الإسرائيليون لا يريدون نتنياهو: هل اقتربت النهاية؟

الإسرائيليون لا يريدون نتنياهو: هل اقتربت النهاية؟
3876
عدد القراءات

2019-12-02

ترجمة: إسماعيل حسن


يسابق رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، بنيامين نتنياهو، الوقت؛ في محاولة للحفاظ على مكانته السياسية في أعقاب اتهامه بالرشوة والاحتيال، وما تشكّله التهم الموجّهة ضدّه من خطر على إمكانية تشكيله للحكومة المقبلة، وبينما يسعى نتنياهو إلى ضمان المصادقة على قانون الحصانة البرلمانية، وعدم تقديم لائحة اتّهام ضدّه، بات الداخل الإسرائيلي يعيش حالة من الفوضى العارمة والانقسام الداخلي، إزاء تعثّر الوصول إلى تشكيل حكومة تقود شؤون البلاد، وذلك بعد فشل كلٍّ من زعيمي حزبَي "كحول لفان" (بيني غانتس)، و"الليكود" (بنيامين نتنياهو)، اللذين حققا فوزاً متقارباً في انتخابات الكنيست في جولة الإعادة الثانية غير الحاسمة، الرئيس رؤوفين ريفلين سبق أن منح مهلة تحت سقف زمني محدّد لكلّ من غانتس ونتنياهو من أجل تشكيل الحكومة، لكن انتهاء المدة المحددة لكليهما دون أيّ تقدّم، دفع بالرئيس إلى إعطاء كلّ من الحزبين مهلة 21 يوماً إضافية وأخيرة، على أن يقوم أيّ من الأعضاء داخل الحزبين على تشكيل الحكومة، داعياً خلال ذلك الإسرائيليين للاستعداد لإجراء انتخابات ثالثة خلال العام حال فشلت المهلة.

اقرأ أيضاً: هل قطع نتنياهو تمدّد السحب الإيرانية إلى غزة؟
بنيامين نتنياهو، الذي يعدّ صاحب الولاية الأطول في تاريخ الحكم، لم يسعفه النجاح الذي حقّقه في الجولَتين الانتخابيتَين، الأولى والثانية، من تشكيل الحكومة، وأصبحت حياته السياسية على المحكّ، وذلك بعد أن بات مهدّداً بالسجن بعد تورطه بثلاث قضايا فساد؛ حيث كان لقرار المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيخاي مندلبليت، بإصداره تهم تلقّي نتنياهو الرشوة والاحتيال في الملفات 4000 و1000 و2000 صدمة مدوية له ويقترب بشكل أكبر من السجن.

مأزق قانوني لإسرائيل
مراقبون يرون أنّ قرار التهم الموجهة إلى نتنياهو لا تهدّد مستقبله السياسي فقط؛ بل تعرض إسرائيل لمأزق قانوني، بينما ينصّ القانون الإسرائيلي على إمكانية معاقبة رئيس الوزراء بالسجن لمدة قد تصل إلى 10 أعوام بتهمة الرشوة، و3 أعوام بتهمة الاحتيال وانتهاك الثقة، وذلك إذا ثبت أنّه مذنب فعلاً، وبناء عليه؛ فإنّ نتنياهو، الذي نفى مراراً وتكراراً الاتهامات جملة وتفصيلاً، ووصف لائحة الاتهام بأنّها محاولة انقلاب، سيحارب بيديه وأسنانه كي يبقى في السلطة، وينجو من الإجراءات الجنائية، رغم إثبات تورّطه.

على نتنياهو إقناع النواب بأنّ المخالفات الموجهة إليه تمت خلال أداء مهماته وأنّ لائحة الاتّهام لم ترفع بنيّة طيبة

استطلاع للرأي أجرته القناة العبرية 12، بيّن أنّ ما نسبتهم 56% من الجمهور الإسرائيلي يعتقدون أنّه لا يجب على نتنياهو الاستمرار في منصبه، حتى إن أجريت انتخابات ثالثة فسيحصل بحسب الاستطلاع حزب كحول لفان "أزرق أبيض"، على 37 مقعداً، مقابل 30 مقعداً لليكود ومع ذلك سيخرج نتنياهو من الحياة السياسية ومصيره الحتمي هو السجن.
ونتيجة للتعثر الحاصل ونشوب الخلافات السياسية بين الأحزاب، بيّن الاستطلاع ذاته أنّ 90% من الإسرائيليين يرون أنّهم منقسمون، سياسياً ودينياً، وخلصت نتائج الاستطلاع إلى توجيه تهم إلى قادة الأحزاب بتورطهم بالخلافات القائمة وجرّ البلاد إلى انتخابات ثالثة؛ حيث يرى ما نسبتهم 42% أنّ نتنياهو يتحمل مسؤولية التورط في إجراء انتخابات جديدة، بينما يرى 35%؛ أنّ أفيغدور ليبرمان زعيم إسرائيل "بيتنا" هو المسؤول عن إجراء الانتخابات، في حين أنّ ما نسبتهم 4% اتّهموا غانتس بذلك، وفور إعلان المستشار القضائي للحكومة اتّهام نتنياهو ونشر مضمون لوائح الاتّهام ضدّه، التي شملت تهم تلقّي رشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، خرج حزب الليكود بحملة واسعة لدعم رئيس الوزراء في مواجهة حملة اليسار وحزب العمل، المطالِبة باستقالته، في حين رأى وزير المواصلات يسرائيل كاتس، أنّ نتنياهو من أكثر رؤساء الحكومات الذين ضحوا بحياتهم من أجل أمن إسرائيل وتعزيز مكانتها الدولية، وتوجه إلى اليسار قائلاً إنّه طالما لا يوجد مانع قانوني لولاية نتنياهو كرئيس للحكومة، فإنّ بإمكانه البقاء في منصبه، وفقط الجمهور وأعضاء الكنيست هم الذين سيحسمون بشكل ديمقراطي من يقود إسرائيل في فترة التحديات هذه المليئة بالمخاطر.  

لماذا يناور نتنياهو؟

الكاتب والمحلل السياسي، رامي ليفني، يقول: إنّ نتنياهو يناور ويرتكب أخطاء كبيرة وخطيرة في حملاته الانتخابية، ولا يعلم بالمقابل أنّ ما يفعله لا يعدّ هيناً على الإسرائيليين، نتنياهو، بحسب ليفني، غامر باغتيال قائد أركان حركة الجهاد الإسلامي، وأدخل البلاد في مأزق سياسي وتوقفت الحياة ثلاثة أيام نتيجة وابل الصواريخ الذي أطلقته منظمة الجهاد الإسلامي، وبعد أن توقفت الصواريخ بات السؤال: ما هي مكاسب وخسائر نتنياهو من عملية الاغتيال؟ وهل نجح في الظهور بشخصية سيد الأمن وفي أن يضيف إلى رصيده الانتخابي والسياسي أمام خصومه مقابل ما حظي به من خسائر سياسية وأمنية؟ بالتأكيد لم يحقق شيئاً، وأشار إلى أنّ من بين الأضرار المتكررة التي تسبّب بها بنيامين نتنياهو للمجتمع الإسرائيلي، هو العمى المتعمد الذي سلكه تجاه الفلسطينيين، لم يفهم نتنياهو الفلسطينيين يوماً ما، وذلك لأنّه غير قادر على فهم الآخر؛ بسبب مصالحه السياسية.

يواجه نتنياهو معضلة خسرانه حزب الليكود، الذي تزعمه لأعوام طويلة؛ حيث هدّد عدد من أعضاء الحزب بإخراج نتنياهو منه

عدم الفهم هذا لم يبقه لنفسه، بل قاد حملة تجهيل مستمرة هدفها أن يجتث من وعي الجمهور كلّ آثار للتفكير العقلاني الذي يرتكز إلى الحقائق في موضوع النزاع، هذا الجهد نجح نجاحاً باهراً بعد أكثر من 13 عاماً لنتنياهو. يشاهد الإسرائيلي العادي التلفزيون، ولا يميز بين يمينه ويساره، ولا يهتم بالفرق بين حماس والجهاد وفتح، فهم جميعاً الشيء نفسه، ويملّ من المناورات السياسية الضعيفة للفلسطينيين، وبالتأكيد غير قادر على أن يصوغ لنفسه فهماً مستقلاً ومنفصلاً عن الدعاية الحكومية، نتنياهو لم يعد يستوعب أنّ إسرائيل منقسمة بين عرب ويهود، وأنّ العرب يشكّلون مليون ونصف المليون نسمة داخل إسرائيل، كان بإمكانه أن يستغل أصوات العرب لصالحه بدلاً من التحريض عليهم في كلّ جولة انتخابات، كما حدث قبيل جولة الانتخابات الثانية عندما وعد بضمّ الضفة الغربية إلى إسرائيل، كدعاية انتخابية لم تحقق له سوى العداء والكراهية من العرب.

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ حكومة أقلية ستعيد إسرائيل إلى العقلانية؟

هكذا يوجه نتنياهو القطيع، الذي آمن جزء منه ذات يوم بالسلام وخرج للتظاهر من أجله، والذي يشمل أيضاً عدداً غير قليل من الشرقيين والخبراء والمراسلين للشؤون الأمنية وشؤون الشرق الأوسط، الذين يملكون المعلومات، ولكن ليس نقص المعلومات المتاحة هو أساس المشكلة، وحتى ليس الصقورية الزائدة أو الخلل في معايير الأخلاق، إنّ أساس الموضوع هو عدم الرغبة في الإصغاء، إذ تضع نفسك في حذاء الآخر من خلال سياقه، إنّ التعامل مع وجهة النظر الفلسطينية يجب ألا ينبع فقط من حساسية غيرية بالتحديد، بل من دوافع نفعية قبل أيّ شيء آخر، إذا لم تصغِ للطرف الآخر فلن تتعامل بجدية مع أقواله، وتستطيع الاعتماد فقط على مواقفك المسبقة التي هي دائماً ناقصة.

لم يقم نتنياهو باختراع العمى

لم يقم نتنياهو باختراع العمى تجاه الفلسطينيين بشكل عام، فقد سبقه تقريباً جميع رؤساء الحكومات في ذلك، نذكر منهم؛ غولدا مائير، التي رفضت السلام مع مصر بذريعة أنّ أنور السادات غير مستعد لأيّ اتفاق، وحصلت على حرب يوم الغفران واتفاق سلام بعد بضعة أعوام، وإيهود باراك الذي تفاجأ عندما رفض ياسر عرفات اقتراحاته في موضوع القدس وعمق الانسحاب، وهي اقتراحات كان يمكننا أن نعرف مسبقاً أنّ الفلسطينيين لا يمكنهم الموافقة عليها، ورداً على ذلك قال باراك جملة "لا يوجد شريك"، وأقنع اليمين واليسار بسهولة، وحصل على الانتفاضة الثانية وعقدين من الجمود، أما نتنياهو فقد تفوق عليهم جميعاً، فالفلسطينيون بالنسبة إليه دمى؛ لذلك لا يوجد أيّ سبب للتعمّق في الفجوات الداخلية بينهم أو التغيرات التي حدثت في مواقفهم طوال الوقت، كلّ أقوالهم وأفعالهم تغطية على خططهم الخبيثة، وبحسب رأي ليفني؛ العامل الوحيد المهم في المواجهة مع الفلسطينيين هو القوة صحيح، ولكن أهمية القوة هي عبرة مهمة ومبررة ولا مثيل لها، وأنّ الشعب الإسرائيلي تعلّم من تاريخه الحزين، لكنّ رؤيته كمؤشر على أيّ شيء في العلاقات بين الشعوب دون الأخذ في الحسبان لعناصر أخرى، مثل المصالح القومية والاعتبارات السياسية والقيود الدولية، هي أمور غير منطقية.

اقرأ أيضاً: هل ينجح بيني غانتس فيما فشل فيه نتنياهو؟

يخطئ نتنياهو بشكل متعمد مرة تلو الأخرى، لقد صوّر القيادة الفلسطينية الحالية قيادة حربية ورافضة للتسوية، في الوقت الذي تظهر فيه الحقائق بصورة قاطعة، أنّ الرئيس محمود عباس ومحيطه يملكون المواقف الأكثر اعتدالاً، ومواقف الحدّ الأدنى التي كانت ذات يوم في المعسكر الفلسطيني، لقد حول طلب الاعتراف بإسرائيل كدولة إلى إثبات قاطع على تمسّكه بمؤامرتهم، كلّ ذلك في الوقت الذي وقعت فيه مصر والأردن على اتفاق سلام مع إسرائيل؛ إذ لم يطلب منهما هذا الاعتراف والفلسطينيون أنفسهم اعترفوا في السابق بإسرائيل رسمياً، عام 1993، لقد نشر الاعتقاد بأنّ الفلسطينيين يريدون القضاء على إسرائيل من خلال حقّ العودة، رغم أنّ كلّ شخص غير منحاز يمكنه أن يفهم من موافقتهم على المبادرة العربية، والتصريحات المتكررة الأخرى لزعمائهم بأنّهم تنازلوا فعلياً عن عودة اللاجئين، من يؤمن بالعقلانية ويعتقد أنّها مفتاح مهم للسياسة لا يمكنه أن يغفر لنتنياهو، فهو عدو للعبقرية الإسرائيلية، أما نحن فسنحتاج إلى أعوام من أجل إصلاح الأضرار التي سبّبها.

خسارة الحزب

في خضمّ ذلك؛ يواجه نتنياهو معضلة أخرى، تتعلق بخسرانه لحزب الليكود، الذي تزعمه لأعوام طويلة؛ حيث هدّد عدد من أعضاء الحزب بإخراج نتنياهو منه، نتيجة تورط زعيمهم بقضايا فساد تتعلق بخيانة الأمانة والرشوة والاحتيال، ونتيجة لحدة الخلاف القائم داخل الحزب، وافق نتنياهو على إجراء انتخابات داخلية لرئاسة الحزب، في وقت بدأ يرفض فيه البعض داخل الحزب تنحّي نتنياهو عن رئاسته.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
وبخلاف بقية أعضاء الليكود الذين يلتزمون الصمت في ذلك، يتحدّى عضو الكنيست، جدعون ساعر، كلّ أعضاء حزب الليكود أن يبقى نتنياهو قائداً للحزب، بعد تقديم المستشار القضائي لوائح اتهام ضدّه، لكنّ نتنياهو، الذي يشعر بخطر محقق يقترب منه، خرج للإعلام معلناً أنّ ما يحصل بحقه إنما هو انقلاب، وهاجم جدعون نتنياهو على خلفية التصريحات التي أدلى بها، والتي وصف فيها تقديم لوائح الاتهام ضدّه بأنّها محاولة انقلاب سلطوية، وأكّد ساعر أنّ نتنياهو لن ينجح في تأليف حكومة خلال الأيام الـ21 المقبلة؛ لذا يجب التوجه إلى انتخابات داخلية سريعة لحزب الليكود، وأشار إلى أنّه الشخص القادر على قيادة الحزب في هذه الفترة.

استطلاع للرأي أجرته القناة العبرية 12: 56% من الإسرائيليين يعتقدون أنّه لا يجب على نتنياهو الاستمرار في منصبه

في الوقت ذاته، قال حزب الليكود، في بيان صادر عنه: إنّه من المؤسف أنّه في الوقت الذي يسعى فيه رئيس الحكومة، نتنياهو، للحفاظ على أمن إسرائيل في كلّ الجبهات، ويسعى للحفاظ على حكم الليكود، يظهر جدعون، كعادته، انعدام ولاء، وأقصى قدر من التخريب، ودعا جدعون أعضاء الليكود للامتناع عن منح نتنياهو حصانة قانونية، مشدداً على حيوية حسم المحكمة بالتهم الخطيرة الموجهة له، وعلى خلفية تبادل الاتهامات جدّد أفيغدور ليبرمان هجومه على نتنياهو، وقال إنّه يقوم بهذه الأيام بالتحالف مع حركة حماس، مشيراً إلى استئناف نقل الأموال من قطر لها.

اقرأ أيضاً: بعد فشل اغتيال قاسم سليماني: قلق إسرائيلي من هجوم إيراني
في مقابل ذلك أكد خبراء وسياسيون، إلى جانب ساعر، قولهم: إنّ ما عدّه نتنياهو وقادة الليكود من احتمالات نجاحه في الاستمرار بمهمته والتوصل إلى وضع يشكل فيه حكومة، هو أمر بعيد من الواقع؛ إذ تقف أمامه عوائق، أبرزها الحصانة وقانونية تشكيل الحكومة، وفي جانب الحصانة يرى خبراء أنّ قانون حصانة نواب الكنيست وحقوقهم وواجباتهم، يقضي بأنّه يحقّ للنائب الذي يقرر المستشار القانوني رفع لائحة اتّهام ضدّه، أن يطلب من الكنيست في غضون 30 يوماً أن يقرر أنّه يملك حصانة ضدّ القانون الجنائي، بالتالي لا يمكن تقديمه إلى المحاكمة.
في حالة نتنياهو عليه أن يقنع النواب بأنّ المخالفات التي يتهم بها، تمت خلال أداء مهماته، وأنّ لائحة الاتّهام لم ترفع بنية طيبة ووفق القانون، يتم البحث في طلب نتنياهو بالحصول على حصانة في لجنة الكنيست، لكن منذ الانتخابات الأولى، التي أجريت في نيسان (أبريل) الماضي، لا توجد لجنة للكنيست، وهنا يطرح السؤال حول ما إذا كانت اللجنة التنظيمية التي تدير شؤون الكنيست، في الفترة التي لا تكون فيها لجنة كنيست فعلية، مخوّلة ببحث مثل طلب نتنياهو، أم إنّ ذلك سيؤجل إلى حين تشكيل هذه اللجنة، بعد بدء الكنيست بالعمل بشكل كامل؟ وفي هذه الحالة؛ إذا أعلن المستشار عدم أهلية نتنياهو لتشكيل حكومة، فلن يتمكن من الحصول على الحصانة.  


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف

https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-731068

https://www.maariv.co.il/news/politics/Article-731892

https://www.maariv.co.il/journalists/Article-730979

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-26

ترجمة: مدني قصري


هل خسرت الولايات المتحدة خمسة آلاف جندي وأهدرت تريليون دولار منذ عام 2003 في العراق، لتسليم هذا البلد في النهاية إلى إيران؟ السؤال ملحّ ومطروح بحدة في الوقت الحالي؛ لأنّ الغارة الأمريكية في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري التي قتل فيها الجنرال قاسم سليماني في بغداد، قد حرمت الشبكات القوية الموالية لإيران في العراق من هذا الرجل، ولكن دون تعطيل أو تفكيك نظامها. كما أنّ إدارة ترامب أتاحت لإيران ومؤيديها، محل النزاع والرفض منذ أسابيع من قبل السكان المحليين، إمكانية تعبئة القومية العراقية التي تستنكر بشدة الهيمنة الإيرانية ضد "الشيطان الأكبر" الأمريكي، وضده وحده. ومع ذلك، لم يكن من الممكن حدوث مثل هذه الكارثة دون ستة عشر عاماً من سياسة الولايات المتحدة الهرطقية الخاطئة في العراق، والتي لا تزال إيران تستمد منها أكبر فائدة.

اقرأ أيضاً: سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟
خلص بوش إيران من عدوّين لدودين من خلال القضاء على نظام طالبان ثم الإطاحة بصدام حسين

فتح بوش العراق أمام إيران
في "حربه العالمية على الإرهاب"، لم يفهم جورج دبليو بوش أنّه من خلال القضاء على نظام طالبان في أفغانستان في عام 2001، ثم الإطاحة بصدام حسين بعد ذلك بعامين، أنّه خلص جمهورية إيران الإسلامية من عدوّين لدُودين يرابطان على حدودها. يقوم الحرس الثوري، الذي تم تشكيله لمقاومة العدوان العراقي على إيران عام 1980، بتطوير شبكاته في مجال الأطلال التي خلفها الغزو والاحتلال الأمريكي في العراق. فالحرس الثوري يستثمر منهجياً الفراغ الذي فتحته واشنطن عام 2003، بحل الجيش العراقي، وطرد أعضاء حزب البعث والعنف ضد المسلحين السنّة. علاوة على ذلك، فإنّ الأحزاب الموالية لإيران هي المستفيد الأكبر من المؤسسة في عام 2005، تحت رعاية الولايات المتحدة، لنظام ذي نمط طائفي، حيث تتمتع أقوى الميليشيات ذات الجذور الطائفية بكل الامتيازات. فضد هذا النظام الظالم والفاسد، الذي تفرضه واشنطن لصالح إيران، انفجر الاحتجاج العراقي منذ تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.

حماية الميليشيات الموالية لإيران من قبل أوباما
من خلال عزمه على تسوية الإرث الكارثي لسلفه في العراق، ساهم باراك أوباما من حيث لا يدري، في تفاقم دواليب سياسة بلاده الموالية لإيران. وعلى هذا النحو عزّز موقف رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو متعصب شيعي، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران (حيث عاش لفترة طويلة في المنفى)، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية في عام 2011. حراس الثورة، بعد نسج شبكتهم في عراق ما بعد صدام، يحتلون الآن المجال السياسي العسكري الذي انسحبت منه الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يرسخ المالكي ويعمق التمييز ضد المجتمع السنّي، وهو ما سمح لتنظيم القاعدة، على الرغم من هزيمته عسكرياً، بأن يتجدّد في شكل "داعش"، الملقب خطأً باسم "الدولة الإسلامية". أدى تشتت الجيش العراقي وفراره أمام "داعش" في الموصل، عام 2014، كرد فعل، إلى ظهور الميليشيات الشيعية المعروفة باسم "الحشد الشعبي". يشرف الحرس الثوري على أكثر مكوناته فعالية، ويربطه عضوياً بإيران. في كفاحهم ضد الجهاديين، يتمتعون بغطاء جوي من الولايات المتحدة، مما يسمح لهم بتوسيع أراضيهم ونفوذهم، تحت سلطة الجنرال سليماني. وتتيح المعركة ضد "داعش" أخيراً أمام طهران إمكانية التنسيق بين عمل مؤيديها على المسرحين العراقي والسوري؛ حيث لعبت الميليشيات الموالية لإيران القادمة من العراق، دوراً متزايد الأهمية، لا سيما في معركة حلب.

تنكّر ترامب للشعب العراقي
لذلك ورث دونالد ترامب سياسة عراقية "خارج الأرض"؛ حيث تتدخل الولايات المتحدة عن طريق الجو، لتتحكم في عدد من المحاور التي تقلع منها طائراتها، في حين أنّ إيران قد قامت بترسيخ قنوات متعددة، وأدوات ضغط كثيرة في بغداد وبقية البلاد. بدأ التحذير الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017: استفتاء استقلال الأكراد العراقيين، الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، أدى إلى هجوم من قبل الميليشيات الموالية لإيران التي استولت على كركوك ومواردها النفطية الهائلة. أُجبِر الأكرادُ العراقيون أخيراً على التخلّي عن حلمهم الانفصالي، من أجل التفاوض، بشروط حددتها طهران إلى حد كبير، على رفع العقوبات المفروضة عليهم من قبل السلطة المركزية. كان من الممكن أن تكون الانتفاضة الديمقراطية التي أثارت العراق منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 فرصة حقيقية للولايات المتحدة لإعادة الاتصال أخيراً بالواقع الشعبي في ذلك البلد. إنّ ضراوة إدانة قبضة إيران الخانقة هي بالفعل السمة الغالبة لهذه الموجة من الاحتجاجات، بما في ذلك في جنوب البلاد الذي تقطنه أغلبية شيعية (هكذا أصبحت القنصليات الإيرانية في مدينتي كربلاء والنجف المقدستين الشيعيتين، هدفاً لهذا الغضب الوطني).

عزّز أوباما موقف رئيس الوزراء نوري المالكي وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيرا، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية عام 2011

لكن سرعان ما ظهر ترامب عاجزاً عن اعتبار العراق مجالاً آخر غير مجال المناورة ضد إيران. قرارُه، ردّاً على مقتل أمريكي متعاقد من الباطن في كركوك، بتفجير منشآت الميليشيات الموالية لإيران في العراق، قد سارع بالهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، فانتقمت واشنطن من خلال تصفية سليماني، الذي كان بالأمس محمياً من القوات الجوية الأمريكية. يُنظر إلى هذه الغارة غير المسبوقة من قبل النظام الإيراني وملاحِقه العربية كإعلان حرب حقيقي، مع الإغراء بالرد على واشنطن خارج العراق. إنّ مثل هذا التصعيد ما كان يمكن أن يحدث في أسوأ ظروف الاحتجاج الشعبي في العراق ومحاولته تخفيف الخناق الإيراني المفروض على البلاد. أما بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي، فقد شارك في بغداد يوم 4 كانون الثاني (يناير) في تكريم سليماني، على خلفية من شعارات الميليشيات الموالية لإيران، وعلى خلفية الشعارات المعادية لأمريكا. في اليوم التالي، صوت البرلمان العراقي بالإجماع من بين 170 نائباً حاضرين (من أصل 328)، مؤيداً للانسحاب الفوري لخمسة آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في العراق، في إطار القتال ضد "داعش".
الولايات المتحدة لن تلوم إلا نفسها في النهاية، في ظل ثلاث إدارات متعاقبة؛ لأنها قذفت بالشرق الأوسط إلى حافة الهاوية. لكن النساء والرجال في العراق، وربما بقية المنطقة، هم الذين يدفعون الثمن وسيدفعون المزيد من الثمن.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lemonde.fr

للمشاركة:

تجارة تهريب البشر في أفريقيا.. أرباح خيالية ومعاناة لا تنتهي

2020-01-25

ترجمة: علي نوار


تنشط شبكات التهريب التي تعمل في مجال الهجرة بشمال أفريقيا منذ عدة عقود. لكن تسارع وتيرة موجات الهجرة فضلاً عن عسكرة إقليم الساحل الأفريقي تجعل مسارات الهجرة عملاً أكثر إدراراً للربح، وخطورة في الوقت ذاته أيضاً.

حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين

إنّ حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين. ويسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا مثل؛ الجزائر وليبيا ومصر أو حتى يقرّروا عبور البحر المتوسط من أجل الوصول إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل، والفرار من النزاعات أو الفقر أو التغيّر المناخي. وحتى وقت وجيز مضى كان المهاجرون يتّجهون نحو الشمال على متن شاحنات مقابل أثمان منخفضة إلى حد ما مع دفع رشاوى في بعض المنافذ الحدودية. وكانت هذه الهجرة غير قانونية ولا تخضع لأيّ رقابة، لكنّها لم تكن رغم ذلك غير شرعية أو سرية. وفي العام 2000 قرّرت أوروبا البدء في تطبيق استراتيجية إعادة تعيين الحدود بشمال أفريقيا في خطوة أولى نحو وقف تدفّق المهاجرين.

يسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا

ومنذ ذلك الوقت باتت هذه المسارات أصعب ما أدّى بالتالي إلى ظهور شبكة كاملة وسرية من الأشخاص الذين يؤمّنون الجوانب اللوجستية لهذه المسارات والمهاجرين، وهو الأمر الذي عنى تحقيقهم لمكاسب خيالية فاقت حتى في بعض الأحيان الأرباح التي يدرّها تهريب الأسلحة والمخدّرات. بل إنّ أرباح عصابات تهريب المهاجرين تقُدّر بين 255 مليوناً و300 مليون دولار في ليبيا وحدها عام 2015. ولقد أضحت هذه العصابات فاعلاً رئيساً في فهم حركة الهجرة عبر أفريقيا: فـ80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر.

اقرأ أيضاً: الهند وخطر"قانون الهجرة"

وبالوصول إلى هذه النقطة يصبح من الضروري التمييز بين الأنواع المختلفة من هذه المنظمات. حيث يُطلق عليها أحياناً عصابات وفي مواضع أخرى شبكات متخصصة في إدخال المهاجرين بشكل غير قانوني إلى دول أخرى وبصورة طوعية مع عصابات حقيقية لتهريب الأشخاص. ورغم أنّ المسمّيات تتباين كثيراً على مدار الرحلة، فإنّنا هنا بصدد التركيز على النوع الأول: الشبكات السرية لتهريب المهاجرين التي تدبّر رحلة السفر. ورغم أنّ كل مسار مختلف في حد ذاته، إلّا أنّ هناك أسلوباً مُعمّماً ومشتركاً بين جميع هذه الشبكات التي لا تتّسم بالترتيب الهرمي في بنيتها أو المركزية لكنّها تقوم في الحقيقة على مجموعة من الاتفاقات الغامضة بين الأطراف المتداخلة في مسار الهجرة، والتي تتغيّر وتشهد تعديلات بشكل مطّرد. بالتالي تكون النتيجة هي أنّ مسارات الهجرة تتغيّر بدورها بحيث يكون الثابت الوحيد في كل هذه العملية هو نقطة الانطلاق والوجهة التي يرغب المهاجر في الذهاب إليها.

اقرأ أيضاً: ظاهرة هجرة الأوروبيين من بلادهم تنتشر في الدول الآتية.. لماذا؟

وتكون نقطة الانطلاق عادة هي المتعهّد الذي تتمحور مهمّته حول تنظيم المراحل المختلفة والوسطاء أو الميسّرين الذين يتولّون كل مرحلة. وفي أغلب الأحوال يكون هذا المتعهّد من نفس جنسية باقي المهاجرين، ويكون هؤلاء المتعهّدون في بعض الأحيان هم الذين يحصلون على المبلغ المالي المُستحق نظير الرحلة بكاملها على أن يدفعوا للوسطاء. وتتشابه فكرة المتعهّد هذه ربما مع شركات السفر التي تقدّم المساعدة طوال الرحلة وتضمن وصول جزء لا بأس به من عملائها إلى أوروبا، وهو شيء يُقابل بالاستحسان في المجتمعات المُصدّرة للهجرة. بينما تتّسع قائمة الوسطاء لتشمل كلاً من الوصلات بين مراحل الطريق وحتى سائقي الشاحنات مروراً بأصحاب الـ"التجمّعات" ومراكز استقبال المهاجرين في دول المعبر.

وترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا قد يصل عدد الوسطاء إلى سبعة على سبيل المثال. كما أنّ جنسية المهاجر لها دور أيضاً في تحديد سعر الرحلة، حيث يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم. بالمثل، أصبحت الرحلة مكلّفة بسبب وقائع الاعتداء والرشاوى والاختطاف التي تدفع المهاجرين لبذل المزيد من الموارد المالية؛ لأنّه في حال امتنعوا عن الدفع فقد ينتهي بهم الأمر إلى العمل بالسخرة أو الاستغلال الجنسي في حالة النساء. وقد شهدت الأعوام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الرحلات على خلفية الحرب في سوريا ونزوح السوريين بأعداد كبيرة لا سيما وأنّ قوتهم الشرائية أعلى بكثير. ويُقدّر أنّ السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار، وأنّ نفس الرحلة قفز سعرها بعدها بعام واحد فقط ليصبح 20 ألف دولار.

وصحيح أنّ المسارات متنوّعة وتشهد تعديلات مستمرّة، إلّا أنّ هناك تقليدياً طريقين رئيسين: أولهما ذلك الذي يبدأ من دول غرب أفريقيا ليعبر النيجر أو مالي، وثانيهما هو طريق الشرق الذي ينطلق من القرن الأفريقي. ويستهدف المساران في الوقت الحالي على الأغلب بلوغ الأراضي الليبية رغم أنّ المهاجرين لا يقرّرون مغادرتها والعبور إلى أوروبا كما هو الاعتقاد الشائع. فدول مثل؛ المغرب والجزائر ومصر أصبحت وجهات مُختارة من قبل المهاجرين الوافدين من جنوب الصحراء والذين يرتحلون إلى تلك البلدان سنوياً لامتهان أعمال موسمية في قطاع الزراعة.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر

طريق غرب أفريقيا

نظرياً يُعد هذا الطريق أيسر؛ لأنّه يخلو من كثير من التعقيدات الروتينية بفضل مروره عبر أراضي الدول الأعضاء في التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي أنشأت منطقة حركة حرة فيما بينها عام 1979. ويسمح هذا الأمر مبدئياً بالسفر دون الحاجة لاستصدار تأشيرات ويُكتفى فقط بوثيقة سفر وشهادة صحية لأغلب محطّات الطريق، باستثناء ليبيا التي هي الوجهة النهائية لهذا المسار. بيد أنّ الواقع مختلف كلّية؛ ففي بعض الأحيان قد تصل كلفة استخراج وثيقة سفر لأسعار باهظة للغاية، كما قد يضطّر المسافرون لدفع رسوم غير رسمية عند عبور الحدود، ما يضطرّ المهاجرين لتجنّب المرور من المنافذ الحدودية الرسمية.

80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر

ويلتزم جميع المهاجرين القادمين من هذه المنطقة بالمرور عبر الأراضي المالية أو النيجرية؛ أي بؤرة نشاط عصابات الجريمة المنظمة. ومن هناك يتم اتّخاذ الطريق الأوسط نحو الجزائر ثم إلى ليبيا أو حتى المغرب. وتنشط في هذه المنطقة شبكات تهريب البشر التي بدأت العمل منذ عام 1995 بالتزامن مع ثورة الطوارق التي اندلعت في النيجر ودول الجوار الأخرى مع بداية حقبة التسعينيات. وتحوّل قدامى المحاربين المتقاعدين بعد انتهاء الصراع إلى سائقين ومرشدين للمهاجرين بفضل معرفتهم الجيّدة بالصحراء، وشرعوا في إنشاء وكالات مهمّتها التكفّل ببنود الإقامة ومختلف وسائل النقل حسب المبلغ الذي يدفعه المهاجر. وقد أصبحت مدينة أجاديس في النيجر نقطة أساسية في الطريق الغربي قبل الدخول إلى الصحراء وهي واحدة من أخطر مراحل الرحلة والتي يصبح اللجوء إلى الوسطاء فيها أمراً محتوماً خاصة مع غياب وسائل النقل التقليدية.

كان هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات في النيجر حتى أربعة أعوام مضت تقريباً، وبالتالي تأثّر اقتصاد المدينة. لكن وفي 2016 صدر قانون في البلاد بتمويل من صندوق التنمية الأوروبي ليضع إطاراً قانونياً للاعتقال في المنطقة بحيث أُلقي القبض على 282 ميسّراً ومصادرة 350 شاحنة، الأمر الذي نتج عنه تراجع بنسبة 75% في حركة تهريب المهاجرين بأجاديس عام 2017 ومعاناة الاقتصاد المحلّي. إلّا أنّه وبعيداً عن مواجهة تهريب المهاجرين، فقد دفعهم هذا المنع للبحث عن مسارات أخرى أخطر حيث يعانون مزيداً من الانتهاكات لحقوق الإنسان والرشاوى والاكتظاظ داخل المخيمات وبالتالي ارتفاع معدّل الوفيات. كما أنّ تكلفة الرحلة ارتفعت كثيراً، فإذا كانت الرحلة في 2013 من أجاديس إلى سبها الواقعة في قلب الصحراء الليبية تكلّف 100 دولار، فقد قفزت بحلول 2017 ليصبح سعرها 600 دولار.

طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي بسبب الإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة

أما الفاعلون الأساسيون المكلفون بعملية تهريب المهاجرين في الطرق الجديدة السرية فهم عادة التجمّعات البدوية بالمنطقة مثل؛ الطوارق والتبو والأوباري. وبفضل معرفة هذه القبائل الجيدة بالصحراء على جانبي الحدود، فقد نجحت في السيطرة على جزء من الأراضي الليبية بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. وتتّسم العلاقات بين هذه القبائل بالتوتّر نظراً لتنافسها فيما بينها للاستئثار بسوق المهاجرين. وتتواجد قبائل التبو والزغاوة بشكل رئيس بين تشاد وليبيا، بينما تتولّى قبيلة أولاد سليمان العربية أمر المهاجرين منذ دخولهم مدينة سبها الليبية، ويهيمن الطوارق على جزء كبير من تجارة المهاجرين في الجزائر. لكن العلاقات بين هذه القبائل والجماعات المحلّية الأخرى مُبهمة: فمن جانب تتآزر في تهريب المهاجرين، لكنّها تقدّم نفسها أيضاً كأطراف فاعلة قادرة على ضبط الحدود وبالتالي الحصول على أموال أوروبية. ووصل الأمر لدرجة التأكيد بأنّ فرنسا دفعت إلى الميليشيات والقبائل لوقف دخول المهاجرين.

وكما هو الحال في مسارات أخرى، لا يكون الطريق مباشراً على الدوام، وفي كثير من الأحيان يقضي المهاجرون فترات طويلة من الوقت بإحدى المدن محاولين جمع المال اللازم لمواصلة المراحل المقبلة من الرحلة. ويُعتقد أنّ المهاجرين يضطرون للبقاء في أجاديس لفترة تتراوح بين سبعة أشهر وعام كامل. وفي تشاد، الدولة التي تُعدّ ملتقى المسارين الغربي والشرقي، توجد مناجم الذهب في شمال شرقي البلاد، لذا يتّجه الكثيرون للعمل في التعدين لفترة ما قبل الاستمرار. وفي أسوأ الأحوال ينتهي بهم الأمر مُختطفين أو مُجبرين على العمل بالسخرة.

هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات

طريق القرن الأفريقي

يبدأ الطريق الشرقي بأفريقيا من منطقة القرن الأفريقي من دول مثل؛ الصومال وأثيوبيا وإريتريا، مروراً عبر السودان والصحراء الليبية، حتى يلتقي مع الطريق الغربي عند سواحل ليبيا. وتخصّ طلبات اللجوء سواء في ليبيا أو مصر غالباً مواطنين وافدين من دول القرن الأفريقي. لكن طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي، على خلفية الاعتقالات والإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة ضد هؤلاء الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والتي نتج عنها الحدّ وبشكل كبير من تدفّق المهاجرين عبر الأراضي المصرية اعتباراً من العام 2017.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء والأمر يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا يصل عدد الوسطاء لسبعة

وترى منظمة الهجرة العالمية أنّ طريق القرن الأفريقي هو الأكبر من حيث حركة تهريب المهاجرين. وبالفعل تسيطر على الطريق عصابات محلّية صغيرة، باستثناء بعضها التي تتكوّن من شبكات أكثر تعقيداً. وبحسب تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فإنّ عبور الجانب الأكبر من المنافذ الحدودية بين إرتريا وإثيوبيا والسودان يستلزم تدخّل المهرّبين والوسطاء، وبالكاد توجد فئة محدودة للغاية من المهاجرين تجرؤ على سلوك الطريق بمفردها.

وتبدأ العقبات في وجه المهاجرين بصعوبة الحصول على التأشيرات. وإذا كان بوسع الأثيوبيين دخول الأراضي السودانية بشكل قانوني عن طريق تأشيرة مؤقّتة، لكن الموقف ليس عينه بالنسبة للإريتريين والصوماليين الذين يمنحهم المهرّبون جوازات سفر إثيوبية زائفة. وبعد تجاوز التعقيدات الروتينية، تظهر الجوانب اللوجستية وهي مُعضلة بالنسبة للمهاجرين وموضع استفادة شبكات التهريب. ويمكن للإريتريين دخول السودان سيراً على الأقدام أو داخل شاحنات، ويتكلّف سعر هذه المرحلة بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف يورو، وهو مبلغ قد يعادل قيمة الرحلة بالكامل.

اقرأ أيضاً: إيطاليا: محاكمة 7 سماسرة هجرة

ومن أجل عبور السودان بلا مشكلات، يعمل المهرّبون على إلباس المهاجرين داخل الحافلات ملابس تقليدية سودانية، بعد تجاوز مدينة ميتيما الإثيوبية وهي نقطة ذات أهمية استراتيجية على الحدود مع السودان. ولدى الاقتراب من الحدود الليبية يظهر وسطاء جدد يكونون غالباً من القبائل في الصحراء، والذين يسهمون في عملية المرور عبر شاحنات. وفيما يخصّ الشرق السوداني، تسيطر قبائل الرشايدة التي تنشط في مجال رعي الجمال، على شبكات تهريب المهاجرين، رغم أنّ هناك مجموعات أخرى تسعى بقوّة للحصول على جزء من هذا العمل على الحدود مع تشاد.

بالمثل، يبعد طريق القرن الأفريقي تماماً عن فكرة كونه مساراً يتّسم بالسهولة، وتتكرّر فيه بكثرة حالات وفاة المهاجرين لأسباب عديدة تتنوّع بين الجفاف والسقوط من أعلى العربات المكتظّة أو تعطّل الشاحنات في وسط الصحراء. وذلك دون احتساب هؤلاء الذين يتعرّضون للاختطاف بغرض طلب فدية أو الاتجار بهم كعبيد أو هؤلاء الذين يعانون الاستغلال الجنسي.

الوصول للساحل الأفريقي على المتوسط

فور عبور الصحراء الأفريقية بأي من هذه الطرق، تصبح ليبيا هي الوجهة الرئيسة حيث تبدأ شبكات التهريب في اكتساب درجة أكبر من التعقيد والتنظيم. وقد صار البلد العربي الواقع على البحر المتوسط نقطة مركزية تعمل منها العصابات المتخصّصة في تنظيم الرحلات على متن القوارب إلى أوروبا أو حتى اختطاف أشخاص وطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم. كما تفرض شبكات التهريب سيطرتها أيضاً على عدد كبير من مراكز إيواء اللاجئين حيث يجرى احتجازهم انتظاراً لدورهم في استقلال قارب نحو أوروبا. وأكبر المدن التي توجد بها مثل هذه المراكز هي طرابلس وبني وليد، فضلاً عن وجود مراكز في مدن أخرى مثل طبرق أو سرت.

يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم

ويحوّل النظام الساري على مراكز احتجاز اللاجئين هذه الأماكن إلى منجم تستفيد منه الميليشيات المسلّحة وشبكات التهريب التي ظهرت في إطار غياب الاستقرار في ليبيا الغارقة في مستنقع الفوضى منذ 2011. وقد توصّلت الوكالة الأوروبية لضبط الحدود (فرونتكس) إلى أنّ الجيش الليبي نفسه ربما يكون متورّطاً في إدارة مراكز المهاجرين. هناك معلومة مهمّة كذلك وهي أنّ 20% من المراكز تحمل صفة رسمية؛ أما البقية فتتبع شبكات التهريب. ومثل كل تجارة وعمل، تقدّم العصابات خدمات خاصة لهؤلاء الذين يستطيعون دفع المزيد، مثل تقليص وقت الانتظار لأقل حدّ ممكن. كما أنّه من الشائع طلب رشاوى أو فديات من أجل الخروج. وبعد المرور عبر هذه المراكز، تتقاضى العصابات ألفاً و800 يورو تقريباً نظير الرحلة على متن قارب إلى صقلية. وتوجد حالة من المنافسة بين العصابات على أولوية انطلاق القوارب التابعة لها، ويصل الأمر في حالات نادرة إلى إبلاغ ذوي المهاجرين الذين يلقون مصرعهم غرقاً ودفع تعويضات مالية لهم بهدف الحفاظ على سمعتها في سوق الهجرة.

السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار

ورغم عدم وجود شبكات على نفس الدرجة من التنظيم على أراضيها، إلّا أنّ بعض دول شمال أفريقيا باتت كذلك قاعدة لأسواق مختلفة. ففي الجزائر، ترتبط أغلب عمليات مهرّبي البشر وإسهاماتهم في إدخال المهاجرين إلى المغرب أو ليبيا، بتزوير الوثائق الرسمية. فجواز السفر الجزائري يتكلّف 50 يورو، بينما يبلغ سعر وثائق المفوضية الأممية للاجئين التي تمنح صفة اللاجئ في الجزائر 10 يورو. كما تقرّ السلطات المغربية بوجود شبكات التهريب بطول حدودها الشرقية منذ مطلع الألفية، وتتكرّر وبشكل متزايد حالات اختطاف المهاجرين من أجل طلب فدية أو إجبارهم على العمل بالسخرة سواء في الجزائر أو المغرب.

لكن تجارة الهجرة من الجنوب إلى الشمال التي تدرّ أرباحاً هائلة لا تتوقّف عند السواحل الجنوبية للبحر المتوسط. فقد تمكّنت شبكات التهريب من الامتداد ولا تزال تزاول نشاطها على الجانب الآخر من البحر عن طريق مسار أوروبي جديد. وفي إيطاليا، على سبيل المثال، تعمل العصابات التقليدية على انتزاع موطئ قدم لها في هذا السوق الجديد عن طريق بسط نفوذها إلى مخيمات اللاجئين في البلد الأوروبي. وهناك توجد أنماط مختلفة من التنظيم وجنسيات أخرى وأسعار متباينة، وفي نهاية المطاف يبدو أنّ هذه التجارة هي ذاتها، ما يشير بجلاء إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على القارة السمراء.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/36jGe8P

للمشاركة:

مؤتمر برلين.. هل يمهد لعودة العملية السياسية الشاملة في ليبيا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-23

ترجمة: مدني قصري


دعا المشاركون في المؤتمر الدولي في برلين، الذي عقد في 20 كانون الثاني (يناير) الجاري، إلى وقف إطلاق النار، ووضع حد للتدخل الأجنبي.. فالنص غير الملزم ينبغي أن يقدَّم إلى مجلس الأمن.
تدعو الوثيقة إلى "وقف دائم لإطلاق النار" في ليبيا، وإلى "الامتناع عن أي تدخل في النزاع المسلح"، ولإعادة إطلاق "العملية السياسية"..

أنطونيو غوتيريس: إذا لم تترجم التزامات برلين إلى قرارات مجلس الأمن فمن المرجح أن تستمر الحرب

ولم يؤد المؤتمر، الذي استضافته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وغسان سلامة، المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، إلى اتفاق بين الطرفين الليبيين المتخاصمين، فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، وقائد القوات الليبية المشير خليفة حفتر، ونتج عن المؤتمر "بيان متواضع" أقرته الجهات الدولية الفاعلة المدعوة: الأعضاء الخمسة في مجلس الأمن، تركيا، مصر، الإمارات العربية المتحدة، جمهورية الكونغو، إيطاليا، الجزائر والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.
يمثل النص حلّاً وسطاً بالحد الأدنى. ودعا المشاركون "جميع الأطراف المعنية إلى مضاعفة جهودها من أجل وقفٍ دائم للأعمال القتالية، ووقف التصعيد، ووقف دائم لإطلاق النار". ولكسر دوامة الإفراط في تسليح الجانبين، تعهدت الأطراف أيضاً بالعمل على الاحترام الصارم للحصار المفروض على المعدات العسكرية وعلى "كبح أي نشاط يفاقم الصراع، بما في ذلك تجنيد المرتزقة"... حيث أرسلت تركيا خبراء ومقاتلين سوريين وطائرات بدون طيار ومركبات قتالية إلى قوات التحالف الموالية للحكومة.

أشار محمد السيد لعزيب، وهو دكتور في المعهد الفرنسي للجغرافيا السياسية، إلى أنّ "نجاح هذا المؤتمر نسبي للغاية. فبسبب تعذر الخروج باتفاقية قوية قابلة لأن تلقَى الرفض من جانب واحد أو أكثر من أطراف النزاع، فقد فُضِّل إصدارُ تذكير بالمبادئ دون ضمان التنفيذ".
ولكن هل سيكون لوثيقة برلين، التي تؤكد من جديد الحاجة إلى العودة إلى خريطة الطريق الخاصة بـ "العملية السياسية الشاملة" التي خطّطت لها الأمم المتحدة، تأثيرٌ أقلّ إلزاماً ممكناً على المتحاربين؟ المشاركون في المؤتمر يطالبون بفرض عقوبات على الذين "ينتهكون الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة اليوم"، وقد أكد  غسان سلامة أنّ النص سيقدم إلى مجلس الأمن في شكل قرار. وسيكون اعتماده خطوة مهمة. لكنه يتطلب تصويتاً بهذا المعنى من موسكو وباريس..
وفي هذا الشأن قالت ماري فيتزجيرالد، الباحثة المستقلة في شؤون ليبيا: "كل شيء سيعتمد على مجلس الأمن وكيف يختار الرد على بلاغ برلين". لقد طلب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، من المجلس تحمّل مسؤولياته في ليبيا. فإذا لم تترجم التزامات برلين إلى قرارات المجلس، فمن المرجح أن تستمر الحرب".
نفط الهلال
في غضون ذلك، باتت الهدنة السارية على الأرض منذ أكثر من أسبوع تترنح وتتلاشى. سُمِعت طلقات نارية يوم الأحد في طرابلس. كما استخدمت القوات الليبية شكلاً آخر من أشكال الضغط عشية المؤتمر: إغلاق صنبور الهيدروكربونات التي تشكل ثروة ليبيا. وتم يوم الجمعة الماضي إغلاق محطات الهلال النفطي، في حين توقفت حقول النفط في فزان (جنوب)، حيث توقف إنتاجها يوم الأحد. في هذا الشأن قال أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، إنّ "إغلاق حقول النفط كان قراره المحض من قبل الشعب".

اقرأ أيضاً: ماذا قال بلحاج عن تدخّل تركيا في ليبيا وعن مؤتمر برلين؟
قالت أنجيلا ميركل بحذر في المؤتمر الصحفي الذي اختتم أعمال القمة: وافق المشير خليفة على تعيين ممثليه الخمسة للجلوس في "اللجنة العسكرية" المؤلفة من عشرة أعضاء، المسؤولة عن التفاوض حول وقف إطلاق النار..

قابل للاشتعال
أثيرت أيضاً في نهاية هذا الأسبوع فكرة وجود قوة فصل للسهر على وقف أي إطلاق للنار مستقبلاً، لكنها لم تظهر في البيان الختامي. الموضوع حساس للغاية في ليبيا. لقد ذكر سراج نفسه هذا الأمر في مقابلة مع الصحافة الألمانية:

باحثة مستقلة في شؤون ليبيا: كل شيء سيعتمد على مجلس الأمن وكيف يختار الرد على بلاغ برلين

"يتعين على المجتمع الدولي التدخل بقوة دولية لحماية السكان المدنيين الليبيين، تحت رعاية الأمم المتحدة". وكان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون قد قال في هذا الشأن عند وصوله إلى برلين "إذا تحقق بالفعل وقف لإطلاق النار، فمن الواضح أننا يمكن أن نفعل ما يمكن أن نفعله بشكل جيد للغاية؛ أي إرسال أشخاص وخبراء لمراقبة وقف إطلاق النار. لقد تحدثتُ عن ذلك مع غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، وإيطاليا مستعدة لتقديم مساهمتها"، وهو الأمر الذي أكده بالفعل رئيس الحكومة الإيطالية، جوزيبي كونتي.
مجلس الأمن وحده يستطيع أن يحسم هذه المسألة، القابلة للاشتعال بشدة بين مجموعات المقاتلين الليبيين. في هذا الشأن قال محمد السيد لعزيب: "في الوقت الحالي، تظل استنتاجات برلين استنتاجات عامة، لذا فمن غير المحتمل أن تزعزع استقرار التحالفات المحلية؛ لأن المعسكرات المتنافسة لم تضطر إلى تقديم تنازلات كبيرة". لكن الوضع قد يتغير. ومن المفارقات، أنّ اتفاق السلام  مع احتمال تورط أجنبي على الأرض، ينطوي على خطر حدوث مزيد من التوترات الداخلية.

اقرأ أيضاً: أهمية مؤتمر برلين
اتفق المشاركون على إنشاء لجنة متابعة دولية، تجتمع شهرياً لتقييم تنفيذ توصيات المؤتمر. لكن الاختبار الحقيقي سيقاس في ساحة المعركة..
كان ارتياح أنجيلا ميركل، وأنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، اللذين تم الاجتماع تحت رعايتهما، ملحوظاً في المؤتمر الصحفي النهائي. "خطوة صغيرة إلى الأمام"، هكذا هنأت نفسها الزعيمة الألمانية.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
liberation.fr

للمشاركة:



اللبنانيون يرفضون حكومة دياب..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وقعت، أمس، مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة، والقوى الأمنية، في ساحة رياض الصلح، وسط بيروت، أثناء محاولة عدد من المتظاهرين الدخول إلى السراي الحكومي.

وأصيب في المواجهات 20 شخصاً، على الأقل، في صفوف الجانبين تمّت معالجة 18 منهم ميدانياً، وفق ما كشف الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني، جورج كتانة، لوكالة "فرانس برس".

وحاول متظاهرون تجمّعوا قرب مقر رئاسة الحكومة إزالة الأسلاك الشائكة وسياج حديدي وإزاحة المكعبات الإسمنتية، كما رشق المحتجون بالحجارة والمفرقعات النارية قوات مكافحة الشغب التي ردّت باستخدام خراطيم المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع،  وتمكّن عناصر مكافحة الشغب من تفريق المتظاهرين الذين كانوا قد تخطّوا تقريباً كلّ العوائق الموضوعة أمام مدخل مقر رئاسة الحكومة.

مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة والقوى الأمنية أمام مقرّ رئاسة الحكومة

وعبّر عدد من المتظاهرين، خلال مشاركتهم في احتجاجات أمس، عن رفضهم لحكومة دياب، مؤكدين أنّها ليست الحكومة التي طالبوا بها، وأنّها "ليست حكومة إنقاذ من اختصاصيين بعيدة عن المحاصصة"، مضيفين: "بعد مئة يوم، وكأنّ الشعب لم يقل شيئاً، نرفع صوتنا ضدّهم، لكنّهم يقومون بما يناسبهم".

 وكتبت وزيرة العدل، ماري كلود نجم، في تغريدة: "مُدانٌ ومرفوض هذا العنف، وتدمير أرزاق الناس وسط بيروت، الحراك قام لغاية نبيلة وليس لتخريب المدينة على حساب أهلها وتجّارها".

يذكر أنّ المظاهرات الاحتجاجية في لبنان، بدأت في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وسط بيروت، عقب قرار اتخذته الحكومة بفرض ضريبة على تطبيق "واتس أب"، وسرعان ما انتقلت المظاهرات لتعم كافة المناطق اللبنانية.

ويواجه لبنان انهياراً اقتصادياً مع شحّ في السيولة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية، وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار، حتى تحولت فروع البنوك إلى مسرح يومي للإشكالات بين مودعين يطالبون بأموالهم وموظفين ينفذون القيود المفروضة.

 

 

للمشاركة:

الأردن: توجيه تهمة الإرهاب لثلاثة أشخاص.. ماذا فعلوا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وجهت محكمة أمن الدولة الأردنية، اليوم، تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي والترويج لأفكاره، بحقّ ثلاثة أشخاص.

وذكر القضاء الأردني، وفق ما نقلت صحف محلية؛ أنّ اثنين من المتهمين الثلاثة نفذوا عملية طعن ثلاثة سياح أجانب وثلاثة أردنيين في مدينة جرش الأثرية، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

وكشفت التحقيقات؛ أنّ المتهمين نفذوا عمليتهم الإرهابية انتقاماً لمقتل زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي، أبو بكر البغدادي، بتوجيه مع أحد الإرهابيين الذي قدّم لهم فتوى بجواز قتل السياح.

محكمة أمن الدولة توجه تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بداعش والترويج لأفكاره بحقّ ثلاثة أشخاص

وتتلخص وقائع القضية، وفق لائحة الاتهام، في أنّ المتهم الأول من حملة الفكر التكفيري (داعش)، وهو صديق للمتهم الثاني، حيث باشر المتهم الأول بعرض فكره الإرهابي على المتهم الثاني واقتنع الأخير بهذا الفكر .

ثمّ خطط المتهمان للالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، وتواصلا مع شخص يدعى "أبو زينة" من تنظيم داعش.

ثم اتفقا مع المتهم الثالث على الترويج لتنظيم داعش، بعد أن اجتمعوا داخل مزرعة يعمل بها المتهم الثالث، وأثناء محاولة المتهم الأول الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، عرض عليه المدعو "أبو زينة" من داعش أن ينفذ عملية إرهابية، وأعطاه فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب، لتكون العملية انتقاماً لمقتل زعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي".

الإرهابيون حصلوا على فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب لتكون العملية انتقاماً لمقتل البغدادي

وفكروا في البداية بتنفيذ عملية ضدّ كنيسة في منطقة دبين، ثم اتفقوا أن يتولى المتهم الأول تنفيذ العملية بالاعتداء على السياح الأجانب في جرش.

وكان الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام في الأردن، عامر السرطاوي، قد أوضح أنّ المصابين هم ثلاثة سياح ومرشد سياحي ورجل أمن أصيب اثناء محاولة القبض على المهاجم.

 

للمشاركة:

الحوثيون يستغلون المنابر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

 لا تتوانى ميليشيات الحوثي الإرهابية عن استخدام أية وسيلة كانت لترفد قواتها بعناصر جدد يحاربون إلى جانبها، في ضوء الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدتها خلال المعارك الأخيرة.

هذه المرة حاولت الميليشيات استغلال الدين بتحويل منابر الجمعة إلى وسيلة للتحريض والتجنيد؛ حيث عمد خطباء الميليشيات الحوثية في العاصمة، صنعاء، الأول من أمس، إلى الدعوة لتجنيد المزيد من المقاتلين، وإن كانوا أطفالاً، للزجّ بهم في جبهات القتال.

وأكّد مصلون في عدد من المساجد، في العاصمة صنعاء، نقلت عنهم صحيفة "الشرق الأوسط"؛ أنّ "خطب مساجد الحوثيين بمعظم مناطق العاصمة صنعاء، أمس، تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي ودعوة اليمنيين للهبة والقتال بجبهة نهم والموت في سبيل مشروعها الظلامي الكهنوتي".

خطباء الميليشيات الحوثية في صنعاء يدعون لتجنيد المزيد من المقاتلين حتى إن كانوا أطفالاً

والاحظ المصلون أنّ جلّ خطب الميليشيات، أمس، على منابر المساجد كانت متشابهة بشكل كبير في استنجادها للمواطنين، وطلب الدعم والمساندة والإنقاذ منهم لمقاتليها، الذين تلقوا ضربات موجعة بمختلف الجبهات على أيدي قوات الجيش الوطني.

وبحسب المصلين؛ فإنّ خطباء الميليشيات دعوا مرتادي المساجد إلى "النفير والهبة الشعبية والدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال والجهاد دفاعاً عن العرض والدين".

في سياق متصل، كشف مصدر بمكتب الأوقاف والإرشاد، بالعاصمة صنعاء، أنّ المسؤولين الحوثيين في وزارة الأوقاف ومكتبها في الأمانة الخاضِعَين لسيطرتها، استدعوا، الخميس الماضي، عدداً من الخطباء والمرشدين لإعطائهم أوامر وتعليمات لحثّ المواطنين والسكان في خطبهم ودعوتهم إلى رفد جبهات الحوثيين بالمقاتلين، خصوصاً جبهة نهم، الواقعة شرق العاصمة صنعاء".

وقال المصدر بمكتب الأوقاف، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، خشية انتقام الميليشيات؛ إنّ قيادة الجماعة طلبت من خطبائها الطائفيين أن يعملوا على تخويف جموع المصلين، وتحذيرهم من على المنابر، من خطورة اجتياح نهم ودخول صنعاء من قبل قوات الشرعية.

خطب مساجد الحوثيين بصنعاء تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي

بدورهم، أكّد سكان محليون بصنعاء لـ "الشرق الأوسط"، تركيز غالبية خطباء الجماعة في خطبتَي الجمعة بصنعاء، على بثّ خطاب الكراهية وتحريض الناس ليتحركوا إلى الجبهات، وإلحاق أبنائهم بالجهاد والقتال ضدّ من وصفوهم بـ "المنافقين والتكفيريين"، و"المرتزقة والغزاة".

من جانبهم، تحدّث مواطنون، يقطنون بالقرب من مساجد بصنعاء، عن مغادرة مصلين كُثر لعدد من المساجد فوز تحريض خطباء الجماعة الناس على الانضمام لجبهاتها القتالية العبثية.

ورأى المواطنون، أنّ العزوف الجماعي للمصلين عن مساجد الميليشيات جاء عقب موجة من الغضب الشديدة التي اجتاحتهم فور سماعهم خطب الميليشيات المتكررة المحرضة على العنف والقتل ونشر المذهبية والطائفية، التي سعت وتسعى الميليشيات منذ انقلابها لزرعها في أفكار المواطنين بصنعاء وبقية مناطق سيطرتها.

يذكر أنّ الميليشيات الحوثية تحكم قبضتها وسيطرتها حالياً على غالبية المساجد في العاصمة، وذلك بعد اعتقالها للمئات من الدعاة والأئمة والخطباء والمرشدين والزجّ بهم في السجون، واستبدالهم بخطباء موالين لها طائفياً.

وفي الوقت الذي وجهت فيه الميليشيات من خلال خطبائها الطائفيين، دعوات مكثفة من على منابر المساجد لجموع المواطنين بصنعاء للدفع بهم للانضمام لصفوفها والقتال بجبهاتها، دقت الميليشيات الانقلابية، أواخر الأسبوع الماضي، ناقوس الخطر، وجابت سياراتها شوارع وأحياء صنعاء بهتافات مختلفة عبر مكبرات الصوت، تدعو اليمنيين للنفير العام والهبة الشعبية لإنقاذ ميليشياتها في جبهة نهم.

مستشفيات العاصمة استقبلت على مدى الأيام الخمسة الماضية المئات من القتلى والجرحى الحوثيين

وذكرت المصادر المحلية؛ أنّ ميليشيات الموت أفردت دوريات مسلحة مهمتها جمع الشباب والأطفال من المارة في شوارع وأحياء وحارات صنعاء ونقلهم قسراً، بعد خداعهم والتغرير بهم، للقتال إلى جانب عناصرها.

وفي سياق متصل؛ كشفت مصادر طبية في صنعاء لـ "الشرق الأوسط"؛ أنّ "مستشفيات العاصمة استقبلت، على مدى الأيام الخمسة ماضية، المئات من القتلى والجرحى التابعين للميليشيات، الذين سقطوا إثر المواجهات المستمرة على امتداد خطوط التماس في جبهة نهم، البوابة الشرقية للعاصمة صنعاء".

في المقابل، أكّد شهود عيان في أحياء متفرقة بصنعاء، أنّ الميليشيات الحوثية شيعت، خلال اليومين الماضيين فقط، أكثر من 60 عنصراً من قتلاها الذين لقوا حتفهم خلال المعارك الدائرة في جبهة نهم.

وتتكبد الجماعة الحوثية في جبهة نهم خسائر بشرية كبيرة، في ظلّ استمرارها في التحشيد والدفع بعناصرها، ومن تجنّدهم من الأطفال وطلبة المدارس، للقتال في محارق خاسرة ومحسومة سلفاً.

 

للمشاركة:



حالة مرضية في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

خيرالله خيرالله

يُعاني عدد لا بأس به من السياسيين العراقيين من حالة مرضية. يعود ذلك الى الرغبة في استرضاء ايران في وقت يعرف هؤلاء ان نظام "الجمهورية الإسلامية" يعاني من ازمة عميقة، بل ازمة مصيرية، كشفتها عملية اغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني. ادّت هذه الحالة المرضية في العراق الى ردود فعل غير طبيعية ردّا على تصفية الولايات المتحدة لسليماني بعيد مغادرته مطار بغداد مع أبو مهدي المهندس نائب قائد "الحشد الشعبي" مطلع هذه السنة. كانت البداية طلب مجلس النوّاب العراقي، في غياب معظم النوّاب السنّة وكل النواب الاكراد، انسحاب القوات الاميركية من العراق.

كلام عراقي كثير قيل منذ تخلّص الاميركيين من سليماني، بما في ذلك ما صدر عن رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الذي يريد التخلّص من القواعد الاميركية من دون الإشارة الى الوجود الايراني في العراق، وهو وجود اقلّ ما يمكن ان يوصف به انّه طاغ. لم يتردد مقتدى الصدر، الذي عاد الى تحت الجناح الايراني قبل اشهر قليلة وشوهد في مجلس "المرشد" علي خامنئي الى جانب قاسم سليماني، في التهديد والوعيد للاميركيين قبل ان يدعو الى تظاهرة "مليونية" في بغداد لا يبدو انّها ستقدّم او تأخر. قبل كل شيء، لم تكن التظاهرة "مليونية". فضلا عن ذلك، بدأ مقتدى الصدر نفسه يعدّل من لهجة خطابه
بدعوته الى مجرد "غلق القواعد الأميركية الموجودة على الأراضي العراقية" مؤكدا ان "الهدف والمطلب الأساسي هما جدولة خروج قوات الاحتلال فعليا وبشكل منظور على الأرض". قام مقتدى الصدر بنقلة نوعية تؤكّد انّه ليس سوى ضحيّة أخرى للحالة المرضية التي يعاني منها قسم كبير من الطبقة السياسية العراقية.

متى يعود أي سياسي عراقي، من السياسيين الحاليين، الى نفسه، يدرك في العمق انّ الدبابة الاميركية هي التي عادت به الى بغداد وان المشروع الايراني ليس سوى مشروع ذي افق مسدود في المدى الطويل. لكن ما العمل عندما يكون هذا السياسي او ذاك مضطرا الى ان يأخذ في الاعتبار انّ عليه مراعاة ايران الى ابعد حدود بعدما اكتشف ان لديها القدرة على منع أي شخص لا يعجبها من الوصول الى موقع رئيس الوزراء، كما حصل مع حيدر العبادي او مع اياد علّاوي، كما لديها ما يكفي من النفوذ لاقالة ضابط كبير مثل عبدالوهاب الساعدي لعب دورا مهمّا في الانتصار على "داعش" في الموصل وفي كلّ معركة.

من حسن الحظ انّه لا يزال في العراق عدد من السياسيين القادرين على التمتع بحدّ ادنى من الاستقلالية مع امتلاك لبعض من ذاكرة ايضا. لا شكّ ان الاكراد يمثلون نوعا من الاستثناء العراقي هذه الايّام على الرغم من ان اميركا خذلتهم بعد الاستفتاء على الاستقلال في الخامس والعشرين من أيلول – سبتمبر 2017. لم تقدم واشنطن على أي خطوة من اجل مساعدة مسعود بارزاني في ترجمة نتائج الاستفتاء، التي جاءت لمصلحة الاستقلال، على ارض الواقع. امتلك مسعود بارزاني ما يكفي من الحكمة وقدّم استقالته معترفا بفشله في تحقيق الحلم الكردي القديم. تعاطى مع الواقع ورضخ له. استوعب ان الدعوة الى استفتاء في ظروف معيّنة لم يكن خطوة في الاتجاه الصحيح على الرغم من ان نسبة مؤيدي الاستقلال في إقليم كردستان بلغت 92 في المئة.

ما يؤكد ان اكراد العراق متصالحون الى حدّ كبير مع الواقع ومع الحقائق العراقية تصرّف برهم صالح رئيس الجمهورية في مؤتمر دافوس. التقى برهم صالح الرئيس دونالد ترامب وتعاطى معه بصفة كونه رئيس الدولة الأكبر في العالم. لهذه الدولة فضل على كلّ سياسي حالي في العراق. لم يتجاهل الاكراد انّه لولا الجيش الاميركي لكان العراق لا يزال تحت حكم صدّام حسين وذلك بغض النظر عن ايّ مقارنة بين عراق ما قبل 2003 وعراق الآن. وهي مقارنة لمصلحة صدّام. اجتمع رئيس الجمهورية العراقية الكردي مع الرئيس الاميركي مع علمه المسبق انّ ايران ستعترض على ذلك وستستخدم ازلامها لشنّ حملة تهويل عليه. رأى برهم صالح اين مصلحة العراق وذلك على الرغم انّه لا يعتبر من السياسيين المعادين لإيران.

ما يؤكّد أيضا وايضا ان الاكراد يتعاطون مع الواقع العراقي كان موقف الرئيس الحالي لإقليم كردستان نيجرفان بارزاني في دافوس. ففي جلسة حوارية في اطار المنتدى الاقتصادي العالمي قال نيجرفان: "عندما يتعلق الامر بما يحصل في العراق فإننا نتحدث عن جيل تراوح أعمار المنتمين اليه بين 15 و23 عاما، أي أن هؤلاء لم يعايشوا فترة صدام حسين أو أميركا بل يسعون الى حياة أفضل مقارنة ببقية الشعوب". وأضاف: "المتظاهرون غير راضين عن أداء الطبقة السياسية وقد أوصلوا رسالتهم عبر الاحتجاجات. نستغرب ان هناك من يلقي كل اللوم على الخارج، فإذا افترضنا أن 70 في المئة متأثرون بأطراف خارجية، فإن هنالك 30 في المئة يتظاهرون بدوافع تلقائية، لذا لا بد أن نشعر بالمسؤولية ونراجع أنفسنا". وشدد على أن "الأكراد جزء من العراق ولا نستطيع النأي بأنفسنا عما يحصل لذلك نعمل على تهدئة الأوضاع ولدينا تواصل مع بغداد من اجل تحقيق هذا الغرض". وعن وجود القوات الأميركية في العراق، قال نيجرفان بارزاني، إن "القوات الأميركية موجودة بناء على طلب الحكومة للمساعدة في التصدي لداعش ومهماتها واضحة ومحددة. نرى أن قرار البرلمان العراقي غير صائب وصدر بغياب الأكراد والسنة، فالعراق لا يزال بحاجة الى الدعم الأميركي لأن خطر داعش لا يزال قائما". خلص الى التأكيد مجدّدا أن "المشكلة تكمن في عدم وجود شيء اسمه الولاء للعراق، في حين يجب أن يكون العراق جامعا لكل المكونات".

يوجد منطقان عراقيان لا يمكن ان يكون هناك قاسم مشترك بينهما، اقلّه في الوقت الحاضر، وذلك في انتظار ما ستؤول اليه الامور في ايران. هناك منطق لا علاقة له بالمنطق مثل منطق مقتدى الصدر وآخر متصالح مع الواقع اسمه المنطق الكردي. ارتكب الاكراد في الماضي أخطاء كثيرة. الظاهر انّهم استفادوا من هذه الأخطاء. استفادوا من ان الشعارات لا تطعم خبزا. انّهم على العكس من معظم قادة الأحزاب الشيعية من نوع مقتدى الصدر يعرفون ان مصلحة كلّ عراقي في المحافظة على العراق وان الخطر الأكبر هو ذلك الذي تمثّله ايران وليس الولايات المتحدة التي راهنت رهانا خاطئا على ان في الإمكان إقامة نظام ديمقراطي في العراق... وهي تدفع حاليا ثمن هذا الرهان!

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

إيران: طريق العودة للواقعية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

حسن فحص

لا يمكن ان يكون الحديث الذي ادلى به وزير الخارجية الايرانية محمد جواد  ظريف مع وسيلة اعلام المانية نقلته محطة "أي بي سي نيوز" حول استعداد بلاده للحوار مع الولايات المتحدة الامريكية على الرغم من عملية الاغتيال التي قامت بها لقائد قوة القدس في حرس الثورة الجنرال قاسم سليماني، موقفاً نابعاً من رغبة ظريف في هذا الحوار، لكنه يعبر عن وجود توجه لدى النظام للعودة الى الحوار، الا انه يريد حواراً متكافئاً تقوم قبله واشنطن بالغاء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على ايران والعودة عن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. وهي شروط لا يبدو حتى الان أنها تحظى بموافقة واشنطن التي تصر على حوار من دون شروط، ومن دون التطرق الى ورقة العقوبات الاقتصادية التي تعتقد بانها الاداة الاكثر فعالية في خنق النظام الايراني واجباره على الجلوس الى طاولة والتفاوض على شروط جديدة في الملفين النووي والصاروخي والنفوذ الاقليمي غرب آسيا.

الحديث الذي امتنعت وسائل الاعلام الايرانية بمختلف انواعها عن نقله او التعامل معه، يأتي مؤشراً على رغبة لدى النظام الايراني بتجاوز مرحلة التصعيد التي شهدتها المنطقة بين طهران وواشنطن بعد عملية الاغتيال الامريكية والرد الايراني على قاعدتي الحرير في اربيل وعين الاسد في الانبار. وان طهران تريد الاكتفاء بالحد الذي وصفته " بالصفعة" التي وجهتها للقوات الامريكية، والانتقال الى توظيف خسارتها باغتيال سليماني في البعد السياسي ان كان في محاولة جر واشنطن لتقديم تنازلات والعودة الى طاولة المفاوضات او من خلال ترك الامر للانشطة التي من المفترض ان تتولاها القوى الحليفة لها "الوكلاء" في المنطقة في اطار ما رسمه المرشد الاعلى وقيادة حرس الثورة بدعوة الشعوب لانهاء الوجود الامريكي في منطقة غرب آسيا.

ولم تتوقف اشارات التهدئة التي تصدر عن رئيس الدبلوماسية الايرانية تجاه دول المنطقة، خصوصا باتجاه الدول الخليجية وتحديدا العربية السعودية، والحديث عن مفاوضات مباشرة قريبا بين الطرفين، والتي من المفترض انها لن تقتصر على الازمة اليمينية وتفعيل الحل السياسي في هذا البلد، بل ستشمل ازمات المنطقة كافة، ان كان في العراق او سوريا او لبنان، خصوصا وان النظام الايراني لا يرغب في الذهاب بعيدا في المواجهة العسكرية مع واشنطن، وان ما تركه من مهمات على عاتق حلفائه "الوكلاء" في مناطق النزاع والتماس المباشر مع القوات الامريكية يمكن التحكم به ومساراته اما تصعيدا لممارسة الضغط لتسهيل وتسريع التفاوض، واما نحو التهدئة وكبح جماح هذه القوى وعدم الانتقال الى مواجهة وحرب عصابات مفتوحة قد يكون من الصعب التحكم بمآلاتها.

العودة الايرانية للحديث عن التفاوض ومع واشنطن بالتحديد، من غير المستبعد ان يكون مجرد خطأ او مناورة من ظريف بعيدا عن التفاهم مع قيادة النظام بجناحيها السياسي والعسكري، وهي لا تتناقض مع التصعيد الذي جاء في كلام ظريف امام البرلمان الايراني تجاه الترويكا الاوروبية ولغة التشدد التي سيطرت على مواقفه، بل تصب في اطار تعزيز الرغبة الايرانية بالتوصل الى تفاهمات مع واشنطن بعد ادراك العجز الاوروبي عن اتخاذ خطوات تخفف من حدة الضغوط الامريكية.

والانتقال الى لغة التفاوض في ظل استمرار سيل التصريحات والتهديدات الصادرة عن القيادات السياسية والعسكرية (حرس الثورة) ضد القوات الامريكية في منطقة غرب آسيا، قد لا تعني ان طهران في صدد الاستمرار بالتصعيد المفتوح كما توحي هذه المواقف، بل قد تعني الاستعداد للانتقال الى التهدئة وتوظيف التطورات لفتح مسار يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة بين الطرفين، انطلاقا من ان التأخير في تثمير هذه التطورات قد يرتد سلبا ويعقد الامور ويأخذها الى مستويات تكون فيها السلبية أعلى من الايجابية.

فبالاضافة الى الرد الذي قامت به طهران ضد  قاعدة عين الاسد الامريكية واختيار الطرفين السكوت عن الخسائر البشرية، يشكل مؤشرا واضحا عن نية الطرفين في عدم تجاوز حافة الهاوية، والاحتفاظ بخطوط العودة الى التهدئة والتفاوض، ولعل ما شهدته الساحة العراقية من خطوات قامت بها القوى والاحزاب وفصائل الحشد الشعبي من الامساك بخيوط العملية السياسية في الحكومة والبرلمان والدفع باتجاه اصدار قرار يطالب القوات الامريكية الخروج من هذا البلد، الى جانب ما حققته على خط توحيد صفوف الاحزاب الموالية لها وتنظيم التظاهرة "المليونية" التي شكلت نقلة نوعية في العلاقة بين طهران السيد مقتدى  الصدر زعيم التيار الصدري، ما يعني انها ستكون بحاجة الى فتح المجال امام مساعي التهدئة على الساحة العراقية من اجل تثمير هذه الخطوات في العملية السياسية واختيار رئيس جديد للوزراء، لا يشكل قطيعة تامة مع واشنطن بل يساهم في التهدئة بحيث لا يخرج كلا الطرفين خاسرا في العراق.

والى جانب الموضوع العراقي، فان طهران ايضا تريد توظيف ما حققه حليفها حزب الله على الساحة اللبنانية ونجاحه بتشكيل حكومة جديدة يبدو انه سيبذل كل طاقته وجهوده من اجل  توفير الاجواء لنجاحها من خلال تسهيل عملها واتصالاتها الدولية والعربية، وقد بدأ مسار التهدئة هذا منذ استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الوزراء اذ لم تشهد خطابات الامين العام لحزب الله ان كان حول الازمة اللبنانية او في ما يتعلق باغتيال سليماني واحداث العراق مواقف تصعيدية ضد الدول الخليجية وتحديدا السعودية.

تشابك الملفات التي تواجهها ايران في المنطقة وما فيها من تعقيدات، قد تسمح للحكومة الايرانية برئاسة حسن روحاني بتوظيف الوضع المتشعب والتحديات التي يفرضها على المؤسسة العسكرية ان يقوم بخطوة الى الامام تخدم رؤيته في الامساك بزمام المبادرة على قاعدة تقاسم الادوار بينه وما يعنيه من انفتاح على المجتمع الدولي وتفكيك ازمة العقوبات مع واشنطن، وبين النظام المشغول في احكام قبضته على الساحة الداخلية وليس آخرها الانتخابات البرلمانية المرتقبة.

عن "المدن"

للمشاركة:

هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-26

ترجمة: مدني قصري


هل خسرت الولايات المتحدة خمسة آلاف جندي وأهدرت تريليون دولار منذ عام 2003 في العراق، لتسليم هذا البلد في النهاية إلى إيران؟ السؤال ملحّ ومطروح بحدة في الوقت الحالي؛ لأنّ الغارة الأمريكية في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري التي قتل فيها الجنرال قاسم سليماني في بغداد، قد حرمت الشبكات القوية الموالية لإيران في العراق من هذا الرجل، ولكن دون تعطيل أو تفكيك نظامها. كما أنّ إدارة ترامب أتاحت لإيران ومؤيديها، محل النزاع والرفض منذ أسابيع من قبل السكان المحليين، إمكانية تعبئة القومية العراقية التي تستنكر بشدة الهيمنة الإيرانية ضد "الشيطان الأكبر" الأمريكي، وضده وحده. ومع ذلك، لم يكن من الممكن حدوث مثل هذه الكارثة دون ستة عشر عاماً من سياسة الولايات المتحدة الهرطقية الخاطئة في العراق، والتي لا تزال إيران تستمد منها أكبر فائدة.

اقرأ أيضاً: سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟
خلص بوش إيران من عدوّين لدودين من خلال القضاء على نظام طالبان ثم الإطاحة بصدام حسين

فتح بوش العراق أمام إيران
في "حربه العالمية على الإرهاب"، لم يفهم جورج دبليو بوش أنّه من خلال القضاء على نظام طالبان في أفغانستان في عام 2001، ثم الإطاحة بصدام حسين بعد ذلك بعامين، أنّه خلص جمهورية إيران الإسلامية من عدوّين لدُودين يرابطان على حدودها. يقوم الحرس الثوري، الذي تم تشكيله لمقاومة العدوان العراقي على إيران عام 1980، بتطوير شبكاته في مجال الأطلال التي خلفها الغزو والاحتلال الأمريكي في العراق. فالحرس الثوري يستثمر منهجياً الفراغ الذي فتحته واشنطن عام 2003، بحل الجيش العراقي، وطرد أعضاء حزب البعث والعنف ضد المسلحين السنّة. علاوة على ذلك، فإنّ الأحزاب الموالية لإيران هي المستفيد الأكبر من المؤسسة في عام 2005، تحت رعاية الولايات المتحدة، لنظام ذي نمط طائفي، حيث تتمتع أقوى الميليشيات ذات الجذور الطائفية بكل الامتيازات. فضد هذا النظام الظالم والفاسد، الذي تفرضه واشنطن لصالح إيران، انفجر الاحتجاج العراقي منذ تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.

حماية الميليشيات الموالية لإيران من قبل أوباما
من خلال عزمه على تسوية الإرث الكارثي لسلفه في العراق، ساهم باراك أوباما من حيث لا يدري، في تفاقم دواليب سياسة بلاده الموالية لإيران. وعلى هذا النحو عزّز موقف رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو متعصب شيعي، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران (حيث عاش لفترة طويلة في المنفى)، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية في عام 2011. حراس الثورة، بعد نسج شبكتهم في عراق ما بعد صدام، يحتلون الآن المجال السياسي العسكري الذي انسحبت منه الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يرسخ المالكي ويعمق التمييز ضد المجتمع السنّي، وهو ما سمح لتنظيم القاعدة، على الرغم من هزيمته عسكرياً، بأن يتجدّد في شكل "داعش"، الملقب خطأً باسم "الدولة الإسلامية". أدى تشتت الجيش العراقي وفراره أمام "داعش" في الموصل، عام 2014، كرد فعل، إلى ظهور الميليشيات الشيعية المعروفة باسم "الحشد الشعبي". يشرف الحرس الثوري على أكثر مكوناته فعالية، ويربطه عضوياً بإيران. في كفاحهم ضد الجهاديين، يتمتعون بغطاء جوي من الولايات المتحدة، مما يسمح لهم بتوسيع أراضيهم ونفوذهم، تحت سلطة الجنرال سليماني. وتتيح المعركة ضد "داعش" أخيراً أمام طهران إمكانية التنسيق بين عمل مؤيديها على المسرحين العراقي والسوري؛ حيث لعبت الميليشيات الموالية لإيران القادمة من العراق، دوراً متزايد الأهمية، لا سيما في معركة حلب.

تنكّر ترامب للشعب العراقي
لذلك ورث دونالد ترامب سياسة عراقية "خارج الأرض"؛ حيث تتدخل الولايات المتحدة عن طريق الجو، لتتحكم في عدد من المحاور التي تقلع منها طائراتها، في حين أنّ إيران قد قامت بترسيخ قنوات متعددة، وأدوات ضغط كثيرة في بغداد وبقية البلاد. بدأ التحذير الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017: استفتاء استقلال الأكراد العراقيين، الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، أدى إلى هجوم من قبل الميليشيات الموالية لإيران التي استولت على كركوك ومواردها النفطية الهائلة. أُجبِر الأكرادُ العراقيون أخيراً على التخلّي عن حلمهم الانفصالي، من أجل التفاوض، بشروط حددتها طهران إلى حد كبير، على رفع العقوبات المفروضة عليهم من قبل السلطة المركزية. كان من الممكن أن تكون الانتفاضة الديمقراطية التي أثارت العراق منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 فرصة حقيقية للولايات المتحدة لإعادة الاتصال أخيراً بالواقع الشعبي في ذلك البلد. إنّ ضراوة إدانة قبضة إيران الخانقة هي بالفعل السمة الغالبة لهذه الموجة من الاحتجاجات، بما في ذلك في جنوب البلاد الذي تقطنه أغلبية شيعية (هكذا أصبحت القنصليات الإيرانية في مدينتي كربلاء والنجف المقدستين الشيعيتين، هدفاً لهذا الغضب الوطني).

عزّز أوباما موقف رئيس الوزراء نوري المالكي وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيرا، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية عام 2011

لكن سرعان ما ظهر ترامب عاجزاً عن اعتبار العراق مجالاً آخر غير مجال المناورة ضد إيران. قرارُه، ردّاً على مقتل أمريكي متعاقد من الباطن في كركوك، بتفجير منشآت الميليشيات الموالية لإيران في العراق، قد سارع بالهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، فانتقمت واشنطن من خلال تصفية سليماني، الذي كان بالأمس محمياً من القوات الجوية الأمريكية. يُنظر إلى هذه الغارة غير المسبوقة من قبل النظام الإيراني وملاحِقه العربية كإعلان حرب حقيقي، مع الإغراء بالرد على واشنطن خارج العراق. إنّ مثل هذا التصعيد ما كان يمكن أن يحدث في أسوأ ظروف الاحتجاج الشعبي في العراق ومحاولته تخفيف الخناق الإيراني المفروض على البلاد. أما بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي، فقد شارك في بغداد يوم 4 كانون الثاني (يناير) في تكريم سليماني، على خلفية من شعارات الميليشيات الموالية لإيران، وعلى خلفية الشعارات المعادية لأمريكا. في اليوم التالي، صوت البرلمان العراقي بالإجماع من بين 170 نائباً حاضرين (من أصل 328)، مؤيداً للانسحاب الفوري لخمسة آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في العراق، في إطار القتال ضد "داعش".
الولايات المتحدة لن تلوم إلا نفسها في النهاية، في ظل ثلاث إدارات متعاقبة؛ لأنها قذفت بالشرق الأوسط إلى حافة الهاوية. لكن النساء والرجال في العراق، وربما بقية المنطقة، هم الذين يدفعون الثمن وسيدفعون المزيد من الثمن.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lemonde.fr

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية