الإرهاب ومعضلة النزوح

الإرهاب ومعضلة النزوح

مشاهدة

26/01/2021

فيصل عابدون

مما لا شك فيه أن الأنشطة الإرهابية المسلحة تمزق المجتمعات المستقرة، سواء كان ذلك في المدن الحضرية المأهولة، أو القرى البعيدة النائية، فهو واحد من أهم عوامل تفاقم قضية النزوح والهجرة، وتصل أضراراه المباشرة إلى مستويات أشد سوءاً من الكوارث الطبيعية مثل موجات الجفاف، والقحط أو الفيضانات المدمرة وانفجارات البراكين. 

فالإرهاب يتسبب في فرار الناس من مناطقهم إلى المجهول خوفاً من الموت المؤكد أو مواجهة الإذلال والمهانة والاستغلال غير الإنساني وغير الأخلاقي للأفراد والعائلات.

والجماعات الإرهابية هي جماعات إجرامية تناهض السلطة الشرعية، وتعمل على إنشاء سلطة غير شرعية موازية عبر وسائل القتل المبرمج وغير المبرمج، ونشر الموت والفوضى وترويع البسطاء، وإرباك وسائل حفظ القانون الشرعية، وإنهاك وتشتيت قواها والتقليل من فاعليتها، بهدف تحييدها في نهاية الأمر، وإقامة سلطتها غير الشرعية مكانها.

وطوال سنوات كانت الجماعات الإرهابية تركز عملياتها في ثلاث مناطق رئيسية هي إفريقيا وأفغانستان وباكستان، ثم المنطقة الحدودية الممتدة بين العراق وسوريا. وأدى الوجود الكثيف للجماعات الإرهابية في أفغانستان والعراق خصوصاً، إلى بروز مجموعات أخرى أشد بطشاً، تولدت من رحم تنظيم القاعدة المتطرف، مثل جماعة «داعش» التي فرضت سيطرتها على مناطق واسعة في المنطقة الحدودية مع سوريا وأنشأت ما سمي «دولة الخلافة».

وأجبرت الجرائم والفظاعات التي كانت ترتكبها الجماعات الإرهابية، مئات آلاف الأشخاص على الفرار طلباً للنجاة في موجات هجرة متتالية، ثم بدأت الجماعات المتمردة تمد عيونها إلى ما وراء هذه المنطقة، لكن العالم سرعان ما استشعر حجم الخطر الذي يمثله هذا الوجود الإرهابي الكثيف على المنطقة وإنسانها ومواردها ومستقبل أجيالها، وعلى الأمن والاستقرار الدوليين بشكل عام.

وفي أعقاب تنسيق عسكري واستخباراتي دولي شامل، وعمليات هجومية، تم تدمير قواعد الإرهاب وتفكيك خلافته المزعومة في العراق وسوريا، وتم في خضم المعارك الهجومية قتل أغلبية القادة والعناصر المقاتلة في التنظيمات الإرهابية، ومطاردة بقيتها بلا هوادة عبر الأجهزة المحلية الإقليمية وأجهزة الأمن الدولية.

نجح الجيشان العراقي والسوري ومعهما التحالف الدولي في تحطيم مملكة الظلام التي أقامتها جماعات الإرهاب على أراضي البلدين، فتقلّص خطره إلى حد كبير، لكن الجماعات الإرهابية  وهي تبحث عن أراضٍ بديلة  بدأت تنقل أنشطتها الى إفريقيا وخاصة إلى منطقة الساحل الأشد تضرراً من هجماتها المدمرة.

ويسجل أحدث تقرير للأمم المتحدة أن مليوني شخص نزحوا في منطقة الساحل الإفريقي، وأن حجم النزوح الداخلي في بلدان المنطقة تضاعف أربع مرات خلال عامين فقط. وأوضح التقرير أن أغلبية هؤلاء النازحين من النساء والأطفال الذين فروا خلال الليل، بعدما بدأ المهاجمون من عناصر الجماعات المتطرفة بإطلاق النار على بيوتهم. 

ولا شك في أن وضع الأهالي الذي يصفه التقرير، بالمأساوي، سيزداد سوءاً وتزداد الحاجة هنا إلى تعزيز القوات المحلية والدولية التي تحاول السيطرة على اعتداءات الإرهاب الخطرة والمتنامية في هذه المنطقة الحيوية والمهمة.

عن "الخليج" الإماراتية

الصفحة الرئيسية