الإخوان من الداخل.. ما دور النظام الخاص في توجهات الجماعة؟

2316
عدد القراءات

2019-11-10

يميل بعض الباحثين والمؤسسات البحثية المتخصصة بشؤون الإسلام السياسي، عربية كانت أم غربية، إلى اعتبار حركة الإخوان المسلمين أميل إلى الاعتدال منه إلى التشدد والعنف، وأميل إلى التحول إلى حزب سياسي يقبل المشاركة السياسية على أساس ديمقراطي فيما إذا توفر لها ذلك، منه إلى الانعزال والتمسك بالتغيير الشامل وأسلمة الدولة والمجتمع ولو بالعنف. 

اقرأ أيضاً: كيف اخترقت جماعة الإخوان الجالية المسلمة في فرنسا؟
فيما يميل البعض الآخر إلى القول إنّ الفارق في الفكر الإسلامي الحركي بين المعتدلين والمتشددين الجهاديين هو فارق في الدرجة وليس في النوع، وغالباً ما يتعلق ببراغماتية نفعية تحسن الاستجابة للضغوط المحلية أو الدولية حسب مقتضى الظروف، وأنّ في تاريخ الحركة من استخدام العنف أو دعم الحركات "الجهادية" مادياً ومعنوياً وبشرياً الكثير من المحطات والشواهد؛ فالحركة التي أسسها حسن البنا في مصر العام 1928 كمحاولة لإعادة إحياء الخلافة الإسلامية بعد انهيارها على يد أتاتورك في العام 1924 تعدّ الحركة الأم التي تفرعت منها جميع تنظيمات وحركات الإسلام السياسي الحزبية و"الجهادية".

انطلق الباحث من موقف الجماعة الملتبس والمتردد من "25 يناير" لرصد وفهم الأطر الحاكمة لمسارها واختياراتها

وما زال التساؤل حول مستقبل هذه الحركة، والأطر التي تحكم توجهاتها يعاد طرحه مع كل منعرج تاريخي أو استحقاق سياسي تمر به حتى اليوم، ولعل التساؤل الأبرز حول تلك الأطر الحاكمة لمواقف وتوجهات الإخوان هو السؤال الذي فرضته ثورات الشباب العربي التي انطلقت من خارج الأطر السياسية المؤسسية جميعها، وتخطت جميع تنظيراتها الفكرية على اختلاف أطيافها الأيديولوجية، حول مدى صلاحية تلك المؤسسات في ساحة الفعل السياسي والاجتماعي المستقبلي، ومدى إمكانية إصلاحها فكرياً وتنظيمياً، وهل يمكن لهذه الحركة وقيمها أن تكون جزءاً من عملية التغير الديمقراطي وبناء الدولة الوطنية المنشودة، أم عقبة في طريقها؟ وهل كان الإخوان يوماً جزءاً من المعارضة الوطنية لسلطات الاستبداد السياسي والاجتماعي في بلدانهم، أم جزءاً من حركة تكوين الدولة ومن تركيبة النظام السياسي ذاتها، و(الأقرب للنظام وحركته وأكثر "العارفين"و"اللاعبين" في دواليبه حتى وهم عرضةٌ لحملات القمع والاستئصال) خلال مسيرة طويلة من الصراع والتنافس على السلطة؟

غلاف  كتاب "الإخوان المسلمون.. سنوات ما قبل الثورة"
في كتابه "الإخوان المسلمون.. سنوات ما قبل الثورة" الصادر عن دار الشروق 2013 بعد وفاة مؤلفه الباحث والصحافي المصري حسام تمام المتخصص بشؤون الجماعات الإسلامية، وغير البعيد عن فكر الإخوان، لكن مع كثير من الموضوعية والحسّ النقدي، انطلق الباحث من موقف الإخوان الملتبس والمتردد والمتوجس من المشاركة في حركة الاحتجاج الشعبي التي قادها الشباب المصري في 25 يناير 2011 في محاولة لرصد وفهم الأطر الحاكمة التي حددت مسار الجماعة واختياراتها مع إرهاصات الثورة الأولى، وأعاد الاشتباك مع تلك الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها من خلال الغوص في تاريخ التيار الإسلامي المصري وأعماق التركيبة التنظيمية لجماعة الإخوان بغية الكشف عن تفاعلاتها الداخلية، واستشراف مواقف ورؤى الجماعة في المحطات القادمة.

البنا حوّل الدعوة من النسق المفتوح إلى الإطار التنظيمي المغلق في الأربعينيات بتأسيسه "النظام الخاص"

توصل الباحث من خلال استعراضه المسهب والتفصيلي لتاريخ الحركة التي بدا فيها العمل الدعوي الديني على النسق المفتوح خياراً واضحاً في الثلاثينيات، أنّ البنا قد حوّل الدعوة من النسق المفتوح إلى الإطار التنظيمي المغلق في الأربعينيات بتأسيسه "النظام الخاص" لجماعة "الإخوان المجاهدون" ذات التنظيم الهرمي السري والعسكري متأثراً بالسياق التاريخي للمرحلة، وبالتنظيمات ذات الصبغة الشمولية في ذاك الوقت.
كما توصّل أنّ المراحل المفصلية التي مرت بها الحركة تكشف أنّه كان دوماً ثمة تدافع بين تيارين اثنين في داخل الحركة يتوزعان الأدوار حسب مقتضى الظروف، وهما: تيار العمل العام الإصلاحي المنفتح (الذي يرسم وجه الجماعة في الحياة العامة)، ويبرز كلما ازداد الطلب المحلي والعالمي على الخطاب الإصلاحي، ويتم التغاضي عنه من قبل التيار الآخر طالما كان الخطاب الإصلاحي قادراً على أن يكسب للجماعة مناطق نفوذ جديدة، أو جمهوراً كان بعيداً عنها تقليدياً، وطالما كانت هناك إمكانية للتحكم في تلك الأفكار الإصلاحية ودرء خطر وصولها إلى قواعد التنظيم.

اقرأ أيضاً: الإخوان والجيش: أكذوبة دعم الجماعة لثورة يوليو
أما التيار الثاني فهو التيار التنظيمي المنغلق والمتشدد وصاحب الغلبة والفصل الذي (يدير العمل التنظيمي للجماعة ويمسك بمفاصله؛ ويتولى مسؤولية التجنيد وتحديد مراتب العضوية ودرجاتها، ويضع مناهج التكوين والتثقيف الداخلي)، ويتحكم المحافظون في مفاصله الرئيسية.
وهذا التيار هو امتداد تاريخي "للنظام الخاص" السري الذي أسّسه البنا، وأولى كوادره عناية خاصة بالاختيار والتدريب العسكري والتثقيف وفق مناهج تغلب عليها المقررات الجهادية والقتالية والتربوية الصارمة منذ انطلاق الحركة، ثم تعززت هذه المناهج بالأفكار والأيديولوجيا القطبية في الستينيات من القرن الماضي، وحصل التنظيم على الجهاز التبريري الذي يحتاجه "الجيل القرآني الجديد... المستعلي، والمنعزل شعورياً عن "مجتمع الجاهلية" من فكر سيد قطب في مرحلة أولى، وبالسلفية الوهابية في مرحلة تالية.

الجهاد فكرة مركزية في فكر الإسلام السياسي لا يمكن تجاوزها بمبدأ المراجعة الفكرية

وما كان لأفكار سيد قطب أن تتحول إلى هوية دينية للجماعة وأيديولوجيا مسيطرة لولا وجود الأساس في فكر البنا حول "النظام الخاص الذي أنشأه وعجز عن لجمه من جهة، واستمرار الإقصاء ورفض إعطاء المشروعية القانونية للحركة من قبل النظام الحاكم من جهة ثانية، الأمر الذي عزّز الميل نحو بناء التنظيم المغلق والشمولي الذي يتجسد في "العصبة المؤمنة" والمنفصل عن قيم الدولة والتنظيمات المرتبطة بها باعتبارها خارجة عن قيم الإسلام الصحيح،  وهو ما جعل من هذا "الجيل القرآني المستعلي بالإيمان الحق" والطامح للتغيير الجذري وبناء الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي البديل لما هو قائم، يكون هو التيار الحاكم لاختيارات الحركة في جميع المراحل المفصلية المهمة من تاريخها حتى اليوم.

وقد حافظت الحركة على التعايش الداخلي بين هذين التيارين بقدرة استثنائية تحت مطلب الحفاظ على وحدة الجماعة واستقرارها كأولوية مطلقة لدى جميع تيارات التنظيم، خاصة وأنّ التنظيم قد بات يشكل في ضمير أفراده مجتمعاً بديلاً، وليس مجرد إطار سياسي أو كيان دعوي يجوز الاختلاف حوله أو الخروج منه، وهذه الأولوية للحفاظ على وحدة الجماعة وقوة التنظيم المعززة بثقافة دينية تلحّ على نبذ التفرقة والطاعة والامتثال، مشفوعة بالشعور بالمظلومية وتحديات الخصوم، تتحول إلى طريق مسدود أمام أي فكر نقدي حقيقي أو إصلاح جدي يعيد النظر في مواقف الحركة على الصعيد العملي أو الفكري والتنظيمي والقيمي يؤهلها للانفتاح على الحركات الاحتجاجية الجديدة والقوى الاجتماعية والسياسية، والقيم الحديثة المختلفة مع منظومتها العقائدية، حتى تدرك أنّها جزء من الحركة الاجتماعية في بلدانها في العالم الحقيقي تحمل كل ملابساتها وليست بديلها الإسلامي الطهراني المتوهم.
ما كان لأفكار سيد قطب التحول إلى هوية دينية للجماعة لولا وجود الأساس في فكر البنا

"ترييف" و"تسلّف" الإخوان
يعتبر الباحث أنّ التركيبة الداخلية للإخوان المسلمين هي التي تدفع بمواقف الحركة إلى السطح وليس ما تحتويه أدبياتها أو حتى لوائحها التنظيمية، وأنّ "الترييف" و"التسلف" هما أهم الظواهر الاجتماعية التي تتعرض لها الحركة في المرحلة الحالية؛ فقد ساهم الانفتاح الاقتصادي وعملية التحديث السريع وانتشار التعليم الأفقي والتنمية غير المتوازنة بين الريف والمدينة إلى هجرة قطاعات كبيرة من أبناء الريف، طلباً للعلم و العمل، مما أدى إلى ترييف المدن بدلاً من تحضر الريف، سواء في مصر أو غيرها من البلدان العربية، وكانت هذه الفئة الاجتماعية هي القطاع المستهدف بالنشاط التعبوي والتنظيمي للحركة التي راحت تسدّ عجز أو إهمال الدولة في توفير المساعدة والخدمات لهؤلاء الوافدين عبر احتوائهم في الأسر الإخوانية. فلعب الريف بذلك دوراً في مدّ الحركة (بمخزون اجتماعي ينحدر من طبقات ريفية محافظة، لوزن التقاليد فيها أهمية بالغة)، وممن تلقوا تعليماً يحتل فيه المكون الديني نصيباً مهماً.

يتسم الكتاب بالموضوعية ويعتبر وثيقة تاريخية ومرجعاً مهماً للقارئ والباحث في قراءة المشهد الإخواني من الداخل

شكّل هذا الرافد الجديد حلقة وسيطة ساهمت في انتشار التنظيم إلى قطاعات ريفية كانت خارج نشاط الحركة فيما قبل، لكنّه ساهم في نفس الوقت في انتشار (ثقافة ريفية تتوسل بالقيم الأبوية، حيث الطاعة المطلقة والإذعان للمسؤول التنظيمي، وانتشار ثقافة الثواب والعقاب.. وسيطرة ثقافة الخوف من المختلف مع الميل إلى الركون للتماثل والتشابه بين أعضاء الجماعة)، وهو ما زاد من قوة التيار التنظيمي المحافظ في الحركة بعدما أصبح الكادر الريفي هو الجزء الأكبر من قادته من الجيل الثاني، وعزّز وساعد على انتشاء المكون السلفي "الكامن" في فكر الجماعة أصلاً، لكن هذه المرة ليست سلفية البنا المرنة التي استقاها من رشيد رضا، إنّما السلفية الوهابية المتشددة التي تأثر بها الإخوان منذ شكلت دول الخليج ملاذاً آمناً لهم على أثر الملاحقات الأمنية وحملات الاعتقال المتلاحقة في بلدانهم، إضافة إلى انتشار المطبوعات السلفية التي زاد الإقبال على تدارسها واقتنائها بحكم كونها توزع كهدايا مجانية في مصر منذ الفورة النفطية.

اقرأ أيضاً: أسرار اتصالات الإخوان بـ "CIA"
كما عملت السلطات السياسية على تنمية المد السلفي بنوع من التنافس على التدين والاستثمار بالدين لتقويض سيطرة الإسلام السياسي على الحالة الدينية في المجتمع.
كل ذلك قد مهد لانتشار السلفية الوهابية وتضافرها مع السلفية الجهادية الباقية في إرث الجماعة من فكر المودودي وسيد قطب، وهو ما بدا واضحاً في مسائل الهدي الظاهر: من إطلاق اللحى والتشدد في اللباس وحجاب النساء ومعاداة الفنون والموسيقى والآداب، وفي زيادة المحافظة والتشدد على الصعيد الفكري والعقائدي، وتراجع دور تيار العمل العام أمام اشتداد قبضة التيار التنظيمي الذي زاد من انعزال الحركة وتراجعها عن القبول بالديمقراطية والمشاركة السياسية، وما يستتبعها من حقوق المواطنة الكاملة وقضية المرأة والأقباط، وعودة شعار الدولة الإسلامية، وفرض الجزية على غير المسلم ومنع المرأة والأقباط من الترشح للرئاسة وأسلمة الدولة والمجتمع.

ما يشير حسب استخلاص الباحث إلى أنّ الجماعة ستفقد الكثير من مرونتها ومن قدرتها على ضمان التنوع الداخلي، وتذهب نحو (مزيد من التنميط والمحافظة الذي ستتعاضد فيه المكونات التنظيمية والقطبية والسلفية) في المرحلة القادمة، الأمر الذي  سيعيد طرح السؤال حول موضوع الجهاد المرتبط باستخدام العنف، خارج الدولة أو داخلها، باعتباره أيضاً أحد المكونات العقائدية والأيديولوجية "الكامنة" في فكر الجماعة منذ أسس البنا الكشافة والتنظيم السري العسكري الذي شكل بنية جاهزة لتلقف أفكار سيد قطب التي شكلت جهازاً فكرياً وعقائدياً تبريرياً كاملاً لدى الحركات الإسلامية "الجهادية" التي خرجت من تحت عباءة الإخوان؛ فلم تحتج سوى إنزاله إلى الواقع العملي.

التركيبة الداخلية للإخوان هي التي تدفع بمواقف الحركة إلى السطح وليس ما تحتويه أدبياتها

ولم يكن الفارق بين هذه التنظيمات وجماعة الإخوان في استخدام العنف ومبرراته، سواء في الداخل أم في الخارج رغم ميل الإخوان إلى "الجهاد الوطني وليس العالمي"، سوى تجربتهم القاسية وخبرتهم في قراءة المشهد خوفاً من دفع فاتورة الحساب؛ فالجهاد فكرة مركزية في فكر الإسلام السياسي لا يمكن تجاوزها بمبدأ المراجعة الفكرية، وهي في فكر الإخوان رهن بتطورات البيئة السياسية المحيطة من فرص وإكراهات من جهة، وبحسابات الحركة نفسها في تفاعلها مع هذه التطورات من جهة ثانية. (فالتركيبة الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين وطبيعة الحركة نفسها تلعب الدور الأكبر بحيث تتضمن الأيديولوجيا تكييفاً للفكرة الجهادية مع المتغيرات الخارجية أكثر منه تغليباً للرؤية الفقهية). وهي الفكرة المركزية التي انطلق الباحث منها وبنى عليها هيكلية بحثه.

اقرأ أيضاً: العراق يتزلزل.. والإخوان المسلمون يعقدون مؤتمرهم الحزبي
يتسم كتاب الباحث حسام تمام بالموضوعية والرؤية التحليلية النافذة وغزارة المعلومة، ويعتبر وثيقة تاريخية ومرجعاً مهماً للقارئ والباحث في قراءة المشهد الإخواني من الداخل، خاصة لدى تنظيمات تحوطها الكثير من السرية، سواء اتفق القارئ مع فرضية بحثه حول دور التيار التنظيمي المحافظ كإطار حاكم في مواقف وتوجهات الحركة أم اختلف معه.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل تجاوز الإسلاميون تنظيرات حسن البنا المعادية لقيم الديمقرطية؟

2019-11-20

تواجه الحركات الإسلامية والفكر السياسي الإسلامي عموماً معضلة "تَبْيِئة" الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية، حتى بعد اختزالها إلى آليات ووسائل إجرائية تقتصر على قبول المشاركة السياسية وصناديق الاقتراع؛ لأنّ الديمقراطية لها متطلبات قد تتصادم مع بعض عناصر العقيدة الإسلامية، ولها شروط وأطر وآليات مايزال الإسلاميون يختصمون حولها حتى اليوم؛ حيث تشكل في بعدها الفلسفي المؤسس على قيم الحرية والتسامح وقبول الاختلاف والتعددية السياسية والحزبية ما يعتبرونه خطراً على دين يقوم على التوحيد الشامل، وحفظ وحدة الأمة وحماية المسلمين من الفساد والانحلال وفق التنظير الذي أسسه حسن البنا وما يزال مستمراً حتى اليوم.

تواجه الحركات الإسلامية والفكر السياسي الإسلامي عموماً معضلة "تَبْيِئة" الديمقراطية في المجتمعات الإسلامية

كما باتت الشرعية الديمقراطية السائدة اليوم على المستوى العالمي تعيد طرح أسئلة لم يوجد أي إجماع حولها نظرياً أو فقهياً في الفكر السياسي الإسلامي، وتحمل في طياتها مؤشرات تدل على أنّ الحركات الإسلامية السياسية لم تحسم موقفها من الديمقراطية، حتى رغم قبولها بقواعد اللعبة السياسية في بعض البلدان العربية والإسلامية والديمقراطية ليست من أولوياتها وهمومها إلا حينما تكون مهدَّدة بالقمع أو واقعة تحت الاضطهاد.
وإذا كان من العسير الحكم على فكر وسلوك هذه الحركات وموقفها من الديمقراطية في ظل الحكومات الاستبدادية والديكتاتوريات العسكرية السائدة في هذه البلدان من قبل، إلا أنّ انهيار النظم الشمولية في دول المعسكر الشرقي وتفجر ثورات الربيع العربي التي أتاحت لتلك الحركات الدخول في اللعبة السياسية قد أعاد الجدال من جديد حول الشرعية السياسية في خطاب هذه الحركات وآلية استجابتها  لتلك المستجدات.

اقرأ أيضاً: أين اختفى مجاهدو حسن البنا الـ10 آلاف فداء لفلسطين؟
في كتابها "الشرعية السياسية في الخطاب السياسي السنّي بين الثبات والتغيير"، الصادر عن المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية في برلين 2019، تتعرض الباحثة الجزائرية، حبيبة الرحايبي، إلى أثر تلك المستجدات على خطاب الشرعية السياسية في الفكر الإسلامي "الذي ظل يراوح مكانه منذ عهد الخلافة الراشدة وانتقال شكل الحكم إلى مُلك عَضوض يتوارثه الأبناء عن الآباء، معطلين بذلك أولى دعائم نظام الخلافة في الفكر السياسي السني أي"الشورى"".

غلاف الكتاب
تحاول الباحثة الرحايبي من خلال بحثها الإجابة عن أسئلة: هل يدخل خطاب الشرعية ضمن دائرة الثابت، حسب مفهوم الثابت في الفكر الإسلامي، أم أنّ ظروف ومتغيرات الزمان قد دفعت بالحركات والجماعات والأحزاب التي تتبنّى خطاباً سياسياً إسلامياً إلى تكييف مفهوم الشرعية بما يتلاءم والمرحلة الراهنة ليكتسي بذلك طابع التغيّر فيتحول نحو الشرعية الديمقراطية؟ وما الأثر الذي أحدثته الثورات العربية على مستوى الخطاب السياسي للتيارات الإسلامية السنّية في تفعيل عملية تبيئة الديمقراطية في المناخ العربي الإسلامي؟

الحركات والجماعات الإسلامية وعلى مدار تبلورها وبروزها كقوى سياسية في مواجهة أنظمتها السياسية كانت محصلة الصراع بينهما صفرية

في محاولة إيجاد إجابة عن السؤال المحوري السابق تعتمد حبيبة الرحايبي في دراستها أسلوب البحث الأكاديمي الكلاسيكي، فتنطلق من تحديد نطاقه، الزماني والمكاني، ضرورته وأهدافه وغاياته وصعوباته، ومن ثم التعريف بالمفاهيم المستخدمة فيه: كالشرعية السياسية  وتبيئة الديمقراطية... وغيرها، والمناهج البحثية المتبعة، وإطاره النظري الذي اعتمد على "نظرية الألعاب" أو " الطاولة السياسية" التي طوّرها كل من مارتن شوبيك وفون نيومان والتي تحكم الصراع بين الأطراف السياسية المختلفة بقواعد اللعبة السياسية، حيث يسعى كل طرف من الأطراف المشاركين فيها إلى اتخاذ المواقف السياسية والخيارات الأقرب لتحليله وفرض قواعده على اللاعبين الآخرين. 
إذ تشير إلى أنّ الحركات والجماعات الإسلامية وعلى مدار تبلورها وبروزها كقوى سياسية في مواجهة أنظمتها السياسية كانت محصلة الصراع بينهما صفرية، "إذ لم تسمح هذه الأنظمة لأغلبية الحركات الإسلامية  وخاصة حركة الإخوان المسلمين باعتبارها الحركة الأم التي بلورت صياغة فكرية نموذجية لبقية الحركات الإسلامية ذات التوجه السنّي بدخول اللعبة السياسية" إلا بشكل غير مباشر.

اقرأ أيضاً: من هو حسن البنا "الساعاتي" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؟
فيما اقتصرت المشاركة السياسية على الاتجاهات السلفية التقليدية التي انضوت تحت مظلة الأنظمة العربية لقيام فكرها أصلاً على" تحريم الخروج على الحاكم"، حتى قيام الثورات العربية التي استطاعت أن تعدل قواعد اللعبة السياسية لصالح الحركات والجماعات والأحزاب السياسية الإسلامية بوجه عام، خاصة بعد قبول هذه الحركات الدخول في الحراك الديمقراطي وتشكيل أحزاب سياسية ودخول الانتخابات كما في الحالة المصرية.

مكونات الخطاب الإسلامي
بعد عرض مسهب لعدد من آراء وتعريفات الشرعية السياسية، كما تناولها الكثير من المفكرين الغربيين والإسلاميين وحول تقسيمات الخطاب الإسلامي، وتعدد أشكاله الذي تقدمه الباحثة بطريقة حيادية لم تلزم نفسها بتبنّي أي منها، تخلص الرحايبي إلى أنّ الخطاب الإسلامي يتكون من مكونين متمايزين هما: "العنصر أو المكون الشرعي؛ أي البيان الشرعي الذي جاء به الوحي الإلهي قرآناً وسنة ثابتة، والمكون البشري الذي يتعلق بما فهمه أو استنبطه البشر من البيان الشرعي فقهاً كان أو أدباً أو علماً"، وأنّ أصل الخطاب الإسلامي هو المكون الشرعي؛ لأنّه منشأ هذا الخطاب ومبدؤه وجذره، وهو سابق زمنياً على وجوده كونه صادراً عن الأصل الإلهي الذي هو أصل الوجود كله؛ ولأنّه شرعاً هو المرجع الذي يتعين أن يُرَدّ إليه ما سواه ويحتكم إليه فيه.

الكتاب يعالج أثر المستجدات  الجديدة على خطاب الشرعية السياسية في الفكر الإسلامي

لذلك تكون الشرعية  من الثوابت المطلوبة لأي فعل من الأفعال مهما كان سياسياً أم اجتماعياً أم اقتصادياً، ولما كانت الشرعية الديمقراطية التي تقوم بجملة مبادئها على القانون الوضعي ومبادئه الفلسفية ذات المنشأ البشري لا تعبر عن النمط الإسلامي في الحكم، رغم محاولة بعض المفكرين الإسلاميين مقاربتها مع نمط الشورى الإسلامي، يقف الخطاب الإسلامي بأشكاله المتعددة بين القبول بتلك الصيغة التوفيقية بين الديمقراطية والشورى، وبين الفصل والبتر بين المفهومين نهائياً، فيستند من يقبل الصيغة التوفيقية  إلى أنّ ذلك من مستجدات الفعل الإنساني التي لم يرد بشأنه نص شرعي أو تدخل في دائرة المسكوت عنه أو ما يعرف بمنطقة الفراغ التشريعي فيخرج بالتالي من دائرة "الثابت" إلى دائرة الاجتهاد المحكومة بضوابط الشريعة، ويستند من يفصل بين المفهومين إلى وجود دليل في المسألة لا يسَوّغ الاجتهاد معه فيكون واقعاً في دائرة الثابت بالنص، والقاعدة تقول "لا اجتهاد مع النص".

اقرأ أيضاً: حسن البنا والأدلجة السياسية للإسلام في القرن العشرين
وما زال هذان الخطابان يتعايشان ويقتسمان ساحة الفعل السياسي في معظم الدول العربية والإسلامية حتى اليوم، والسؤال الذي يبقى معلقاً وتحدد الإجابة عليه مستقبل الإسلام السياسي هو: هل يمكن التقاء نوعين من الشرعية يستند كل منهما إلى نظام فكري قائم بذاته لاسيما فيما يتعلق بمفهوم "الشرعية السياسية" القائمة في أبسط تعريفاتها على رضا وقبول المحكومين بنظام الحكم القائم؟ أم أنّ خصوصية كل نظام ستدفع نحو الانعزال والانغلاق على الذات وإعادة إحياء نفسه بعيداً عن النموذج المقابل، ما يجعل أحزاب الإسلام السياسي تتولى إعادة تحديث الاستبداد وإحياء الرصيد الديكتاتوري وزيادته نكوصاً من خلال رفض المشاركة السياسية والتعددية والتخفيض من قيمة الشرعية الديمقراطية والحط من شأنها بمنطق ديني له جاذبية قوية في أوساط الجمهور والنخبة.

الثورات العربية وتفعيل تبيئة الديمقراطية
أثارت ثورات الشباب العربي المفاجئة التي ابتدعت أساليب كفاحية غير مألوفة في التفكير السياسي النمطي الكثير من الحيرة والذهول والتردد لدى النخب الفكرية والسياسية القائمة في السلطة والمعارضة على السواء، كما أثارت التساؤل حول موقف التنظيمات الإسلامية من تلك الثورات التي ظلت مساهمتها فيها محدودة ومترددة مقارنة بالوضع التنظيمي والحركي لها، وفتحت السؤال الذي سيظل عصياً على الإجابة وفق هذا التفكير حول من أشعل فتيل الثورات العربية وما هي هوية الطرف القابع خلف ديناميات الثورة ومحركها؟ وهل ستُحدث هذه الثورات تغيراً جذرياً على مستوى الحكم يؤسس لشرعية ثورية جديدة تقوم على أسس ديمقراطية سليمة؟ فقد جاءت الثورات العربية نتيجة لفعل جماعي يتجاوز الأطر التنظيمية والأيديولوجية والسياسية الكلاسيكية، ومعبرة عن قوى وتيارات جديدة لم تعرف العمل الحزبي بشكله التقليدي، ولم يخرج من عباءة الأحزاب القائمة، وإنّما من حركات اجتماعية وثقافية تتسم بالمرونة الشديدة في حركيتها وأفكارها وعضويتها.

الحركات الإسلامية المشرقية ماتزال أسيرة الصراع بين النزعتين البراغماتية والمحافظة

وهو ما يختلف جذرياً عن طبيعة وبنية الخطاب الإسلامي الحركي التي تتسم بالمركزية الشديدة والالتزام الأيديولوجي والتنظيمي. ما جعل الحركات الإسلامية أمام أحد خيارين: إما المشاركة في الثورات، وفي ذاكرتها الكثير من التجارب المريرة السابقة، لكن وفق قواعد اللعبة التي يحددها محركوها والداعون إليها، وإما الإحجام عن المشاركة وتحمل تبعاتها من خسارة سياسية ومجتمعية بين قواعدها وبين جموع الشعب. ويتساءل أي مواطن داخل المجتمعات العربية (مسلم أو غير مسلم) عن مدى الاطمئنان إلى دعوى الحركات الإسلامية بقبول اللعبة الديمقراطية وتحولها عن الخطاب  الإخواني القطبي أو السلفي الجهادي نحو خطاب دعوي غير عنفي يؤمن بالعمل السياسي فكراً وممارسة.
تسجل الباحثة الرحايبي في محاولة الإجابة على تلك الأسئلة جملة من الملاحظات المهمة التي تعتبر خلاصة بحثها أيضاً؛ فترى أنّ السؤال نفسه يبقى مضطرباً ولا يمكن الوصول إلى إجابة مثبتة في ظل غياب المعايير الأساسية للديمقراطية عن الحياة السياسية العربية وغياب الحالة الديمقراطية عن البيئة السياسية العربية، وأنّ قبول الإسلاميين بالديمقراطية لا يقف عند ما تقدمه هذه الحركات من خطاب ودعاوى أو ربما ممارسات؛ بل تمتد إلى الاشتباك والفصل بين الحقلين؛ الديني والسياسي، وإنّ تلك الإشكالية ما تزال محل جدال سياسي وفكري عام لم يُحسم باتجاه توضيح المربعات الخاصة بكل منهما.

باتت الشرعية الديمقراطية السائدة تعيد طرح أسئلة لم يوجد أي إجماع حولها نظرياً أو فقهياً

إنّ عملية "إدماج الدين بالديمقراطية" مسألة مركبة وأكثر تعقيداً من مجرد إعلان حركة إسلامية قبولها بالديمقراطية؛ فالحركات الإسلامية تتمسك بأنّ الإسلام "دين ودولة" وتشريع يحكم مسارات الحياة الاجتماعية والثقافية العامة، وهذه المرجعية تتناقض مع قيم ومفاهيم الديمقراطية الليبرالية الفردية الحديثة على صعيد المرجعية الشرعية وحقوق الإنسان والحريات...، ما يعني ضرورة إعادة إنتاج منظومة المفاهيم والقيم الدينية بحيث تتكيف مع النَّسق الديمقراطي الليبرالي، أو القبول "بالخصوصية الحضارية" الإسلامية على غرار "ديمقراطية ولاية الفقيه" الإيرانية.
وإذا كنا نشهد توجه بعض الحركات الإسلامية نحو تقبل الخيار الديمقراطي بنسب مختلفة كحزب العدالة والتنمية التركي أو المغربي، فإنّ الحركات الإسلامية المشرقية (الإخوان المسلمين وحماس...) لا تزال أسيرة الصراع بين النزعة البراغماتية والنزعة المحافظة المتمسكة بالأطروحات الفطرية المؤسسة لتك الحركات. وإذا كانت بعض الحركات الإسلامية قد حسمت موقفها تجاه قبول المشاركة السياسية والتعددية التي فرضتها التغيرات الأخيرة على الساحة العربية لكن هذا لا يعني أنّها قد طوّرت مواقفها من الديمقراطية كتعددية ثقافية وفكرية بقدر ما يعني أنّها عملت على إيجاد صيغة توفيقية وقد تكون مؤقتة بين أفكارها وبين الديمقراطية باعتباره الطريق الوحيد أمامها في الوقت الحالي نحو الشرعية السياسية واكتساب رضا المحكومين وبالتالي الحفاظ على الوجود في ظل الصراع القائم بين أطراف متعددة سواء على الساحة المحلية أو الدولية المؤثرة.

للمشاركة:

قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية

2019-11-04

يشكّل الفرد الوحدة الأخيرة غير قابلةٍ للتقسيم داخل المجتمع؛ حيث يمكن من خلاله قياس كل ّشيء؛ الديمقراطية أو الشمولية، السعادة والتقدّم، أو الفقر والتراجع، هذا هو ما تعنيه الليبرالية، وفق المفكر والاقتصادي الفرنسي، باسكال سالين، الذي يدافع عن الليبرالية بوصفها تعيش غربتها الفكرية الخاصة، في ظلّ توحّش الرأسمالية، تماماً كما عاشتها الشيوعية والاشتراكية من قبل.

اقرأ أيضاً: هل تلتقي نظرية ولاية الفقيه مع الليبرالية الغربية؟
وفي كتابه "الليبرالية"؛ يقدّم سالين مرافعة جريئة ومتماسكة، دفاعاً عن القيم والإنسانية والرحمة في مواجهة ما يراه هجوماً ضدّ الفرد، لا يمثل الحرية؛ بل يتمّ هذا الهجوم باسم الحرية فقط، من أجل مصلحة رأس المال المتوحش، فهل نجح سالين في مرافعته هذه؟ وفي محاولته التفريق بين الليبرالية من جهة وبين الرأسمالية والسوق وقوى المجتمع السياسية الحالية من جهةٍ أخرى؟

الشعوب وعصر السوق
شهد الوطن العربي تغيرات وانزياحاتٍ سياسية واقتصادية كبرى، خلال العقدين الأخيرين، وأصرّ عديدون، منهم الباحث جوزيف مسعد، في كتابه "الإسلام في الليبرالية"، على أنّ الانفتاح والليبرالية الاقتصادية، بمفهومها المرتبط بالرأسمالية ومصالح الدول الكبرى، أسهم في تراجع دولٍ عربية عديدة على صعيد الحريات والاقتصاد والقضايا الأساسية كقضية فلسطين، بينما رأى الكاتب والباحث عمرو حمزاوي، خلال حوارات ومقابلات عديدة معه؛ أنّ الديمقراطية الواقعية والدولة المدنية ذات الدستور المفتوح على التعددية تمثّل روح الليبرالية الناجحة، التي يمكن أن تؤدي إلى نوع من التقدم.
غلاف الكتاب

مفاهيم الدولة والسوق والمجتمع
أما باسكال سالين، في كتابه "الليبرالية"، الواقع في 574 صفحة، والصادر عن "الدار الأهلية" للنشر والتوزيع، عام 2011؛ فإنه يلقي الضوء بصورةٍ مكثفة على مفاهيم الدولة والسوق والمجتمع والسياسة، تاريخياً وتحليلياً، من أجل توضيح الثيمة الأساسية التي يعتمد عليها كتابه، وتكمن في أنّ الليبرالية ليست مستقلة؛ بل تخضع إلى تدخلاتٍ كثيرة تجعلها تنحرف عن مسارها، بوصفها أداةً لحرية الفرد ورفاهه وتقدّمه، وحول هذه الفكرة؛ يقول سالين: إنّ "الدولة من جهة، والقوى السياسية من جهةٍ أخرى، تتعامل مع المجتمع بصورةٍ بنائية، أي أنّها تعمل ضدّ إرادة الأفراد، من أجل بناء ما تسميه الصالح العام"، ويعطي سالين مثالاً بقوله: إنّ المحافظين مثلاً، عملوا طوال عقودٍ على إبقاء المجتمع كما هو، من خلال التقاليد الموروثة، والعادات، والطبقية الي تمنح طبقةً معينة امتيازاتٍ مادية وسياسية خاصة على حساب المجتمع، بوصفها وحدها من تستطيع قيادة المجتمع.

الليبرالية ليست مستقلة، بل تخضع إلى تدخلاتٍ كثيرة تجعلها تنحرف عن مسارها بوصفها أداةً لحرية الفرد ورفاهه وتقدمه

من ناحيةٍ أخرى؛ يرى المفكر أنّ التقدميين "حاولوا تغيير المجتمع وفق رؤاهم، وتعاملوا معه كآلة كان وقودها الأيديولوجيا، مثلاً، في حالاتٍ كثيرة، وضدّ الإرادات الفردية بطبيعة الحال"، وبالنظّر إلى العالم العربي مثلاً؛ فإنّ رؤية سالين ربما تنطبق نوعاً ما على الدولة القطرية العربية خلال الربيع العربي بالذات؛ حيث تكشفت أساليب إدارة الدولة سياسياً، من خلال قمع الإرادات الفردية من أجل الصالح العام، الذي لم يكن يتمثل بأكثر من حكمٍ تسلطي تمثل في حكم الحزب الواحد، الذي يسيطر على معظم المصالح العامة اقتصاديةً وسياسية، وبالتالي؛ فإنّ بنيته أصبحت محافظةً وبنائية، لكنّ شكله التقدمي بقي موجوداً في مجموعة من الأدبيات والظاهرات السياسية غير الواقعية، ومثال ذلك سوريا في مرحلتها (الإصلاحية)، بين عامَي 2001 و2008، ومن ثم ما تعرضت إليه من دمار خلال الربيع العربي بعد ذلك.

يعتقد سالين أنّ المحافظين واليساريين يحكمون المجتمع بصورةٍ آلية

وانطلاقاً من هذه الرؤية؛ يرى المؤلف أنّ المجتمع لا بدّ من أن ينطلق من رؤية واحدةٍ واضحة، إما ليبرالية، وإما بنائية، سبق ذكرها، والخلط بينهما لأجل الرأسمالية والانفتاح العالميَّين لن يفي بالغرض، وسيعمل على التشويه والخلط، ويدعم رأيه هذا بالحديث عن الديمقراطية؛ فهي ليست، في نظره، مسألة سياسية أو دستوريةً فقط؛ بل إنّ غيابها يؤثر في حقوق الأفراد في المجتمع، وفي حقّهم في نيل الفرص والمساواة فيها قدر الممكن، بينما يدمّر قدرة المؤسسات التنظيمية ويحيلها إلى وسائل لتحقيق مصالح محددة في يد جماعات محددة مثلاً، ممّا يجعل القوانين نفسها أيضاً، تتحول إلى نصوص عديمة القوة والنفاذ أمام مصالح الأكثرية (المقصود هنا أكثرية القوة والسلطة والتحكم بالمال)، وأمام الأقليات (فئات الشعب عموماً)، بالتالي؛ تنقلب الآية وتصبح الديمقراطية منتجةً لوهم تمكين المجتمع والأفراد من تحقيق ذواتهم ورغباتهم، وإنفاذ تبادلاتهم الاجتماعية والمادية بحريةٍ وطموح.

اقرأ أيضاً: لماذا تعاني الليبرالية من سوء السمعة في العالم العربي؟
كلّ هذا، في رأي سالين، ينعكس على الأسواق، ويحوّل مسألة انفتاحها أو انغلاقها إلى نتائج تصبّ في مصلحةِ أفرادٍ محددين فقط، وهكذا، يصبح لليبرالية تطبيق لا ينتمي إليها، يتمثل في إرادة ثلة من الأفراد المتنفذين اقتصادياً، وربما سياسياً، كنتيجة، ومن ثمّ؛ فإنّ هذا ينتقص من حقوق الآخرين وحرياتهم، ليتحولوا إلى تابعين لإرادات أقوى، فتنهكهم الأنظمة المالية مفتوحةً وحرةً  كانت، أو منغلقة وتخضع لرقابة الدولة، فبكل الأحوال هم دافعوا ضرائب، ومنتجون صغار غير مستقلين، أو مستهلكون يخضعون للاحتكار وقلة الخيارات، ...إلخ. وتنتهي عند هذا الحدّ أيّة قيمة لليبرالية، فلسفياً وأخلاقياً، لتدخل في عصر السوق، وتكون "ليبراليةً نفعية، أو نيوليبرالية" تراها الشعوب عدواً رأسمالياً، ينتج الفقر والمشاكل والحرمان.

الحرية والمسؤولية
تعدّ كلمة حرية جذابةً جداً، على صعيد اللغة والفكرة والمفهوم، وليست كلمةً مقترنةً بالليبرالية وحدها، إن أمكن فصلها، فالماركسية على لسان منظرها الأول كارل ماركس نادت بالحرية، وكذلك اليسار من حول العالم، والدول التي خاضت الحروب العالمية، وحتى المستعمرين في وقت ما، نادوا بحرية حقّهم في استخدام معرفتهم وقوتهم من أجل التوسع والحياة، أي أنّ الحرية تستخدم كثيراً في الرأسمالية أيضاً، وهذا ليس تناقضاً عجيباً، بل استثماراً كبيراً، كأيّ استثمارٍ رأسمالي آخر.

تتنصل الرأسمالية العالمية من المسؤولية التي تتطلبها حرية الأسواق والانفتاح، وترى في الحرية مجرد حقلٍ لجني الأرباح

إذاً، تعود الحرية على المنادين بها بالعديد من الأرباح أحياناً، وبالعديد من المسؤوليات أحياناً أخرى، لكنّ لبّ الصراع، وفق سالين، يعود إلى أنّ الليبرالية بالذات تخضع إلى حربٍ ضمن سياق المسؤولية، فيقول: "الرأسمالية تخوض صراعاً معقداً من أجل حرية أسواق وتجارة عالمية وغيرها، تخلو نوعاً ما من كثيرٍ من المسؤوليات التي تترتب عليها وعلى احتكاراتها وحروبها الاقتصادية، وما يتبعها من حروب عسكرية وسياسية أحياناً" أي أنّها قوةً تتنصل من المسؤولية وترى الحرية فقط حقلاً لجني الأرباح.
ومن جهةٍ أخرى؛ فإنّ الدول المحافظة، قطريةً كانت أم شيوعية أم مؤسساتية، فإنّها حين تتحدث عن "الابتعاد عن النسق الرأسمالي المذكور لصالح حكم أكثر أوتوقراطية وحماية لما يسمّى الصالح العام، اقتصاداً وسياسة، فإنّها تتخلى بدورها عن المسؤولية التي تترتب على منح الحريات للأفراد، ليزاولوا أعمالهم وأفكارهم ونشاطهم الاقتصادي بصورةٍ أكثر حرية"؛ ما يعني مباشرةً، أنّ الليبرالية تقع بين مطرقة الرأسمالية وسندان سياسات اقتصادية محافظة، تحاول كلّ منهما التنصل من مسؤوليتها تجاه الحرية، وما يترتب عليها من تبعات تراها في غير صالح القوى الاقتصادية المسيطرة، أو السلطة بشكلٍ عام.

غياب الديمقراطية يدمّر قدرة المؤسسات ويحيلها إلى وسائل لتحقيق مصالح محدّدة في يد جماعات محددة كما يضعف قوة القوانين

ويحاول الكاتب التوضيح، بطرحه مثالاً مصغراً على بلده فرنسا، فيتحدّث عن "وجود عمال وأجَرَاء يدافع اليسار عن حقوقهم ضدّ المقاولين وأصحاب رؤوس الأموال، الذين يدافع المحافظون عن مصالحهم، بينما تستغل الدولة كلّ هذا لتدير تضارب المصالح ذاك، فتفرض المزيد من الضرائب مثلاً، وتسنّ قوانين ما مختلفة، تتحول إلى مجموعة إكراهات تنهي أيّ احتمال للتوزيع العادل للجهود والثروات والأعمال".
هذا الكتاب ليس حكراً على التجربة الأوروبية أو الغربية وحدها، في مجال الحريات وتطور الدولة وقطاع المال العام والاقتصاد المحلي، ومن ثم الاقتصاد العابر للقارات؛ بل إنّ كثيراً من طرحه المختصر ضمن هذه القراءة، يتمثل في العديد من الدول العربية، التي تحولت خلال مرحلة الربيع العربي إلى نسيج مفكك، يسوده الدمار والحرب، بعد أن ظهرت صيغه البنائية المتنوعة، أيديولوجية، قمعيةً كانت أم طائفية محافظة، أو متسلطة وضعيفة اقتصادياً، وهي غالباً خليط من هذا كلّه.
وربما فقط، لم يكن ممكناً الخوض في وجود رأسمالٍ عابرٍ للقارات أثّر في هذه الدول، لأنّ التأثر يشبه نتيجةً حتمية، لدولٍ تعاني كلّ هذه المشكلات، وتخلط قواها السياسية والاجتماعية، غالباً، بين نظرية المؤامرة والرأسمالية المتوحّشة، والفساد مثلاً، وبين قيم الحرية والتعددية والاندماج مع العالم كجزء منه، في ظلّ ما يراه كثيرون هجمةً نيوليبرالية، يمكن استخدامها لتبرير التراجع العام، والدمار الذي كشفت عنه الثورات في لحظةٍ ما من التاريخ.

للمشاركة:

سوسيولوجيا العنف والإرهاب.. مواجهة لا تحتاج حرباً

2019-10-28

العنف اعتداء على جوهر الحياة وكرامة الإنسان وسعادته، ويصبح خطراً عالمياً وإنسانياً يهدد كل مظاهر الحياة والمجتمع والحضارة البشرية عندما يرتبط بأيديولوجيا متطرفة أو عقيدة تكفيرية فيتحول إلى "إرهاب".

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
وبالرغم من أنّ العنف ليس حدثاً جديداً في التاريخ البشري ولا يقتصر على مجتمع دون غيره، إلا أنّ المجتمعات تتفاوت في قدرتها على ضبط النزوع العدواني الطبيعي للكائن البشري كلما ارتقت في سلّم التطور الاجتماعي والثقافي، وساد بين أفرادها الوئام والتسامح والحرية وروح المواطنة والمساواة، فيما قد تعاني بعض المجتمعات من التفكك والنكوص كلما انحدرت فيها القيم الإنسانية والأخلاقية وافتقدت حياة الإنسان فيها للمعنى، وسادت بين أبنائها علاقات التغلب والتسلط والقهر والقمع والاستبداد، سواء أكان بفعل صراعاتها الداخلية أم مع محيطها الخارجي، الأمر الذي يجعل من هذه البيئات الاجتماعية منبعاً للتطرف والعنف.

تشكل الدراسة إسهاماً مهماً للبحث في ظاهرة العنف وتبيان العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعقائدية المولدة له والمحرضة على سلوكه

ولعل هذا يفسر ما تشهده العقود الأخيرة من تنامي مظاهر العنف وتنوع أشكاله وخروجه عن السيطرة والضبط بعد أن تطورت أساليبه تطوراً كبيراً مع التطور التكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات، واتسعت رقعته حتى شملت جميع المستويات؛ المحلية والإقليمية والدولية، ما يجعل مهمة مواجهته ودرء أخطاره وفهم أسبابه للحد من آثاره المدمرة للروح الإنساني مهمة إنسانية وعالمية.
ولما كانت مواجهة العنف والإرهاب الحقيقية تستلزم فهم أسبابه، والوعي بخطورة ثقافة العنف والتربة التي ينبت فيها قبل أية وسيلة أخرى، فقد تصدى الكثير من الباحثين والمفكرين من مختلف المواقع والتخصصات العلمية والفكرية لدراسة وتحليل تلك الظاهرة والكشف عن دوافع العنف وأساليبه وغاياته، وتوفير الأدوات الناجعة في مواجهته والحد من آثاره المدمرة على الفرد والمجتمع.

غلاف الكتاب
وتشكل دراسة الباحث العراقي إبراهيم الحيدري في كتابه "سوسيولوجيا العنف والإرهاب"، الصادر عن دار الساقي 2015، إسهاماً مهماً للبحث في ظاهرة العنف وتبيان العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعقائدية المولدة له والمحرضة على سلوكه، كما يشكل سؤاله الذي يضعه عنواناً ثانوياً للكتاب "لماذا يفجر الإرهابي نفسه وهو منتشٍ فرحاً" مدخلاً للتحليل السوسيولوجي والسيكولوجي للسلوك العنفي، وفهم شخصية "الإرهابي" يستعرض الباحث من خلاله طيفاً واسعاً من الآراء والأفكار والنظريات والمعتقدات التي راكمها الفكر الإنساني عبر مسيرته الطويلة حول موضوع العنف، وأشكاله وآلية مواجهته وضبطه بدءاً من الفلسفات الأولى، اليونانية والشرقية والإسلامية مروراً بالفارابي وابن خلدون ونظريات العقد الاجتماعي في تفسير العنف، والماركسية وتفرعاتها النظرية في علم الاجتماع  وعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي وعلم نفس ما بعد الحداثة، إلى فلسفات التواصل الحديثة مع حنة إرندت وهابرماس ومقولة "الإرهاب والحداثة المغلوبة". 

اقرأ أيضاً: كيف تتحالف الجماعات الإرهابية والإجرامية في العالم؟
ويستخلص الحيدري من هذا العرض الطويل لأهم النظريات الفلسفية والاجتماعية والنفسية التي عالجت موضوع العنف والإرهاب مع ما يرفده من عرض لمنشأ وتاريخ العديد من الحركات الثورية والمنظمات الإرهابية المحلية والدولية، إجابة أولية على سؤاله المحوري تفيد بأنّ التحليل السوسيولوجي والسيكولوجي يجيبنا "أنّ الفرد الإرهابي لا يولد بالضرورة إرهابياً، إنّما يصبح كذلك بفعل عوامل بيئية واجتماعية وسياسية ودينية مختلفة"،  فالاستعداد البيولوجي للسلوك العنيف الموروث مما بقي عالقاً في خصائص الإنسان وغرائزه من مملكته الحيوانية لا يشكل سوى استعداد للعنف فقط، كشكل طبيعي من أشكال الحماية للذات والحفاظ على حياة العضوية.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
فيما يبقى للعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية والأخلاقية والدينية الدور الأساسي في صنع وتكريس السلوك العنيف؛ "فالعنف والإرهاب صنيعة المجتمع المريض والسلطة القمعية الجائرة والعقائد الدينية السقيمة" التي تستمر المجتمعات المتخلفة، والسلطات البطريركية الذكورية في إعادة إنتاجها وتكريسها بدءاً من الأسرة التي تنشئ أولادها على العدوانية والتسلط والقمع وعلاقات السلطة الأبوية التي تخلق أشخاصاً يميلون إلى التسلط والقمع والتغلُب، أو إلى الخضوع والامتثال والعجز والاتكال، إلى المدرسة التي تعتمد منهجية الحفظ والتلقين، وتخضع لأيديولوجيا السلطة، وتزرع في المتعلم قيم المجتمع التقليدي، فتقتل روح الإبداع والتفرد والعقل النقدي وقيم الحرية والمساواة والتسامح والحوار، إلى المؤسسة الدينية التي تطغى  على المؤسسات الثقافية والمدنية بخطابها الرافض لقيم الحداثة وروح العصر بفعل الاستعمار والتحدي الحضاري الذي تعرضت له هذه المجتمعات، والذي يترجم ذاته بخطاب الكراهية الذي يستبطن العنف والعدوان تجاه الآخر المختلف؛ اجتماعياً أو إثنياً أو دينياً، تحت شعارات الخصوصية الثقافية أو الدينية أو القومية، إلى السلطة السياسية التي تقوم على علاقات القوة والغلبة والقهر والإكراه وغياب العدالة والمساواة بحقوق المواطنة، ما يشكل منظومة فكرية ثقافية متكاملة توفر الشروط المثالية لإنتاج السلوك العنيف وشخصية الإرهابي.

الإرهاب: تعريفه وتاريخه وأسبابه
يشير الحيدري إلى صعوبة تعريف الإرهاب تعريفاً دقيقاً و موضوعياً بحكم ارتباطه تاريخياً بأيديولوجيات سياسية وأفكار عقائدية متنازعة ومختلفة حول الغاية من فعل العنف، وإدانة السلوك العنفي أو شرعنته وتبريره تبعاً لغايته، لذلك فقد تعددت تعريفات الإرهاب، واتخذت في مجملها طابعاً وصفياً لممارسات ظرفية تبنتها جماعات أو منظمات ثورية بعينها.

مواجهة الإرهاب ودرء أخطاره وفهم أسبابه للحد من آثاره المدمرة للروح الإنساني مهمة إنسانية وعالمية

استُخدِم مصطلح الإرهاب لأول مرة العام 1795 في وصف أساليب مجموعة اليعاقبة اليساريين السياسية بعد الثورة الفرنسية في معاملة واعتقال المعارضين، كما استخدم في وصف الأشخاص أو الجماعات الذين لا يلتزمون بقوانين الحرب في مطلع القرن العشرين، وأمثلة أخرى مشابهة؛ ما جعل مصطلح الإرهاب يقتصر على تعريف إجرائي من خلال ما ينطوي عليه من انتهاك للقوانين الإنسانية وعن وسائل الضبط الاجتماعية العرفية والوضعية، يجمله الباحث في كل عمل عنف مسلح أو رعب تحدثه أعمال عنف قصدية تخرج عن المعايير الإنسانية: كالقتل والاغتيال والإبادة والتخريب والتدمير... بغرض سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ديني ينتهك المبادئ العامة للقانون الإنساني التي تحرم استخدام وسائل وأساليب وأدوات عنف قاسية تجاه أهدف مدنية بريئة دون أن يكون لذلك ضرورة ماسة.
ولما كان ثمة صعوبة في نحت تعريف شامل للإرهاب فثمة صعوبة مقابلة في حصر أسبابه، والعوامل الدافعة له بحكم تعددها واختلافها وتنوعها بتنوع واختلاف المواقف والأهداف والمصالح التي يتخذها الإرهابيون، وبحكم ارتباط أعمال العنف والإرهاب غالباً بفترات التغيرات والتحولات الاجتماعية الجذرية والسريعة وما يرافقها من اضطرابات اجتماعية وسياسية وتطلعات مستقبلية تعبر عن الاختلال البنيوي للتوازن الاجتماعي الذي يَسِم الدول الاستبدادية والشمولية التي تشكل المنبت الأوسع لأعمال العنف والإرهاب بسبب الفقر والجهل.

اقرأ أيضاً: "يوم المسجد المفتوح" في ألمانيا لمواجهة دعاة التشدّد والإرهاب
ويضاف إلى ذلك تفشي ثقافة الخوف وعدم المساواة، وغياب التفاهم والحوار الديمقراطي وعدم مشاركة الفئات الاجتماعية في تدبير شؤون الحكم والسياسة وتقرير مستقبلها ومستقبل أوطانها، وخاصة في أوقات الأزمات والكوارث والصراعات والحروب، وهو ما يجعل من هذه البيئات منبعاً للإرهاب وساحة له في آن، ويجعل من شعارات الحرب على الإرهاب مجرد شعارات فارغة من أي مضمون ومحتوى إيجابي وفعال دون إيجاد حل حقيقي لأزمة هذه المجتمعات واختلال توازنها الاجتماعي البنيوي، واختلال علاقاتها مع عالمها المحيط.

اقرأ أيضاً: رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. مكاسب واشتراطات
فهذه المجتمعات التي دخلتها الحداثة قسراً أو خلسة من الأبواب الخلفية، ومازالت تعيش في غربة عن عالمها وفي انفصام بين واقعها الحقيقي ومتخيلها وذاكرتها الجمعية الانتقائية ستبقى عرضة للحروب الداخلية ومولدة للعنف والإرهاب المحلي والعالمي؛ فقد أثبت التحليل السوسيولوجي أنّ العنف استجابة مكتسبة من البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية، فالمجتمعات التي تسود فيها النزعة الأبوية البطريركية واحتقار النساء؛ وتقوى فيها العصبيات القبلية والإثنية والطائفية؛ وتنعدم فيه الحرية واحترام الرأي والاختلاف، يتراجع فيها التفاهم والتواصل والحوار أمام العنف، ليدخل المجتمع في دوامة الحروب والتسلط والإرهاب الذي لن تعاني منه وحدها فحسب، بل ودول العالم الأخرى أيضاً.

اقرأ أيضاً: الإرهاب غرب أفريقيا.. كيف يمكن مواجهته؟
فليس عجباً كما يشير المؤلف أن تبدأ حروب القرن الواحد والعشرين في أفغانستان، كما ليس عجباً أن تمتد إلى مثيلاتها العربية والإسلامية التي وجدت فيها الحركات الإسلامية المتطرفة والفكر الحركي "الجهادي" مثل "داعش" وأخواتها مرتعاً خصباً لأفكارها وأيديولوجياتها، وخزاناً بشرياً من هويات بلا ذوات لا تحتاج سوى القليل من الإغراء الدنيوي والأخروي يدغدغ غرائزها وعواطفها حتى ترفده بجيش من الانتحاريين والإرهابيين تحت شعار العنف المقدس أو غير المقدس.
وستبقى هذه البيئات ذات الواقع الاجتماعي السياسي الفاسد وما يفرزه من إحباطات اجتماعية واغتراب نفسي، تغذي الحركات الدينية الأصولية على اختلاف أفكارها وأهدافها وتدفع قسماً منها إلى ممارسة العنف والإرهاب فكراً وممارسة.
يشير الحيدري إلى صعوبة تعريف الإرهاب تعريفاً دقيقاً و موضوعياً

ثقافة التسامح وتقبل الاختلاف
يختم الحيدري كتابه بالدعوة إلى التسامح ورفض العنف ورفض الحرب باعتبارها أسوأ أعمال العنف، ويفرد لمفهوم التسامح وتاريخ المفكرين والرواد الذين حملوا الأفكار التي تحض على التسامح والتواصل بين البشر والديانات، وتبين دور التسامح الإيجابي في حل النزاعات ووقف العنف فصلاً كاملاً يذيله بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإعلان مبادئ التسامح الذي أصدرته اليونسكو 1995 الذي يعرف التسامح بالانسجام داخل الاختلاف، وتقبل الاختلاف والتنوع والثراء في الثقافات البشرية، واحترام وتقدير جميع الأشكال والأساليب التي يتم من خلالها التعبير عن خصائص الوجود البشري، والاعتراف بأن لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، وحرية الرأي والتعبير.

يخلص المؤلف إلى أنّ مواجهة العنف والإرهاب لا تتم بإشعال حروب جديدة تحت مسمى "الحرب على الإرهاب"

مع الإشارة إلى أنّ التسامح المقصود هو التسامح الإيجابي، وأنّ هذا التسامح ليس منّة أو تنازلاً أو مجاملة، بل هو موقف إيجابي يتلخص في الاعتراف بحريات الآخرين الأساسية.
ويخلص المؤلف إلى أنّ مواجهة العنف والإرهاب لا تتم بإشعال حروب جديدة تحت مسمى "الحرب على الإرهاب"، بل بإشاعة ثقافة العفو والتسامح بدل ثقافة الكراهية والعدوان، وإصلاح منظومة مؤسسات الدولة والمجتمع، وتوزيع الحقوق والواجبات بين المواطنين بعدالة ومساواة، وإصلاح وتحسين طرق التربية والتعليم باتباع أسس علمية وعقلانية رشيدة تقطع مع طرق الحفظ والتلقين والاستبداد والخوف، وترسي أسس استيعاب المعرفة والنقد البناء والحوار وتقبل الاختلاف، وتحسين منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية وتشذيبها من الخرافة والقدر الأعمى والتعصب والعدوان، وفصل الدين عن السياسة، وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني المتحررة من أيديولوجيا السلطة للقيام بواجبها في مراقبة الدولة ومؤسساتها وتوجيهها نحو خدمة المجتمع وتمكين أبنائه من بناء مجتمع ديمقراطي متسامح يخلو من العنف والإرهاب، وينفتح على قيم الحداثة والتنوير وروح العصر، ويؤمن بأنّ مستقبل العالم والإنسانية مستقل مشترك بين الجميع.

للمشاركة:



السلطات الألمانية تكشف عدد السلفيين وتحذّر من عمليات إرهابية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

ذكرت مصادر أمنية ألمانية؛ أنّ عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل لافت، مقدّرة عددهم في برلين بنحو 1120 شخصاً.

مصادر أمنية تؤكّد أنّ عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل لافت وتقدّر عددهم بنحو 1120 شخصاً

وقال رئيس المكتب الإقليمي لحماية الدستور (الاستخبارات الألمانية الداخلية) في ولاية برلين، ميشائيل فيشر، في تصريحات نقلها وكالة الأنباء الألمانية، اليوم: "لدينا حالياً في برلين نحو 1120 سلفياً، بيد أنّنا غير متأكدين تماماً ما إذا كنا نرصد ارتفاعاً حقيقياً مستمراً لهذه الأوساط النشطة، أم أننا رصدنا المزيد من السلفيين لأنّنا عززنا إجراءاتنا".

وكانت سلطات الأمن قد رصدت نحو 1020 سلفياً في برلين، بنهاية عام 2018، وكان عددهم يقدر قبل أعوام بنحو مئات الأفراد.

ولم يتحدث فيشر عن عدد المصنَّفين ممن لديهم استعداد للعنف، وقال: "من بينهم أيضاً أشخاص لديهم أفكار تدعم العنف أو ممارسته ذاتياً، هذا أمر يصعب حصره في أرقام، فالتحول غير واضح".

 ويأتي حديث فيشر قبل أيام قليلة من القبض على سوري مشتبه في صلته بالإرهاب، أمس الثلاثاء، في حي شونببرغ في برلين، لافتاً إلى أنّ الخطر الذي يمثله أنصار تنظيم داعش ما يزال قائماً.

الشرطة الألمانية تلقي القبض على سوري للاشتباه في صلته بالإرهاب كان يصنع قنابل لتنفيذ هجمات إرهابية

 وقال: "ليس من المستبعد أنّ تنظيم داعش، حتى عقب هزيمته، سيسعى لأن يوضح للخارج أنّه ما يزال موجوداً، وأنّه قادر على القيادة"، مضيفاً؛ "ما تزال هناك دعوات لشن هجمات في أوروبا وباقي أنحاء العالم"، وتابع: "توجد لذلك أدلة على استمرار وجود أفراد يتبنون فكرة شنّ هجمات".

وكانت وحدة خاصة من الشرطة الاتحادية قد ألقت القبض، أمس، على سوري في برلين للاشتباه في صلته بالإرهاب، وأعلن الادعاء العام الاتحادي في مدينة كارلسروه، اليوم؛ أنّ السوري مشتبه في شرائه مواد كيماوية لتصنيع قنبلة، وأضاف: "كان من المخطط تفجير هذه القنبلة في وقت غير معلوم، وفي مكان غير معروف في ألمانيا، لقتل وإصابة أكبر عدد ممكن من الأشخاص".

 

 

للمشاركة:

الجيش اليمني يصدّ هجوماً حوثياً في تعز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

صدّت قوات الجيش الوطني في محور تعز، أمس، هجوماً جديداً شنّته ميليشيات الحوثي الانقلابية على عدد من المواقع في الجبهة الغربية.

ونقل "المركز الإعلامي لمحور تعز" عن مصدر عسكري؛ أنّ وحدات الجيش الوطني كسرت هجوماً نفذته عناصر من ميليشيا الحوثي الانقلابية، بغية التقدّم في مناطق: "حذران، والصياحي، وتبة الخندق"، غرب المدينة، وفق صحيفة "المشهد" اليمنية.

مشروع "مسام" يعلن انتزاعه 658 لغماً أرضياً وعبوة ناسفة خلال الأسابيع الماضية

وأكّد المصدر رصد قوات الجيش الوطني لتحركات الميليشيا، وصدّ كلّ زحوفاتها في مختلف الجبهات لواجهتها.

وخلال الأيام الماضية؛ ركّزت ميليشيا الحوثي الانقلابية هجماتها على المواقع السابقة، بهدف التقدم والسيطرة على الطريق الرئيس المؤدي للمنفذ الوحيد للمدينة في المنطقة.

إلى ذلك، أعلن مشروع "مسام"؛ أنّه انتزع 658 لغماً أرضياً، وعبوة ناسفة خلال الأسابيع الماضية.

وبلغ إجمالي ما جرى نزعه منذ بداية المشروع، حتى الآن، أكثر من 105 آلاف لغم زرعتها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، في الأراضي والمدارس والبيوت في البلاد وأدّت لسقوط عدد كبير من الضحايا.

وفي سياق متصل بالصراع في اليمن؛ ندّدت وزارة الخارجية اليمنية في بيان رسمي نقلته صحيفة "الشرق الأوسط"، بالخطوة التي أقدمت عليها طهران والمتمثلة في الاعتراف الرسمي بالميليشيات الحوثية وتسليم المقرات الدبلوماسية اليمنية في إيران لسفير الجماعة المزعوم.

الخارجية اليمنية تندّد بتسليم إيران المقرات الدبلوماسية اليمنية في طهران للميليشيات الإرهابية

جاء ذلك في الوقت الذي اتهمت فيه الحكومة اليمنية النظام الإيراني بالوقوف وراء الجماعة الحوثية، والإيعاز لها باختطاف الناقلة الكورية في المياه الإقليمية اليمنية، وفق ما ورد في تصريحات لوزير الإعلام، معمّر الإرياني.

وأعربت وزارة الخارجية اليمنية في بيان، أمس، عن إدانتها واستنكارها الشديدين "قيام النظام الإيراني الداعم الأول للإرهاب في العالم، بالاعتراف بممثل ميليشيات الحوثي الانقلابية، وتسليمه المقار الدبلوماسية والمباني التابعة للجمهورية اليمنية في طهران".

 

للمشاركة:

الإمارات تدعم المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة منحة بقيمة 300 ألف دولار لدعم نتائج المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا، الذي اختتم أعماله، اليوم، فى العاصمة السنغالية، داكار.

وأعلن ذلك مساعد وزير الخارجية والتعاون الدولي للشؤون العسكرية والأمنية الإماراتي، الدكتور عبيد الحيري سالم الكتبي، الذي ترأّس الوفد الإماراتي المشارك فى أعمال الدورة السادسة للمنتدى التي انطلقت بداكار، أمس، مؤكّداً تطلع الدولة للمشاركة في الدورة السابعة للمنتدى في العام المقبل، وفق ما أوردت "وام".

الإمارات تقدّم هبة بقيمة 300 ألف دولار دولار لدعم نتائج المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا

وأكّد الكتبي، في كلمة له خلال أعمال المنتدى؛ أنّ العلاقة التي تربط دولة الإمارات بالدول الأفريقية قد تطورت بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة، مشيراً إلى مساعدة دولة الإمارات للدول الأفريقية على صعيد الأمن والاستقرار.

وأضاف: "الإمارات العربية المتحدة لعبت دور الوسيط في حلّ الصراعات القائمة، وحققت نجاحاً ملحوظاً في تخفيف حدة النزاعات التي دامت لعقدين بين أثيوبيا وإريتريا بفضل جهود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة"، مشدداً على موقف الإمارات العربية المتحدة الحازم ضدّ الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله، مشيداً بالدور المحوري الذي تضطلع به السنغال في تعزيز الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والتطرف في غرب أفريقيا وفي القارة الأفريقية على نطاق أوسع.

 

للمشاركة:



"الملالي" يقمع المتظاهرين ويقتلهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

فريد أحمد حسن

الفيديوهات الكثيرة التي انتشرت أخيراً وأظهرت كيفية قمع شرطة "الملالي" للمتظاهرين في المدن الإيرانية الذين خرجوا للاحتجاج على قرار النظام مضاعفة سعر البنزين والإيغال في إفقارهم لم يتم بثها عبر الفضائيات "السوسة"، لا الإيرانية ولا تلك التابعة لها والتي تمول من قبل النظام الإيراني أو المتعاطفة معه، ولن يتم بثها، بل لم ولن يتم حتى الإشارة إلى أن الشرطة قمعوا المتظاهرين بقسوة وبالغوا في القمع، والأكيد أنها بدلاً عن ذلك عمدت إلى اعتبار ما يقال "ادعاءات" ونفت بشكل قاطع وأقسمت بأن شيئاً من ذلك لم يحدث وأن تلك الفيديوهات هي من "تأليف" الذين يتخذون من النظام الإيراني موقفاً سالباً ويعادونه.

أياً كان حجم المظاهرات التي خرجت وستخرج ضد النظام الإيراني فلم ولن يتم بث أي خبر عنها في تلك الفضائيات والصحف الإيرانية التي تعمل على إظهار النظام وكأنه المعتدى عليه وليس المعتدي على جيوب الفقراء ومعيشتهم. الإعلام الإيراني بكل أدواته يهتم ببث ونشر الأخبار عن الذي يحصل في البلاد الأخرى فقط، ولأسباب معروفة يبالغ في البث والنشر ويضخم من كل خبر يرتمي في حضنه. أما الشرطة الإيرانية فتفعل ما لا يمكن أن تفعله الشرطة في البلاد الأخرى فتضرب بعنف وقسوة وتبالغ في ذلك، فهي هنا تدافع عن الولي الفقيه الذي تؤمن بأنه لا يمكن أن يخطئ وأن قرار رفع سعر البنزين أوحي إليه فأمر به!

في السنوات الثماني الأخيرة فقط امتلأت ساعات بث الفضائيات "السوسة" بأخبار البحرين، وتعاملت تلك الفضائيات مع كل خبر صغير يحدث هنا وكأن القيامة قد قامت، أما تعامل رجال حفظ الأمن مع المتظاهرين والذي لا يمكن مقارنته بالذي شاهده العالم في الأيام الأخيرة في المدن الإيرانية فتصنع منه ألف خبر وخبر وتنفخ فيها بطريقة مفضوحة.

مشكلة النظام الإيراني أنه يؤمن بأن من حقه هو فقط أن يدافع عن نفسه وأن يمنع التظاهر ضده ويمنع الهتافات ضد رموزه، أما الآخرون فلا حق لهم وبالتالي فإن كل ما تقوم به الأجهزة المعنية بحفظ الأمن في البلاد الأخرى وجعله مستتباً مبالغ فيه وحرام ويستوجب النقد والتناول عبر تلك الفضائيات.

ليس تلك الفضائيات وحدها التي لا تتناول موضوع قمع شرطة "الملالي" للمتظاهرين والتعامل معهم بقسوة مبالغ فيها، فالإعلام الإيراني كله لا يتناول ذلك، وكذلك تفعل الجمعيات السياسية التي اختارت الحضن الفارسي حيث تعتبر تعامل الشرطة مع المتظاهرين في إيران حقاً يكفله الدستور الإيراني وتعتبر المتظاهرين من المسيئين الذين لا يستحقون الضرب بالعصي العادية والكهربائية فقط وإنما يستحقون الإعدام. والأمر نفسه تفعله الميليشيات التي أوجدها النظام الإيراني في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها، فهؤلاء جميعاً تعمى أبصارهم عندما يكون القامع هو النظام الإيراني وعندما يكون المتظاهر هو المواطن الإيراني الذي "لم يراعي حرمة الولي الفقيه.. وتجاوز حدوده"!

ما حصل في الأيام الأخيرة في إيران فضح النظام الإيراني وتوجهاته وشعاراته وما ظل يردد أنها مبادئه، فقد حرم المواطنين الإيرانيين من أبسط حقوقهم رغم علمه بأن قرار غزو جيوبهم الفارغة يؤلمهم ويستدعي خروجهم إلى الشوارع ليعبروا عن رفضهم للقرار أو التحفظ عليه. هذا النظام لم يمنع الإيرانيين من التعبير عن ألمهم فقط وإنما عمد إلى قمعهم بأبشع الأساليب واعتبرهم متجاوزين ومتطاولين على الولي الفقيه ولم يبقَ إلا أن يعلن بأن مصيرهم النار يوم القيامة.

تعامل النظام الإيراني الخشن مع المتظاهرين الإيرانيين في السابق يدفع إلى الاعتقاد بأنه سيزيد من ذلك ولن يكون مستغرباً لو أنه قام بإعدام مجموعة من المعبرين عن ألمهم بالتظاهر في الشوارع ورفع الشعارات ضد النظام.

عن "الوطن" البحرينية

للمشاركة:

هكذا أعاد المتظاهرون صياغة ممارسة السياسة في لبنان

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-20

ترجمة: مدني قصري


منذ منتصف تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ خرج اللبنانيون إلى الشوارع للتنديد بالإجراءات التقشفية وفساد الطبقة السياسية اللبنانية، امتدت الحركة إلى ما وراء بيروت، من طرابلس إلى جنوب لبنان، أمام الاحتجاج، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ أعلن رئيس الوزراء، سعد الحريري، استقالته، وتدابيره المقترحة قبل أيام قليلة؛ سحب بعض الضرائب، وزيادة الرسوم المفروضة على البنوك، لم تكن كافية لتهدئة المحتجين، واليوم، غزت كلمة "ثورة" الشوارع اللبنانية، ثورة تريد التغلب على الانقسامات المجتمعية، وتريد أن تكون غير عنيفة، ومع ذلك؛ فإنّ هناك كثيرين من الجرحى بالفعل، وفي 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قام مقاتلو حزب الله وحركة أمل بنهب مواقع المتظاهرين.
خرج اللبنانيون إلى الشوارع للتنديد بالإجراءات التقشفية وفساد الطبقة السياسية اللبنانية

هل يشهد لبنان حركة اجتماعية حقيقية؟
يعيش أكثر من ربع اللبنانيين تحت خطّ الفقر، وفق البنك الدولي، تعاني البلاد من نقص مزمن في الكهرباء وحتى في مياه الشرب، الحياة باهظة الثمن، والبطالة تؤثر على أكثر من 20 ٪ من السكان العاملين، والعقارات، وهي الدعامة الأساسية للاقتصاد، تؤدي بشكل سيئ، إنّ تحويلات رأس المال من قبل الشتات، وهي دعامة أخرى، تراوح مكانها.

اقرأ أيضاً: الأزمة في لبنان.. إلى أين؟
يرتفع الدين العام إلى أكثر من 86 مليار دولار؛ أي أكثر من 150٪ من الناتج المحلي الإجمالي، النمو لا شيء تقريباً (0.2٪ عام 2018)، وأصبحت الليرة الآن مهددةً بشدة بانخفاض قيمتها، الأمر الذي سيكون له تأثير قوي على الاقتصاد؛ حيث يتم استيراد كلّ شيء.

مطالب المحتجين سياسية بامتياز تتراوح بين المطالبة بدولة اجتماعية ودولة القانون إلى شجب التواطؤ بين الطبقة السياسية والقوة الاقتصادية

البلاد التي تخلو من الإنتاج الحقيقي، تعيش في نظام الريع، الذي تم تأسيسه في التسعينيات في نهاية الحرب الأهلية، والذي تفاقم بسبب التوسع المالي، الذي تستفيد منه أولاً جميع فصائلها العصية على التفكيك، والنتيجة هي الفساد على جميع المستويات، الطبقة السياسية المستفيدة هي نفسها منذ ثلاثين عاماً وأكثر.
بالإضافة إلى ذلك، البنية التحتية تكاد تكون معدومة، الطرق في حالة سيئة، كما تمت خصخصة الخط الساحلي بأكمله، وتحول البحر إلى مكب حقيقي، البلد هو أيضاً ثالث أكبر مديونية في العالم، بعد اليابان واليونان.
يقول اللبنانيون إنّهم يريدون استعادة ديمقراطيتهم التي يعتبرونها مسروقة من قبل الزعماء السياسيين، من جميع الطوائف بلا استثناء، إما لأنّهم شاركوا بنشاط في الفساد، أو كانوا شركاء في هذا النظام.
غضب اليوم أشبه بـ "ارحَلْ" الذي ظهر في "الربيع العربي" 2010-2011، أو في حركة الشارع الجزائري الحالية، المسماة بـ "الحراك"، مع وجود بعض النقاط المشتركة مع الحراك في فرنسا "السترات الصفراء".

اقرأ أيضاً: لبنان والعراق بين مئويتين
في تمرد تشرين الأول (أكتوبر) 2019 هذا، الحقيقة التي أبرزها العديدُ من المراقبين بأنّ المتظاهرين يهاجمون من قلب معاقلهم، قادة مجتمعهم حقيقة غير مسبوقة نسبياً، تقول شابة لبنانية، قابلتها صحيفة "لو موند": "غضبنا يجعلنا أكثر قرباً، ونجد أنفسنا نناقش أشخاصاً لم نكن نتحدث معهم أبداً، حتى في الأوقات العادية، لقد أسقطنا جدار المخاوف الطائفية"، إذا كان هذا هو الحال وإذا أصبح الشيء معمماً، فإننا نشهد حدثاً جديداً في لبنان.
في هذا السياق؛ أجرى موقع "esclesdumoyenorient" مقابلة مع الدكتورة ماري-نويل أبيياغي (MARIE-(NOËLLE ABIYAGHI، أخصائية في الحركات الاجتماعية، ومديرة دعم لبنان (Lebanon Support) (مركز أبحاث مقره في بيروت)، وأستاذة في جامعة القديس يوسف، ببيروت. وهنا نص الحوار:
يرتفع الدين العام إلى أكثر من 86 مليار دولار

الانتفاضة التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة تبدو غير مسبوقة، بلا مركزيتها، تدعي أنّها غير سياسية، يبدو أيضاً أنّها تتجاوز الانقسامات الطائفية، ولكنّها متجذرة بقوة في السياسة والمجتمع اللبناني؛ بماذا تخبرك هذه المظاهرات عن لبنان اليوم؟ هل يريد اللبنانيون قلب صفحة الطائفية؟
في رأيي، هذه الحركة ليست جديدة وغير مسبوقة تماماً، هناك مجموعات اجتماعية مختلفة تتجنّد حول شعارات مماثلة، على الأقل منذ نهاية الحرب الأهلية (1990)، يجب أن ننظر إلى الحركة الحالية في ضوء كلّ الحركات الاجتماعية في لبنان خلال العقود الماضية، وعلى وجه الخصوص، عند بعض الجهات الفاعلة في العالم النقابي التي تدعو لبناء دولة القانون، أو عند بعض الأحزاب السياسية التي تعارض الطائفية لكنّها لم تتمكن بعد من الحصول على موطئ قدم في المشهد السياسي حتى الآن.

اقرأ أيضاً: كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين
في المقابل، إنّ ما هو غير مسبوق بالفعل هو حجم التعبئة، للمرة الأولى، تجمّع مئات الآلاف من اللبنانيين للاحتجاج في الوقت نفسه، وفي أجزاء مختلفة من البلاد، عادة، يتركز هذا النوع من التعبئة في بيروت، العاصمة، وقد ظلت محاولات توسيع لامركزية حركات الاحتجاج إلى مدن أخرى في البلاد خلال دورات التعبئة السابقة محدودة للغاية.
ما هي مطالب المحتجين؟ البعض منهم يدّعي أنّها مطالب غير سياسية، ما رأيك؟
مطالب المحتجين مطالب سياسية بامتياز، وهي تتراوح بين المطالبة بدولة اجتماعية ودولة القانون، إلى شجب وإدانة التواطؤ بين الطبقة السياسية والقوة الاقتصادية، مروراً بالاستيلاء على الثروة من قبل النخب الاقتصادية والسياسية والخصخصة المفرطة، ويدعو المتظاهرون أيضاً إلى اتخاذ إجراءات وآليات تُحمِّل الزعماء السياسيين المسؤولية عن مصائب البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية، وسقوط النظام الطائفي الذي يقوي روابط المحسوبية ويتلاعب به الزعماء السياسيون لتقسيم السكان.

من السخرية القول إنّ فرض الضرائب على الشبكات الاجتماعية (واتس آب) و(فايبر) هو أصل المظاهرات

يتم سماع العديد من المتظاهرين وهم يصفون النظام المذهبي باعتباره العقبة الرئيسة أمام إقامة دولة القانون والدولة الاجتماعية، بهذا المعنى؛ فإنّ رفض الطائفية هو رفض اجتماعي واقتصادي، لا ينبغي أن ننسى أنّ هذه التعبئات اندلعت في أعقاب تكثيف تدابير التقشف.
وهذا لا ينبغي أن يدفع المراقبين لهذه الحركات إلى استنتاجات متسرعة، في نشوة هذا الغليان الاحتجاجي، من المؤكد أنّ هناك تساؤلات حول الطائفية، لكنّ لبنان لن يستيقظ خالياً من الطائفية، أو ضدّ الطائفية بين عشية وضحاها، يجب إدراك التعبئة الحالية من منظور عملي منهجي، تماماً مثل إدراك الأنظمة التي ترفضها والديناميات التي تتحكم فيها، وبهذا المعنى؛ فإنّ هذه التعبئة هي أيضاً دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى لبنان، وحول ما نسميه "الثقافة الطائفية"، فهذه الثقافة هي أولاً، وقبل كلّ شيء، مجموعة من القوانين والمؤسسات والأجهزة والممارسات.
مطالب المحتجين مطالب سياسية بامتياز

ماذا كان رد فعل الطبقة السياسية اللبنانية بالتحديد؟
بشكل عام، مواقف الطبقة السياسية لم تُرضِ المتظاهرين؛ فهم يرونها غير كافية أو حتى شعبوية، على سبيل المثال؛ قرار رئيس الوزراء، سعد الحريري (تيار المستقبل)، تخفيض رواتب الرئيس والرؤساء السابقين والوزراء والنواب إلى النصف، أو قرار سمير جعجع (القوات اللبنانية) مغادرة الحكومة والانضمام إلى صفوف المحتجين؛ فقد ساعدت هذه المواقف في تأجيج الغضب في الشوارع، وتكثيف مطالب مساءلة السياسيين.

اقرأ أيضاً: لماذا أغضب قائد الجيش اللبناني مليشيا حزب الله الإيرانية؟
وهذا يجب أن يُفهم أيضاً في سياق تراخي وعبث اللبنانيين الشديد إزاء الطبقة الحاكمة، في الواقع، أمراء الحرب الرئيسون، هم الذين أصبحوا في نهاية الحرب الأهلية (1975-1990) الشخصيات السياسية الرئيسة، بدلاً من تحمّل مسؤوليتهم عن جرائم الحرب، أعيد دمجُهم في الدولة اللبنانية بطريقة أو بأخرى، توضح بعض شعارات المحتجين اليوم هذه الرغبة في المساءلة المزدوجة للزعماء السياسيين: فهم يتعرضون للانتقادات بسبب دورهم في الصراع الأهلي من جهة، وفي تحولهم السياسي وطريقة حكمهم منذ التسعينيات، من جهة أخرى.
ماذا كان ردّ فعل المتظاهرين بعد استقالة سعد الحريري؟ ما هو التطور الذي يمكن أن تأخذه الحركة؟
رحّب المتظاهرون، في البداية، باستقالة سعد الحريري، ورأوا أنّ هذه الاستقالة خطوة نحو باقي مطالبهم، وبشكل أكثر إحباطاً، جاءت هذه الاستقالة في وقت بدأت فيه الشوارع المعبأة منذ عدة أيام (وليال) تلهث وتتعثر، وبهذا المعنى، فقد أتاحت أيضاً الفرصة للمتظاهرين للتراجع مؤقتاً، ومراجعة تكتيكاتهم واستراتيجياتهم الاحتجاجية.
ومع ذلك؛ فقد أثارت أيضاً غضباً قوياً، وتعبئة مؤيدي رئيس الوزراء، وهو ما أدّى إلى تجمّع وتعبئة مجموعات المحتجين الرئيسة، من الذين يخشون الانتعاش السياسي والطائفي.

اقرأ أيضاً: هكذا تضامن السوريون مع الثورة اللبنانية: قادمون لاستنشاق الحرية
من المهم التأكيد هنا على أنّ المتظاهرين ليسوا كتلة متجانسة؛ فإذا كانت عوامل متشابهة قد أشعلت مختلف المناطق في الأراضي اللبنانية، فإنّ التكوين الاجتماعي للمتظاهرين، وانتماءاتهم خاصة السياسية والأيديولوجية متنوعة، بل ومتناقضة في بعض الأحيان؛ فهي تشمل، على سبيل المثال، المطالب الراديكالية أو حتى الثورية، ومطالب القومية التي تلامس كرهَ الأجانب، والمناصب التي يتمتع بها العمال المهاجرون واللاجئون، أو المناصب النسوية، وشعارات كره النساء والتمييز الجنسي، لكن يظلّ التظلّم الموحّد والشامل؛ هو رفض النموذج الاقتصادي والاجتماعي.
رحّب المتظاهرون في البداية باستقالة سعد الحريري

بالنظر إلى حجم هذه الحركة، وحداثة بعض الادعاءات؛ هل يمكننا القول إنّ المحتجين هم في معظمهم من الشباب، الذين ينتمون إلى جيل جديد من اللبنانيين المستعدين لتغيير البلاد؟
هذه الحركة عابرة للأجيال؛ الطبقات الشعبية موجودة للغاية في هذه التعبئة، خاصة الطبقات الوسطى الفقيرة، والعاطلين عن العمل، والشباب الذين لا يستطيعون الاندماج في سوق العمل، ونرى أيضاً العديد من كبار السنّ يشاركون في المظاهرات، وتتركز مطالبهم حول الحصول على الرعاية الصحية والأدوية، خاصة التقاعد.
كان الإعلان عن فرض الضرائب على تطبيقَي (واتس آب) و(فايبر)، في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، هو الذي أشعل نار الغضب في البلاد، لكنّ الخلافات ناتجة أساساً عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمرّ بها لبنان؛ انخفضت قيمة الليرة اللبنانية بشكل كبير، ودخلت البلاد في حالة الركود، في أيلول (سبتمبر) الماضي، واستجابة لهذا الوضع، أرادت الحكومة فرض ضرائب جديدة، رغم أنّ اللبنانيين يتعرضون بالفعل لضغوط اقتصادية؛ كيف تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين في الأشهر الأخيرة؟
من السخرية القول إنّ فرض الضرائب على الشبكات الاجتماعية (واتس آب) و(فايبر) هو أصل المظاهرات؛ ففي الأعوام الأخيرة، حدثت عمليات تعبئة متعددة بأشكال وصور مختلفة، من المؤكد أنّ التعبئة الحالية كانت مدفوعة بتكثيف تدابير التقشف، والزيادة في الضرائب غير المباشرة، الأكثر ضرراً اجتماعياً، وإنهاء قروض الإسكان المدعومة، وأيضاً بسبب التدهور العام للوضع الاقتصادي وظروف معدلات بطالة الشباب والهجرة، على سبيل المثال لا الحصر، في هذا السياق؛ تشبه هذه الاحتجاجات حركات الاحتجاج الأخرى في بلدان أخرى مثل شيلي، على سبيل المثال.

التكوين الاجتماعي للمتظاهرين اللبنانيين وانتماءاتهم، خاصة السياسية والأيديولوجية، متنوعة، بل ومتناقضة في بعض الأحيان

ومع ذلك؛ يجب ألا ننسى الشعارات الأكثر محلية لهذه التعبئة، والتي تجب أيضاً قراءتها في سياق دولة ليبرالية تاريخية تخلت عن مسؤولياتها الاجتماعية، تتكفل بهذه المسؤوليات مبادرات خاصة ومخصخصة ومنظمات غير حكومية، بعضها يرتبط مباشرة بالشخصيات أو الأحزاب الدينية، و /أو السياسية، والتي لا تخلو من المساهمة في تغذية وتقوية الروابط الزبونية الطائفية.
توضح التعبئة الحالية، إلى حدّ ما، حدود أشكال التضامن اللاشكلي من خلال الأسرة والمجتمع والشخصيات البارزة، وهو ما يقوض أسطورة "المرونة" اللبنانية الزائفة الشهيرة، بهذا المعنى، فهي تعبئات تطالب بمزيد من "طابع الدولة" للبنان.
توضح هذه التعبئات أزمة شرعية القوى السياسية الرئيسة في لبنان

حتى في جنوب لبنان، في صور، والنبطية، وكفر رمان أو بنت جبيل، في معقل حزب الله الشيعي، خرج الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع لإظهار دعمهم للحركة؛ هل حزب الله، اللاعب السياسي والمسلح الأقوى في البلاد، الذي يستطيع عادة تعبئة قاعدته الانتخابية التقليدية بقوة، بصدد فقده لدعم هذه القاعدة؟
إنها عوامل مماثلة تلك التي دفعت المحتجين إلى التعبئة، من طرابلس (التي كانت محصورة منذ فترة طويلة باعتبارها معقلاً للإسلاميين)، إلى جبل لبنان وبيروت وجنوب لبنان؛ ففيما وراء الاحتجاجات المتعلقة بتدهور مستويات المعيشة، توضح هذه التعبئات أزمة شرعية القوى السياسية الرئيسة في لبنان، كما يتضح ذلك من خلال القمع الذي تمارسه هذه القوى السياسية ضدّ المحتجين، سواء بشكل مباشر أو من خلال مؤيديهم، في العديد من المواقع مثل النبطية، أو أيضاً في وسط مدينة بيروت.
بالفعل، عام 2015، خرج عشرات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع أثناء أزمة القمامة، هدفها التنديد بفشل الحكومة في معالجة النفايات بعد إغلاق أكبر مكبّ نفايات في لبنان؛ هل ترى أيّ تشابه بين تعبئة 2015 والأحداث الحالية؟
هناك استمرارية ملحوظة بين دورات التعبئة الأخيرة في لبنان، سواء في أسباب السخط أو في مطالب المحتجين أو في استنتاجاتها، لا سيما التنديد بالنظام المذهبي؛ باعتباره ناقلاً لعدم المساواة الاجتماعية، هذا نجده على مرّ السنين، ليس فقط في عام 2015، في عام 2011، بالفعل في خضمّ موجة الربيع العربي، تحرك نشطاء، مطالبين بـ "سقوط النظام الطائفي"؛ ففي عام 2015، كانت المطالب أكثر تقنية، ومرتبطة بأزمة النفايات، فقد أدرجت إدانة الفساد، وفكرة مساءلة جميع الأحزاب والسياسيين، فاليوم نرى أنّ الاحتجاجات الرئيسة تجمع جميع هذه المطالب.
في الوقت الحالي لم يبرز أي قائد من المظاهرات، وقد بدأت أنفاس الحركة تضيق وتلهث؛ هل هذا الافتقار إلى قيادة، من تسلسل هرمي معين يُضِرّ بالتعبئة؟
يبدو لي أنّه يجب عكس السؤال؛ نحن أمام وجود حركة احتجاج، احتجاج الشارع، الذي يريد التنديد أولاً بالنظام السياسي والسياسات العامة؛ الشارع والمتظاهرون يذكّرون بأنّ الشعب هو المصدر الشرعي للسلطة، في هذا السياق، الأمر متروك للسياسيين لاقتراح بدائل، إجبار المتظاهرين على نوع معين من التنظيم أو غرض معين أمر غير عادل بالنسبة إلي، كما سيكون من السذاجة الاعتقاد أنّ حركة اجتماعية بهذا الحجم تتحقق دون تنظيم على الأرض.
المخرج غامض وغير مؤكد، ليس فقط لأنّ الوضع معقد، ولكن لأنّ هذا السيناريو الذي يجري الآن لم يحدث من قبل، لكن المحتجين ليست لديهم أوهام، فهم يعلمون أنّ النهاية ليست وشيكة.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

غرام وانتقام بين الخمينية و"الإخوان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

مشاري الذايدي

تسريبات الموقع الأميركي «ذا إنترسيبت»، التي نشرت خلاصات منها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، عن عمالة جملة من المسؤولين العراقيين لإيران، وعن تنسيق جماعة «الإخوان» مع إيران، بالنسبة لنا ليست مدهشة، وبالنسبة لهم ربما كانت كذلك، أو «يمّثلون» أنهم مندهشون.
الحاصل - نتحدث فقط عن العلاقة «النوعية» بين الجماعة الخمينية والجماعة «الإخوانية» - أن هذا عهد قديم، وحلف مقيم، تغذّيه المصالح المشتركة، والفكر المعطوب الجامع بين العقل الخميني والعقل «الإخواني»، فكلاهما يشكلان كارثة على عموم المسلمين، وكلاهما، الخميني و«الإخواني»، يتوسلان بالدين للمغانم السياسية ومباهج الحكم. هذا بنسخة شيعية، وذاك بنسخة «إخوانية»، والتأثير والتأثر بينهما قديم، فالخميني نفسه حسب دراسات رصينة تأثر برمز الإسلاميين، الهندي - الباكستاني، أبو الأعلى المودودي، والأخير تأثر به صراحة المصري سيد قطب، وهذا، قطب، تأثر به مرشد إيران الحالي علي خامنئي كثيراً، لدرجة أنه ترجم إلى الفارسية بعض كتبه، منها كتاب «المستقبل لهذا الدين»، ومما قاله خامنئي في مقدمة هذه الترجمة وصفه قطب بـ«المجاهد»، ووصفه كتب قطب بأنها تشكّل «كل منها خطوة على طريق توضيح معالم الرسالة الإسلامية». خامنئي كتب هذا قبل قيام حكم الخميني بـ12 عاماً.
لذلك، فاجتماع 3 من رموز الجماعة اليوم مع مسؤولين إيرانيين في فندق بإسطنبول - مثلث جميل! - ليس غريباً.
الاجتماع حسب التسريبات الأميركية خُصص للتنسيق بين «الإخوان» والنظام الخميني، باعتراف قادة الجماعة الذين شاركوا في هذا الاجتماع، مثل عضو مكتب الإرشاد والمسؤول الدولي إبراهيم منير، وباعتراف القيادي «الإخواني» الهارب لتركيا محمود الإبياري. ضمن التنسيق هذا، كان موضوع إثارة الفوضى مجدداً بمصر، واستهداف السعودية، وتمكين «الإخوان» باليمن، بتقاسم السلطة مع الحوثي!
ليس ثمة تعرٍّ في الحلف أكثر من هذا، ولست أدري ما هو موقف الشتامين من خطباء «الإخوان» وأشباه «الإخوان» في الحديث عن «النصرة» لأهل السنة والجماعة زعموا، وتوبيخ السعودية والعرب بترك نصرة أهل السنة، حسب رطانتهم الطائفية الانتهازية المستخدمة فقط للدهماء.
الحلف له جذور قديمة، منذ طار تاجر «الإخوان» الدولي يوسف ندا لتهنئة الخميني على رأس وفد «إخواني»، وكان يفخر بأنه ثالث أو رابع وفد يحطّ بطهران!
عند وفاة الخميني عام 1989، أصدر مرشد «الإخوان»، المصري حامد أبو النصر: «(الإخوان المسلمون) يحتسبون عند الله فقيد الإسلام الإمام الخميني، القائد الذي فجّر الثورة الإسلامية ضد الطغاة».
يقول الباحث السوري محمد سيد رصاص، في بحثه عن العلاقة بين الإيرانيين و«الإخوان»: «حتى في ذروة التوتر المذهبي في العراق ولبنان، فإنّ علاقة (الحزب الإسلامي العراقي) بالمالكي ظلّت قوية، بخلاف (القائمة العراقية) - جماعة إياد علاوي - وكذلك (الجماعة الإسلامية) اللبنانية، وهي ذراع (الإخوان) بلبنان، مع (حزب الله)».
نبارك للإخوة بأميركا هذا الاكتشاف!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية