكل هذه الجماعات تحالفات ونقابات مع جماعات إجرامية خارج الاتحاد الأوروبي (EU) وأحياناً تتواصل من خلال وسطاء، مع منظمات إرهابية في الساحل، وآسيا الوسطى وغرب أفريقيا. فالعولمة في شكلها الحديث اليوم لا تختلف عن نسخة القرون الوسطى أو القديمة. واليوم كما كان الأمر بالأمس، تعمل المجموعات الدولية معًا باسم الربح. فاتصالات اليوم وأدوات تبادل المعلومات الجديدة تجعل إنشاء مثل هذه النقابات أكثر ربحية وأكثر صعوبة في توقيفها. ويوجد اليوم ما يمكن تسميته بـ "جريمة دولية" تشير إلى مجموعات في أنحاء مختلفة من العالم، تخلق صلات فيما بينها للتحايل على مختلف العقبات، بما في ذلك القواني التي قد تعيق أعمالها.
عدوانية في الدفاع عن المصالح
من صفات هذه التحالفات الإجرامية الدولية عدوانيتها في الدفاع عن مصالحها؛ فهي تحاول غزو الأراضي والسيطرة على المدن، وفرض الضرائب عندما ترى ذلك ضرورياً. فهذا ملحوظ بشكل خاص في أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، لكن توجد أمثلة مماثلة حتى في جنوب وشرق أوروبا؛ حيث تفرض هياكل المافيا سياساتها، مما يجبر السلطات المحلية على إقامة علاقة تعاونية وفاسدة. هذه التحالفات الإجرامية، بدورها، تشكل أحد مصادر إيرادات الجماعات الإرهابية والعقد الرئيسية في بنيتها التحتية اللوجستية، في نقل العملاء والمال. "لا يهمني إن كان أي شخص عربياً أو كردياً أو فلمنكياً. لقد عملنا مع جميع المجموعات". هكذا يقول عضو بلغاري سابق في هيكل المافيا، "الشيء الوحيد المهم هو احترام القواعد. من المحتمل أن يكون أشخاص مشبوهون قد عبروا طرقنا، لكن هذه ليست مشكلتنا".

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
منذ التسعينيات، تنشر المؤسسات الأوروبية تقارير دورية حول الاتصالات المحتملة بين الجماعات الإرهابية وجماعات المافيا الأوروبية. في عام 2004 ، عندما حدث هجوم مدريد بالقنابل، كان من الواضح أنّه كان بالتحديد بفضل تحالف من هذا النوع، بين المافيا والخلايا الإرهابية؛ حيث تم دفع ما يقرب من 50000 يورو للمنظمي الهجوم. مرة أخرى، فبفضل هذه التحالفات، تُسهم الجريمة المنظمة في البحث عن الأسلحة، والخدمات اللوجستية وفرص السفر. وبهذه الطريقة، تعوّل الجماعات الإرهابية على الهياكل الإجرامية المحلية في أوروبا، للعمل بحرية في القارة. كما قدم هؤلاء المجرمون وثائق مزورة وأسلحة ولوجستيات لخلايا داعش المسؤولة عن الهجمات في باريس وبروكسل في عامي 2015 و2016.
طرق حماية قنوات مرور الأسلحة 
يعود امتزاج الهياكل الإرهابية والمافيا في أوروبا إلى التسعينيات على الأقل. وتشمل هذه الهياكل متطرفين يساريين، مثل حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي جمع الموارد من خلال شبكات إجرامية في أوروبا لحربه ضد تركيا، ومن جماعات اليمين المتطرف، مثل الميليشيات الأرثوذكسية في البوسنة، والتي استفادت جميعها من الوصول إلى السوق السوداء. في كثير من الحالات، يكون التواصل بين الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية، صارماً، وقائماً على قواعده الخاصة. بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، أصبحت هذه القواعد تحظى باحترام أكبر من أجل تجنب اكتشافها من قبل الوزارات العامة. ولعل أحد أهم جوانب هذا التعاون هو إنشاء قنوات مرور، التي تشكل بنداً رئيسياً في الميزانية لجميع هذه المجموعات، وحماية القنوات. حماية القنوات بالتالي موضوع يحظى باهتمام خاص.

دور القاعدة في انتقال المخدرات والأسلحة
على سبيل المثال، شاركت القاعدة بشكل جاد في تأمين دوائر الكارتل الكولومبية التي تنقل الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى البلقان وأوروبا عبر غرب إفريقيا. وتُظهر التقارير الأوروبية أنّ تنظيم القاعدة متورط في تهريب المخدرات والبنادق والأحجار الكريمة، وأنّ له اتصالات في داخل جماعات البلقان والمافيا الإيطالية. فالعمال التنفيذيون للجماعة الإرهابية تحت الأنظار، من ألبانيا والبوسنة إلى هولندا، عبر سويسرا وألمانيا. تحتفظ حركة الشباب، الفرع الصومالي لتنظيم القاعدة، بشبكة واسعة في الدول الاسكندنافية؛ حيث يوجد شتات صومالي كبير، وتتمتع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي باتصالات في إسبانيا؛ بسبب قربها من المناطق التي تعمل فيها المجموعة. من المافيا الإيطالية إلى الجماعات الفوضوية الشيوعية المتطرفة اليونانية، مروراً بحزب العمال الكردستاني، تقيم الجماعات في جميع أنحاء العالم ولاءات وتحالفات تتجاوز الحدود الوطنية، وتوفر قنوات مرور وفرص تمويل. وغالباً ما يتعلق هذا بالاتجار بالمخدرات والأسلحة، سواء كان ذلك بغرض الاغتيالات وفقاً لعقود، أو بالأعمال الإرهابية.

اقرأ أيضاً: جرائم جديدة لميليشيات الحوثي الإرهابية..
"السياسيون يستفيدون من أعمالنا. لقد قدمنا هدايا في العديد من المناسبات"، هكذا قال عضو سابق آخر في المافيا في صربيا. تعمل مجموعته في بلغاريا ومقدونيا وألبانيا وإيطاليا. وهو نفسه كثيراً ما يتجنب الاعتقال بسبب مشاكل إدارية. في الواقع، الإدارة واحدة من المشاكل التي تعيق التحقيقات؛ فالأخطاء في المستندات، أو حتى عدم تبادل المعلومات بين الدول الأوروبية، تسمح لهذه المجموعات بتطوير أنشطتها دون قلق.
نوعان من التحالفات
في هذا السياق، يجب تحديد نوعين من التحالفات التي لها تأثير مباشر على الاتحاد الأوروبي. النوع الأول من التحالف هو التحالفات التي تم إنشاؤها داخل الحدود الأوروبية. لهذا النوع تأثير على أمن الدول الأعضاء، بما في ذلك التآمر لارتكاب أعمال إرهابية. النوع الثاني من التحالفات أنشئ خارج الاتحاد الأوروبي أو على الهامش - البلقان واليونان وصقلية وإسبانيا - وهو أيضاً تهديد لاستقرار الاتحاد الأوروبي. وإذا تحدثنا أكثر عن أوروبا الغربية، فمن الجيد أن نولي اهتماماً لمنطقة لها دور مهم جداً تلعبه في مجال الأمن، ولكن من باب المصلحة الإعلامية: البلقان.
يوغوسلافيا السابقة وبلغاريا شريان رئيسي
وفقاً لتقارير فرونتكس FRONTEX  ويوروبول Europol ، فإنّ دول يوغوسلافيا السابقة وبلغاريا تشكل الشريان الرئيسي الذي تمر عبره كمية كبيرة من المخدرات والأسلحة إلى الدول الاسكندنافية. تعد الحدود اليونانية التركية والحدود الصربية مع رومانيا من بين أكثر النقاط حساسية. على هذه الطرق، التي أنشأتها الجماعات الإجرامية المحلية، يمر أيضاً الإسلاميون من الشرق الأوسط. المشكلة الرئيسية هي أنّه بمجرد دخولهم إلى منطقة شنغن - التي فككت الحدود بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي - يمكن لهؤلاء الأشخاص الوصول إلى أي جزء من أوروبا دون الحاجة إلى القلق من تقديم جواز سفر مزور. فللتحايل والالتفاف على العقبات، تقيم الجماعات الإرهابية اتصالات مع الجماعات الإجرامية في جنوب شرق أوروبا. ولا صلة لهذه الطرق بتدفقات الهجرة أو الاتجار باللاجئين - تستخدم الجماعات الإجرامية أساليبها الخاصة، بما في ذلك رشوة عملاء الحدود.
المافيا خطر أكبر من الإرهاب
بالنسبة ليوروبول Europol ، تطورت هذه المجموعات في ظل الهجمات.

من صفات التحالفات الإجرامية الدولية عدوانيتها بالدفاع عن مصالحها فهي تحاول غزو الأراضي وفرض الضرائب عندما ترى ذلك ضرورياً

أفادت يوروبول، الوكالة الأوروبية للتعاون بين الشرطة الجنائية، مؤخراً أنّ العنف المتزايد من جراء الجريمة المنظمة هو أكبر تهديد لأمن أوروبا؛ حيث يتجاوز الإرهاب والهجرة.
وقال مسؤولون في مؤتمر نظمته مؤخراً الوكالة الإيطالية لمكافحة الاتجار بالبشر ويوروبول ومقرها في لاهاي، إنّ جماعات المافيا من إيطاليا وألبانيا وأوروبا الشرقية، وكذلك عصابات الدراجات النارية، هي الجهات الفاعلة الرئيسية في هذا العنف.
بدأت المجموعات الآسيوية والأفريقية وأمريكا الجنوبية أيضاً في الجريمة المنظمة في أوروبا؛ حيث يتم جمع 110 مليارات يورو في هذا المجال كل عام. وأشارت الوكالات الأوروبية إلى أنّ المزيد والمزيد من هذه المجموعات تعمل معاً.

اقرأ أيضاً: المسماري يحذر: أردوغان سينقل آلاف الإرهابيين إلى ليبيا
وقال جاري ليوكو، رئيس المركز الأوروبي للجريمة المنظمة في يوروبول: "تمثل الجريمة المنظمة حالياً أكبر خطر على الأمن الداخلي للاتحاد الأوروبي".
وفقاً لمتحدثين في المؤتمر المذكور، كانت الجريمة المنظمة "في الظل" في السنوات الأخيرة بسبب موجة من الهجمات الإرهابية وأزمة هجرة كبرى في أوروبا. ومع ذلك، فإنهم يعتقدون أنّ التعاون عبر الحدود يجب الآن أن يعالج هذه المشكلة المتزايدة. في  كانون الأول (ديسمبر)، أعلنت السلطات الأوروبية عن اعتقال حوالي 90 مشتبهاً بهم في المافيا الكالابرية (منظمة إجرامية في إيطاليا تتركز في كالابريا)، في ست دول في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
ثمار التحالفات بين المافيا والإرهاب
هذه التحالفات تؤتي ثمارها. تشير التقارير الأوروبية إلى مشكلة متنامية، وإلى روابط تتوثق أكثر فأكثر مع الهياكل الإجرامية للجيل الثالث من الشتات في منطقة البلقان، وخاصة في الدول الاسكندنافية. في عام 2013 ، كشفت الشرطة البلغارية عن قناة لتهريب الأسلحة من بلغاريا إلى السويد وألمانيا. غادرت أسلحة الكلاشنيكوف والذخيرة الآلية مقاطعة ستارا زاغورا، في وسط بلغاريا، عبر نقطة كالوتينا الحدودية، على الحدود الغربية مع صربيا. لم يكن المجرمون خائفين من استخدام حافلة ركاب. لكن على الرغم من عدم وجود دليل على أنّ هذه الأسلحة كانت موجهة للجماعات الإرهابية، إلا أنّ عملية الشرطة أظهرت مدى شبكة تهريب الأسلحة، وهي الأسلحة التي، كما تأكد ذلك في باريس وبروكسل في 2015-2016 ، وفي مدريد قبل خمسة عشر عاماً، يتم استغلالها بسهولة من قبل الإرهابيين.
الشرطة الإسبانيا تكسر قناة للتهريب
هناك دليل إضافي على حجم المشكلة جاء في عام 2017 بفضل أنشطة الشرطة في إسبانيا التي كسرت قناة لتهريب الأسلحة إلى إحدى عشرة دولة أوروبية. حيث تم ضبط 664 قطعة سلاح. وتم القبض على أكثر من 240 شخصاً. وكان بعض المحتجزين من المواطنين الرومانيين والبلغاريين الذين اشتروا تقليد الأسلحة التي حوّلوها إلى أسلحة نارية في المصانع في إسبانيا. فبمجرد أن تصبح جاهزة، تعرض هذه الأسلحة في أوروبا في السوق السوداء. لقد تم ضبط أكثر من 34000 رصاصة وقنبلة يدوية وكاتم للصوت خلال الحملة.
قلق القادة الأوروبيين من تصاعد داعش
أصبحت مشكلة الاتجار بالأسلحة مصدر قلق لدرجة أنّه في نيسان (أبريل) 2018 تم تنظيم اجتماع بين ممثلي الشرطة الأوروبية في العاصمة البلغارية، صوفيا، لمناقشة الخيارات المتاحة لإحباط الاتجار بالأسلحة الصغيرة، والذخيرة إلى أوروبا.

اقرأ أيضاً: "يوم المسجد المفتوح" في ألمانيا لمواجهة دعاة التشدّد والإرهاب
لقد جعل صعود داعش، القادة الأوروبيين يركزون إلى حد ما، على الصلة بين الجريمة المنظمة والإرهاب. لقد اتخذ داعش خطوات مهمة لتنويع موارده المالية. بالإضافة إلى تجارة النفط المتواضعة بالتعاون مع الحكومة السورية، وسعى التنظيم بدوره في بيع المخدرات والأسلحة. لقد أنشأ الجهاديون شبكة من خلال قناة اتصال. كما أقام الجهاديون شبكة من خلال قنوات تمتد من أفريقيا مع وحداتهم في ليبيا ونيجيريا، إلى آسيا، مع فرعهم الأفغاني عبر وحداتهم في اليمن.
أرباح داعش من تهريب الأدوية والأصول المالية
أقامت شبكات داعش على الكتلة القارية لمنطقة أوراسيا، صلات مع نظام توزيع الأدوية الدولي الأوسع نطاقاً، مع عملائها العاملين في نصف الكرة الغربي، في ترينيداد وتوباغو، وفي المكسيك، ومع الكارتلات في كولومبيا، لتأمين عبور المنتجات الصيدلانية عبر المحيط الأطلسي، إلى الصحراء الغربية. بالإضافة إلى تهريب الكوكايين والهيروين، يواصل داعش المشاركة بنشاط في تصدير الآثار من جميع البلدان التي يتواجد فيها، سواء كان معترفاً به فيها أم لا - أفغانستان، سوريا، العراق ، لبنان، مصر، الصومال، اليمن، ليبيا، نيجيريا، الفلبين، الهند.

أقامت شبكات داعش صلات مع نظام توزيع الأدوية الدولي الأوسع نطاقاً مع عملائها العاملين في نصف الكرة الغربي

علينا أن نضيف اتجاهاً جديداً إلى قائمة الأنشطة غير القانونية هذه. فمنذ عام 2017، قام تنظيم داعش بتصدير أصول مالية من العراق وسوريا بقيمة 400 مليون دولار على الأقل. تم سداد حوالي نصف هذه الأموال في شكل استثمارات تجارية قانونية من خلال وسطاء المجموعة الذين ليسوا جزءاً رسمياً من المنظمة نفسها.
في مقابل تحقيق ربح كبير، يلتزم الأفراد والشركات المعنية بإنفاق نسبة مئوية كبيرة من مبيعاتها لملء خزائن  التنظيم. فالجانب الأكثر شيوعاً هو مكاتب الصرافة، ومطاعم الوجبات السريعة التي تحصل على نصيب الأسد من الاستثمارات الجهادية. بالطبع، هذا التكتيك معروف منذ زمن طويل من قبل المنظمات الإرهابية التي طبقته منذ الحرب الباردة في بلدان الشرق والغرب. هذا النشاط بدأ ينتشر منذ عام 1990 وهو جزء من تمويل لجميع المنظمات الرئيسية، بما في ذلك حزب الله والقاعدة.
ناشد الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء بمراقبة تورط حزب الله في القارة في قلب الجريمة المنظمة

صلات داعش والقاعدة بالمافيا
إنّ خلاصة ما تم الاتفاق على تسميته بـ "الاتفاقيات الرمادية" لا يحدث فقط في الشرق الأوسط. فما بين عامي 2015 و2017 ، أظهرت سلسلة من تقارير أجهزة الأمن الأوروبية أنّ داعش والقاعدة قد عززا وبشكل كبير صلاتهم مع المافيا المحلية والهياكل غير القانونية في أوروبا باستقطابهم إلى شبكتهم الاقتصادية العالمية. في حين أنّ استيراد المخدرات والأسلحة إلى أوروبا هو عمل أكثر تعقيداً وخطورة مما هو عليه في الشرق الأوسط. يستطيع تنظيم داعش، وفقاً لهذا الخيار، أن يمثل خطراً نسبياً، وقد فعل. يحتاج الاتحاد الأوروبي، وخاصة البلدان المجاورة - إيطاليا واليونان وفرنسا وإسبانيا وبلغاريا - إلى تعزيز مراقبة هياكلهم الإجرامية الداخلية وروابطها الدولية، من أجل تقليل نجاح الجهاديين في هذه المنطقة.
تورط حزب الله
ناشد الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء بمراقبة تورط حزب الله في القارة في قلب الجريمة المنظمة. "أشاهد التلفاز وأقرأ الأخبار - أرى الإجراءات ضد نشاط المنظمة. يمكنني أن أقول لكم إنّ إدراج المنظمة في قائمة الإرهابيين لن يوقف قنوات النشاط والاتجار - فالمنظمة أكثر نشاطاً في أمريكا الجنوبية ومنطقة البلقان، هكذا أكد اتصالٌ لحزب الله في بلغاريا، الذي ساعد المنظمة على بناء شبكات محلية في البلقان في الماضي. في الآونة الأخيرة، انضمت بريطانيا والأرجنتين إلى الدول التي أضافت الجناح العسكري لحزب الله إلى قائمة الجماعات الإرهابية، لكن لا يوجد دليل على أنّ أعضاء المنظمة أصبحوا الآن أقل فعالية.
مسؤولية قطر حول صاروخ  Matra
من بين الأسلحة التي اكتُشفت في حيازة متشددين يمينيين متطرفين، هناك صاروخ جو/جو من طراز Matra ، من صنع فرنسا، وتمتلكه القوات المسلحة القطرية، مما يطرح تساؤلات حول مسؤولية الدوحة في التعامل مع الأسلحة المحصل عليها، واستعمالاتها خلال بيع الأسلحة. يميل الخبراء إلى الاتفاق على أنه من غير المرجح أن تكون قطر قد قدمت الصواريخ مباشرة للنازيين الجدد. ربما انتهى الصاروخ في السوق السوداء التي أتاحت للمجموعة الحصول عليه. على أي حال، فإنّ القضية تؤكد على الفرص المتاحة للمجموعات التي تمتلك الكثير من المال. فالصواريخ وحتى المواد السامة هي في متناول يدها.

شاركت القاعدة في تأمين دوائر الكارتل الكولومبية التي تنقل الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى البلقان وأوروبا عبر غرب أفريقيا

تجدر الإشارة إلى أنّ إمكانية قيام الجماعات المتطرفة المحلية في أوروبا بتطوير شبكات إيصال الأسلحة، تتزايد باستمرار. لقد أظهر استطلاع نشر في بيلينغكات، أجري في أيار (مايو) 2019 ، أنّ هناك بعض الروابط بين الجماعات اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية والقوميين في البلقان والميليشيات المؤيدة لروسيا في بلغاريا. هذه المجموعات تقيم مراسلات نشطة، بل وتجري تدريبات عسكرية مشتركة. تتمثل إحدى نتائج هذا التعاون في العمل الإرهابي في كرايستشيرش، بنيوزيلندا؛ حيث قتل ناشط يميني خمسين شخصاً في مسجدين محليين. ويمكن رؤية السلاح المستخدم في الهجوم على مقاطع الفيديو الترويجية لمجموعة BNO Shipka القومية البلغارية. باستخدام AR-15s ، التي يتم تصنيعها أيضاً في بلغاريا، تجري التدريبات العسكرية في جبل Strandzha على الحدود بين بلغاريا وتركيا. كل هذا يشير إلى وجود الكثير من النشاط، وشبكة أكبر بكثير مما تخيلته السلطات المحلية.

تحالف المافيا والإرهاب في تجارة الأسلحة

كل هذا يدل على وجود اتجاه مشؤوم. فاليوم، يمكن لأي منظمة أو حكومة قلة تملك المال الكافي، شراء أسلحة، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة والذخيرة العسكرية. لن يكون هذا ممكناً دون وجود تحالفات دولية بين الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية والأوليغارشيين في البلدان الاستبدادية. في أمريكا الجنوبية، استخدمت الكارتلات غواصات سوفييتية تباع من قبل عصابات القوقاز والروس. ويحمي تنظيم القاعدة تدفق الكوكايين من البرازيل وكولومبيا في اتجاه غرب أفريقيا. تساعد مجموعات البلقان الإرهابيين على الاستقرار في أوروبا الغربية. ويستخدم داعش العصابات البلجيكية لتوصيل الأموال والأسلحة لمؤيديها. ويزوَّد اليمين المتطرف الإيطالي بالأسلحة من قبل شبكات إجرامية تعمل في الشرق الأوسط وروسيا عبر أوروبا. ويقتل الألبان والصرب منافسيهم في السويد باستخدام بنادق AK-47 المصنوعة في البلقان. الأمثلة على هذا النوع كثيرة.
عجز أجهزة الاستخبارات أمام ابتكارات الجريمة المنظمة
من الصعب مواجهة هذا التهديد. فمن الشروط الأساسية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هو تحسين تبادل البيانات بين أجهزة الاستخبارات التابعة لها، من أجل الحصول على رؤية أفضل حول الشبكات الإجرامية المنظمة التي تجعل العمليات الإرهابية ممكنة. ومع ذلك، ما فتئت سلاسل التحديات تتزايد مع التقدم التكنولوجي. لقد استخدمت القدرات الإلكترونية المتاحة للجهات الفاعلة غير الحكومية لتحييد المؤسسات الحكومية والمالية. فالطائرات بدون طيار التي تم شراؤها على الإنترنت هي اليوم في أيدي جميع الكارتلات والمجموعات الإرهابية تقريباً، مما يمنحها قدرات مراقبة (وربما الهجوم) تفتقر إليها بعض الجيوش. من الواضح أنّ قوات الأمن والاستخبارات في الاتحاد الأوروبي يجب أن تعيد التفكير في أساليب عملها لمنع هذه المجموعة من التهديدات. في الوقت الحالي، تُظهر الجريمة المنظمة مزيداً من الابتكار وأفقاً أوسع، فيما يبدو أنّ الخبراء وأجهزة الاستخبارات لا يزالون عالقين في أساليب التسعينيات.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

eeradicalization.com/fr و lalibre.be/international/

للمشاركة:

أردوغان إذ ينتصر للمال على حساب صحة شعبه

2019-10-16

منذ أن تعرّضت السّيّدة سيفجي جيبتجي للإصابة بالسّرطان قبل تسعة أعوام، صارت منخرطة في معركتين، واحدة ضدّ المرض وأخرى ضدّ الدّولة التّركيّة. جيبتجي (50 عاماً) تعيش في مدينة ديلوفاسي ضمن مقاطعة كوجالي في تركيا، على بعد حوالي 45 كيلومتراً (28 ميلاً) إلى الشّرق من إسطنبول. وتقول إنّ إقامتها هناك هي السّبب الدّقيق وراء معاناتها من سرطان الغدد الّليمفاويّة.

اقرأ أيضاً: "أردوغان".. وتقلبات السياسة التركية

في الماضي، كانت مقاطعة كوجالي عبارة عن امتداد ساحر من الأراضي الرّيفيّة بين بحر مرمرة والبحر الأسود؛ حيث انتشرت بساتين الكروم والخوخ. واليوم، بالرّغم من ذلك، يُفتقَد الكثير من هذا الانسجام الطّبيعيّ. فقد استقرّت أكثر من 2,000 شركة صناعيّة في المنطقة خلال العقود القليلة الماضية، وبين كلّ ثماني شركات تقريباً ثمّة واحدة أجنبيّة، بما في ذلك شركات ألمانيّة مثل باير وسيمنز.

جيبتجي رفعت دعوى ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة لأنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيرات بشأن التّلوث

لقد جعل التّصنيع من كوجالي منطقة مزدهرة، مع عدم وجود منطقة أخرى في البلاد، باستثناء إسطنبول، تتمتّع بناتج محليّ إجماليّ أعلى للفرد. إلّا أنّ هذا التّحوّل قد تسبّب أيضاً في إصابة السّكان بالمرض، وفقاً لما كشفته "دير شبيغل" بالتّعاون مع "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة".

الإلقاء العشوائيّ للنّفايات

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي. فالإفساد قد لحق بالأنهار والتّربة، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ. كما كشفت عيّنات المياه الّتي استخلصتها "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة" من النّهر في ديلوفاسي، وخضعت للاختبار في أحد المعامل الجامعيّة في إسطنبول، عن وجود تركيزات عالية من الحديد والنّيكل والفوسفور، من بين معادن ومواد كيميائيّة أخرى.

يعاني السكان من أمراض مختلفة بسبب التلوث البيئي

وفي عام 2005، كان أنور حمزة أوغلو، وهو أستاذ سابق للطّبّ بجامعة كوجالي، قد اعتمد على دراسة طوليّة لكشف أنّ خطر الوفاة من السّرطان في مسقط رأسه يصل إلى أكثر من ضعفي مثيله في باقي أنحاء البلاد. كذلك، أظهرت دراسة إضافيّة أجراها حمزة أوغلو وفريقه أنّ حليب الأمّ لدى نساء ديلوفاسي يحتوي على آثار من الألمنيوم والزّئبق. وفي عام 2007، أوصت لجنة برلمانيّة تركيّة بإعلان المقاطعة "منطقة كوارث صحّيّة". لكن بالرّغم من التّقارير، استمرّت الحكومة التّركية، برئاسة رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان، في فتح المنطقة أمام الصّناعة.

اقرأ أيضاً:  تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

ها هي سيفجي جيبتجي تجلس على كرسيّ بلاستيكيّ أمام منزلها في تلال ديلوفاسي، وتعاني صعوبة في التّحدّث، فيما يمسك زوجها أحمد بيدها. وكانت جيبتجي قد رفعت دعوى قضائيّة ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة (0.16 يورو، 0.17 دولار)، مدعية أنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيراتٍ بشأن التّلوث البيئيّ في مدينتهم. ومن جانبها، رفضت المحكمة الدّعوى.

وتلقي جيبتجي ببصرها نحو المنطقة الصّناعيّة في الوادي أدناه، حيث يجد طريق سريع مساره عبر أبنية سكنيّة شاهقة. والدّخان الكثيف ينجرف نحو السّماء من المداخن. وما من خيار أمام سكّان كوجالي سوى تنفس هذا الهواء السّيئ كلّ يوم.

"كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث"

إسماعيل سامي، وهو مؤسّس منظّمة غير حكوميّة تُدعى "إيكوس-دير"، يستقبل الزوّار في مكاتبه في وسط ديلوفاسي. وشأن العديد من سكّان المدينة، يعاني سامي مشكلات في الجهاز التّنفسيّ. ويتمثّل هدف منظّمته غير الحكوميّة في تعريف النّاس بالتّجاوزات البيئيّة الّتي تقوم بها الشّركات في منطقتهم، وأيضاً تنظيم التّظاهرات. يقول: "كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث. يمكن لأيّ شخص أن يأتي إلى هنا ويُنتِج على حساب صحّتنا".

اقرأ أيضاً:  كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

وكانت الشّركات الأولى في كوجالي قد استقرّت خلال السّتينيات، حيث قَيّمت القرب من إسطنبول وطرق الشّحن الّتي يمكن الوصول إليها بسهولة إلى أوروبا. لكن مع صعود أردوغان إلى السّلطة عام 2003، بدأ دخول التّصنيع إلى المنطقة في التّسارع. وتحوّلت الغابات والحقول إلى مصانع ومستودعات، ومنح أردوغان المليارات في شكل إعفاءات ضريبيّة خلال العقد الماضي للشّركات الّتي استقرّت في المنطقة.

تتمتّع الشّركات في كوجالي بضرائب أقلّ ولديها خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة، بل لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق

اليوم، هناك 13 "منطقة صناعيّة منظّمة" رسميّة في كوجالي، حيث تتمتّع الشّركات ليس فقط بضرائب أقلّ ولكن لديها أيضاً خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة. وفي الواقع، لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق.

باير وسيمنز ليستا الشّركتين الألمانيّتين الوحيدتين في هذه المنطقة الصّناعيّة. فشركات "بي أي إس إف" وثيسنكرب وشركة الغازات الصّناعيّة ليندي تمتلك مصانع في كوجالي. وقد دعمتها منظّمات مثل البنك الدّوليّ والبنك الأوروبيّ للإنشاء والتّعمير بملايين اليوروات. ولا يكاد أيّ شخص يشعر بالقلق الشّديد إزاء العواقب الصّحّيّة على شعب كوجالي، لا سيّما في أوروبا.

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي

مستقبل قاتم

عندما رغبنا في تعليق على القضيّة، صرّحت شركتا "بي أي إس إف" وسيمنز بأنّ مصانعهما في كوجالي تعتمد المعايير البيئيّة العالميّة وتخضع للتّفتيش بشكل منتظم. ووصفت وثيسنكرب منشأتها هناك بأنّها "جديدة ونظيفة نسبيّاً"؛ لأنّها بُنيت فقط في العام الماضي.

الإفساد لحق بالأنهار والتّربة بمقاطعة كوجالي التركية ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ

ويشعر أهل كوجالي بأنّ حكومتهم، إلى جانب الاتّحاد الأوروبيّ، قد تركتهم في مأزق. ويقول طبيب في ديلوفاسي، لا يريد الكشف عن اسمه خوفاً من فقدان وظيفته: "إنّ الهواء سيئ للغاية بحيث يؤدّي إلى معاناة الجميع من المرض، الأطفال والمسنين على حدّ سواء". وتقول هيريي أوديمس، وهي أمّ شابّة تعاني الرّبو: "فقط تخيّل أنّنا نأتي إلى بلدكم، ونبني مصانع ونتسبّب في تلوّث الهواء. لن تسمحوا أبداً بمثل هذا الشّيء".

وتقوم حكومة أردوغان بإخماد الاحتجاجات البيئيّة في كوجالي بانتظام. كما أصبح من الصّعب على سامي، مدير المنظّمة غير الحكوميّة، حشد النّاس للتّظاهر.

ويستمرّ الاستغلال البيئيّ في التّوسّع في المنطقة. فشركة هيدلبرغ للإسمنت تعمل حالياً على بناء مصنع في كوجالي. وسامي يحاول منع المشروع مستخدماً حيلاً إجرائيّة. لكنّه يدرك تمام الإدراك أنّه بالرّغم من أنّه قد يكون قادراً على تأخير تدمير منطقته، فإنّه لن يكون قادراً على منع ذلك.

 

مينا إير أوغلو، دير شبيغل

مصدر الترجمة عن الإنجليزية: https://www.spiegel.de

 

 

للمشاركة:

إرهاصات داعش بين الحرب والخيال والفوضى

2019-10-15

ترجمة: علي نوار


ظهر تنظيم داعش إلى النور بفضل الترويج لنبوءات خيالية مروّعة، ونما هناك في منطقة تسودها جيواستراتيجية الفوضى ويعيش حالة من انعدام الاستقرار وشيوع أجواء الاستقطاب وانهيار الأوضاع الإنسانية والاجتماعية والثقافية، يغذّي كل ذلك تدخلّات عسكرية أجنبية. ورغم إجهاض الأهداف الإقليمية لهذه الجماعة الإرهابية، لا تزال أفكارها وقدرتها على القتل والتكيّف ضمن الإطار العام قائمة.

اقرأ أيضاً: صُنّاع "داعش" يقطفون الثمار

ركّز مشروع الشر المُلقّب بتنظيم "الدولة الإسلامية" في البداية على بسط سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي كانت تشمل المنطقة الواقعة بين الأندلس- شبه جزيرة إيبيريا- وحتى خراسان- إيران وأفغانستان والهند وإلخ. لكن تقويض التطلّعات التوسعية لهذا التنظيم الإرهابي جاء متمثّلًا في خسارته المدن والقرى التي كانت تخضع له على الأراضي السورية والعراقية واحدة وراء الأخرى. وقفت قرية الباغوز السورية الصغيرة شاهدة على الانهيار الرمزي لـ"الخلافة" في آذار (مارس) 2019، بعد تحرير القرية على يد تحالف (قوات سوريا الديمقراطية) الذي تقوده وتشكّل أغلب قوامه فصائل كردية.

أطلال مسجد النوري في الموصل حيث أعلن البغدادي خلافته عام 2014

ويدين "داعش" بالفضل في ظهوره لما يُعرف باسم "جيواستراتيجية الفوضى": في مسرح تتضارب وتتقاطع فيه مصالح القوى العظمى والمتوسطة حيث تعتاد الدول الكبرى التدخل عسكرياً في دول ذات مقدرات عسكرية أضعف، وصولاً إلى تدمير البنية التحتية العامة- مثل الكهرباء والصحة والتعليم وإلخ- وإحداث خسائر كبيرة بين المدنيين بين قتيل وجريح. لذا لم يكن من قبيل الصدفة إعلان التنظيم الإرهابي قيام "الخلافة" المزعومة في هذا الإقليم. إنّ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والطائفية الدينية المتفشية في كافة أرجاء المنطقة- التي تسكب السياسة النار عليها- وفشل وقمع ثورات الربيع العربي عام 2011 في سوريا وليبيا، لهي أحداث لعبت دوراً رئيساً في تجذير الخلافة الزائفة.

تقترن بداية داعش بصورة زعيمه البغدادي وهو يعلن قيام الخلافة من مسجد النوري في الموصل بالعراق في حزيران 2014

وتقترن بداية "داعش" بشكل متكرّر بصورة زعيمه أبو بكر البغدادي وهو يعلن قيام الخلافة من مسجد النوري في مدينة الموصل بالعراق في حزيران (يونيو) عام 2014. لكن من أجل الوصول لجذور هذه الجماعة الإرهابية يجب أن نرجع للوراء عدّة أعوام، وتحديداً مع ظهور تنظيم القاعدة في العراق بقيادة الجهادي الراحل أبو مصعب الزرقاوي. يُعتبر "داعش" تأصيلًا للأفكار والمنهجية التي قام على أساسها تنظيم القاعدة، بخلق آلة رعب وتضخيمها إعلامياً بشكل يؤدّي لتلطيخ سمعة الإسلام بهدف وحيد هو تبرير ممارسات التنظيم الدموية، وكذلك تنصيب نفسه حامياً للإيمان بينما يفرّغه من أي معنى، الأمر الذي ينعكس في حقيقة كون 85% من ضحايا أعمال "داعش" هم من المسلمين.

والآن وبعد تجريد "داعش" من أي أراض كان يسيطر عليها، هل نجحنا بالفعل في إنزال الهزيمة بالفكر الجهادي وتجاوز الأسباب الهيكلية والاجتماعية الثقافية التي ساهمت في صعوده؟ الحقيقة أنّ الإجابة أبعد ما تكون عن الإيجاب.

حرب أهلية في صفوف القاعدة

يعتبر تنظيم القاعدة طليعة الإرهاب الجهادي منذ عقد التسعينيات وعلى رأسه زعيمه الراحل أسامة بن لادن، ويضمّ خلايا وأفرع تعمل على مستوى محلّي في كل مكان يكون له تواجد فيه ويتّسم نشاطه بالعالمية، رغم أنّ كل خلية أو مجموعة فرعية تتميّز بنوع من الاستقلالية. لكن الخلافات الداخلية بين صفوف التنظيم الأم أسهمت في نشوء "داعش".

اقرأ أيضاً: هل سيكون داعش ورقة ابتزاز جديدة بيد أردوغان؟

وفي 1999 أسّس الأردني أبو مصعب الزرقاوي تنظيم (التوحيد والجهاد) بهدف إقامة دولة إسلامية في البلد العربي، رغم أنّ الأمر انتهى به نشطاً بشكل أساسي في العراق المجاور. كانت رؤية الجهادي الأردني تجاه صور الجهاد أكثر أصولية إلى حد بعيد من تلك التي كان يتبنّاها بن لادن وقيادات القاعدة، ما أدّى لظهور خلافات ونزاعات فكرية مع هذا التنظيم منذ 1999. ورغم ذلك وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2004 أقسم الزرقاوي الولاء لبن لادن، وظهر تحت قيادته (تنظيم القاعدة في العراق).

عمل جيش حقيقي من وسائل الإعلام التي دشّنها التنظيم لنشر جميع صور العقاب والإعدام بجودة ذات بصمة سينمائية احترافية

قبل قيادته لتنظيم القاعدة في العراق، كان الزرقاوي قد أمر ونفّذ أعمالًا إجرامية ضد المدنيين المسلمين، الشيعة منهم على وجه الخصوص. كانت هذه الممارسات تتستّر بغطاء أيديولوجي من منطلق فكرة أنّه من أجل إقامة الخلافة فيجب القيام بتطهير الأمّة من الداخل. وبعد تولّيه زعامة القاعدة في العراق، استمرّ الزرقاوي في هذه الأفعال، الأمر الذي جلب عليه وبال التوبيخ من قيادات تنظيم القاعدة. فقد بعثوا إليه برسائل يطالبونه فيها بالتخفيف من حدّة أسلوبه والتركيز على جمع الدعم الشعبي من أجل إقامة الخلافة لاحقاً على المدى البعيد، وهو الهدف الذي كان من الواضح أنّ القيادي الجهادي الأردني لم يكن يتبنّاه تماماً؛ حيث كان يعتبر أنّ الخلافة يجب أن تقوم في أقرب وقت ممكن ثم سيأتي التأييد الشعبي فيما بعد عن طريق السيطرة الشديدة على المجتمع وحملات التطهير.

الطموحات الأولية الخيالية للخلافة التي أرادها داعش

وفي حزيران (يونيو) 2006، وقبيل نجاح أبو مصعب الزرقاوي في تحويل فكرته الخاصة بإعلان قيام "دولة إسلامية"، جرى قتله على يد القوات الأمريكية. لكن قبل مصرعه بأشهر، كان تنظيم القاعدة في العراق قد اندمج مع خمسة تنظيمات أخرى لينشأ ما يُسمّى بـ(مجلس شورى المجاهدين). وبعد مرور أربعة أشهر من مقتل الزرقاوي، تحوّل التنظيم إلى ما سيصبح فيما بعد (الدولة الإسلامية في العراق) تحت قيادة أبو عمر البغدادي- وهو ليس الزعيم الحالي أبو بكر البغدادي- وأبو أيوب المصري. وبدءاً من هذه اللحظة، نشأت توتّرات كثيرة بين تنظيم القاعدة الأم وفرعها العراقي، رغم عدم انفصالهما رسمياً بعد. وباءت محاولة (الدولة الإسلامية في العراق)- الذي كان بالكاد يسيطر على أراضي- بإنشاء خلافة في 2010 بالفشل حين أسقطت الولايات المتحدة زعيميه الاثنين. وفي نفس ذلك العام تحديداً قفز إلى الصورة زعيم "داعش" الحالي أبو بكر البغدادي.

اقرأ أيضاً: واشنطن بوست: مخيم الهول السوري قد يسقط في يد داعش

مع وجود البغدادي على رأس تنظيم مستقلّ عملياً عن (القاعدة)- رغم أنّ قيادات الأخيرة كانوا ما زالوا يعترفون بالبغدادي زعيماً لـ(الدولة الإسلامية في العراق)- واستغلالًا لحالة الفوضى التي حدثت عام 2011 جراء الحرب الأهلية في سوريا، حاول (القاعدة في العراق) توسيع نطاق نفوذه إلى سوريا. كانت الذريعة هي الانضمام إلى فرع (القاعدة) في سوريا المعروف باسم (جبهة النصرة) بحيث تصبح قيادة التنظيم في العراق تسيطر أيضاً على فرع التنظيم في سوريا، وبالتالي إعلان إنشاء "دولة إسلامية" في العراق وسوريا. رفض قادة تنظيم القاعدة فكرة الدمج هذه، ورأوا أنّ كل فرع يجدر به العمل بصورة مستقلة، كما أنّ زعيم (جبهة النصرة) محمد الجولاني رفض هو الآخر هذه الفكرة. إلّا أنّ تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق) نجح في توسيع نطاق نفوذه إلى الداخل السوري، وصولاً حتى إلى إدماج عناصر من (النصرة). وفي عام 2014 وبعد أعوام من التوتّر والنزاع مع الفرع العراقي وعبر رسالة، أعلن زعيم (القاعدة) أيمن الظواهري انشقاق (داعش) عن تنظيمه. وفي ذلك العام خرج البغدادي ليذيع للعالم نبأ قيام دولته ونصب نفسه خليفة.

احتراف دعاية الرعب

تستهدف كل جماعة جهادية إقامة دولة إسلامية. لذا لا يزال تنظيم (القاعدة) يسير على أفكار منظّرين مثل أبو مصعب السوري- الشهير بلقب مصطفى ست مريم-. ففي كتابه (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية)، يعتبر السوري أنّ الخط الذي يجدر بتنظيم القاعدة السير عليه يجب أن يكون إقامة دولة إسلامية، مروراً قبل ذلك بالجهاد المدعوم شعبياً. ورغم أنّه يشترك في هدف إنشاء دولة إسلامية، لكن تنظيم داعش لا يتبنّى استراتيجية السوري في تحقيق الأهداف.

أراد الزرقاوي إقامة الخلافة في أقرب وقت ثم ضمان التأييد الشعبي لاحقاً عن طريق السيطرة على المجتمع وحملات التطهير

فبتصعيده لوتيرة العنف والرعب، يتبيّن أنّ "داعش" يرتكز في أفكاره إلى مسار القيادي الإرهابي الأردني الزرقاوي والمنظّر الجهادي أبو بكر ناجي وكتابه (إدارة التوحّش). والأخير يرى الكثير من المحلّلين أنّه بمثابة كتاب (كفاحي) الذي ألّفه الزعيم النازي الراحل أدولف هتلر، بالنسبة للجهاديين.

ورغم إبراز ناجي أهمية اكتساب التأييد الشعبي عن طريق توفير الخدمات العامة، لكن كتابه يؤكّد أنّ الاستراتيجية الواجب اعتمادها لإقامة دولة إسلامية تعتمد على الهيمنة عن طريق الاستخدام غير المحدود للعنف. وخلافاً للقاعدة، فإنّ "داعش" لم يكترث لمسألة إذا كان يحظى بدعم المسلمين المحلّيين، وكان جلّ ما يهتم به هو غزو الأراضي وإعلان إقامة خلافة في أقرب وقت ممكن اعتماداً على العنف. وانطلاقاً من هذا الأساس، أقدم "داعش" وأفرع أخرى وتنظيمات موالية للقاعدة على تحدّي قياداتها بمحاولات فاشلة لإعلان دول إسلامية وأهم الأمثلة على ذلك هو جماعة الشباب بالصومال عام 2008، وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية باليمن عام 2012، وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بمالي عام 2013.

أراضي العراق وسوريا التي سيطر عليها داعش حتى عام 2016

سار "داعش" على أفكار ناجي والزرقاوي، لينجح منذ إعلان خلافته عام 2014 في التمدّد وإثارة الرعب على مستوى العالم عن طريق نزاع مسلّح كان يُبثّ أحياناً بشكل مباشر عبر الإنترنت. ووصل الأمر لدرجة أن سيطر داعش خلال عامي 2014 و2015- الفترة الذهبية بالنسبة له- على أراضي تفوق مساحة دولة مثل النمسا، وتشمل مدناً يقطنها 100 ألف نسمة مثل الرقة في سوريا، أو حتى مليون نسمة مثل الموصل بالعراق. في هذه الأراضي ارتكب "داعش" كافة أنواع الفظائع سواء الصلب أو بتر الرأس أو الإغراق أو بتر الأطراف. كانت هذه العقوبات القاسية توقّع بحق من يُضبط بينما يدخّن أو يحتسي الكحول أو يستمع للموسيقى أو يشاهد مباريات لرياضات غربية. بينما عمل جيش حقيقي من وسائل الإعلام التي دشّنها التنظيم بنفسه، مثل مجلتي (دابق) و(رومية) ووكالة الأنباء (أعماق)، لنشر جميع صور العقاب والإعدام بتقديم وجودة سمعية بصرية رفيعة المستوى ذات بصمة سينمائية احترافية. يُضاف إلى كل ذلك الترويج ونشر دعاية جهادية عبر قنوات عدة على تطبيق (تيليجرام) وشبكة (تويتر) للتدوينات المصغّرة ومواقع اجتماعية أخرى.

اقرأ أيضاً: الإخوان وداعش.. أيهما أخطر على أوروبا؟

ولعل الدافع وراء إضفاء هذا القدر من الاحترافية على قنوات بث الرسائل الجهادية ظهرت منذ العدد الأول من مجلة (دابق)، الصادر في تموز (يوليو) 2014. فقد أفرد هذا العدد مساحة كبيرة منه لتعديد مميزات العيش تحت إدارة الخلافة، بما فيها رواتب مغرية والسبايا اللاتي سيكنّ تحت طوع المقاتل. وهنا تبرز النبوءات الخيالية التي أرسى عليها "داعش" خلافته: الرؤية الكوارثية التي تتكهّن بقرب نهاية الزمان. وقبلها سيأتي المهدي المنتظر لإنقاذ المسلمين ويقودهم في مواجهة الصليبيين بمنطقتي دابق (سوريا) وأعماق (تركيا)، لذا دعا التنظيم هؤلاء الذين يرغبون في النجاة يوم الحساب بالانخراط في صفوفه. ولأجل منح الأمر مزيداً من الملحمية، حملت أولى مطبوعات "داعش" تحديداً اسمي هاتين المنطقتين.

غزو العراق: جيوسياسة الفوضى

لا يعُد توسّع "داعش" في الأراضي السورية والعراقية وسيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي في دول أخرى مثل ليبيا- حيث تمكّن التنظيم عام 2015 من الاستحواذ على ما يزيد عن 200 كلم من السواحل الليبية- من قبيل الصدفة على الإطلاق. فقد حافظ التنظيم على أراضٍ واسعة؛ حيث استفاد بشكل كبير من الفرص التي أتيحت كنتيجة لجيوسياسة الفوضى، أو بمعنى آخر، الدول الفاشلة الغارقة في بحور العنف والطوارئ الإنسانية. وكانت حالة غياب الاستقرار هذه راجعة في جانب إلى التدخّلات العسكرية التي حدثت بداعي "إحلال السلام" في الدول التي تشهد وجود أنظمة استبدادية، الأمر الذي استوجب بالتالي وضع خطط للإغاثة الإنسانية والدعم الاجتماعي السياسي من قبل الفاعلين الديمقراطيين المحليين خلال الفترة التالية للعمليات العسكرية.

الغزو غير المسؤول للعراق عام 2003 يلعب دوراً كبيراً في فهم كيفية نشوء تنظيم داعش

وفي السياق ذاته، فإنّ الغزو غير المسؤول للعراق عام 2003 يلعب دوراً كبيراً في فهم كيفية نشوء تنظيم داعش. ففي أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 بنيويورك، بدأت حرب إعلامية تقودها إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جورج دبليو بوش، الذي دأب على التأكيد بوجود أسلحة دمار شامل في العراق. وتحت هذه الذريعة الزائفة، سقط نظام الدكتاتور العراقي الراحل صدام حسين بعد أسابيع قليلة من دخول القوات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة إلى البلد العربي. حوّل هذا التدخّل العراق إلى دولة فاشلة، ليسهّل بالتالي توافر الظروف كي يجد الزرقاوي، وبعده البغدادي، تربة خصبة للصعود. بعدها بأعوام، تسبّبت الفوضى في ليبيا إثر التدخّل العسكري الغربي ومقتل العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، في تكرار نفس المشهد بالدولة المغاربية.

اقرأ أيضاً: أين سيُحاكم المعتقلون من تنظيم داعش في سوريا؟

خلال مرحلة غزو العراق- التي شهدت مصرع آلاف المدنيين- حفلت السجون بوسائل تعذيب بشعة كانت تُمارس بشكل مُمنهج. التحق الكثير من السجناء الذين تعرّضوا لسوء المعاملة والإهانات داخل السجون العراقية فيما بعد بصفوف "داعش" أو تنظيمات جهادية أخرى مثل "القاعدة". يُعتبر (أبو غريب) و(بوكا) أشهر السجن العراقية؛ حيث هيمن شعور الإحباط والإذلال والذي زرع بذور الكراهية والتي تحوّلت بدورها إلى أصولية جهادية لدى الكثير من المُعتقلين. كان سجن بوكا، الذي يلقّبه الكثير من الجهاديين بـ"المدرسة"، يضمّ عدداً كبيراً من قيادات والمتعاطفين وعناصر الجماعات الجهادية، والذين نجحوا خلال فترة حبسهم في تجنيد أفراد آخرين وبناء ما سيصبح لاحقاً تنظيم داعش. كان أبو بكر البغدادي نفسه محبوساً في هذا السجن، حيث أجرى اتصالاته لوضع الهيكل الذي سيقوم على أساسه التنظيم.

أمسى الاستياء الشعبي الذي تلا الغزو الأمريكي، صراعاً طائفياً بين السنة والشيعة، تغذّيه القرارات السياسية التي تتّخذها القوات المحتلّة التي جاءت عقب التدخّل العسكري الكارثي بنوري المالكي- شيعي المذهب- على رأس السلطة عام 2006. تُرجم ذلك إلى أوضاع أسوأ بالنسبة للسنّة من العراقيين، الذين اضطروا للتخلّي عن السلطة وعانوا انقطاعات مستمرة في التيار الكهربي فضلًا عن غياب الخدمات العامة وصعوبات أخرى. على جانب آخر، تزايدت وتيرة الهجمات التي تستهدف الشيعة والتي كان ينفذّها تنظيم القاعدة- سنّي المذهب-. ومن شمال العراق تحديداً، مسقط رأس صدام حسين وحيث يسيطر شعور بالظُلم، انبثق تنظيم داعش. نظراً لأنّ الكثير من سكّانه تعرّضوا للتعذيب والإهانة داخل السجون الأمريكية على الأراضي العراقية، وليس مستغرباً أنّ عدداً كبيراً من كبار مسؤولي نظام صدام راودهم السخط تجاه فقدان السلطة ليقرّروا الانخراط في صفوف الجماعات الإرهابية، بل وتولّوا مناصب قيادية فيها.

سوريا أرض خصبة لداعش

مع بداية الثورة السورية عام 2011، ومع قُرب إسقاط الأسد- خاصة بعد رؤيته لرؤساء إقليميين آخرين يغادرون الحُكم مثل بن علي في تونس ومبارك في مصر-، نفّذ الرئيس السوري مناورة من أجل الحفاظ على صورته أمام المجتمع الدولي كخيار أقل سوءاً، وصولاً إلى النجاح في الحصول على دعم روسيا. وفي مستهل الاحتجاجات، أطلق رئيس سوريا سراح مئات السجناء الأصوليين، الذين انخرطوا في صفوف تنظيمي "جبهة النصرة" و"داعش" للقتال. هذا السياق، وعلاوة على قمع المعارضة الديمقراطية السورية، كان سلاحاً ماضياً استغلّه تنظيم البغدادي في العراق كي يمدّ هيمنته إلى سوريا حيث تمكّن من السيطرة على مدن بأهمية تدمر والرقة.

خلال مرحلة غزو العراق حفلت السجون بوسائل تعذيب كانت تُمارس بشكل مُمنهج حيث التحق الكثير منهم فيما بعد بصفوف داعش

قد يكون "داعش" قد انهزم بحرمانه من آخر معاقله في الباغوز، لكن لا ينبغي الخلط بين انتزاع الأراضي منه وبين الهزيمة النهائية. من الخطير للغاية هنا التقليل من شأن تنظيم نجح في استقطاب 50 ألف مقاتل ضمن صفوفه ينحدرون من مختلف الأماكن. كما أنّ زعيم التنظيم لا يزال حياً حتى لحظة كتابة هذا المقال، ما يعبّر عن قدرة "داعش" على التكيّف.

لقد كان التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان خلال الثمانينيات والغزو الأمريكي للعراق في 2003، كمدرستين للأصولية والإرهاب بالنسبة للقاعدة وداعش، على الترتيب، والدرس المُستفاد هنا هو مدى الخطر المحيق عند السماح بإطالة أمد نزاعات مسلّحة تعمّق حالة الاستقطاب وانعدام الاستقرار. ربما جرى شنّ الحرب على الإرهاب من المُنطلق العسكري، لكن يجب شنّها أيضاً على مستوى الفكر والثقافة والجوانب الإنسانية كذلك، بصورة تسهم في التعامل مع المشكلات التي تجابهها الدول الفاشلة التي لا تزال جذور وروافد الجماعات الإرهابية حاضرة فيها بعد.


تحليل لعوامل ظهور تنظيم داعش وأسباب انتشاره، لخابيير بلانكو الأستاذ في جامعة سالامانكا الإسبانية والمتخصص في الإرهاب السلفي الجهادي، نشرته مؤسسة (الأوردن مونديال)

مصدر الترجمة عن الإسبانية: https://bit.ly/2kQNmI7

للمشاركة:



فرنسا: مطالبات بتعليق عضوية تركيا في الناتو وفرض عقوبات عليها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

طالب 59 برلمانياً فرنسياً، من 8 مجموعات سياسية، الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بدء فرض عقوبات على تركيا، والتحرك من أجل تعليق عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وحثّ البرلمانيون الفرنسيون الرئيس ماكرون على فرض عقوبات على تركيا، على خلفية عدوانها على شمال سوريا، وبذل كافة الجهود من أجل مساعدة "الحلفاء الأكراد"، وفق "فرانس برس".

برلمانيون فرنسيون يطالبون ماكرون ببدء فرض عقوبات على تركيا على خلفية عدوانها على سوريا

وقال البرلمانيون في بيان مشترك: "نحن منزعجون بشدة من الصمت أمام هذه الهجمات التي يشنّها الجيش التركي على أكراد سوريا، وذاك الاحتلال الذي ينتهك الحقوق الدولية للديمقراطيات الغربية، ويدفع المنطقة للمزيد من الاضطرابات، ندعو أوروبا للتحرك بشكل عاجل من أجل اتخاذ التدابير اللازمة ضدّ تركيا".

وسرد البيان مجموعة من الطلبات اللازم اتخاذها، على رأسها وقف العداون التركية على سوريا فوراً، وحماية حلفائنا الأكراد الذين قدموا تضحيات كبيرة في المواجهة مع داعش.

كما أكّد البرلمانيون على ضرورة وقف كافة المفاوضات مع أنقرة المتعلقة بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وقطع جميع المساعدات المالية عن أنقرة، مطالبين بتوقيع عقوبات على تركيا مشابهة بالعقوبات الاقتصادية الموقعة على خلفية ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم.

وأيضاً، طالبوا بتعليق عضوية تركيا في حلف الناتو؛ بسبب تهديدها للأمن المشترك للدول الإفريقية.

 

للمشاركة:

تركيا وميليشياتها ينتهكون اتفاق وقف إطلاق النار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

انتهكت القوات التركية والميليشيات الموالية لها اتفاق وقف إطلاق النار؛ حيث تجدّدت الاشتباكات في بلدة رأس العين السورية، بعد هجوم مسلّح شنّته على موقع وحدات حماية الشعب الكردية.

ومن جهة أخرى، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، اليوم: إنّ بلاده ستناقش مع روسيا إخراج مسلحي وحدات حماية الشعب الكردية من مدينتَي منبج وكوباني شمال سوريا، خلال محادثات في سوتشي، وفق ما نقلت "سكاي نيوز".

القوات التركية والميليشيات الموالية لها يشنّون هجوماً على وحدات حماية الشعب الكردية

وسيسافر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى سوتشي، بعد غد، لإجراء محادثات طارئة مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتن.

وصرّح جاويش أوغلو، خلال مقابلة مع قناة "كانال 7"؛ بأنّ "تركيا تتوقع إخراج وحدات حماية الشعب من المناطق التي انتشرت فيها القوات الحكومية السورية المدعومة من موسكو في شمال سوريا".

وأضاف: "تركيا لا تريد أن ترى أيّ مسلّح كردي في المنطقة الآمنة بسوريا، بعد هدنة الأيام الخمسة".

وشنّت تركيا عملية عبر الحدود ضدّ وحدات حماية الشعب في شمال شرق سوريا، في التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، بعد أن قرّر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سحب قوات بلاده من موقَعين في المنطقة، في خطوة قوبلت بانتقاد دولي شديد.

بدورها، اتّهمت منظمة العفو الدولية، الأول من أمس، القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها بارتكاب "جرائم حرب" في هجومها ضدّ المقاتلين الأكراد، شمال شرق سوريا.

وذكرت المنظمة في تقرير لها؛ أنّ "القوات التركية وتحالف المجموعات المسلحة المدعومة من قبلها أظهرا تجاهلاً مخزياً لحياة المدنيين، عبر انتهاكات جدية وجرائم حرب بينها عمليات قتل بإجراءات موجزة وهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين".

 

للمشاركة:

الحوثيون يستعدون لمهاجمة جيزان السعودية..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

كشف قیادي حوثي كبیر اكتمال تجھیز كتیبة یزید تعدادھا عن ألف مقاتل، مخصصة للاقتحامات، لشنّ ھجوم على محافظة جیزان السعودية .

قیادي حوثي يكشف اكتمال تجھیز كتیبة یزید تعدادھا عن ألف مقاتل لشنّ ھجوم على جیزان

وقال القیادي، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، في تصريح نقله موقع "المشھد" الیمني، أمس: إنّ "الكتیبة یتمّ التجھیز لھا منذ مایقارب الشھر، بخبرات إیرانیة ولبنانیة ویمنیة، وإنّھا ستكون ناجحة، بحسب المصدر، نظراً للظروف الطبیعیة المواتیة والتي تتشابه مع الظروف البیئیة للمقاتلین الحوثیین والمنحدرین في الغالب من المناطق الجبلیة" .

وأكّد المصدر عجز عناصر الميلیشیا الحوثیة الإرهابية عن الھجوم على المناطق الصحراویة والساحلیة، وھو ما كبّدها خسائر فادحة، خاصّة بسبب عدم وجود جیوب ومخابئ من طیران الأباتشي، وعدم وجود غطاء جوي لها .

وأوضح المصدر؛ أنّ "الھدف من ھذه العملیة ھو الضغط على السعودية للاعتراف

بالميلیشیا كأمر واقع، رغم ما تشكّله من خطر على جمیع الأنظمة العربیة، بتبعیتھا لنظام الملالي في إیران" .

الحوثي: الكتیبة یتمّ التجھیز لھا منذ مایقارب الشھر بخبرات إیرانیة ولبنانیة لشنّ الهجوم

الجدیر بالذكر؛ أنّ المصدر كشف أیضاً تكبّد الحوثيين خسائر بشریة كبیرة، خلال الشھرین الماضیَین، خاصة في جبھتَي الضالع والساحل الغربي.

من جانبها، تمكّنت القوات السعودية من صدّ محاولات اقتحام متعددة قامت بها ميليشيات الحوثي الإرهابية في المناطق الحدودية، وألحقت بالميليشيات خسائر، بشرية ومادية، كثيرة.

 

للمشاركة:



"أتيب".. ذراع أردوغان لنشر التطرف في أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

حسام حسن

داخل مبنى من طابقين في الحي العاشر بالعاصمة النمساوية فيينا، يتنقل أتراك ووجوه عربية بين مطعم في الطابق الأرضي ومسجد ومركز ثقافي في الطابق الثاني، والحديث لا يتوقف عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعمليته الأخيرة في سوريا.

وما أن تطأ قدم الزائر هذا المقر التابع للاتحاد الإسلامي التركي في النمسا "أتيب"، تجد نفسك في مجتمع منفصل تماما، لا يحمل من البلد المضيف أي ملامح، ولا يستخدم لغته إلا في أضيق الحدود، لا سيما في المناقشات بين العرب والأتراك؛ حيث تدور في فلك أردوغان وحركاته التي يدعمها لتنشر التطرف في أوروبا لتحقيق أهدافه المشبوهة.

واستطاعت "العين الإخبارية" الوجود في هذا المكان على مدار يومين، خلال الأسبوع الماضي، أثناء سير العدوان العسكري على شمالي سوريا، لرصد ما يدور في هذا المكان الذي يثير قلق السلطات النمساوية، وهو ما دفع البرلمان قبل أسابيع لإصدار توصية بحظر منظمة "أتيب".

وأمام أجهزة التلفاز في الطابق الأرضي، جلس أتراك وعرب يتناولون طعاما غير مجاني، بل يفوق سعره (٧ يوروهات ونصف اليورو) عن مطاعم كثيرة في فيينا، ويتابعون سير العدوان على سوريا.

وتجاذب المشاهدون أطراف الحديث، فقال شخص مصري بألمانية ركيكة "أردوغان يعمل على تحقيق مصالح بلاده، ويعي جيدا ماذا يفعل"، وتبعها بالعربية "اللهم انصره"، لكن الأغرب كان تأييد شاب سوري لهذه الكلمات بـ"ليت كل حكامنا مثله"، رغم أنه يغزو بلاده.

وفي جنبات المكان، كان شيوخ وشبان أتراك يتابعون التلفاز، ويتحدثون باللغة التركية.

وتحدثت "العين الإخبارية" مع عرب كانوا موجودين في المكان، وكان جميعهم من مؤيدي أردوغان، وينتمون لجماعة متطرفة يدعهما أردوغان، ويرددون ما يسمعونه من الأتراك الموجودين حولهم.

وقال رجل مصري الأصل لكنه يحمل الجنسية النمساوية، يدعى "علي" إن أتيب "توفر مكانا للصلاة، والطعام، والمناقشات بين المسلمين في النمسا".

وتابع: "تناولت خطبة الجمعة الأسبوع الماضي عمليات الجيش التركي في سوريا، ودعا الخطيب للجيش بالنصر".

ويمتلك اتحاد "أتيب" 64 مقرا ومسجدا في عموم النمسا، بينها 5 مقرات كبيرة في فيينا، فضلا عن 100 ألف شخص ينضوون تحته.

وتعمل "أتيب" كمظلة تضم منظمات وأندية ثقافية ومساجد في الأراضي النمساوية، وتهدف لترسيخ الثقافة ونمط الحياة التركي على المجتمع، ونشر أفكارها الدينية المتطرفة، حسب صحيفة كورير النمساوية الخاصة.

ووفق صحيفة كورير، فإن "أتيب" تعد ذراع أردوغان الطولى في النمسا، وتتلقى تمويلا لأنشطتها ورواتب أئمتها من مديرية الشؤون الدينية التركية "حكومية"، وتخضع لتأثير مباشر من النظام التركي وحزب العدالة والتنمية.

ولفتت الصحيفة إلى أن "أتيب" ملاذ للإسلاميين في النمسا، ومفرغة لمؤيدي التنظيمات المتطرفة التي يدعمها أردوغان.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الاتحاد يمارس أنشطة تجسس على المعارضين الأتراك في النمسا لصالح وزارة الداخلية التركية.

وفي ربيع 2018، أثارت محاكاة أطفال لأحد المعارك العثمانية في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) في أحد المساجد التابعة لـ"أتيب" في فيينا، أزمة كبيرة مع الحكومة النمساوية التي اتهمت الاتحاد بـ"انتهاك حقوق الأطفال"، و"خلق مجتمع موازٍ" في البلاد، وفق صحيفة كرونة النمساوية الخاصة.

ووصفت الخبيرة الألمانية في شؤون الإسلام السياسي، سوزان شروتر، أتيب، في تصريحات لصحيفة تاجس بوست الألمانية، بأنها "منظمة وريثة لتنظيم الذئاب الرمادية المتطرف، وقريبة من الإخوان".

وفي سبتمبر الماضي، أصدر البرلمان النمساوي توصية للحكومة بحظر جمعية "أتيب". وقالت صحيفة "أوسترايش" النمساوية إن "قائمة الآن، وكتلتي حزب الشعب "صاحب الأكثرية"، وحزب الحرية، نجحوا، في تمرير توصية للحكومة بحظر جمعية "أتيب" الإسلامية.

ووفق التقرير؛ فإن التوصية تطالب الحكومة بفحص ومراقبة كل المقرات التابعة لـ"أتيب" في النمسا.

وفي مارس الماضي، قال بيتر بيلتس، زعيم قائمة "الآن" في البرلمان في حوار مع وكالة الأنباء النمساوية الرسمية "إيه بي إيه" إن النظام السياسي في النمسا مخترق من الجماعات الإسلامية التركية والإخوان المسلمين. وتابع: "جمعية أتيب الإسلامية التركية والإخوان المسلمين هما الخطران الأساسيان".

بدوره، قال رودجر لولكر، الخبير في شؤون جماعات الإسلام السياسي، وأستاذ اللغات الشرقية في جامعة فيينا "حكومية" لـ"العين الإخبارية" إن أتيب تتحالف مع الإخوان في شبكة واحدة تعمل تحت لواء النظام التركي وتسعى لتحقيق مصالحه في النمسا وأوروبا بشكل عام.

وتابع: "من الطبيعي أن تتشابك العلاقات بين التنظيمين، وتوجد عناصر من الإخوان والإسلام السياسي بشكل عام، في مقرات أتيب"، مضيفا: "قائدهما واحد"، في إشارة إلى نظام أردوغان.

وبدأ الرئيس التركي عملية عسكرية في 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري على الأراضي السورية استمرت أكثر من أسبوع، وتسببت في أزمة إنسانية جديدة بسوريا مع نزوح نحو 300 ألف مدني، إلى جانب مئات القتلى والجرحى أغلبهم من المدنيين.

وقوبل الهجوم التركي بعاصفة من الإدانات الإقليمية والدولية، كما أوقفت العديد من الدول الأوروبية تصدير الأسلحة إلى تركيا، على خلفية الهجوم الذي أدى إلى فرار العديد من عناصر تنظيم داعش الإرهابي من مخيمات المنطقة.

وأسفر العدوان التركي، خلال الأسبوع الماضي، عن فرار 785 عنصرا من تنظيم داعش الإرهابي من الأجانب المعتقلين في مخيم عين عيسى.

عن "العين الإخبارية"

للمشاركة:

هل يمكن تجميد عضوية تركيا بـ"الناتو"؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

نجاة السعيد

تسببت العمليات العسكرية المستمرة لتركيا في شمال سوريا، والتي أطلق عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «منبع السلام»، في حالة من الفزع بين حلفائها في حلف «الناتو»، وفي ظل هذه الانتهاكات الخطيرة وجرائم الحرب، بما في ذلك القتل العمد والهجمات غير القانونية التي أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال العدوان على شمال شرق سوريا، تتزايد التساؤلات عما إذا كان بإمكان الحلف طرد تركيا؟ فقد وصف الرئيس الفرنسي العملية العسكرية التركية باعتبارها «ضرباً من الجنون»، محذراً من أنها قد تتسبب في فرار المتطرفين المحتجزين لدى «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وفي انبعاث «داعش» مجدداً. وبرأي الرئيس الفرنسي، فإن ما يحصل في شمال شرق سوريا «خطأ جسيم ارتكبه الغرب والحلف الأطلسي في المنطقة»، وأن إحدى نتائجه ستكون «إضعاف مصداقيتنا في إيجاد شركاء في المنطقة يثقون بنا، ويقاتلون إلى جانبنا، وهم متأكدون من حمايتنا الدائمة لهم».
كما أعلن رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، الجمعة الماضي، «أنّ الاتحاد الأوروبي لن يقبل استخدام الرئيس التركي قضية اللاجئين للابتزاز»، داعياً في الوقت نفسه إلى وقف العملية العسكرية التركية في الشمال السوري.
وقد ذهب آخرون أبعد من ذلك، فتوعد السناتور الأميركي ليندسي جراهام بـ«فرض عقوبات من الحزبين على تركيا إذا قامت بغزو سوريا»، وبـ«الدعوة إلى تعليق عضويتها من الناتو إذا هاجمت القوات الكردية التي ساعدت الولايات المتحدة في تدمير داعش». وقد اقترح النائب إليوت إنجل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي، على الولايات المتحدة أن تفكر في طرد تركيا من «الناتو». وفي 13 أكتوبر، كشف وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبير، أنه حذّر تركيا قبل توغلها في الأراضي السورية من مثل هذه العملية أو مواصلتها، إذ أن ذلك «سيضر بالعلاقات الأميركية التركية وببقاء تركيا في الناتو».
إلا أن سيناريو طرد تركيا من الحلف يقابل بتردد من بعض الأعضاء، بمن فيهم الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، الذي امتنع عن انتقاد الانتهاكات التركية في سوريا، واكتفى بالدعوة إلى وقف القتال، مشيراً إلى أن الحلف لا يلعب أي دور في سوريا، باستثناء المساعدة في تنفيذ عمليات استخباراتية، وتنظيم حركة الطيران فوقها.
إن هذا التردد يعود إلى عدة أسباب، أهمها أن تركيا تعد ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف بعد الولايات المتحدة، ويسهم استمرار عضويتها في «الناتو» في احتواء الخلافات القديمة بينها واليونان. كما يعول «الناتو» بشكل ملموس على قاعدة إنجرليك كمنطلق أساسي لأنشطته في الشرق الأوسط، فضلاً عن وجود أسلحة نووية أميركية في ذلك الموقع العسكري الحساس، بالإضافة إلى أن تركيا تحظى بموقع جغرافي استراتيجي، وخاصة سيطرتها على مضيق البسفور، الممر المائي الوحيد من وإلى البحر الأسود.
ورغم أن المادة 3 من معاهدة شمال الأطلسي تلزم الأطراف بتطوير التحالف العسكري، فإن هذا الالتزام يهدف إلى متابعة أهداف المعاهدة، ومنها أن حلف «الناتو» ليس مجرد مجتمع مصالح، ولكنه أيضاً مجتمع قيم، وبالتالي فإن واجب تطوير القدرات العسكرية والتعاون لتحقيق هذه الغاية لا يلغي الالتزام بتعزيز مبادئ الديمقراطية والحرية الفردية وسيادة القانون.
قد يبدو لبعض أعضاء حلف «الناتو» أن طرد عضو من الحلف يمثل إجراءً متطرفاً، لكن من الممكن تجميد العضوية لأنه لا العقوبات الاقتصادية ولا الهدنة، متمثلة في وقف إطلاق النار ستجدي نفعاً مع هذه العنجهية الخرقاء، متمثلة في انتهاكات الرئيس التركي، والتي يتعين كبحها وكبح المطامع العثمانية الجديدة معها، وليس تركيا كدولة.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

انقسام في "النهضة" بين قيادة الحكومة أو الحكم من وراء ستار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

كشفت أوساط مقربة من اجتماع شورى حركة النهضة عن وجود خلافات قوية بين قيادات الحزب بشأن المرشحين لرئاسة الحكومة، وأن هناك شقا كبيرا يطالب بأن تسند هذه المهمة لقيادي من الحركة ومن وجوهها التاريخية مثل علي العريض وعبداللطيف المكي وزياد العذاري، بينما القيادة التنفيذية وعلى رأسها راشد الغنوشي تعتبر أن الحكم من خلال واجهة شخصية وطنية مستقلة أسلم للحركة.
وحرص الشق المتصلب في الحركة على إطلاق تصريحات، قبل البدء في جلسات المجلس الذي يستمر ليومين، تشدد على أن خيار الحركة الأوحد هو اختيار واحد من قياداتها. لكن متابعين للشأن التونسي يقولون إن الهدف من ذلك هو إظهار نوع من الحزم بمواجهة ضغوط من حلفاء مفترضين في الحكومة القادمة يطالبون بحكومة وحدة وطنية أو كفاءات مستقلة تحت إشراف الرئيس الجديد قيس سعيد حتى تحصل على دعم شعبي أوسع.
وأعلن رئيس مجلس الشورى عبدالكريم الهاروني، السبت، أن “الحركة تتجه وبقوة نحو تعيين شخصية من داخلها لترأس الحكومة، باعتبارها الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية (52 مقعدا من 217)، والمكلفة حسب الدستور بتشكيل الحكومة”.
وأضاف الهاروني أن النهضة بدأت اتصالات ومشاورات مع أحزاب وأطراف متواجدة في البرلمان، منها التيار الديمقراطي (22 مقعدا)، حركة الشعب (16 مقعدا)، “تحيا تونس” (14 مقعدا) وائتلاف الكرامة (21 مقعدا)، إضافة إلى نواب مستقلين.

وكان فتحي العايدي، رئيس مجلس الشورى السابق للحركة قال منذ يومين إن رئيس الحكومة سيكون من النهضة، وإن من يرفض هذا الخيار فليستعد لإعادة الانتخابات، وهو ما فهم على أنه تعال واستخفاف بالكتل التي تسعى النهضة لإشراكها في التحالف الحكومي.
وعزا مراقبون هذا التشدد إلى محاولة استرضاء أنصار الحركة الذين باتوا يعتقدون أنه حان الوقت لاستلام الحكم وتجنب خيار التوافق الذي قاد إلى تضرر الحركة من العقاب الشعبي الذي سلطه الناخبون على أحزاب الائتلاف الحاكم السابق بسبب فشلها في مواجهة ملفات الفساد والأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة.
لكن هؤلاء المراقبين يعتقدون أن الغنوشي والقيادة التنفيذية المحيطة به يميلون إلى الاستمرار في خيار التوافق وترشيح شخصية وطنية مستقلة ترضي طيفا واسعا من السياسيين والرأي العام لتجنب عقاب قادم يطال الحركة لوحدها.
وتورطت النهضة في السابق بقيادة الحكومة في فترة حمادي الجبالي وعلي العريض أيام كانت تمتلك القوة الضاغطة شعبيا وبرلمانيا لكنها فشلت في إدارة الحكم، وعلى العكس فقد قادت إلى تعميق الأزمة السياسية بسبب الخطاب الحاد والاستعلائي تجاه الخصوم، فضلا عما أحاط بتلك الفترة من وضع أمني كارثي بسبب الاغتيالات السياسية وتوسع أنشطة الجماعات الإرهابية، وهو وضع اتهمت الحركة بأنها تتحمل مسؤوليته المباشرة سياسيا.
ويعتقد متابعون للشأن التونسي أن الحركة ستجد نفسها مضطرة إلى البحث عن شخصية وطنية تكون بمثابة واجهة تستطيع من خلالها جذب كتل أخرى مثل حركة الشعب والتيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة وتحيا تونس للتصويت لفائدة الحكومة بالبرلمان، وحتى لا تتهم بالتعطيل وتغليب المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية.
ويشير هؤلاء إلى أن الغنوشي، الذي يميل شخصيا إلى الحكم من وراء ستار، سيمارس ضغوطا داخل مجلس الشورى لإعطائه صلاحية قيادة المشاورات بشأن اختيار رئيس الحكومة وكذلك عقد تفاهمات بشأن المحاصصة في تركيبة الحكومة، لافتين إلى أن خيار النهضة الأول هو توفير الحزام السياسي لحكومتها وليس الحقائب وهو ما يعني أنها لا تمانع في التنازل عن الحقائب السيادية التي قد تجلب لها متاعب إضافية بسبب مخاوف الطبقة السياسية من الأخونة والسيطرة على المؤسسات الحساسة.
وتتخوف النهضة من تشكل جبهة قوية بمواجهتها مثلما جرى في 2013، ولذلك تحرص على بعث رسائل إيجابية إلى اتحاد العمال، واتحاد أرباب العمل.
وقال الهاروني إن “الاتصالات جارية أيضا مع مجموعة من المنظمات الوطنية، التي لها دور في إنجاح التجربة الديمقراطية التونسية، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية)، باعتباره شريكا أساسيا للنهضة وشريكا في إدارة الشأن الوطني، إضافة إلى اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة الأعراف)، واتحاد الفلاحين، والمجتمع المدني”.
وأضاف الهاروني أن اجتماعات مجلس شورى النهضة ستناقش طبيعة الحكومة المقبلة، والأطراف التي ستشارك فيها وبرنامجها، الذي يجب أن يعبّر عن طموحات التونسيين، ويأخذ بعين الاعتبار الشباب، والمناطق الداخلية، والحرب على الفساد والفقر والبطالة، وتخلف التنمية.
وشدد على أن النهضة لا تريد انتخابات سابقة لأوانها (مبكرة)، لكنها لا تخشاها (في حال فشلت عملية تشكيل حكومة).

عن "العرب اللندنية"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية