"الإخوان" في ليبيا: هل تبدل المزاج الشعبي تجاه الإسلام السياسي؟

7758
عدد القراءات

2019-04-16

منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا عام 1928 في مصر وهي تسعى جاهدة لنشر فكرها السياسي والدعوي، وقد أحدثت هذه الجماعة اضطراباً وضجة في أي مكان حلّت فيه، ولم تكن ليبيا استثناء في هذا الجانب، وقد تميزت الساحة الليبية بخصائص دينية وسياسية وقبلية، كان لها تأثيرها المباشر في نشاط الحركة ذات البعد السياسي والامتداد الإقليمي والدولي.

اقرأ أيضاً: ليبيا: منطق "الغنيمة" وغياب الدولة
ولازالت ارتدادات هذا العامل المميز لليبيا منذ نالت استقلالها عن إيطاليا بداية الخمسينيات الميلادية، وإعلانها دولة ملكية، ومن ثم انقلاب القذافي وتحويل الدولة إلى جماهيرية بحكم الفرد المطلق، وما أعقب ذلك من نهاية دموية لنظامه لم يتعافَ البلد بعد من آثارها؛ ما يستدعي تناول المراحل والمحطات التي مرت بها الجماعة في الدولة الليبية الحديثة.

العهد الملكي: النشأة والتسامح السياسي

كانت بداية جماعة الإخوان في ليبيا حين بدأ الخناق يضيق عليهم في دولة التأسيس بمصر، وذلك بعد اغتيال النقراشي باشا في نهاية عام 1948 واتهام السلطات المصرية للجماعة بالوقوف خلف الحادثة، وإثر ذلك هرب رجل دين يُدعى عز الدين إبراهيم بمعية اثنين من خلاصة أصدقائه وهما محمود شربيني وجلال سعادة وتعلّقوا بأستار قصر الملك في بنغازي، كان الأمير إدريس -وقتها- متعاطفاً معهم، ومن خلاله وفر لهم النظام الملكي المناخ اللازم لنشر أفكارهم وأطروحاتهم السياسية، رافضاً تسليمهم للسلطات المصرية، وقد بدأ الثلاثة بمهام الجماعة. يقول الحاج فرج النجار أحد قادة إخوان ليبيا "وأذكر في هذا الصدد أنّ شباب الإخوان في مدينة بنغازي تولوا القيام بخطبة الجمعة في العديد من المساجد في المواقع المهمة من المدينة"، وتمكنوا من تأسيس "هيئة الدعوة الإسلامية " بتسهيل من عمر باشا الكيخيا الذي كان رئيساً لديوان الأمير إدريس.

  وخلال فترة وجيزة بدأ تأثير هؤلاء يطفو على السطح مما أزعج السلطات الملكية وساهم في ذلك رجل دين "حاقد"  كما وصفه النجار -ترأس الجامعة الإسلامية في البيضاء- ذات التأثير الواسع في تلك الحقبة، إضافة إلى حادثة اغتيال إبراهيم الشلحي من قبل أحد أفراد الأسرة الملكية والذي كان يعتقد اعتناقه لفكر الجماعة، كل هذه الأمور أدت في النهاية إلى صدور قرار بمنع نشاط الإخوان السياسي عام 1954 والتضييق على قيادتهم المحلية والمصرية وتسليم بعض الأخيرة لسلطات بلدها بمن فيهم الشيخ عبدالرحمن عبداللطيف قارئ المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة.

بعد الإجراءات الصارمة والعنيفة التي اتخذها القذافي ضد حركات الإسلام السياسي تحولت الجماعة مجدداً للعمل السري

ورغم قرار المنع استمر نشاط الجماعة على مستويات متعددة، وأعادت تنظيم نفسها بفضل الحاضنة الاجتماعية وتسامح السلطات بصفة عامة، وشهد النصف الأول من بداية الستينيات الميلادية تأسيس تنظيم محلي سواء في الغرب أو الشرق حيث البدايات الأولية لوجود الإخوان في ليبيا، وكان من قيادات الفرع الغربي طرابلس فتح الله محمد أحواص ومحمد رمضان هويسة، فيما ضم جناح بنغازي أسماء عديدة من أبرزها محمد الصلابي، صالح الغول، عبدالكريم الجهاني.
وفي عام 1967بدأت ملامح كيان موحد تظهر من خلال التنسيق بين الجناحين؛ الغربي والشرقي، والذي كان يتم بطريقة أحد الأعضاء بشكل سري وإن كانت كل الأنشطة معلومة لدى الأجهزة الأمنية إلا أنّ انقلاب سبتمر 1969الذي قاده معمر القذافي مزيحاً من خلاله الملكية، قد أعاد الأمور لنقطة الصفر وبدأت مرحلة جديدة أكثر صرامة ودموية.

اقرأ أيضاً: ليبيا: تحذيرات من كارثة إنسانية
وتميزت هذه المرحلة بتسامح رسمي مع الجماعة، وإن تخلل ذلك بعض التوتر وساد الخطاب الوعظي على أسلوب الجماعة في هذه المرحلة، مما أكسبها بعض الأتباع نظراً لطبيعة الشعب الليبي في تلك الفترة، كما ساعد في ذلك خطابها المهادن وغير المناكف للسلطة.

الإجراءات العنيفة للقذافي
تبقى هذه الفترة هي الأصعب في تاريخ الإخوان المسلمين في ليبيا، فرغم استمرار بعضهم في مناصب سياسية رفيعة بعد الثورة، إلا أنّ الاتجاه العام لقيادتها واضح في مجابهة الأحزاب وخاصة ذات التوجه الإسلامي وكان التعامل معهم يتم بعنف وقسوة.
ففي عام 1972 بدأ خطاب التخوين ضد الأحزاب، وتعزز ذلك بعد خطاب زوارة! ففي العام التالي تم تجريم العمل الحزبي وجعل أي انخراط  تحته جريمة عقوبتها الإعدام، وقامت اللجان التابعة لنظام القذافي بزج القيادات الحزبية في السجون وخاصة "الإسلاميين" إضافة إلى الفصل التعسفي من العمل الرسمي بمتابعة مباشرة من القذافي، فيما عرف حينه بالثورة الثقافية.

اقرأ أيضاً: من جديد.. داعش ينشط في ليبيا
يقول سليمان عبد القادر، مراقب الإخوان بليبيا: "في سنة 1973 بعد خطاب زوارة، بدأ تجريم التجمعات والأحزاب وكل نشاطات المجتمع المدني وعلى إثر ذلك اعتقل كل أصحاب الآراء تقريباً، من البعثيين، والشيوعيين والإخوان، وحزب التحرير وأودعوا السجون وتعرضوا للتعذيب، وأرغم الإخوة في اللجنة القيادية على الخروج في برنامج تلفزيوني أعلنوا فيه حل جماعة الإخوان المسلمين".

الجماعة تتحول للعمل السري
بعد الإجراءات الصارمة والعنيفة التي اتخذها القذافي ضد حركات الإسلام السياسي وأبرز كياناته "الإخوان المسلمين" تحولت الجماعة مجدداً للعمل السري، ومن أبرز محطاته قيام الطلاب الليبيين العائدين من الخارج وتشكليهم نواة سرية عام 1980 وإصدار مجموعة أخرى منهم "مجلة المسلم" عام 1982 في الولايات المتحدة الأمريكية.

وشهد منتصف الثمانينيات عمليات إعدام واسعة ضد قيادات الإخوان ليتم تعليق جثثهم على أعمدة الإضاءة، ونقل التلفزيون الرسمي المَشاهد، واصفاً إياهم بـ"الزنادقة المنحرفين".
وفي عام 1991 أجريت انتخابات داخل الجماعة انبثق عنها مجلس شورى له صلاحية اختيار المراقب العام من ضمن أعضائه، إلا أنّ الأجهزة الأمنية قامت بعمليات واسعة ضد الحركة عام 1995 أسفرت عن اعتقال العشرات منهم، ولم يمنع ذلك الجماعة من الاستمرار في العمل السري حتى عام 1998 حيث تم اكتشاف الهيكلة السرية، مما أدى إلى اعتقال 150 من أعضاء الجماعة غالبيتهم من الكوادر العلمية في مختلف التخصصات فيما تمكن العشرات من الهرب.

اقرأ أيضاً: جماعة الإخوان في ليبيا تصعد.. ماذا تريد؟
بعد مضي أربعة أعوام من عمليات الاعتقال أصدرت "محكمة الشعب" حكماً بالإعدام ضد قيادات الحركة من ضمنهم المراقب العام عبدالقادر عز الدين ونائبه سالم أبوحنك، إلا أنّ الإخوان سريعاً ما انخرطوا في العملية السياسية التي قادها سيف الإسلام تحت شعار الإصلاح، مما أعطاهم هامشاً من التحرك، وسمح لهم بالعامل بشكل علني وإن لم يكن رسمياً.
ويمكن تلخيص هذه المرحلة بالدخول في معركة غير متكافئة مع الأجهزة الأمنية، مما سبب خسارة فادحة، مع عدم وضوح الرؤية فيما يخص التعامل مع النظام، بين محاور ورافض مما جعل موقفهم السياسي والدعوي يتراجع، لكنهم في النهاية تمكنوا من استيعاب الصدمة والخروج بكيان ولو شكلي في نهاية عصر القذافي.

الإخوان بعد 17 فبراير
شارك الإخوان بفعالية في أحداث ما بعد 17 فبراير ودعموا المنتفضين ضد معمر القذافي، وبعد إطاحته انخرطوا في العمل السياسي مؤسسين حزباً خاصاً بهم  هو"العدالة والبناء" بقيادة المصراتي محمد صوان في 5 آذار (مارس) 2012 في ظل غياب قوانين واضحة للأحزاب، واستطاع الحزب التواجد في 18 مدينة في أنحاء البلاد، لتفوز بـ17 مقعداً ضمن القوائم الحزبية وعدد معتبر من المقاعد بالنظام الفردي، لتتحول الجماعة إلى لاعب سياسي هو الأبرز في فترة ما بعد سقوط نظام القذافي، في ظل اتهامات لها من قبل الخصوم بالاستحواذ على العملية السياسية بعد سحب وزرائها من حكومة زيدان للضغط عليه من أجل الاستقالة.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة العلاقة بين السراج والإخوان المسلمين في ليبيا؟
وبعد ظهور التمايزات السياسية لقوى ما بعد الثورة ممثلة في "المؤتمر الوطني" وبداية الحرب الأهلية، أصبح من الواضح أنّ النشاط العسكري للإخوان يمثله "لواء الدروع" إضافة إلى توافقات مع الجماعة المقاتلة، وإن كانت الأخيرة قد اعتراها الضعف.

"عمل الأطفال المغرر بهم"
ويمكن القول بصفة عامة إنّ روح ثورة فبراير تراجعت إلى حد كبير، وهو ما جعل خالد المشري؛ أحد قيادات الجماعة يصف ما حصل في فبراير بـ "عمل الأطفال المغرر بهم" وهو ما يعني استيعاب التغيرات الشعبية والإقليمية وتراجع المزاج المؤيد للانتفاضة المسلحة، وهذا ما عبرت عنه الوثيقة التي أصدرتها الجماعة قبل فترة وجيزة.

في أعقاب إطاحة القذافي انخرط الإخوان في العمل السياسي عبر حزب "العدالة والبناء" بقيادة المصراتي محمد صوان

ولكون هذه المرحلة لازالت فصولها مستمرة يصعب الخروج بملامح متماسكة عنها، لكن يمكن القول إنّ هذه المرحلة تتسم بشدة التجاذبات السياسية، وتغير التوازنات العسكرية والإقليمية، مع تبدل المزاج الشعبي في غير صالح "الإسلام السياسي" إضافة إلى الضغوط الإقليمية العربية والمحلية ( المداخلة + الجهاديين+ الجيش الوطني بقيادة حفتر) في تغيير المعادلات على الأرض.

ويبقى الجانب السياسي عند الإخوان هو مصدر المتاعب للجماعة في ليبيا كما هو في معظم الدول التي تتواجد بها.
وتكاد تكون جدلية التوفيق بين الفكر السياسي للإخوان وبين متطلبات الحالة السلطوية في ليبيا وامتداده الإقليمي، العلامةَ الفارقة في وجود الجماعة وتأثيرها على الساحة الليبية ذات الطبيعة القبلية والعصبوية، التي لا تتوافق كثيراً مع هذه الأفكار، وهذا لا يعني عدم وجود حواضن "حضرية" للجماعة في مختلف عموم ليبيا.

اقرأ المزيد...

الوسوم: