"الإسلام العربي" في الأزمنة الحديثة.. الصراع على المفهوم

14606
عدد القراءات

2018-09-26

تعكس الثقافات المأزومة، سيما الثقافة العربية، هوياتٍ متماثلة في تعبيرها عن الإشكاليات المتصلة بعدم قدرتها على إنتاج المعنى، وفق المبادئ التفسيرية التي تصدر عنها أي في الطرائق التي عادة ما يحتكم إليها نقاش "المثقفين" حيال قضايا إشكالية، قد لا تنبع إشكاليتها، بالضرورة، من ممكنات التعبير والتوصيف لجوهرها، بقدر ما تكمن الأزمة في الطبيعة التي تعكسها تلك النقاشات، حين تمارس تأبيداً لصور نسقية من النقاش، تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

والحال؛ أنّ الأيديولوجيا هي التي ستكون، حينئذ، القناع الحديدي الذي يمنع القدرة على إنتاج المعنى في النقاش، وتعميم أفكار معرفية راسخة حيال تلك القضايا.

اقرأ أيضاً: عن جذور الإرهاب في الثقافة العربية المعاصرة

المفارقة هنا؛ أنّه في الغالب ما يكون ترديد الأفكار النمطية المؤدلجة لرأي المفكر، ويتم تعميمها لأسباب حزبية أو شللية، كي تأخذ الفكرة وجاهتها وثبوتها القطعي في تداولات النقاش، بعيداً عن أيّ سياق أو مناخ يفكّك حجيتها المزعومة تلك، عبر تداول حرٍّ للمعرفة وقاعدة منطقية مشتركة للنقاش.

لعلّنا اليوم أصبحنا أكثر وعياً بفداحة الثمن الذي تدفعه المجتمعات العربية المعاصرة عبر دورات العنف التي تنتجها القاعدة وداعش

يتمثل ذلك واضحاً، مثلاً، في سياق الفكر الإسلامي التاريخيّ؛ حيث يتم تعويم الآراء "العقلانية" للمعتزلة في النقاش العمومي للمثقفين، بوصفهم سادة العقل في التاريخ الإسلامي، دون أيّ فحص لدور الفكر الأشعري الذي عبّر عنه فلاسفة كبار؛ كالشاطبي والغزالي وابن رشد وحتى ابن خلدون، ودون إدراك السياق التاريخي الذي فرض فيه المعتزلة آراءهم بقوة السلطان (الخليفة المأمون)، على عامة الناس، الذي كان له ردّ فعل مباشر في انتصار الخليفة العباسي "المتوكل"؛ الذي انتصر بدوره للحنابلة.

وبتحليل هذا النموذج؛ الذي له نظائره في الثقافة العربية، يتضح لنا أنّ طبيعة الثقافة، التي تميل إلى جعل الأقوال الظنية كما لو أنها مبادئ تفسيرية، وتنميطها كسرديات قطعية لا تقبل الجدل؛ هو في الحقيقة انعكاس لمأزق تلك الثقافة ودليل على لاتاريخيتها في مقاربتها للأفكار والآراء؛ حيث إنها لا تنتج عمليات معرفية وتأويلية بمختلف زوايا النظر، كما هو الحال في الثقافات الحيّة، بل تعبّر عن سياق لا واعٍ بتاريخية النقاش في تلك القضايا.

اقرأ أيضاً: بذور العلمانية في الفكر العربي الحديث

ولعلّ من الأمثلة الحيّة في هذا الصدد؛ أنّ اعتراف فلاسفة الغرب بأنّ الثقافة التاريخية العربية تملك فلاسفة حقيقيين، من أمثال: ابن رشد وابن خلدون وغيرهما، مع اعتراف آخر، في الوقت ذاته، بأنّ الثقافة العربية المعاصرة اليوم لا تكاد تتوفر على فيلسوف واحد من طراز أولئك الفلاسفة التاريخيين، ما يلفت النظر؛ أنه مع ذلك الاعتراف، لا يكاد الباحث، في الغالب الأعم، يقع على تأويلات معرفية لباحثين عرب معاصرين، تذكّر بأنّ الحيثيات المعرفية لوعي النص القرآني، التي جعلت من أولئك الفلاسفة، أمثال؛ ابن رشد وابن خلدون، فلاسفةً من داخل سياق الفضاء المعرفي للإسلام، هي حيثيات راهنة ما تزال تملك وجاهة في سياق الفكر العربي الحديث.

في الغالب ما يكون ترديد الأفكار النمطية المؤدلجة لرأي المفكر ويتم تعميمها لأسباب حزبية أو شللية

فمن غير المقبول منطقياً؛ أن نتوهم القطيعة المعرفية مع النصّ القرآني (وهي قطيعة لم تحصل حتى الآن)، ثمّ نظلّ ننظر إلى أولئك الفلاسفة، من أمثال؛ ابن رشد وابن خلدون، كما لو أنّهم فلاسفة أنتجوا وعيهم الفلسفي من فضاء مغاير لا يطرح أسئلته الكلية في سياق تاريخي متصل، حتى اليوم، بتأويل النص القرآني، وفي هذا النظر، بطبيعة الحال، إيحاء يتوهّم أنّ هناك قطيعة عربية قد حدثت مع النصّ القرآنيّ في الأزمنة الحديثة، قياساً على القطيعة التي أحدثتها جهود  فلاسفة النقد التاريخي في أوروبا؛ الذين فكّكوا الكتاب المقدّس، بعهديه القديم والجديد، وأنجزوا قطيعة معرفية واضحة.

هذا فضلاً عن أنّ أيّ تصوّر فلسفيّ معاصر لتأويل فلسفة ابن رشد مثلاً، لا ينجو من حيثيات راهنة بالضرورة، تتصل بجدل القطيعة والصيرورة في النصّ القرآني، مادامت تلك القطيعة المعرفية لم تحدث حتى اليوم، مع ذلك النص، في فضاء الفكر العربي المعاصر.

اقرأ أيضاً: هل ما زلنا في حاجة إلى الفلسفة؟

والحال؛ إذا ما بدا الوضع العربي اليوم خالياً من وجود فلاسفة من عيار ابن رشد أو ابن خلدون (وهو كذلك بالطبع)؛ فإنّه لا يستقيم التصالح مع رؤية تاريخية لأيّ مفكّر عربي، تدَّعي مجاوزة ابن رشد مثلاً، دون أن تكون لمنهجية الأخير المعرفية مع النص القرآني خطّاً واضحاً، أو تأويلاً معاصراً، في فضاء الفكر العربي الحديث.

هكذا، في غياب التفكير الفلسفي بالإسلام وتأطيره في منظومات التعليم الحديث؛ أدّت ترسيمات وممارسات سلطوية عسكرية وأيديولوجية، ليساريين وليبراليين وقوميين، في العالم العربي، توهّمت قطيعة مع الدين، وبشّرت بالاندماج في الحداثة، بخيرها وشرّها، إلى انفجار حركات الإسلام السياسي بكافة أنواعه، في غياب أيّ منهج تنويري للإصلاح الديني، ولعلّنا اليوم أصبحنا أكثر وعياً بفداحة الثمن الذي تدفعه المجتمعات العربية المعاصرة، عبر دورات العنف التي تنتجها القاعدة  وداعش، إلى جانب تطبيقات حركات الإسلام السياسي؛ التي طبقت أفكار "مفكّري" تلك الحركات، من أمثال: الترابي، والمودودي، وسيّد قطب.

اقرأ أيضاً: العنف والنص الديني بين التأويل والسياسة

بطبيعة الحال، اليوم، هناك من يشتغل على وعي اللحظة الفكرية والتاريخية للإسلام في الأزمنة الحديثة؛ عبر اجتراح رؤى معرفية للدين، أنتجت منهجيات جديدة في استقطاب تناقضات العلاقة مع الحداثة، عبر تأويل معرفي (أبو القاسم حاج حمد، محمد شحرور، طه عبد الرحمن، الشيخ عبد الله بن بيه) أنموذجاً، وهي اشتغالات معرفية جسورة وجديرة بالتأمل.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل القطيعة المعرفية مع التراث ممكنة؟

2019-08-15

نشر موقع حفريات، بتاريخ 29 / 5 / 2018، حواراً مع الباحث المصري، المتخصص في الفكر الإسلامي وخطاب الجماعات الإسلامية، والأستاذ المشارك في علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر، الدكتور عبد الباسط هيكل، ذكر فيه الباحث أنّ مؤتمر جامعة الأزهر، الذي عُقد في آذار (مارس) 2018، تحت شعار: "قراءة التراث الإسلامي بين ضوابط الفهم وشطحات الوهم"، وما سبقه في مؤتمر "البناء المعرفي والأمن الفكري"، أعاد إلى الواجهة موقف الأزهر من محاولات قراءة التراث، الذي يظهر في استخدام دالّ (هو) "الأمن الفكري"، و"ضوابط الفهم وشطحات الوهم". وأنّ التوصيات، التي تبنّاها المؤتمر، ومنها تعريف التراث بأنّه "مجموع الذخيرة الحضارية للأمة الإسلامية، وذاكرتها الحافظة لتطور العلوم والمعارف والمناهج والعقول والثقافة والفنون"، أخرجت القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث، فأسقطت بذلك القداسة عن التراث.

اقرأ أيضاً: التراث في فكر حسن حنفي
كما أشار الباحث إلى أنّ الأزهر استدرك على إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث، ومن ثم، على إباحة نقد التراث، بالتفريق بين مسار هدم، ومسار نقد، حصره في عملية التنقية والتدقيق والعناية بتحقيق التراث، ... وأكّد المؤتمر في توصياته رفضه لإخضاع التراث لمناهج بحثية حديثة، رأى أنّها لا تتناسب مع طبيعة نصوص التراث".

تحسب للأزهر دقته في تحديد التراث بأنّه "التراث الإسلامي" وهي دقة يفتقر إليها "المفكرون القوميون" في العالم العربي

تبرز في هذا الحوار قضيتان مهمتان: الأولى هي قضية النصوص التأسيسية، هل هي من التراث أم هي نصوص مقدسة مستقلة عن التراث؟ يتوقف على هذه القضية جواز نقد التراث أو عدم جوازه، وحدود النقد، في حال جوازه، في نظر الأزهر بالطبع. وقد استنتج هيكل أنّ الأزهر صار يبيح نقد التراث، بعد أن أخرج منه القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكنه؛ أي الأزهر، حدد شروط النقد وحدوده ومناهجه، ورفض إخضاع التراث لمناهج بحثية حديثة، رأى أنّها لا تتناسب مع طبيعة نصوص التراث". 
لم يلاحظ الدكتور هيكل أنّ إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث يعني إخراجهما من "الذخيرة الحضارية للأمة الإسلامية، (ومن) ذاكرتها الحافظة لتطور العلوم والمعارف والمناهج والعقول  والثقافة والفنون"، حسب تعريف الأزهر نفسه للتراث. فلا نظن أنّ الأزهر يمكن أن يظل على موقفه إذا فكر في المسألة على هذا النحو، علاوة على أنّ إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من التراث متعذر أشد ما يكون التعذر. إذا أمكن إخراج القرآن الكريم والسنة النبوية من "التراث الإسلامي"، يكف التراث عن  كونه تراثاً إسلامياً، فيرتفع الحرج من نقده. الأزهر وهذه الحال لا يبيح نقد التراث الإسلامي إلا بعد تجريده من إسلاميته، وهذا محال. ومن ثم ينطبق على موقف الأزهر من نقد التراث الإسلامي قول الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء.

اقرأ أيضاً: التراث كعائق تاريخي: نظرة على الإحياء والتحديث الإسلامي
على أي حال، تحسب للأزهر دقته في تحديد التراث بأنه "التراث الإسلامي"، وهي دقة يفتقر إليها "المفكرون القوميون"، في العالم العربي، الذين يخلطون التراث الإسلامي بالتراث العربي، ويضمرون الحديث عن الأول حين يتحدثون عن الثاني، أو العكس، فيتماهى لديهم التراث العربي والتراث الإسلامي، وتتماهى لديهم العروبة والإسلام. 
القضية الثانية هي إمكان أو عدم إمكان القطيعة المعرفية مع التراث: إذا كانت القطيعة غير ممكنة، ينتهي النقاش، وكفى الله المؤمنين شر التفكير. في هذه المسألة يبدو هيكل قاطعاً وجازماً بأنّه "لا يمكن إحداث قطيعة معرفية مع التراث؛ .. فنحن في التراث كما نحن في العالم، لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه"؛ .. فالماضي وإن كان قد انقطعت صيرورته ولم يعد فاعلاً، إلا أنّه مايزال  يتحرّك من خلالنا في وعينا به وتفاعله - إيجاباً أو سلباً - مع سعينا لبناء الحاضر واستشراف المستقبل، فمن الخطأ أن نظنّ أنّ التراث فحسب هو الذي يُؤثّر في الحاضر على نحو أحادي الاتجاه، بل الحاضر أيضاً يُؤثّر في التراث بالقدر نفسه؛ لأنّه ليس كياناً منفصلاً عنّا، بل نحن  مركز ذاك التراث نعيد تشكيله وفق الحاضر منه في عقولنا".

اقرأ أيضاً: مركزية السياسي في قراءة علي مبروك للتراث
تلفت النظر في هذا الاقتباس الطويل عدة أمور، أولها الجزم بعدم إمكانية القطيعة المعرفية مع التراث، وهو جزم يعيِّن الموقع الأيديولوجي الذي اختاره الباحث، وهذا حقه وشأنه، ولا يسعنا إلا احترامه. لكن الجزم مجاف لمنطق الحوار والنقاش ومجاف للتفكير الحر، وينم على امتلاك ناصية الحقيقة، لا سيما أن القطيعة حاصلة بالفعل، منذ زمن غير قصير، لكن الباحث لا يعترف بذلك. لقد حدثت القطيعة بالفعل، منذ دخلت الحداثة إلى ثقافتنا، وإلى عالمنا، مع تشكل أجنِّة المجتمعات المدنية والدول الحديثة، على الرغم مما لهذه المجتمعات والدول وما عليها.

اقرأ أيضاً: مفهوم التراث عند مهدي عامل: المعرفة ضد الخصوصية
لا نجادل في واقع أنّ غالبية النخب العربية تشارك الدكتور هيكل رأيه وموقفه، وأنّ الموروث الديني خاصة عابر للمكان والزمان، ويحظى بالتقدير والتقديس. ولكننا نزعم أن التراث أشمل من التراث الديني، وهذا أشمل من التراث الإسلامي، والتراث الإسلامي هو بالأحرى تراثات؛ لأن الإسلام إسلامات. ونزعم أن  قلة من المسلمين عامة، ومن العرب المسلمين خاصة تعرف شيئاً عن الخوارج مثلاً أو عن المرجئة أو المعتزلة أو عن التصوف العقلي، أو عن الفلاسفة المسلمين وعلماء الكلام ... إلخ. إضافة إلى أنّ التراث المسيطر على عقول أكثرية المسلمين من العرب خاصة هو التراث الإسلامي المملوكي – العثماني.

اقرأ أيضاً: إشكاليات منهجية في قراءة طه عبد الرحمن للتراث
المشكلة أنّ القطيعة التي وصفناها فوق هي قطيعة انقصافية، ونأي عن الثقافة عموماً، لا عن التراث فقط، وجمود معرفي وانحطاط أخلاقي، لا قطيعة معرفية وأخلاقية، تجعل من مسائل التراث مسائل لمعرفة حديثة ومعاصرة، تنبثق منها أسئلة حديثة ومعاصرة، بقدر ما تنطوي مسائل التراث المعنية على بعد إنساني عام، وبقدر ما ينطوي التراث المعني نفسه على بعد إنساني عام.
الأمر الثاني الذي يلفت النظر هو المطابقة بين التراث وبين الماضي، الذي "انقطعت صيرورته"، حسب تعبير الدكتور هيكل، مع أنّ التراث شيء والماضي شيء آخر مختلف كلياً، حتى ليمكن القول إنّ الماضي ليس صفة للتراث. والصيرورة، كالنهر، لا تتوقف ولا تنقطع، وإن اعترضتها سدود وحواجز، الصيرورة كالنهر الذي "لا يمكن أن نسبح فيه مرتين".

اقرأ أيضاً: علي فخرو: التراث الفقهي الإسلامي ليس مقدّساً
الصيرورة ذاتها انقطاعُ كينونةٍ عن كينونةٍ سابقة، والكينونة، في العرف الفلسفي، لحظة من لحظات الصيرورة. الصيروة مصدر الفعل صار، الذي يعني التغير والتحول أو الصَّيْر. كل كائن ناتج وصائر (الكائن الإنساني مثال ساطع على ذلك).
أما الأمر الثالث مما يلفت النظر في حوار الدكتور هيكل فهو قوله: "نحن في التراث كما نحن في العالم، لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه"، هذا يشبه موقف محمد عابد الجابري، الذي شبه التراث بالقميص لا اختيار لنا معه، يمكن أن نجدده ولكننا لا نستغني عنه.

لا يمكن التفكير في الديمقراطية وحرية الفرد وحقوق الإنسان مثلاً دون قطيعة معرفية وأخلاقية مع التراثات المختلفة والمتخالفة

عبارة العالم في نص هيكل تشبه عبارة القميص في نص الجابري، وتعني أنّ القميص شيء مختلف عن الجسد، والتراث شيء مختلف عن العالم. تشبيه علاقة الإنسان بالتراث بعلاقته بالعالم ممكنة فقط حين يكون المقصود أنّ التراث من إنتاجنا نحن، هنا والآن، مثلما العالم من إنتاجنا نحن، هنا والآن، (أم العالم شيء منجز ونهائي، لا نعرف كيف أنجز ولا نعرف من أنجزه؟!). التراث ليس ذاكرة وليس متحفاً أو أرشيفاً. التراث هو ما نستعمله أو نستهلكه بهذه الكيفية أو تلك وعلى هذا الوجه أو ذاك: إما على وجه الاستظهار والتكرار والاجترار، وإما على وجه الفهم والتمثل والنقد، فيكون التراث، من ثم، يكون التراث هو ما ننتجه*. هذا يؤكد مرة أخرى أن التراث شيء والماضي شيء آخر. إن كيفية استهلاكنا للتراث هي التي تحدد كيفية إنتاجنا للثقافة. هذه مسألة لم يتوقف عندها المولعون بالتراث من السلفيين والأصوليين، ومنهم الجابري.

اقرأ أيضاً: مذبحة التراث على يد الإسلامويين
في ضوء ما تقدم، يمكن القول: القطيعة الانقصافية مع التراث حاصلة منذ زمن بعيد، والقطيعة المعرفية والأخلاقية، التي تعني نقد التراث برمّته، واجبة دوماً؛ لأنها عملية مفتوحة دوماً. لا يمكن التفكير في الديمقراطية وحرية الفرد وحقوق الإنسان، على سبيل المثال، أو في الحرية والمساواة والعدالة من دون قطيعة معرفية وأخلاقية مع التراثات المختلفة والمتخالفة، بصفتها الثقافات السائدة في مجتمعات متنثِّرة، لا تتشارك في المعاني والرموز والقيم.


هامش:

*  ثمة علاقة ضرورية بين الاستهلاك والإنتاج، على كل صعيد، بدءاً من استهلاك المواد الغذائية. الاستهلاك يولِّد الحاجة إلى الإنتاج، يولِّد الإنتاج.

للمشاركة:

هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟

2019-08-15

حين نظنّ أنّنا سنكون أكثر أخلاقاً إذا ما قلّصنا نوافذ الحرية والانفتاح، فإننا نقدّم بذلك مفهوماً بائساً للأخلاق؛ أيْ حين نُقيمُ تعارضاً ما بين الأخلاق والحرية، ونزعم أنّ الإنسان لا يستحقّ مكانته المركزية في هذا العالم، لأنه قاصرٌ وحده عن معرفة ما هو أخلاقي!

اقرأ أيضاً: تنوُّع خيارات الإنسان.. ماذا عن سؤال الأخلاق؟
نتخيل لو أنّ العقلية العامة التي تسود اليوم العالم الإسلامي هي التي كانت سائدة أيام الأمويين والعباسيين والأندلسيين، لما وصلنا شيء من آداب وفنون وعمارة وفلسفة الحضارة العربية الإسلامية، فهل كانت هذه الإبداعات لا أخلاقية؟ وإذا كانت إجابة البعض نعم، فماذا يبقى من هذه الحضارة إذاً؟ وماذا يبقى من الإرث الإنساني العميق في تاريخنا وحضارتنا؟

التجربة الاعتزالية في احتفائها بالحرية والعقل لم تقوَ على الوقوف بوجه الرياح الفقهية السَّلَفية التي أحبطت النزعة العقلانية لدى المعتزلة

يرى محمد أركون أنّ مصير علم الأخلاق وآداب التصرُّف والسياسة في العالم الإسلامي بقي مرتبطاً مباشرة بمصير العلاقات الصراعية أو غير الصراعية بين اللاهوت والفلسفة، وأنّ آخر ممثل لهذا الصراع في تاريخنا وأكبر ممثل له هو ابن رشد، الذي كان لحظةً عابرة في هذا التاريخ. وقد كان قبله التيار العقلاني المعتزلي فاصلاً قصيراً وإشعاعاً عابراً في عهد المأمون وجيل مسكويه والتوحيدي الذي تلاه.
نحسب أنَّ من الأفكار العميقة والجريئة التي تناولها علماء الكلام وفلاسفة المعتزلة ما بين القرنين الثاني والثالث للهجرة قولهم (بالرغم من أهمية التنبه إلى منطلقاتها وخلفياتها الميتافيزيقية المرتبطة بعقيدة العدل الإلهي): إنّ الإنسان لديه المقدرة على تشخيص العمل الحسن والعمل القبيح من خلال عقله. وحين كان الأشاعرة يعتقدون أنّ الحسن والقبح "شرعيَّان ونصِّيَّان"؛ أي إنّ الحَسَن ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه النص الديني، اعتقد فلاسفة المعتزلة أنّ الحُسن والقبح "ذاتيَّان وعقليَّان"، وأنّ الإنسان قادر على أن يميز الحسن من القبيح بعقله، وأنّ الأوامر والنواهي التي تصدر عن الشريعة تؤيد ما شخَّصه العقل قبلاً وفي مرتبة سابقة، كما ألمح إلى ذلك، المفكر الإيراني، محمد مجتهد شبستري. وقد شرح ونظّر للفكرة بشكل أوسع وأشمل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانْت من بعد، عندما قعَّد مفهوم القانون الكلي الأخلاقي والمبدأ الأخلاقي الأعلى.

اقرأ أيضاً: "المجتمع المعنوي": دولة الأخلاق هي الحل
وعلى مستوى تعيين القوانين الأخلاقية الكلية، "قالت المعتزلة، مثلاً، إنّ شكر المنعم يُعدُّ قانونا كلياً أخلاقياً، وأداء الأمانة هو قانون كلي أخلاقي، والإنسان يمكنه تشخيص ذلك بعقله، وهكذا. لقد وضع المعتزلة بعض القوانين العقلية، وقد تحرَّك كانْت من موقع تعيين القوانين أيضاً، وكان هناك عنصر مشترك بينهما، وهو أنّ الإنسان هو الذي يعيِّن لنفسه وبعقله وظيفته الأخلاقية، فعقل الإنسان هو الذي يكتشف القانون الكلي الأخلاقي ويستطيع تطبيقه في مجالات عدة، وعندما تتعلق الإرادة بهذا العمل تكون الإرادة حرة".

اقرأ أيضاً: فقه الاستبداد: العلاقة الجدلية بين السياسة والأخلاق في التاريخ الإسلامي
إذاً، كان فكر المعتزلة، والمرجئة، فكراً متقدماً؛ لأنه قدَّم رؤية متقدمة للإنسان، فبينما تُقدِّم المنظومة السلفية الفقهية رؤية تكاد في مجملها "لا تثق بالإنسان"، وتسعى جاهدة لتأكيد نقصه وقصوره وحاجته لمن يبيِّن له الطريق الصحيح ويحذره من الشرور والأخطاء والفتن والآثام، قام الفكر الاعتزالي، في رؤيته الميتافيزيقية، في حقيقة الأمر، على "الاعتراف الصريح بأنّ الإنسان هو الذي (يخلق أفعاله) جميعاً، بخيرها وشرِّها، وهو مؤهَّل لذلك بجبلة الخلق التي أودعها الله فيه، ومن ثم فهو يمتلك الإرادة الحرة والقدرة المؤثرة، وأنه، بحكم التكوين، يمتلك الأدوات اللازمة لذلك كله، وعلى رأسها العقل، الذي هو قادر في ذاته على إدراك الأشياء والحقائق، بما في ذلك معرفة الخير والشر والحق والباطل والحسن والقبيح"، كما يذكر عبد الجواد ياسين.

اقرأ أيضاً: الحقيقة الدينية والأخلاقية في الفضاء العام.. أين هي من الفردانية؟
لكن التجربة الاعتزالية في احتفائها بالحرية والعقل لم تقوَ على الوقوف في وجه الرياح الفقهية السَّلَفية التي أحبطت النزعة العقلانية المتحررة لدى المعتزلة، بحسب ياسين، وبذلك "فقدَ العقل المسلم بنفيها فرصة مبكرة على ممارسة التعقل الحر داخل دائرة الإيمان". ويذهب ياسين إلى أنّ العقل، من حيث هو "منهج"، لا يترادف مع الفلسفة من حيث هي "رؤية" تصدر عن مناهج مختلفة ومتعددة، وأنّ "العقل المنهج" هو العقل الكلي الذي يكاد أن يتطابق مع مفهوم "الفطرة" الإنسانية، التي فطر الله عليها الإنسان بما هو إنسان، ومن ثم فهي مضطردة في النوع الإنساني كله، أو هي الحد الأدنى المشترك بين البشر من "قدرة الإدراك" أو "الحدس المباشر".

اقرأ أيضاً: الدين والأخلاق في الواقع المعاصر.. أزمة تطبيق أم فهم؟
وفي سياق المقابلة والتقويم مع أفكار شاعت في الفكر الغربي، يذهب بعض الباحثين إلى اعتبار أنّ "مصطلح الفطرة مفهوم تدشيني، بمعنى أنه يمثل ركيزة إبستمولوجية في المنظومة الخُلُقية في القرآن الكريم ﴿فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ (الروم: 30 و31)، إذْ إنّه يؤكِّد أولاً أنّ أصل الإنسان خيِّر بطبيعته الأولى، وهذا بدوره يُخرج ضمناً كل الرؤى والمناهج الخُلُقية التي ترتكز في بلورة نظريتها على أصل الشر في الإنسان، كما نرى عند جون لوك وعموم الرؤية الخُلُقية الغربية".

لم تُعمَّر نزعة الأنسنة التي طورتها الحضارة العربية الإسلامية إذ سرعان ما اختفت لانتشار فكر عصور الانحطاط في هذه الحضارة

على هَدْي هذه الركيزة الإبستمولوجية وسواها في المنظومة الأخلاقية الإسلامية، طوَّرت الحضارة العربية الإسلامية في عصرها الكلاسيكي نزعة "الأنسنة" منذ منتصف القرن الثاني الهجري، وصولاً إلى منتصف القرن الخامس الهجري. هذا الزمن كان زمن البُوَيْهيِّين الذي انتشر فيه الرخاء الاقتصادي، والنشاط الفكري الفلسفي، وعمَّتْ فيه الحيوية الثقافية التي انشغلت بالإنسان؛ أدباً، وفكراً، ونقداً، وثقافة أصولية، وفلسفة، ومحاورات ومناظرات كانت تتوجه إلى الإنسان من حيث هو قيمة عليا ومركزية. غير أنَّ نزعة "الأنسنة" هذه لم تُعمَّر طويلاً؛ إذ سرعان ما اختفت على إثر انتشار فكر عصور الانحطاط في الحضارة الإسلامية، وما زالت تلك النزعة، بما تعنيه من رؤية بذرية للحداثة والعقلانية الإسلامية، ضعيفة في الفكر الإسلامي المعاصر، الأمر الذي يدفع محمد أركون، أحد أهم من بحث في هذه المسألة ونادى بضرورة إحياء تلك النزعة الأخلاقية العقلانية العربية والبناء عليها، إلى القول باستغراب، بسبب هجر تلك النزعة والنكوص عنها: "نكاد نشعر أحياناً بأنَّ تاريخ المجتمعات العربية والإسلامية هو تاريخ معكوس: بمعنى أنه يمشي عكس التيار؛ أيْ تيار الحضارة والرقي".

للمشاركة:

هل تملك الدولة الحق في تطبيق الأحكام الدينية؟

2019-08-14

هل يعني وجود حكم ديني في التحريم أو الوجوب أنّ على السلطة السياسية والاجتماعية تطبيق هذا الحكم على الناس؟ على سبيل المثال؛ أن تكون الصلاة فرضاً هل يوجب ذلك على السلطة أن تجبر الناس على أداء الصلاة أو الصيام مثلاً؟ أو أن تحاسب من لا يفعل ذلك؟ وأن يكون الخمر أو لحم الخنزير حراماً؛ هل يوجب على السلطة أن تمنع الناس من تناوله، وأن تحاسب من يفعل ذلك؟ وإذا كان زواج المسيحي، أو غير المسلم، من المسلمة حراماً؛ فمن المكلَّف بتطبيق الحكم؟ الفرد أم الدولة؟ بمعنى: هل يجب على الدولة أن تمنع هذا الزواج؟ وهل يحقّ لها ذلك؟ أم أنّه خطاب موجَّه للأفراد؟ وكذا الميراث؛ إذا كان يحرّم على غير المسلم أن يرث المسلم فهل يجب، أو يحقّ، للدولة أن تمنع، أو تفرض، تطبيق الحكم أم هو متروك للأفراد؟
هنا، وفي كلّ الأحكام والتطبيقات ثلاثة أسئلة:
أولاً:
ما حكم الدين في المسألة؟
ثانياً: هل هو حكم قطعي أم ثمة أحكام وتأويلات عدة للنصّ؟

اقرأ أيضاً: كيف يكون الإسلام السياسي مشروعاً مضاداً للاجتماع الإنساني؟
ثالثاً:
مَن المكلَّف بتطبيق الحكم؛ الفرد أم المجتمع أم الدولة؟ وهل يجب على الدولة، أو يحقّ لها، أن تتدخّل لتطبيق تكليف ديني؟ ومتى يكون ذلك؟
أن يكون ثمة حكم فقهي ما في مسألة لا يعني ذلك بالضرورة أنّه حكم الدين القطعي الوحيد، أو القراءة الوحيدة للنص الديني، وأن يكون ثمة حكم ديني ما في مسألة لا يعني أنّ الدولة يجب أن تتدخل لتطبيق الحكم، أو يحقّ لها أن تتدخل لتطبيقه.

هل يعني وجود حكم ديني في التحريم أو الوجوب أنّ على السلطة السياسية والاجتماعية تطبيق هذا الحكم على الناس؟

وفي جميع الأحوال؛ فإنه يسع الدول والناس أن يكون للدولة قوانينها التي تضعها سلطة تشريعية منتخبة ويكون للأفراد خياراتهم؛ ففي مبدأ المواطنة لا يجوز للدولة أن تفرق بين المواطنين على أساس الدين ولكن إذا فعل الناس، أو امتنعوا عن فعل شيء وفق موقفهم الديني على ألا ينتهكوا القوانين، الدولة تلتزم بحقوق الأفراد والمجتمعات والحقوق العامة، وتتدخل لأجل حمايتها، مثل: قضايا الزنا (التطبيق العملي للزنا هو الشكوى وفي ذلك لا يكون للدولة دور إلا في الخيانة الزوجية حين يشتكي أحد الزوجين، أو أن يكون الأمر علنياً وواضحاً، بمعنى يشبه الاجتراء على الفضاء العام)، والسرقة، والقتل، والإيذاء، والربا، وكما تنظم القوانين الشكاوى، والاحتكام، وكما تعرف المسائل والأحكام والتطبيقات؛ فالقوانين تحرم الزنا، على سبيل المثال، ولكنّ تعريف الزنا وحدود وشروط التدخل والعقوبة مسائل فيها تفصيلات كثيرة ودقيقة. والقوانين تحرّم الربا، ولكن تعريف الربا أيضاً مسألة تجتهد السلطة التشريعية في تحديدها وتمييزها.

اقرأ أيضاً: كيف عكس حزب التحرير أزمة الإسلام السياسي؟

وفي جميع الأحوال؛ فإنّ تطبيق القوانين منوط بالسلطة، والسلطة إما أن تكون منتخبة أو متغلبة، وبطبيعة الحال؛ فإنّها تطبق الأحكام كما تحددها وتنظمها السلطات المعنية، وبما هي بشرية، وكما تفهمها وتقرّها، والحكم على السلطة بالخطأ والصواب هو أيضاً عملية بشرية، كما يفهم صاحب الرأي حكم الدين أو معنى النصّ وحدود تطبيقه وتأويله؛ لذلك لا يمكن في الحقيقة وصف سلطة أو دولة بأنها تطبق أو لا تطبق الدين، حتى لو ادّعت ذلك، أو تحرّت تطبيق حكم الله؛ ففي النهاية ستطبقه بما هي سلطة بشرية، وكما تفهم الحكم والنصوص، وليس بالضرورة أن يكون الفهم والتطبيق هو حكم الله، أو المعنى الصحيح أو الوحيد للنصّ.

أن يكون ثمة حكم فقهي ما في مسألة لا يعني ذلك أنّه حكم الدين القطعي الوحيد أو القراءة الوحيدة للنص الديني

ليس هناك في الإسلام ما يمنع بشكل قطعي زواج المسيحي والكتابي بعامة من المسلمة والمتبع في ذلك فتاوى الفقهاء وليس النصّ الديني، القرآن الكريم ينهى عن الزواج بين المسلمين عامة، رجالاً ونساء، وبين المشركين، وهناك تمييز واضح في القرآن الكريم بين المشركين وأهل الكتاب، واعتماد الفقهاء على آية النهي عن زواج المسلم أو المسلمة من مشرك أو مشركة ليشمل النهي أهل الكتاب يعتبره البعض اعتسافا في فهم النصّ، أو لعله ينتمي إلى مرحلة تاريخية معينة؛ عندما كان الدين أساساً في المواطنة، وعندما كان يوجد عداء وقتال مع الروم المسيحيين، وفهم النهي على محمل التحريم ليس قطعياً؛ فالنهي لا يعني التحريم بالضرورة كما يرى بعض المجتهدين، وكذا الأمر في اللغة أيضاً؛ لا يعني الوجوب، ولكنّه يعني النصيحة أكثر مما هو الوجوب.

اقرأ أيضاً: أفكارنا الدينية.. من أين تأتي؟ وما حدود الخطأ والصواب؟
هكذا؛ فإنّ تطبيق الشريعة الإسلامية هو في الحقيقة عمليات إنسانية محكومة بأدوات التشريع والحكم ومؤسساته، كما الفهم والمعنى والتأويل وطبيعة النصوص ودلالاتها، وفي المحصلة؛ فإنّ الفكرة الأساسية هي المشروعية العليا للدين، بمعنى الانسجام وعدم التناقض، وهي مسألة لا تستحق قيام جماعات ونشوء صراعات وخلافات كبيرة، فعلى مدى التاريخ الإسلامي تجري الأحكام ويخطئ الحكام والقضاة ويصيبون، وما يمكن عمله هو الجدل والإصلاح والتأثير، لا الحروب الدينية الشاملة والكاسحة.

للمشاركة:



الجزائريون يخرجون في الجمعة الـ 26 لحراكهم... هذه مطالبهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17

خرج آلاف المتظاهرين الجزائريين، أمس، إلى شوارع العاصمة الجزائرية، والعديد من المدن الأخرى، في الأسبوع الـ 26 من الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، منذ 22 شباط (فبراير) الماضي.

ومنعت الشرطة الجزائرية تقدّم المتظاهرين الذين خرجوا في مسيرة جديدة بوسط العاصمة الجزائرية، للجمعة الـ26، للمطالبة بتغيير كلّي للنظام ورحيل جميع رموزه.

وتجمّع المئات من المتظاهرين بشارعي ديدوش مراد وعبد الكريم الخطابي، وحاولوا التقدم باتجاه ساحتي موريس أودان والبريد المركزي (معقل الحراك الشعبي)، لكنّ قوات الشرطة وقفت حاجزاً أمامهم، بحسب ما ذكرت الوكالة الألمانية في تقرير من العاصمة الجزائرية.

المتظاهرون ردّدوا شعارات رافضة لرموز الظام والهيئة الوطنية للوساطة والحوار ومنسقها كريم يونس

وشكّل حاجز للشرطة، قبل بدء صلاة الجمعة، علماً بأنّ الحشود غالباً ما تتضاعف بعد انتهاء الصلاة من مساجد العاصمة، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

ورغم تمسّك الحراك الشعبي بمطالبه، تواصل هيئة الوساطة والحوار الوطني مساعيها لإقناع أكبر عدد ممكن من الشخصيات والهيئات بضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار؛ لإخراج البلاد من الأزمة التي تعصف بها منذ 22 شباط (فبراير)الماضي.

وردّد المتظاهرون في العاصمة شعارات معارضة لـ "الهيئة الوطنية للوساطة والحوار"، ومنسقها كريم يونس.

وترفض شريحة واسعة من المحتجين تنظيم انتخابات رئاسية، طالما ما يزال كبار المسؤولين من عهد رئاسة بوتفليقة (1999-2019) (الرئيس المؤقَّ عبد القادر بن صالح، والفريق أحمد قايد صالح) في الحكم.

 

للمشاركة:

وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي تنسحب... التحالف ينجح في إنهاء الاقتتال

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17
أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن، صباح اليوم؛ أنّ وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الحزام الأمني، بدأت بالانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، وذلك استجابة لدعوات التحالف.
وانسحبت قوات المجلس الانتقالي من مستشفى عدن والبنك المركزي ومقر الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وتسلمت المواقع ألوية حماية الرئاسة، وفق ما نقلت "العربية".

تحالف دعم الشرعية يعلن أنّ وحدات المجلس الانتقالي الجنوبي بدأت بالانسحاب والعودة إلى مواقعها السابقة بعدن

وجاء إعلان التحالف، اليوم، "إلحاقاً للبيان الصادر من قيادة القوات المشتركة للتحالف، وما تضمنه من رفض التطورات في عدن، ودعوة كافة الأطراف والمكونات لتحكيم العقل وتغليب المصلحة الوطنية، والعمل مع الحكومة اليمنية الشرعية لتخطي المرحلة الحرجة".

وكان التحالف قد طالب بوقف فوري لإطلاق النار في العاصمة اليمنية المؤقتة، كما دعا كافة المكونات والتشكيلات العسكرية من الانتقالي وقوات الحزام الأمني إلى العودة الفورية لمواقعها، والانسحاب من المواقع التي استولت عليها خلال الفترة، وعدم المساس بالممتلكات العامة والخاصة".

وثمّنت قيادة القوات المشتركة للتحالف "استجابة الحكومة اليمنية الشرعية للدعوة لضبط النفس أثناء الأزمة، وتغليبها لمصالح الشعب اليمني، ومحافظتها على مكاسب تحالف دعم الشرعية في اليمن، من أجل إعادة الدولة ومؤسساتها".

كما ثمنت "استجابة الانتقالي في عدن لدعوة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لوقف إطلاق النار، وتغليب الحكمة ومصالح الشعب اليمني، وعدم الإضرار بها، أو المساس بالممتلكات العامة والخاصة، والبدء اليوم بسحب قواتها وعناصرها القتالية والعودة إلى مواقعها السابقة، قبل الأحداث الأخيرة، وتسليم مقرات الحكومة اليمنية بإشراف من التحالف".

وفي هذا السياق، دعت قيادة القوات المشتركة إلى "استمرار التهدئة وضبط النفس ووقف الخطاب الإعلامي المتشنج، وتعزيز لغة الحوار والتصالح وتوحيد الجهود في هذه المرحلة، والوقوف سوياً لإنهاء الانقلاب الحوثي ومشروع النظام الإيراني الهدام باليمن، وعدم إعطاء الفرصة للمتربصين بالدولة اليمنية وشعب اليمن من التنظيمات الإرهابية، كالميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران، وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وداعش".

 

للمشاركة:

الولايات المتحدة تلاحق ناقلة النفط الإيرانية "غريس ١".. بهذه التهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-17

أصدرت الولايات المتحدة مذكرة ضبط بشأن ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1"، بعد يوم واحد من السماح لها بمغادرة منطقة جبل طارق.

وتريد وزارة العدل الأمريكية مصادرة الناقلة، وكلّ النفط الذي تحمله، ونحو مليون دولار؛ بناءً على اتهامات بخرق عقوبات والاحتيال المصرفي وغسيل الأموال و"الإرهاب"، وفق ما نقلت الـ "بي بي سي".

وقالت وزارة العدل: "تجب مصادرة الناقلة، لمحاولة الوصول إلى النظام المالي الأمريكي بصورة غير مشروعة ودعم شحنات محظورة إلى سوريا".

العدل الأمريكية تريد مصادرة الناقلة بناء على اتهامات بخرق عقوبات والاحتيال وغسيل الأموال والإرهاب

وتمّ التحفظ على الناقلة "غريس 1" الشهر الماضي؛ للاشتباه في خرقها عقوبات الاتحاد الأوروبي على نقل النفط إلى سوريا.

وقضت المحكمة العليا في جبل طارق، أول من أمس، بأنه يمكن للناقلة أن تبحر إذا قدمت ضمانات بأنّها لن تسلّم حمولتها إلى سوريا.

وتنفي إيران أنّها قدمت أيّة تعهدات لضمان الإفراج عن الناقلة، مؤكدة أنّ وجهتها لم تكن سوريا.

وفي وقت سابق، قال مسؤولون إيرانيون: إنّ الناقلة تستعد للإبحار بعد إصدار جبل طارق الحكم بالإفراج عنها، بعد ستة أسابيع من احتجازها.

وقال جلال إسلامي، نائب رئيس هيئة الموانئ والملاحة الإيرانية، للتلفزيون الرسمي الإيراني، الجمعة: إنّ "غريس 1" ستحصل على اسم جديد وستحمل العلم الإيراني في رحلة عودتها.

وقال مصدر لوكالة "فرانس برس": إنّ "الناقلة تنتظر وصول طاقم جديد قبل أن تغادر جبل طارق".

 

للمشاركة:



القصيبي..النجم الذي هاجمته المنابر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

تركي الدخيل

اليوم، منتصف شهر أغسطس، تحل الذكرى التاسعة لوفاة غازي القصيبي، رحمه الله. وأقول اسمه بلا مناصب علمية ولا إدارية، لأنه كان عَلماً يُدل به على الألقاب، والمسميات.
لم يغادر غازي القصيبي، عالمنا في 15 أغسطس 2010، حتى كتب كل ما يريدُهُ عن نفسِهِ وعن شعره، عن حياته الاجتماعية، وعن طفولته، ومراهقته، وصبوات الشباب، ونضجِ الكهول، وانكسارهم، وحكمة الشيوخ، وغربتهم.
وفي مؤلّفاته التي تربو على ستين كتاباً، خلفها بعد سبعين عاماً، وتوزعت بين ديوانٍ، ودراسةٍ، وحوارٍ، ورواية.
أرّخَ الراحل لسنوات الدراسة الأولى، ومنافسات زملائه في الثانوية، وكتبَ عن الجامعة وشجونها، طالباً مبتعثاً، ومدرّساً، وعميداً.
وكشف لنا عن سيرته الإدارية، وحياته الوزارية، ومهامه الدبلوماسية. وفي بانوراما من العجائب، أَخَذَنا معه على بساطِ علاء الدين، في رحلةٍ ممتعة، ورومانسية ساخرةٍ، وحزينةٍ، ليُشركَنا في حديثٍ صريحٍ عن بريق المناصب، وذُرى المجد، وسحرِ الأضواء، ورفقةِ الملوك والأمراء، وخفايا الرؤساء وأمزجتهم، ودهاليز السياسة، وأسرار الأبواب المغلقة.
ومن كوَّتِه السحرية، حلّق بنا معه في عوالمِ الجميلات، والأميراتِ، وبناتِ ملوك الجان، وأطلَّ كلمحةِ العابر على مجالس الفقهاء، وفِكرِ العلماء وخَتَمَ حياته المثيرة بمقاربةٍ مثيرة، لكشف أسباب تحوّل الإنسان العادي إلى متطرّف، يجعلُ العنفَ وسيلتَه والتطرف فلسفته.
كشف لنا غازي في ما ألفه، عن تحولاتِهِ الفكرية العميقة، وعذاباته النفسية، وآلامهِ الصادقة، وآمالِهِ الكبيرة، وأحلامِهِ الساحرة، وآرائِهِ الجريئة، والجارحةِ أيضاً، في حاضرِ العرب، وعواملِ هزائمهم، وأسباب تخلّفهم.
وفي روايته «العصفورية»، كان يناقش بعمقٍ، أسباب التأخّر العربي في شتى المجالات، منطلقاً من آلية كتابة مختلفة وحَذِرةٍ، لكنها جريئةٌ في الوقت ذاته. وأودعَ رواياتِهِ، كل ما لم يُمكنه أن يكشفَ في غيرها من صنوف الكتابة. كما أودعَها نقدَه اللاذعَ للمثقفين والسياسيين والشعراء، وأعمل سياطَه في العادات الاجتماعية، التي فتكت بمجتمعه وأمّته، وباح بما يصعبُ عليه الكتابة عنه جهاراً، مُتخذاً من شخوص رواياته متنفساً، ومن مواقف أبطاله، وعباراتهم وجنونهم، وصراحتهم، وغرائبيتهم، ومواقفهم الساخرة والمضحكة، وسيلة لإيصال ما يريده... وإن كان قد أفلت مراراً، من الأسئلة التي حاولتْ أن تنتزعَ منه إقراراً بأن أحداثَ بعض رواياته ليست إلا سيرة ذاتية عنه، وأن بعضَ قصائدِه، التي يتناقلها أصدقاؤه، منذ سنوات الجامعة، كانت تعكس واقعاً لا خيالاً.
خلال أربعة عقود، اصطحَبَنا القصيبي معه في رحلةٍ عن تحدّيات التنمية، وقصص النجاح ونشوته، وأعداء الإنجاز، وأصحاب المصالح، وعذاباته من رؤية المعاقين، والبؤساء والمعدمين والمرضى، وبكائه من معاناة العاطلين. لقد قال غازي رحمه الله، صراحة، في برنامج (إضاءات)، أنه عانى في تولّيه وزارة العمل، أقسى ما يمكن أن يُواجهه من معارضة وعداء. يقول: (أنا أعرفُ باعتباري تلميذاً من تلاميذ علم السياسة أن الناسَ، كل الناس، يدافعون عن مصالحهم بضراوةٍ وشراسة، لا أخصُّ رجالَ الأعمال، أو فئة بعينها، ولكني أتحدّثُ عن كل من تضرَّرَت مصالحُه، بمن فيهم المواطن العادي، الذي كان يعتاشُ من بيع أربع، أو خمس تأشيرات في السنة. كل أصحاب المصالح التي تضرَّرَت شنّوا على الوزارة وعلى شخصي الضعيف، وعلى زملائي، حرباً شعواءَ أبعد ما تكون عن الخفاء. وبمواجهة ذلك كلّه لا أقول إلا :«قل لن يصيبَنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون». على المسؤول الذي يخشى تبعةَ قراراتِه أن يختفيَ في أقربِ كهفٍ!). ولا غرو فالقصيبي يعتقد أن «الذي لا يريدُ أعداءً، أفضل له أن يجلسَ في بيته، أو يبقى في وزارته يبصمُ على الأوراق. فالذي يريد الإصلاح لا بدَّ له من أن يُعِدَّ نفسَه لعداء كبير وهجوم، ويَحسُنُ به حتى لا يفقد عقله، ولا اتزانه ألا يرى أن الأمر شخصيٌّ».
حلّق بنا غازي، في عالم الحب وأعاجيبه، وأشركَنا معه في التعبير عن لحظات الفقد، ورحيل الأحباب، ومناغاة الأطفال وعالمِهم السحري، واستبدادهم وقسوتهم.
تسع سنوات مضت على رحيل، رجل وطن، ذهب إلى لقاء ربه، والجميع يدعو له بالخير، وهو ملء السمع والبصر، لكن ما لا يعرفه البعض ويتجاهله آخرون، أن غازي القصيبي، عانى بأقسى ما تكون المعاناة، من الإقصاء المجتمعي، والتصنيف الممنهج، والدعاء عليه فوق منابر المساجد، كل ذلك في فترة كان المجتمع فيها يغلي فوق قدر «الصحوة»، فرحمه الله على كل ضرر أصابه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

تركيا قد تبدأ عملية ترحيل جماعي للسوريين بحجة المنطقة الآمنة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-15

دايفيد ليبسكا

لو صحت تفسيرات المراقبين بخصوص اتفاق أمريكي-تركي لإنشاء منطقة آمنة في سوريا، فستؤدي على الأرجح إلى تأجيج مخاوف اللاجئين السوريين في الجار الشمالي خلال الأيام المقبلة من احتمال ترحيلهم.

وبدأ التوتر يصيب العلاقة بين اللاجئين السوريين ومضيفيهم الأتراك بفعل حادث وقع في إسطنبول في أواخر يونيو الماضي، حين هاجم بعض من أبناء المدينة لاجئين سوريين وحطموا محال مملوكة لسوريين ردا على شائعة لا أصل لها بأن لاجئا سوريا تعدى على فتاة تركية.

وبدا أن أكرم إمام أوغلو رئيس البلدية الجديد للمدينة قد وقف في صف المعتدين خلال تعليقاته التي أعقبت الحادث بأيام قليلة، وهو أمر دفع مكتب محافظ إسطنبول لتحديد يوم العشرين من أغسطس الجاري كموعد نهائي لعودة اللاجئين السوريين كل إلى المحافظة التركية التي سجل فيها لدى وصوله وإلا فستتم إعادتهم قسرا إلى تلك الأماكن.

وذكرت شبكة (سي.إن.إن) الإخبارية يوم الأربعاء أن "الإعلان قد بعث برسالة مخيفة للسوريين."

وأعقب الإعلان اعتقال نحو 12 ألف شخص فيما تفشى الخوف بين اللاجئين في إسطنبول بينما يقول ناشطون أن ما يصل إلى ستة آلاف شخص قد تم ترحيلهم.

وينفي المسؤولون الأتراك حدوث أي عمليات ترحيل.

ويوم الأربعاء، أكد إمام أوغلو التزامه بإنشاء مكتب للاجئين من أجل تحسين طريقة التعامل مع الأزمة. غير أن هذا ربما لا يكون أمرا ضروريا.

وتصادف يوم الأربعاء أيضا أن اتفقت الولايات المتحدة وتركيا على إنشاء مركز عمليات مشتركة للتنسيق فيما يتعلق بإنشاء منطقة آمنة على الجانب السوري من الحدود.

ولطالم سعت تركيا لإخلاء المنطقة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، وهي قوات تشكل العمود الفقري للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك من خلال مفاوضات للقيام بعملية إخلاء سلمي أو من خلال طرد المجموعة من المنطقة.

ووفقا للبيان الأميركي التركي المشترك، فإن الطرفين اتفقا على إجراءات تُطبق سريعا للتعامل مع المخاوف الأمنية التي عبر عنها الأتراك.

وترى تركيا في وحدات حماية الشعب الكردية مجموعة إرهابية بسبب صلاتها بحزب العمال الكردستاني المحظور، وهي جماعة مسلحة تقاتل من أجل الحصول على حكم ذاتي للأكراد في جنوب شرقي تركيا منذ ما يزيد على ثلاثة عقود.

وقال البيان أيضا إن المنطقة الآمنة ستكون بمثابة ممر آمن لضمان عودة الاجئين السوريين بسلام إلى وطنهم.

وقال ميتين جورجان، خبير الشؤون الأمنية التركي في تغريدة عن اتفاق المنطقة الآمنة "يبدو أن الولايات المتحدة قد قبلت الاقتراح التركي بنقل اللاجئين السوريين (وأغلبيتهم من السنة) إلى شمال شرق سوريا ليتسنى لتركيا إغلاق الحدود على عناصر وحدات حماية الشعب الكردية."

وأضاف "خلال الأيام المقبلة، ربما نشهد نقل آلاف اللاجئين من تركيا إلى شمال شرق سوريا تحت رقابة من الولايات المتحدة وتركيا."

وبالتأكيد، لو كان أكبر هواجس تركيا هي وحدات حماية الشعب الكردية واتفقت الولايات المتحدة وتركيا على التعامل بهدوء مع مصدر القلق هذا، فإنهما قد يبدآن قريبا العمل سويا لإعادة اللاجئين إلى سوريا من أجل إجبار عناصر وحدات حماية الشعب الكردية على الخروج من المنطقة الحدودية.

وقد تتولى أنقرة خلال الأسابيع المقبلة الإشراف على عملية ترحيل قسري جماعي تحت رقابة أميركية، وهو أمر يعني تغيير الطبيعة السكانية لمساحات كبيرة من سوريا، وينتظر أن يحدث تحولا في المدن والبلدات الكردية الكبرى حين تحل عليها غالبية من السنة المعادين قسرا من تركيا.

ولا شك أن غالبية اللاجئين السوريين في تركيا يحلمون بالعودة للوطن يوما ما. لكن المرء يتعجب كيف ليمكن أن ينتهي المطاف بكثيرين من الحالمين بهم المطاف إلى مواجهة تعامل عنيف والاحتجاز في منطقة آمنة تحت رقابة الجنود الأتراك، حيث يرجح أن يعيش كثيرون في معسكرات دون أن يكون لديهم حق في العمل أو العيش بطريقة طبيعية.

لكن ورغم كل ما يحيط بالأمر من مشاكل، فإن هذه السياسة سترضي غالبية المواطنين الأتراك.

وتشير استطلاعات رأي متتالية إلى مشاعر متنامية تجاه 3.6 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا حيث تجتاح عبارات معادية للسوريين موقع تويتر، تحركها على الأرجح المشاكل الجمة التي تحيط بالاقتصاد التركي.

وقبل أيام، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي طالما تحمس للاجئين ودافع عنهم، إن الإنفاق الحكومي على اللاجئين السوريين اقترب من 40 مليار دولار.

وقال الرئيس التركي متحدثا لمحطة (سي.إن.إن) "الأتراك يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة ونسب البطالة العالية، وأصبح السوريون كبش فداء سهل لمشاكلهم الاقتصادية."

ومن شأن المنطقة الآمنة أن تتيح للاجئين السوريين في تركيا مكانا بعيدا عن سيطرة الحكومة، مثلما أوردت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وقالت الصحيفة يوم الأربعاء "يواجه أردوغان ضغوطا متنامية في الداخل، في ظل تراجع اقتصادي وعلو صوت الأحزاب السياسية المعارضة، إذ عليه أن يظهر أن بعض اللاجئين السوريين في تركيا البالغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون شخص سيعودون لبلادهم."

وتقول المنظمة الدولية للاجئين إن عددا يصل إلى 900 ألف سوري يعيشون في إسطنبول.

ويملك معظم هؤلاء تصاريح تتيح لهم البقاء في المدينة، لكن تصاريحهم تلك قد لا تنقذهم الآن من الترحيل.

والآن يلزم آلاف اللاجئين السوريين في المدينة منازلهم بعيدا عن قبضة الشرطة، أو يعمدون إلى تغيير مسار تحركاتهم.

وقال معماري سوري يبلغ من العمر 26 عاما ويعيش في إسطنبول متحدثا لمحطة إذاعية إنه توقف عن استخدام وسائل المواصلات العامة في رحلة ذهابه إلى العمل، ويسير بدلا من ذلك لمدة 90 دقيقة عبر شوارع خلفية أكثر أمنا.

وقال رئيسه طلب منه عدم الحضور إلى العمل.

لكنه يقول إن الخوف يتملكه رغم ذلك في كل مرة يخرج فيها من باب شقته.

وقال "إنه أمر مروع. لا يزال هذا في مخيلتي."

وقال معاذ يوسف وهو سوري يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات إنه تلقي مئات من الاتصالات من لاجئين يشعرون بالذعر ويفكرون في تغيير سكنهم ويبحثون عن تأمين صحي ويتساءلون إن كانوا سيتمكنون من البقاء وكسب قوت يومهم بشكل طبيعي.

وأضاف يوسف متحدثا لقناة (بي.آر.آي) "تصلني كل يوم أكثر من 100 قصة. أحاول التواصل مع الحكومة التركية والبحث عن حل."

ولدى الحكومة التركية حل على ما يبدو لهذه القضية، لكنه حل لن ينجح على الأرجح في الحد من مخاوف اللاجئين السوريين.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

وجهان لعملة واحدة.. ما أوجه الشبه والاختلاف بين ترامب وجونسون؟

2019-08-15

ترجمة: علي نوار


يسعى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، لتعزيز علاقة التحالف التاريخي بين دولتيهما، رغم أنّ لكلّ منهما دوافعه الخاصة والتي يصعب التوفيق بينها.

ترامب وجونسون سياسيان وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية

وفي كل مرة يحدث فيها تغيير داخل البيت الأبيض أو 10 داونينج ستريت، تسود حالة من الترقّب تجاه مدى التناغم على المستوى الشخصي أو حتى انعدامه بين الشخصين المكلّفين بالحفاظ على ما كان يُنظر إليه باعتباره أمتن تحالف في العالم الغربي منذ الحرب العالمية الثانية، وهو "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وبالعودة إلى الوراء في كتاب التاريخ، يتبيّن أنّ الأمر سار على ما يرام حين كانت هناك أيديولوجيا تربط بين زعيمي البلدين- مثل الفكر الليبرالي في حالة رئيس الولايات المتحدة السابق رونالد ريجان ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر- أو البحث عن مسار ثالث في حالة الشابين الأمريكي بيل كلينتون والبريطاني توني بلير- أو قضية مشتركة قوية مثل إلحاق الهزيمة بالنازية التي جمعت بين فرانكلين روزفلت ووينستون تشرشل، رغم أنّهما سليلا عائلتين سياسيتين متناحرتين.

اقرأ أيضاً: جونسون والحلف الشعبوي المحافظ

وخلال زيارتها للبيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2017، كشفت الصور القليلة التي التُقطت بكل وضوح، غياب التفاهم بين ترامب ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي، رغم أنّ الزيارة عنت بالطبع أنّ العلاقات لم تُمسّ. إلّا أنّ استقالة ماي بعد هذه الزيارة بعامين ونصف العام تقريباً ووصول بوريس جونسون إلى داونينج ستريت أسهم في زيادة التوقّعات بتعضيد العلاقات الثنائية الخاصة بدرجة أعمق.

رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي

لا يمكن بتاتاً التغافل عن التوافق بين ترامب وجونسون. فهما سياسيان غير تقليديين، وافدان من أوساط تتمتّع بالامتيازات، كما وصل كلاهما إلى السلطة بعد ركوبهما موجة الشعبوية. ربما يكون صحيحاً أنّ جونسون صرّح حين كان لا يزال عمدة العاصمة لندن بأنّ السبب الوحيد الذي يحول دون زيارة مناطق معينة من نيويورك هو "الخطر الحقيقي" المتمثّل في لقاء دونالد ترامب. لكن المديح الذي كاله الرجل فيما بعد لرجل الأعمال النيويوركي يبدو أنّه نجح في رأب الصدع الذي شاب العلاقة بينهما. ويهدف الطرفان اليوم لتعزيز العلاقات الثنائية القوية. بيد أنّ المشكلة تكمن في اختلاف دوافع كلّ منهما والتي يتعذّر تحقيق التوافق بينها.

اقرأ أيضاً: جونسون على خطى ترامب

ويتطلّع جونسون لاتفاق تجاري كبير يعلّق عليه آمالاً عريضة في تخفيف العواقب الوخيمة المتوقّعة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). في المقابل، يبحث ترامب عن حليف له في الجبهات العديدة التي فتحها على الساحة السياسية العالمية. ومن الواضح أنّ أياً من الرجلين سيعثران بسهولة على ضالتهما في الشريك الآخر القابع على الجانب المقابل من المحيط الأطلسي.

نجح الزعيمان بتحويل الطابع المحافظ الذي اتّسم به حزباهما لنوع من القومية الجديدة

ولا تتبنّى بريطانيا سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران، ولا مواقفها إزاء ملفات مثل التغيّر المناخي ومستقبل حلف شمال الأطلسي (ناتو). وبالقطع ليس السياسة الأمريكية العدائية في التعامل مع التهديد الاستراتيجي الذي تمثّله الصين، الدولة التي تنوي لندن الاتجاه إليها بعد البريكست. ولعلّ أبرز ما ميّز مسيرة جونسون السياسية هو الانسيابية التي يغيّر بها مواقفه. رغم أنّ النظام البرلماني البريطاني لديه ما يقوله بشأن هذه السياسات لمجلس العموم حيث لا يحظى جونسون بأغلبية مريحة من الأعضاء المؤيدين له.

علاوة على ذلك، لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ، رغم أنّه وبعد مرور 48 ساعة فحسب على تولّي جونسون لمنصب رئيس وزراء بريطانيا، تحدّث الزعيمان عن "فرصة سانحة" تلوح في الأُفق لتقوية الروابط الاقتصادية. كل ذلك رغم أنّ ترامب أظهر بعد مرور ثلاثة أعوام من تواجده داخل البيت الأبيض أنّ العلاقات الشخصية تعتمد كلّية على تنفيذ نظرائه لما يريده هو. لكن لا يمكن لأحد التشكيك حيال قُرب دخول ترامب وجونسون في فترة وردية، بدأت مؤشراتها خلال قمة الدول السبع الكبار (جي7)، خاصة مع وجود هدف مشترك لديهما هو العبث مع بروكسل. بيد أنّ لا أحد يستطيع الجزم في الوقت ذاته بأنّه فور تقارب الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني، أن يتخلّى ترامب على الفور عن شعاره (أمريكا أولاً).

لا يضمن التوافق الشخصي إبرام اتفاق تجاري بشكل سريع ومُرضٍ

والواقع أنّ لندن لا تتوفّر على هامش كبير للمناورة في المفاوضات. فبريطانيا تمتثل منذ عقود طوال للمعايير الأوروبية، ولن يكون من السهل بالنسبة لجونسون تخفيف وقع هذه العملية الطويلة كي يفتح الباب أمام الشركات الأمريكية العاملة في مجالات مثل الزراعة والعقاقير الطبية، لدخول السوق البريطانية بدون الدعم البرلماني المتواضع. وكلّما تباعدت المسافة عن المعايير الأوروبية، كان من السهل إحراز تقدّم في اتفاق تجاري، لكن هذا الأمر سيستلزم في التوقيت عينه تشديد الرقابة على الحدود الأيرلندية. وفي المقابل يرفض الكونغرس الأمريكي، مثلما حذّرت رئيسته نانسي بيلوسي، أي اتفاق من شأنه إقامة حدود مع بين شطري أيرلندا وينتج عنه تقويض السلام في الجزيرة.

صرّح ترامب مؤخراً بأنّ جونسون رجل صالح إنّه صلب وذكي يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا" ويقولون إنّ هذا شيء جيّد

وتوجد على المحك واردات وصادرات متبادلة قفزت قيمتها الإجمالية عام 2018 إلى 262 ملياراً و300 مليون دولار، وفقاً للبيانات الرسمية الأمريكية. وتعدّ الولايات المتحدة الشريك التجاري الأبرز للمملكة المتحدة (رغم أنّ حجم التبادل الثنائي لا يمثّل 30% من التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي في عام 2017). أما بالنسبة للولايات المتحدة فإنّ بريطانيا تحتلّ المركز السابع في ترتيب الشركاء التجاريين لها.

لقد نجح الزعيمان في تحويل الطابع المحافظ التقليدي الذي لطالما اتّسم به حزباهما إلى نوع من القومية الجديدة، قاطعين الوعود لناخبيهما بالعودة إلى حقب ماضية. "جعل أمريكا عظيمة من جديد" في حالة ترامب و"استعادة السيطرة" في حالة جونسون. وفي طريقهما نحو أضغاث الأحلام هذه، يطرح رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء بريطانيا رؤية غريبة للعلاقات الثنائية تتبلور في التخلّص من النظام متعدّد الأطراف القائم على الصعيد الدولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والذي أسهم التحالف التاريخي بين واشنطن ولندن في التأسيس لقيامه.

رئيسة الكونغرس الأمريكي  نانسي بيلوسي

لكن ما هي أوجه الشبه بين الرجلين؟

أثناء زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، مرّ رئيس الوزراء البريطاني بتجربة فريدة من نوعها بالنسبة له شكا منها فيما بعد، فقد أحاط به المصوّرون والمارّة الفضوليون الذين كانوا يطلبون إليه التقاط الصور معه ومنحهم توقيعه.

ليس الأمر أنّه لا يحبّذ أن يكون مشهوراً في شوارع نيويورك، واحدة من أكثر مدن العالم تنوّعاً من الناحية الثقافية، ولا لأنّ شهرته كعمدة لندن قد عبرت المحيط الأطلسي، لكن الحقيقة كانت أنّ الناس خلطت بينه وبين أحد أغرب الشخصيات وإثارتها للجدل في المدينة؛ رجل الأعمال ونجم التلفزيون دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: بريطانيا: جونسون يتسلّم رئاسة الحكومة.. أهم ما ينتظره فيها

ويروي جونسون "كنت في نيويورك وحاول بعض المصوّرين التقاط الصور لي، بل أنّ فتاة عبرت الطريق تجاهي ثم توقّفت وقالت "يا إلهي! هل هذا ترامب؟" كانت واحدة من أسوأ اللحظات على مدار رحلتي".

كايل سميث: يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر أنباء كاذبة

بعدها بفترة وجيزة، عاد جونسون للتعبير عن "قلقه العميق" من فكرة وصول رجل الأعمال الأمريكي إلى سدة الحكم. لذا يُعتبر رئيس الوزراء البريطاني الحالي هو أول شخصية عالمية تصنّف ترامب بأنّه "لا يصلح" لشغل هذا المنصب، لكن الوقت مرّ وبات الاثنان على رأس قوتين عالميتين، ويبدو أنّ أيام الريبة قد باتت من الماضي. وقد صرّح رئيس وزراء بريطانيا أنّه يودّ العمل مع ترامب، وأنّه يرى ثمة مستقبل "رائع" للعلاقات بين البلدين.

لكن الإطراء لم يكن يسير في اتجاه واحد، فمن البيت الأبيض صدرت الإشادة أيضاً حين صرّح الرئيس الأمريكي مؤخراً، أثناء مؤتمر انعقد في العاصمة واشنطن، بأنّ "بوريس جونسون رجل صالح. إنّه صلب وذكي. يلقّبونه بـ "ترامب بريطانيا"، ويقولون إنّ هذا شيء جيّد"، والحقيقة أنّ ترامب لم يكن الأول ولا الوحيد الذي أجرى هذه المقارنة.

 صرّح جونسون أنّه يودّ العمل مع ترامب وأنّه يرى أنّ هناك مستقبلاً رائعاً للعلاقات بين البلدين

فمنذ وصول بوريس جونسون إلى مقر رئاسة الوزراء البريطانية الكائن في العقار رقم 10 بشارع داونينج ستريت في لندن، انطلقت وسائل الإعلام على جانبي الأطلسي تعقد المقارنات وتسلّط الضوء على أوجه الشبه الكبير بين جونسون وقرينه المقيم بجادة بنسيلفانيا في المبنى رقم 1600.

ويرى الكثيرون أنّ نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع، فرغم أنّ هناك فارق 20 عاماً في العمر بينهما، إلّا أنّ قصتي حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة، فقد وُلد الاثنان في نيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة؛ حيث درس ترامب في جامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بجامعة أوكسفورد المرموقة عالمياً، رغم أنّ البريطاني تحصّل على منحة دراسية، فيما اعترف الأمريكي بأنّه طلب المعونة المالية من أسرته كي يستكمل دراسته.

اقرأ أيضاً: لماذا يحبّ الناس دونالد ترامب؟

كما أنّ الزعيمين سلكا مسارات غير معتادة في طريقهما نحو السلطة؛ حيث فعل ترامب ذلك بفضل إمبراطوريته العقارية الهائلة وخاصة برامجه التلفزيونية، بينما وصل جونسون لمراده بفضل مسيرته العملية كصحفي ونجم مدعو في برنامج استعراضي تلفزيوني شهير.

جونسون متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالبلاغة على النقيض من ذلك تبدو خطابات ترامب كمزيج من أفكار غير مترابطة

بالمثل، يعُتبر 2016 عاماً فاصلاً بالنسبة للحياة السياسية للاثنين: حين فاز ترامب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة التي أُجريت ذلك العام، وكذا حين دُعي البريطانيون للاستفتاء على البقاء في الاتحاد الأوروبي من عدمه، ولم يكن أحد يتصوّر وصول جونسون لرئاسة الحكومة البريطانية.

كتب الصحفي كايل سميث في مجلة (ناشونال ريفيو) ذات الميول المحافظة أنّ "صعود جونسون يشبه صعود ترامب، لذا لا يحب النخبة السياسية، وهو لا يروق بالمثل لأفراد هذه النخبة ولا يثقون به"، علاوة على ذلك يوجّه الاثنان دائماً سهام النقد اللاذع لوسائل الإعلام ويتّهمانها على طول الخط بالتضليل ونشر "أنباء كاذبة".

ترامب وجونسون لمع نجمهما بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد

بالمثل، يُتّهم الاثنان بالكذب وبثّ الهراء في خطاباتهما، وقد سبق أن تعرّض جونسون للفصل من جريدة كان يعمل بها بعد فبركته مقابلة صحفية، وعلى الجانب الآخر من الأطلسي يُنظر لترامب دوماً على أنّه يفتقر للصواب السياسي وخطاباته المثيرة للجدل وانحرافاته وتصريحاته العدائية المستفزة، فضلاً عن دأبهما على تغيير معاييرهما وآرائهما التي تتأرجح حتى بين نقيضين في ليلة وضحاها حسبما تقتضي الأمور.

اقرأ أيضاً: هذا رأي الأمريكيين بالرئيس ترامب.. استطلاع

فقبل أسابيع معدودة، لاحظت صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية واسعة الانتشار أنّ البريطاني- مثله في ذلك الأمريكي- هو "رجل أبيض ممتلئ الجسم ذو شعر أشقر، لديه قاعدة من المريدين، وحياة شخصية غير واضحة المعالم، وعلاقة ضعيفة للغاية مع الحقيقة والمبادئ"، وقد ظهر ذلك بشكل جليّ حين قرّر جونسون وفي اللحظات الأخيرة اتخاذ الجانب المؤيّد للبريكست خلافاً لقناعات رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون رغم انتمائهما لنفس الحزب- (المحافظين)- نكاية في الأخير ومن أجل مصلحته الشخصية فقط بدافع الانتهازية.

نقاط التشابه تذهب لما هو أبعد من مجرّد الشعر الأصفر الفاقع فقصتا حياة جونسون وترامب متماثلة بدرجة كبيرة

ووفقًا لأنتوني زاركر، خبير الشؤون الأمريكية في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، فإنّ كلّاً من ترامب وجونسون لمع نجمهما في سماء الساحة السياسية بفضل طبيعة شخصيتيهما ذات الأبعاد المُركّبة شديدة التعقيد؛ حيث يرى أنّ "الاثنين يُظهران إيماناً مطلقاً بقوة إرادتهما في سبيل تجاوز العقبات، وهو عنصر يعتقد الآخرون أنّه لا يمكن التغلّب عليه".

وعلى الرغم من أوجه التشابه العديدة في الحياة الشخصية وأسلوبهما الفريد، يظنّ الكثيرون أيضاً أنّ الرجلين يمثّلان مرحلة خاصة في التاريخ الحديث، مع وصول أزمة الزعامة بالنسبة للأحزاب التقليدية إلى قمة المنحنى، وبالتزامن مع صعود التيارات الشعبوية والقومية الأكثر تشدّداً، ويمكن ملاحظة ذلك في التاريخ الطويل من التصريحات المسيئة للأقلّيات والأشخاص المنحدرين من جماعات عرقية بعينها.

اقرأ أيضاً: ترامب يوظّف عنصريته للفوز في الانتخابات.. هذا ما قاله

فمنذ بداية حملته الانتخابية، وضع ترامب المكسيكيين في مواجهة هجماته العنيفة وانتقاداته الحادة، ولم تسلم النساء من الهجوم كذلك، ثم طلب مؤخّراً إلى أربع نائبات ديمقراطيات في الكونغرس، يعارضن سياسات إدارته، أن يعدن إلى بلادهن "التي تعجّ بالجريمة" رغم حملهن الجنسية الأمريكية إلّا أنّ أيّاً منهن تنحدر من العرق الأبيض.

أما جونسون، فيتلقّى الانتقادات بشكل مُعتاد بسبب تصريحاته التي تنمّ عن سخريته من المسلمين والأشخاص من أصحاب البشرة السمراء.

ويشترك الاثنان في أنّهما قدّما أنفسهما بوصفهما "منقذ من الفوضى" التي تعيشها بلادهما.

فقد أعلن ترامب عام 2016 حين فاز بالانتخابات التمهيدية ونال ترشيح الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية "اقتحمت معترك الحياة السياسية حتى يتوقّف الأشخاص ذوي النفوذ عن ضرب هؤلاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. لا أحد يعرف النظام مثلما أفعل أنا، لذا فإنّني الوحيد القادر على إصلاحه".

بينما تعهّد جونسون مؤخّراً بـ "إضفاء الحيوية" على بلاده التي شبّهها بـ "عملاق نائم"، مردفاً "سنستغلّ جميع الفرص التي يوفّرها وصول روح جديدة إلى السلطة. سنستعيد الثقة من جديد في أنفسنا وفيما بوسعنا تحقيقه".

اقرأ أيضاً: هل ترامب عنصري؟ 10 تغريدات تكشف الحقيقة

عمد السياسيان إلى إظهار نفسيهما على أنّهما الأنسب لتسوية بعض الملفّات الأكثر إثارة للجدل في بلديهما، فقد اعتبر ترامب نفسه "خبيراً لا يُشقّ له غبار في المفاوضات" سواء فيما يتعلّق بالخلاف مع كوريا الشمالية أو عملية السلام بالشرق الأوسط أو التوتّر التجاري، الذي انتهى في آخر المطاف بحرب تجارية. وعلى الرغم من عدم تحقيقه أي شيء يُذكر في المفاوضات، لكن الرئيس الأمريكي يصرّ على أنّ طريقته تسير في الاتجاه الصائب.

وُلد الاثنان بنيويورك لأسرتين ميسورتي الحال وارتادا جامعات الصفوة حيث درس ترامب بجامعة بنسيلفانيا بينما التحق جونسون بأوكسفورد

من جانبه، تعهّد جونسون بإنهاء الملفّ المضني الذي كلّف سلفيه منصبهما: مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، حيث وعد بإنجاز المهمة قبل 31 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، وهو الوعد الذي يعتقد حتى المدافعون عن "بريكست حاد"- مثل القومي نايجل فاراج- باستحالة الوفاء به، رغم تمسّك رئيس الوزراء بهذا الأمر، معتبراً أنّ المسألة بالنسبة له هي "خروج أو موت" وتشديده على أنّه الوحيد الذي بوسعه إنجاز هذا العمل.

لكن هل يعني كل ذلك عدم وجود أي نقاط اختلاف؟ بالقطع لا فهناك مواضع تباين واضحة للغاية.

يذكّر الخبراء بأنّ الخبرات التي يتمتّع بها الرجلان متباينة إلى حد بعيد، لذا فإنّ مشروعاتهما قد تكون مختلفة بالتالي: فترامب بدأ مسيرته السياسية بحملته الرئاسية قبل أربعة أعوام، بينما يحمل جونسون في جعبته خبرة سياسية تمتدّ لقرابة عقدين، وسبق وأن شغل مناصب حكومية عدة.

اقرأ أيضاً: من جديد.. تغريدات عنصرية لترامب تثير جدلاً واسعاً

كما أنّ البريطاني متحدّث مفوّه ويتّسم خطابه بالتراص والبلاغة حين يفتح فاه. على النقيض من ذلك تماماً، تبدو خطابات ترامب- حين لا تكون مقروءة- كمزيج من أفكار غير مترابطة فيما بينها.

علاوة على ذلك، فإنّ النظام السياسي مختلف؛ ولا يحظى رئيس الوزراء البريطاني بصلاحيات كبيرة مقارنة برئيس الولايات المتحدة، ويجرى انتخاب كل منهما بطرق متباينة. فلم يفز ترامب في التصويت الشعبي، حيث وصل للبيت الأبيض بـ62 مليون و979 ألف و879 صوتاً، في المقابل انُتخب جونسون بفارق 159 ألف و320 صوتاً فحسب، وهو رقم ضئيل للغاية.

وجّه ترامب انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما

لكن بعيداً عن أنظمة الحكم، فإنّ الأفكار السياسية لدى كل من ترامب وجونسون تتباين فيما بينها هي الأخرى، فإذا كان ترامب ينكر حقائق مثل الاحتباس الحراري وقرّر إخراج بلاده من اتفاقية باريس للتغير المناخي، فإنّ جونسون يؤكّد التزامه في هذا الصدد، ولا يتوانى عن التشديد على أنّ بلاده ستظلّ داخل الاتفاقية التي تهدف للحدّ من الانبعاثات الملوّثة.

اقرأ أيضاً: بالصور: ترامب وكيم..خصومة فغزل فلقاء عند الحد "المتأزم"

كذلك، وجّه الرئيس الأمريكي انتقادات حادة لسلفه باراك أوباما، وأعلن العام الماضي مغادرة بلاده للاتفاق النووي مع إيران، الأمر الذي رفع منذ ذلك الحين حدّة التوتّر في منطقة الخليج. ورغم دعوته لخفض أسعار العقاقير الطبية، إلّا أنّه عاد واستبعد تدخّل إدارته في النظام الصحي الذي يهيمن عليه التأمين الخاص باهظ الثمن.

من جانبه، بدا رئيس الوزراء البريطاني مؤيّداّ للإبقاء على الاتفاق النووي مع طهران، ويدافع بقوّة على النظام الصحي في بلاده.

أما فيما يخص سياسة الهجرة، ونظراً لوقوف عمدة لندن السابق شاهداً عياناً على الدور الذي لعبه العاملون الأجانب في تنمية العاصمة البريطانية، وصل الأمر بجونسون إلى درجة اقتراح منح العفو عن جميع هؤلاء الذين أقاموا في البلاد بصورة غير شرعية. رغم أنّ الخبراء يتّفقون على أنّه وترامب ربما يغيّران مواقفهما بين يوم وليلة، وأنّ سياسة المملكة المتحدة بدأت في السير سريعاً نحو نفس الاتجاه الذي تسلكه الولايات المتحدة: التخبّط.


المصادر:

مقال للكاتب بابلو جيمون: https://bit.ly/2MGUr9K

مقال نشرته النسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): https://bbc.in/32MMhSZ

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية