الإرهابي الخلوق .. حكايات من أرشيف الدماء

الإرهاب

الإرهابي الخلوق .. حكايات من أرشيف الدماء

مشاهدة

06/08/2018

صلاح الدين حسن و ماهر فرغلي


كان الشاب محمود عبدالحميد يقضي جل وقته في تحصيل العلوم الشرعية، عاكفاً طيلة يومه في مسجد الجماعة الإسلامية في مدينة ملوي، أحد أهم معاقلها في صعيد مصر، حتى هجر العامية والتزم الفصحى في حديثه، ولم يحد عنها أبداً، حتى تعجب أصدقاؤه لحاله.

استحوذ عبدالحميد على قلوب من عرفه، لطيبة قلبه وعفّة لسانه، وتخلّقه بأخلاق الإسلام، إلا أنّه كان متشدداً في عباداته وسلوكه.

بن لادن وصفه من عاشروه في بداية حياته بأنّه كان هادئاً وخلوقاً بل ورومانسياً مع زوجته

كان كلما وضعت اللجنة الإعلامية للجماعة الإسلامية، صوراً على لوحة حائط معلقة على جدران المسجد، استيقظوا فوجدوها مقطّعة ومشوّهة، حتى ظنّوا أنّ من يقوم بذلك الفعل خصوم الجماعة، إلى أن فوجئوا بعبدالحميد يخبرهم أنّه هو الذي يمزّقها لقناعته أنّ الصور "حرام شرعاً"، حسب شهود عيان حضروا الواقعة.

ذات يوم انطلقت مواكب الطرق الصوفية العريقة في المدينة احتفالاً بالمولد النبوي الشريف، في طقوس عرفتها المدينة من زمن بعيد، إلا أنّ الجماعة الإسلامية فوجئت بفتوى لعبدالحميد يحرّم فيها شراء وأكل حلوى المولد.

اقرأ أيضاً: هيئة كبار العلماء: الإرهابي منحرف التفكير ومريض نفسي

استدعى القيادي في الجماعة، أسامة حافظ، الشاب محمود وقال له: لماذا أفتيت بذلك يا شيخ فأجابه بأنّها "بدعة ومنكر"، فرد حافظ: المنكر يُغيّر بأكله يا شيخ، فعلّق عبدالحميد: إذن سأشتري حلوى المولد وأهديها لخطيبتي!

القيادي في الجماعة الإسلامية بمصر، أسامة حافظ

التحول الدموي

لم يلبث عبدالحميد أن أصبح أميراً للجماعة الإسلامية في مدينة ملوي، لكنه حسب أقرانه، لم يكن مؤهلاً لذلك، وهو الشاب الرقيق الهادئ الطباع، وفعلاً الفترة التي تولّى فيها القيادة وصفت بالهدوء الأمني وعدم الدخول في الصدام المباشر مع الدولة.

لكن سرعان ما اشتعلت شرارة العنف المسلح بين الجماعة والدولة في مدينة ديروط العام 1992، التابعة لمحافظة أسيوط، جنوب مصر، والقريبة من مدينة ملوي، وتدحرجت كرة اللهب من مدينة إلى أخرى، حتى أصدرت قيادات الجماعة أمراً بحمل جميع أفراد الجماعة السلاح والبدء في قتال الدولة.

لم تشكّل عائلة الظواهري المرموقة وشهادته في الطب ولا ثقافته مانعاً له من التطرّف والإرهاب

وجد عبدالحميد نفسه أميراً عسكرياً، يعطي أوامر بالقتل، بعد أن هرب ومجموعاته لحقول القصب المتاخمة للمدينة.

وذات ليلة هاجمت مجموعات من الأهالي عبدالحميد ومعه اثنان من أقرانه فأطلقوا أعيرة نارية في الهواء حتى كادت تنفد ذخيرتهم، ففروا في اتجاه الحقول إلا أنّ الأهالي كانوا قد عزموا على الإمساك بهم.

وعندما أيقن عبدالحميد باقتراب الأهالي منه وأنّه معتقل لا محالة، أخرج مسدسه ونظر إلى السماء ثم أطلق النار على رأسه فوقع قتيلاً.. لم يكن يتوقع أقران عبدالحميد له هذا المصير.

وتمر السنون ويظهر طالب الهندسة مالك الأمير عطا، الذي خطّط ونفذ عمليات دموية، عانت منها مصر، بعد ثورة 30 يونيو 2013، وبعد مقتله تحولت صفحته الشخصية على فيسبوك، إلى حائط رثاء ومدح في أخلاقه وطيبة قلبه! لتظهر التساؤلات المشروعة؛ كيف تحوّل أمثال عبدالحميد ومالك.

بن لادن والظواهري

أما بن لادن فوصفه من عاشروه في بداية حياته أنّه كان هادئاً وخلوقاً، ومما ذكرته الكاتبة جين ساسون في كتابها (إنه بن لادن) أنه قال لزوجته نجوى في إحدى رسائله: "أنت لي درّة ثمينة يجب حمايتها، وسأكون الصدفة الصلبة التي تحميك، تماماً كما تحمي صدفة البحر الصلبة الدرّة النقيّة" إنه بن لادن نفسه الذي قتل بضعة آلاف من البشر.

قبل ذهابه لأفغانستان كان بن لادن لا يزال عاشقاً للعبة كرة القدم، وكان لا يفضل البقاء في المنزل كثيراً، ولا يذكر ابنه عمر أنّ والده جلس مع إخوته واحتضنهم، إلا أنه في مرة فوجئوا به وقد أحضر لهم كرة، وساعتها لعب معهم، إلا أنّه وقع على الأرض، وأصيب في كتفه، واحتاج للعلاج لمدة 6 أشهر.

مؤسس جماعة التكفير والهجرة شكري مصطفى كان دائم الانزواء ويكره الناس وناقماً على كل مجتمعه

ويذكر الكتاب أنّه كان يضرب أولاده بالعصا، وكانت زوجاته يعاملنه باحترام شديد، وكان لا يجرؤ أحد أن يضحك أمامه لا أولاده ولا حريمه، إلا أنّه في مرة كان ذاهباً للصلاة، وفي الحر الشديد كان عمر وراءه فلم يتحمل ذلك، فاحتضنه وحمله حتى أوصله للمسجد، وتقريباً كانت هي المرة الأولى والأخيرة التي فعل فيها ذلك معه.. لقد بدأ انفصال بن لادن عن هذه الحياة، وتصوّر أنّ المخترعات الحديثة كلها من ملهيات الحياة الدنيا، فقد كان يكره أوروبا وأمريكا وما يخرج منها، حتى أنّ أحد أولاده أصيب بالربو، وكان يحتاج لدواء الفانتولين، إلا أنه طلب منه التحامل والتعود على عدم أخذ الدواء.

اقرأ أيضاً: البغدادي: من الانطوائية وعشق كرة القدم إلى قطع الرؤوس!

كتاب: "إنه بن لادن" للكاتبة: جين ساسون

وكذا كان الظواهري، فلا كانت عائلته المرموقة ولا شهادته في الطب، ولا ثقافته مانعاً له من التطرّف أو الإرهاب، فهناك أشياء أخرى دفعته لذلك؛ لما سأله نبيل نعيم وهو في أفغانستان، وفق ما ذكره في حديث خاص: ألا تريد الزواج عليها قال له لا، إنني أحبها، وهي أم أولادي، لكنه لما قتلت هي وابنه محمد وابنته عائشة، تزوّج من أميمة حسن الملقبة بـ(أم خالد)، وكانت في الأساس زوجة القيادي طارق أنور مسؤول العمليات الخاصة في "القاعدة"، ثم تزوج (أم تسنيم) واسمها "سيدة" من عائلة حلاوة، وهي أرملة الجهادي أحمد النجار، القيادي بتنظيم القاعدة الذى قتل في أفغانستان.

اقرأ أيضاً: هل يصلح العلاج النفسي مع الإرهابيين؟

يذكر عمُّه حُسن خلق ابن أخيه، قبل تحولاته فيقول: "كان أيمن من أكثر الناس تهذيباً في عائلتنا، والجميع يشهد له بالدماثة وحسن المعاملة.. لم يسبّب مشكلة يوماً ما لأسرته سوى اعتناقه لذلك الفكر والتيار الذى سار فيه.. كان متفوقاً في دراسته وقارئا نهماً.. وموسوعة في ما يعرف من معلومات بشكل يفوق أقرانه في العائلة.. حيث إنه كان محطّ فخر أسرته وبخاصة أباه الذي مات كَمَداً على ولديه أيمن ومحمد.. كل من اقترب من أيمن الظواهري يدرك أن به عيبين خطيرين، وهما، أنه يتأثر بمن حوله، وأنّه ليس له القدرة على أخذ القرارات المناسبة؛ أي يفتقد لحنكة القائد الفطري، لذا فقد كان أول من اعترف على المنتسبين للجيش من جماعته بين عامي ١٩٨١ و١٩٨٤، وقال له مسؤوله عصام القمري إثر ذلك: لو عشت فلا تتولَّ إمارة أبداً، لكنه تولاها وأصبح زعيماً لـ"القاعدة".

يقول عمّ أيمن الظواهري: كان أيمن من أكثر الناس تهذيباً في عائلتنا

ضريبة القسوة والاحتقار

مؤسس جماعة التكفير والهجرة شكري مصطفى كان دائم الانزواء، يكره الناس، ناقماً على كل مجتمعه؛ لأنه تعرض لصدمة اجتماعية خطيرة، ألا وهي زواج أبيه (العمدة) من راقصة من مدينة أبي قرقاص، كما فقد صديقه الوحيد محمود منيب في سجون عبد الناصر، كما فقد حريته أيضاً، وفقد حبيبته التي كان يريد أن يتزوجها، ومن يريد أن يعرف لماذا أصبح شكري زعيماً للتكفير، فليفتش عن القسوة والاحتقار، قسوة والده على أمه وضربها أمامه مرات ومرات، ثم زواجه من راقصة، واحتقار الأهالي له، ثم احتقار جماعة الإخوان له داخل السجون.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون أيضاً يصابون بالمرض النفسي

كان شكري يريد أن يشعر بذاته ويحس بكرامته، لكنّه كان لا شيء في عيون قادة وأفراد الإخوان في السجون، هكذا هم كانوا يرونه ليس تابعاً لهم من البداية، كما أنه صغير في السن، لذا فقد كان يمقتهم ويريد نسف تلك الجماعة التي لا تراه ولا تشعر به مطلقاً، رغم أن والده لم يزره في السجن، ولا والدته التى أجبرها زوجها على نسيان أول أولادها.

مؤسس جماعة التكفير والهجرة، شكري مصطفى، كان دائم الانزواء

في هذه الأثناء بدأ شكرى يصلي بمفرده هو والسماوي ويعتزلان جماعة الإخوان بسجن طرة، ولما قابلا الشيخ علي عبده إسماعيل قالا له: إنهم مرتدون وكفرة، كان إذا رأى رؤيا أو حلماً سرعان ما يتحقق، فأغواه ذلك أن يتصور أنه منصور من قبل الله، وأوصلته نفسه للاعتقاد أنّه مهدى هذه الأمة.

اقرأ أيضاً: شاكر عبد الحميد: التطرف مرض نفسي يستهدف الحياة والتنوع

فشل شكري في إكمال تعليمه على الوجه الأكمل، ولما اعتنق أفكار التكفير ألّف كراسة تحدثت أنّ هذه الأمة أمية، وأنّ التعليم في المدارس حرام، كان يتحدث أنّ الحروب المقبلة ستكون بالسيف بعد دمار كل الأسلحة الحديثة، وأنّ مساجد الأمة كلها ضرار، فكان يعقد دروسه في منازل وشقق مفروشة، وهناك يقوم بتزويج الرجال والنساء المنضمين للجماعة بنفسه، وبعضهن قد هربن من أزواجهن دون طلاق.

حكايات أخرى محيّرة

أما مؤسس جماعة بيت المقدس بسيناء توفيق فريج زيادة فكان حاصلاً على دبلوم تجارة، وفشل في الحصول على عمل، ففتح محلاً لبيع العسل في العريش، وحينما اعتقل عقب أحداث شرم الشيخ في العام 2006، أفرج عنه جهاز أمن الدولة قبل الثورة، لأنّه كان شخصاً عادياً في التنظيم، وكان انعزالياً عن عناصر الجماعة بالسجن، ودائم السكوت، لكن تاجر العسل أصبح بعد سنوات واحداً من أبرز تجّار الدم.. يبني تنظيم بيت المقدس.. يقود ضباطاً منهم هشام عشماوي.. وأساتذة ومهندسين منهم محمد أحمد نصر.. ثم يموت ليكمل أتباعه العبث.

مؤسس جماعة بيت المقدس بسيناء توفيق فريج زيادة

عبدالرحمن الغرابلي، من محافظة بورسعيد، طالب في السنة الأخيرة في كلية الإعلام، يشبه توفيق زيادة؛ زملاؤه وأصدقاؤه، نعوه وهو لم يجاوز 21 عاماً، وحكوا عنه أشياء كثيرة، نقلوها في وسائل التواصل الاجتماعي، عن أنّه محبوب للغاية، وهادئ الطباع، ومرح الوجه، وطيب القلب..  وأنّه كان طالباً مجتهداً، سلوكه غير عنيف، وغير انطوائي، وظروف أسرته المادية مستقرة تماماً، وميسورة الحال، وهذا معناه أنه غير محتاج لأموال، ولم يتسبب الفقر في تحولاته الفكرية.

مؤسس جماعة بيت المقدس بسيناء توفيق زيادة كان حاصلاً على دبلوم تجارة وفشل في الحصول على عمل

شارك عبد الرحمن في ثورة يناير 2011، ولم ينتخب مرسي في الجولة الأولى، ووفق أصدقائه فإنه قاطع جولة الإعادة! كان شاعراً وأديباً، وكان يستعد لأن يكون صحفياً مميزاً، صورة عبدالرحمن قبل التحاقه بـ"داعش"، وصورته وهو في سيناء مختلفة تماماً، ظهر الغرابلي في إصدار "لهيب الصحراء" الذي بثه التنظيم في شهر آب (أغسطس) 2015 دون أن يتم تمويه وجهه حيث التقطت الفيديوهات أثناء مشاركته في إحدى الهجمات على قوات الجيش قبل أن يقتل، في شهر نيسان (إبريل) 2016.

اقرأ أيضاً: قاضٍ عراقي: عناصر داعش ليسوا بشراً بل آلات للقتل

لكم تعجّب أصدقاؤه من حجم التحول الذى حدث له، لم يتصور أحد أنّه من نفّذ تفجير فندق "سويس إن"، وقتل قضاة العريش في تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٥، رغم أن والده كان ضابط جيش سابقاً.

تعجّب أصدقاء عبد الرحمن من التحول الملفت الذى حدث له

حكاية الغرابلي تشبه حكايات كثيرة، كياسر عبدالحكيم؛ كان طالب هندسة مجتهداً من المنوفية، ومتفوقاً على كل دفعته، وفجأة حدثت له تلك التحولات غير الاعتيادية، حتى أصبح عضواً في الجناح العسكري للجماعة الإسلامية، وغالباً هو من أطلق الرصاص على رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب العام 1990، أما ياسر مصطفى، طالب هندسة أسيوط، المجتهد جداً والمتفوق في دراسته، والخلوق جداً لأقصى درجة، والذي كان يأبى أن يتكلم بالعامية، أو أن يترك المسجد إلا قليلاً، تحول فجأة إلى عضو عسكري في الجماعة الإسلامية أيضاً، وشارك في أغلب أحداث الصعيد خلال مواجهات التسعينيات، وقتل بنفسه، اللواء محمد الشيمي، مساعد مدير الأمن، قبل أن يتم التوصل إليه، وقتله في إحدى شقق الطلاب في سوهاج.

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب "تشريح الإرهاب.. من مقتل بن لادن إلى ظهور داعش"

إذا تم استثناء أمثال شكري مصطفى، فكثير من الإرهابيين نشؤوا بعيداً عن معاناة الفقر والاقتصاد والظروف الاجتماعية القاسية، ولعل هذه الحكايات تدفع باتجاه فهم طبيعة هؤلاء الأشخاص وتجاوز النظريات التقليدية.

الصفحة الرئيسية