الإسلام في أوروبا: هل يحتكر الإسلام السياسي تمثيل المسلمين؟

11150
عدد القراءات

2018-07-25

تحقيق: عاصف الخالدي


تكثر الأسئلة حول الوجود الإسلامي الجديد في أوروبا بمختلف أبعاده؛ إذ يصنفه باحثون ومراقبون وسياسيون، كل من وجهة نظره، لكن يبقى السؤال الأهم المطروح؛ هل يضر الإسلام في أوروبا بمصالح الغرب، أم بمصالح المسلمين أنفسهم؟
تصورات كثيرة، معظمها تاريخي، وعقائدي، وأخرى حديثة سياسية، أسهمت جميعها في تعقيد صورة الإسلام والمسلمين في أوروبا، خصوصاً بعد صعود ما يسمى بالإسلاموية أو الإسلام السياسي هناك، ومحاولات حصر فكرة الإسلام والمسلمين أحياناً في حدوده الضيقة، مما ولّد صراعاتٍ متفاوتة حول صورة الإسلام في الغرب.

ترحيب ثم نفور

ترى الباحثة الإيرانية في شؤون التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون في واشنطن، شيرين هنتر، أنّ الترحيب بالمسلمين كأيدٍ عاملةٍ مهاجرة، ظلّ الانطباع السائد حتى سبعينيات القرن الماضي؛ حيث التزمت دول كبريطانيا وفرنسا ببعض الممارسات الأخلاقية تجاه المهاجرين المسلمين من مستعمراتها السابقة بعد أفول الاستعمار، لكن هذا الالتزام "سرعان ما بدأ يتضاءل بفعل الوضع الاقتصادي الصعب في أوروبا، مما ولّد حالة قلق اجتماعي تجاه العمالة الإسلامية وحض دولاً أوروبية لسن قوانين تحدّ من تدفق المهاجرين".
وتضيف هنتر في مقدمتها لكتاب "الإسلام، الدين الثاني في أوروبا" والصادر مترجماً عن المركز القومي للترجمة في 2016، أنّ "دولاً كألمانيا وفرنسا قدّمت حوافز ومكافآت لأولئك الذي يبدون استعداداً للعودة إلى بلادهم، غير أنّ هذا كله لم ينجح؛ بل تم لمّ شمل أسر المهاجرين في أوروبا، وازدادت أعدادهم طبيعياً".

هل يضر الإسلام في أوروبا بمصالح الغرب أم بمصالح المسلمين أنفسهم؟

وكان الإسلام في أوروبا، بدأ يشكل ظاهرة، ليس من خلال أولئك المسلمين المندمجين في مجتمعاتهم الأوروبية؛ بل من قبل المسلمين الذين فكّر العديد منهم بالبحث عن جذوره الإسلامية، أو البحث عن إطارٍ مرجعيٍ لهويته، وغالباً ما كان هذا بسبب تردي حالتهم الاقتصادية، أو لوجود علاقاتٍ أسرية مع العالم العربي والإسلامي، وحتى لو كان هؤلاء المسلمون من أبناء الجيل الثاني أو الثالث ممن وُلدوا في أوروبا، فإنّ منهم من أخذ بالبحث عن هذه الهوية، وفقاً لهنتر.
لكن السبب الأساسيّ في تشكّل تكتلاتٍ واضحةٍ للمسلمين في أوروبا، بدأ فعلياً من خلال جمعياتٍ ومؤسساتٍ إسلامية مختلفة التوجهات، منها ما شجّع التعايش بين المسلمين والأوروبيين، ومنها ما دعم الثقافة الإسلامية كموروث تراثيّ للمسلمين هناك، غير أنّ بعض تلك المؤسسات التي اعتنت بما يُسمى "الإسلام السياسي" كان لها أثرٌ مختلف.

اقرأ أيضاً: المدارس الإسلامية في أوروبا: تكبيل الاندماج وتحفيز التطرف

من مهاجرين مهددين إلى مواطنين يفرضون معتقدهم وطقوسهم أحياناً

المسلمون أيضاً، بدأوا طبيعياً بممارسة طقوسهم الدينية الخاصة في أوروبا، وهي في معظمها جماعية، إضافةً إلى الرغبة بالتميّز من خلال المظهر، كارتداء الحجاب عند المرأة وإطلاق اللحى عند الرجال، مما أشاع مقولة أوروبية تتمحور حول "أنّ مظاهر المسلمين ربما تمثّل تهديداً لقيم التعايش العلمانية في الغرب والتجانس القائم على عدم التمييز بين هوية أو عرقٍ أو دين"، بحسب ما يذهب إليه الباحث في الجغرافيا والعلوم السياسية "س.سيرفاتي" في بحث نشره العام 2007 بعنوان "أوروبا والإسلام، ما بين التهميش والاندماج".

اقرأ أيضاً: هل يهدد التعليم الديني الإسلامي علمانية أوروبا في عقر دارها؟
ويشير سيرفاتي، إلى دور الأحداث السياسية في الدول العربية والإسلامية، في "إيقاظ شعورٍ أوروبيّ بالخوف من الإسلام، كما أنّ المسلمين ظلوا لفتراتٍ متعددةٍ خلال ثمانينيات القرن الماضي، ضحية لسوء الأحوال الاقتصادية بأوروبا، حيث يُنظر إليهم كعبء كلما تدهورت هذه الأوضاع".
وبصورةٍ عامة، أخذت الأزمة بين ما يسمى منظومة القيم (العلمانوية) و(الليبرالية) وثقافة وعادات المسلمين الخاصة تظهر بين حينٍ وآخر بوصف المسلمين أقلية، أو ظاهرة اعتبرها البعض في أوروبا تهديداً لهذه القيم التي قامت عليها دولهم.

اقرأ أيضاً: كيف ارتفعت نسبة المسلمين في أوروبا؟
أيضاً، يبدو أنّ عامل "الإسلام السياسي"، خلق نظرةً حاسمةً في بعض الأحيان تجاه المسلمين في أوروبا، وتشكّل دولٌ رئيسية كبريطانيا وفرنسا وألمانيا، أمثلةً مهمة في هذا السياق.

الديمقراطية أصبحت تثير حفيظة بعض مسلمي أوروبا بفعل الإسلام السياسي

الإسلام السياسي
أسماء عديدة من إسلامويي الدول العربية، ممن التفّوا حول حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين، تفرّقوا في دولٍ عربيةٍ وأوروبية عديدة بعد ما اصطدموا مع الدولة المصرية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ومن أبرز هؤلاء  السكرتير السابق الخاص لحسن البنا، سعيد رمضان، الذي انتقل إلى ألمانيا في الخمسينيات، ليؤسّس هناك "مؤسسة المجتمع الإسلامي" التي ترأسّها حتى العام 1968 وفقاً لتقرير، نشره المختص في الشؤون الإسلامية الأوروبية "لورينزو فيدينو" على موقع "middle east forum" في 2005.

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: اختراق "القارة العجوز" وصعود الإسلاموفوبيا
كذلك، بدأ التوسع لجماعة الإخوان في بريطانيا مبكّراً، حين تأسّس في مدينة "ليشستر" البريطانية مكتبٌ رئيسي للجماعة مطلع السبعينيات، وحمل اسم (المجلس الإسلامي البريطاني) الذي سرعان ما امتد  في بريطانيا "باسطاً نفوذه على ما كان موجود قبلاً من منظماتٍ إسلامية" وفقاً لدراسة موسعة عن جماعة الإخوان ومنشورة على موقع "bilionbibles".
أما موقع "acdemocracy.org"، فيشير في دراسته المنشورة العام 2014، إلى أنّ العام 1972 شهد تأسيس "الندوة العالمية للشباب الإسلامي" بدعمٍ من الإخوانيّ المعروف كمال الهلباوي، وهي مجموعة "سعت إلى تقديم نشاطات تحت مظلتها للشباب المسلمين في أوروبا"، لكن في الظل، وبحسب ما تشير إليه الدراسة ذاتها، فإنّ الهلباوي ترأسّ في بريطانيا "وحدةً أساسيةً للإخوان" امتد نشاطها في أوروبا ووصل خلال عقدٍ من الزمان إلى دعم "العمل الجهادي العالمي" في أفغانستان.

بدأ الإسلام بأوروبا يشكل ظاهرة مع سعي مسلمين للبحث عن جذورهم أو عن إطارٍ مرجعيٍ لهويتهم

كما يرد في الدراسة، أنّ "تبادل التأثير بين جماعة الإخوان في أوروبا ومؤسساتها من جهة، والإخوان في مصر والأردن والعراق ودولٍ إسلامية كباكستان من جهة أخرى توسّع وسط محاولات الجماعة إشرافها أيديولوجياً على المسلمين من باب "الأخونة".. كما أنّ وجود مئات المساجد في بريطانيا، وتفعيل فكرة التبرعات للإسلام والمسلمين من خلالها ومن خلال جمعيات ومؤسسات مختلفة أسهم الهلباوي وغيره في تأسيسها، عملت في بعض الأحيان على دعم ما يمكن تسميته الإسلاموية المسلحة".
وفي هذا السياق، يقول عالم الاجتماع البريطاني ، جون ركس، في بحثه الذي حمل عنوان "الإسلام في المملكة المتحدة"، إنّ "الكثافة السكانية للمسلمين في بريطانيا بدأت من خلال مسلمي باكستان وبنغلادش والهند من غير العرب، غير أنّ الحكومة البريطانية بقيت حتى العام 1991 وضمن إحصائياتها للكثافة السكانية والعرقية، لا تضع أي سؤال عن الانتماء الديني، مما لا يوضّح الأرقام الدقيقة للمسلمين الذين ربما قارب عددهم 2 مليون نسمة حتى منتصف التسعينيات".

بعد عقود هل اندمج المسلمون في مجتمعاتهم الأوروبية حقاً؟

وهؤلاء المسلمون من غير العرب، عمل معظمهم ضمن قطاعاتٍ بسيطة مهنية؛ في الخدمات والمطاعم والحرف، بحسب ركس، ويبدو أنّ المسلمين العرب عملوا في توجهات مختلفة بفضل نوعية تعليمهم أو مجيء بعضهم وهو يحمل خلفية أيديولوجية أو دينية (كجماعة الإخوان)، مما جعل بعضهم يسهم في تأسيس جمعياتٍ ومؤسساتٍ إسلامية تهدف لخلق تكتلاتٍ إسلامية ترأسّها مسلمون عرب، وكان طبيعياً أن تمتلك قوةً جاذبة للمسلمين عموماً في بريطانيا.
ويكشف ركس، عن وجود اختلافات أيديولوجية وسياسية وعقدية بين المسلمين في بريطانيا، حيث يوجد "تيار تجديدي يواجهه تيار تقليدي تقوده جماعات إسلاموية وسلفيون؛ إذ ينطلق التجديديون مثل (أحمد أكبر) وسواه من مؤسساتٍ أكاديمية أو إسلامية، بينما يقف ضدهم إسلامويو الجماعات والسلفيون منطلقين من المساجد (مثل حركة الشباب التي قادها أبو حمزة المصري آنذاك خلال التسعينيات)".

في دولٍ كفرنسا اصطدم المسلمون بمظاهرهم وشكلهم وطقوسهم مع القوانين العلمانية الصارمة

وشهد عقد التسعينيات، وجود أجنحة "تحمل نزعاتٍ متطرفة"، تأثّر بعضها بما يحصل في الأقطار العربية والإسلامية، ويذكر ركس أنّ هذه الأجنحة تعاونت مع حركاتٍ في بريطانيا مثل "الإخوان المسلمين، وجماعة المهاجرين، وجماعة الشباب، والدعوة والتبليغ، وحزب التحرير".
أيضاً، وبحلول العام 2000، أصبحت بريطانيا تضم حوالي 1000 مسجد وفق إحصائيات البحث المذكور، لكنها شهدت انقساماً، حين تحوّل عدد منها إلى "مقراتٍ أساسية لبعض الجماعات الإسلامية مثل جماعة الحديث مثلاً".
ونشطت كذلك مراكز لبعض الحركات الإسلاموية (الدعوية)، كحركة الدعوة والتبليغ التي أخذت ترسل موظفيها إلى المواطنين المسلمين بالتحديد، من أجل "هدايتهم" إلى الدين الصحيح وفقاً لتعاليم الجماعة.

اقرأ أيضاً: "فقه الأقليات" يجعل كل مسلمي أوروبا في نظر اليمين "طابورا خامسا"
وفي بريطانيا، توجد معاهد ومؤسسات إسلامية شهيرة عديدة، مثل "معهد إنجلترا الإسلامي"، إلا أنّه يتضح، أنّ هذه (الأقلية المسلمة) أو المجتمع المسلم في بريطانياً، يحمل صورة بالغة التعقيد في قلبه، ويوجد سعي واضح للسيطرة عليه أيديولوجياً أو سياسياً أو دينياً، لأسباب متعددة تعود إلى جماعات كالإخوان أو غيرها، وإضافة ربما إلى الفروقات الاقتصادية، التي جعلت  عملية الاندماج بين المسلمين والبريطانيين "معقدة" بحسب ركس. حتى إن المسلمين الذين شاركوا في الحياة السياسية البريطانية، ووصلوا إلى مناصب مختلفة، ركّز معظمهم "على تقديم خدماتٍ دينية للمسلمين في بريطانيا"؛ إذ يتبين مدى محاولات ترسيخ الوجود الإسلامي في بريطانيا، وأوروبا نفسها، من خلال قاعدة دينية بالأساس، وهو ما يعود بجذوره إلى العالم العربي تحديداً، وتياراته الإسلاموية.

يشير الباحثون إلى أنّ مسلمي أوروبا تعرضوا لتيارات كالإخوان وغيرهم مما جعلهم متعددين ومختلفين ودخلوا صراعاتٍ أحياناً

ولم يبتعد الإسلام في فرنسا حتى نهاية التسعينيات عن هذا الإطار، من ناحية تأثره بالإسلام السياسي، واستعادة خطاب علاقات المسلمين من أصول مغاربية وجزائرية هناك، بالدولة التي استعمرت بلادهم ونكّلت بها لعشرات السنين.
ويرى الأستاذ والمتخصص السابق في "معهد الدراسات السياسية بباريس"، ريمي ليفو، أنّ الوجود الإسلامي في فرنسا هو الأقدم والأكثر عدداً في أوروبا؛ حيث بلغ 4 ملايين حتى العام 2000، وهو ما وضع فرنسا والمسلمين معاً في إطار علاقةٍ معقدة.

الإسلام السياسي قاد للبحث عن هوية مؤدلجة

ويشرح ليفو هذه العلاقة من خلال بحثه "الإسلام في فرنسا"، ونشره ضمن كتاب "الإسلام، الدين الثاني في أوروبا"؛ حيث إنّ فرنسا من وجهة نظره، ذات خصوصية علمانية أكثر صرامة، من خلال "اللائيكية"  التي تفصل شؤون الدولة بصورة دستورية واضحة عن الدين، وعن مظاهره حتى في الفضاء العام للمجتمع الفرنسي، وهو ما أسهم بعدم ترحيب المسلمين بالاندماج في المجتمع الفرنسي عموماً، ويتشابه النموذج الفرنسي مع البريطاني عند ليفو الذي يقول أيضاً؛ إنّه "لم تكن ترد أسئلة عن الانتماء الديني خلال عمليات إحصاء السكان في فرنسا".

المسلمون في أوروبا ليسوا نسيجاً واحداً ودخلوا سجالاتٍ ومعارك مختلفة متأثرين بالأقطار العربية والإسلامية

أما عرقياً، فإنّ كثيرين قدموا من الجزائر والمغرب وتونس، وشكلوا نواة المسلمين الفرنسيين، ممن "عملوا بداية في الحرف وأعمال البناء والمطاعم، وبقي هؤلاء، سواء تزوجوا من فرنسياتٍ غير مسلمات أو من مسلمات، يحافظون على نسب تكاثر عالية نسبة لفرنسا، مما أبقى غالبية المجتمع المسلم في فرنسا من الشباب"، بحسب ليفو.
وبصورة عامة، يوجد العديد من المسلمين الأفارقة كذلك، ممن التحقوا بالإسلام متأثرين بمسلمي الجزائر والمغرب، ولعل تأسيس "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" العام 1983 الذي كان للإخوان المسلمين يد فيه أيضاً، أسهم بتوجيه أوسع لنقاط اختلاف الجاليات المسلمة مع الدولة والمجتمع الفرنسيين.
ومن خلال فرنسا، يمكن وضع النقاط الأساسية التي حاول الإخوان المسلمون ترسيخها في أوروبا، ومن أهمها؛ العمل على جعل الإسلام ديناً رسمياً في أي بلد أوروبي فيه مسلمون، وجذب الشباب من خلال نشر ثقافة الفقه والدعوة للدين الصحيح بحسب الإخوان وغيرهم، وباستخدام لغة البلد الأوروبي الذي يتواجد فيه المسلمون، كذلك محاولة إبقاء المسلمين على اتصالٍ من خلال نوادٍ وتجمعات يمكن من خلالها نشر أفكار أيديولوجية معينة حول الإسلام ومهمات المسلم ودوره.

بفعل العولمة ورثت أجيال مسلمين ولدوا بأوروبا مرجعيات دينية وسياسية مردها العالم العربي

وفي فرنسا، مثلما في بريطانيا، تياراتٌ إسلامية تتواجه ضد بعضها البعض، خاصة العلمانيين في مواجهة الأصوليين والسلفيين وكذلك الإخوان المسلمين، وتوجد جمعيات ومؤسسات مختلفة ترعى هذه النشاطات على تنوعها، مثل "جمعية الأصدقاء الجزائريين"، وجمعية "العمالة التركية"، وهي ليست جمعياتٍ إسلامية خالصة، غير أنّ ليفو يؤكد في بحثه وجود مؤسساتٍ  دينية أكثر تأثيراً، وهي تلك التي انبثقت عن تجمعات المساجد في فرنسا، مثل "مسجد باريس ومسجد مونبيلييه اللذين شهدا هيمنة لإسلاميين جزائريين تارة ولإخوانيين ولغيرهم" في ظل تنافس الحركات الإسلاموية في فرنسا؛ حيث يوجد كذلك "الاتحاد الإسلامي" في فرنسا، الذي شهد صراعاتٍ هو الآخر بين التيارات الإسلاموية.
أيضاً، فإنّ نشاطات هذه التيارات في فرنسا وبريطانيا، وكذلك في ألمانيا وسويسرا، هولندا والنمسا اللتين تعرضتا كذلك لنشاط الإخوان منذ وجود "يوسف ندا" الإخواني الشهير في النمسا منذ ستينيات القرن الماضي، جميعها، وغيرها، تشمل ملايين المسلمين، الذين لا يمكن النظر إليهم ككتلة واحدة؛ بل إنّ الباحثين المذكورين سابقاً، يؤكدون جميعاً أنّ بيئة مسلمي أوروبا تتميز "بالانقسام" والتعدد والصراع.
تركيا ومسلمو البلقان
تركيا، أو ما تبقى من تاريخٍ طويل للعثمانيين المسلمين، دولةٌ تكرس فيها حكم حزب "العدالة والتنمية" (الإسلامي) بقيادة رجب طيب أردوغان منذ ما بعد العام 2002، وهي تستند إلى خزانٍ بشريٍ كبير، من الأتراك والمسلمين في أوروبا (خصوصاً ألمانيا)، وفي دول البلقان أيضاً وألبانيا تحديداً؛ حيث تعمل تركيا بسياساتٍ اقتصادية ودينية معلنة على ربط مسلمي البلقان وبعض مسلمي أوروبا بها، كدولةٍ مرجعية على صعيد المبدأ، من أجل توفير مكاسب سياسية واقتصادية، خصوصاً أنّ محاولاتها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي خلال ثمانينيات القرن الماضي فشلت، فأخذت تنهل من تاريخها العثماني الماضوي أحياناً، لإيجاد طريقٍ جديدة من أجل التأثير.

تركيا تستثمر سياسياً واقتصادياً في البلقان من خلال دعم مؤسسات ونشاطات إسلامية ترويجاً لمصالحها الخاصة

وفي هذا السياق، ساهمت تركيا عملياً كذلك، في إعادة إعمار لدول البلقان بعد الحرب، "ولعبت دور الداعم الاقتصادي المهم بعد حرب البوسنة والهرسك مركزة على سراييفو، وهي تسهم أيضاً بدعم المجمّعات الدينية والمساجد والأئمة في دول البلقان وما حولها بصورة معنوية ومادية، مستعيدة ولو بصورة أخرى، هيمنتها السابقة على البلقان خلال القرنين الثالث والرابع عشر" بحسب ما يوضحه موقع "the national" من خلال تقرير نشر بتاريخ 5 حزيران (يونيو) 2018.
وتركيا، بحسب التقرير ذاته، تجنح لتحقيق مكاسب سياسية في نهاية الأمر، وتعمل من خلال "سياسة أردوغان للترويج هناك لحملاته الانتخابية، كبديل عن رفض عملية الترويج هذه في عواصم أوروبية، لكن الأهم هو تحويل أسلمة بعض مناطق البلقان التي تتميز أنها مسلمة أساساً، "إلى نموذج ما، يشبه نموذج الشرق الأوسط، إذ يتخذ التدين حيزاً أكبر في المجال اليومي العام، وربما يتجه إلى الأدلجة".

مسلمو البلقان ظلوا الأكثر بعداً عن أدلجة الإسلام السياسي حتى نهاية القرن العشرين

لكن أهمية البلقان أيضاً، ودولٍ فيها كالبوسنة وألبانيا، تكمن في كونها شبه جزيرة ومنطقة ذات طابع ثقافي مميز، تقع في شرق وجنوب شرق القارة الأوروبية مع حدود مختلفة ومتنازع عليها لأن قطاعات من الأوروبيين تنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها جسماً غريباً عن أوروبا المسيحية.

ومن خلال بحث منشورٍ لمركز المسبار للدراسات والبحوث العام 2014، يتبيّن أنّ مسلمي البلقان وخصوصاً ألبانيا، نالوا حظوظاً أقل من الانقسام الذي يمكن أن تولّده تياراتٌ أصولية أو تقليدية أو متشددة مع الإسلام في المجال العام، ويرد في البحث الذي حمل عنوان "المسلمون في البلقان، الدين والتاريخ والهوية"، أنّ "مسلمي البلقان بقوا أكثر تأثّراً بسجالاتهم وآلامهم في مواجهة حروب حقبة التسعينيات وشبح التقسيم الذي ظل يخيم بين حين وحين"، وهو ما يعني أن أي تأثّر مؤدلج يخص إسلاماً جماعاتياً أو متشدداً، بقيت فرصه أقل.
وبصورة عامة، ملايين المسلمين في البلقان يحافظون على خصوصيتهم الثقافية المحلية، ويرتبطون بعلاقات أكبر مع تركيا من أي دول عربية أو إسلامية أخرى، كما إنّ وضعهم يختلف عموماً؛ لأنّهم ليسوا جاليات أو أقليات أو ظواهر كما هو وضع المسلمين في دولٍ أوروبية مختلفة، الذين اتضح أنّهم ليسوا كتلة واحدة، وأنّ هنالك نزاعاً بين تياراتٍ إسلامية في أوروبا، مردّه أساساً، المرجعية السياسية والدينية والحركية العائدة إلى العالم العربي، والتي يبدو أنها انتقلت بفعل العولمة حتى، إلى أجيالٍ من أبناء المسلمين ولدوا في أوروبا وبقوا فيها.
أوروبا ذاتها، سوف تدخل هي والإسلام والمسلمين، حقبةً أكثر استقطاباً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) العام 2001، وستكون هنالك انتقائية أحياناً تجاه تياراتٍ إسلامية بعينها، ليتم تعميمها على الإسلام والمسلمين في أوروبا، لترمز إلى "الإسلاموفوبيا" وصعود ظاهرة الجهاد العالمي، فيما يتم الحديث عن "إسلام معتدل" فجأةً، رغم وجود صور له وتنظيراتٍ وممارسات في أوروبا ومنذ عقود، إضافة إلى ما سوف يلحق ذلك بعد الألفية، من صراعٍ حول العلمانية والليبرالية وغيرهما، وصولاً إلى "الربيع العربي"؛ حيث ستشتعل تساؤلات جديدة عالمية، وليست فقط أوروبية إسلامية؛ أي نموذج من الإسلام هذا الذي يحكم أو يقاتل؟ وأيها يمثّل الإسلام: داعش، الإخوان، أم المهاجرون الذين يحملون إسلامهم ويصرّون على مظاهره بعد أن هربوا من دول "الربيع"؟

اقرأ المزيد...

الوسوم:



إعدام جماعي وانفجارات.. هذا ما يشهده الصومال

أعدمت مجموعة من رجال الأمن الصومالي أمس 9 مدنيين في مدينة جالكعي وسط الصومال.

وصرح أحد أعيان المدينة محمد يوسف بأن " رجال الأمن اعتقلوا 9 أشخاص في المدينة واقتادوهم إلى خارجها، قبل أن يتم إعدامهم بشكل جماعي ما أثار غضب الأهالي"، وفق ما نقلت وكالة الأناضول، فيما أكدت مصادر صحفية أن القتلى ينتمون لقبيلة دغل ومرفيلي القاطنة في إقليم جنوب غرب البلاد.

رجال الأمن الصومالي يقدمون على إعدام جماعي لـ 9 مدنيين من مدينة جالكعي وسط البلاد

بدورها نددت الحكومة الصومالية بحادثة القتل الجماعي، كما وعدت بفتح تحقيق حوله وتقديم المتهمين للعدالة.

من جهتهم، حذر شيوخ وأعيان قبيلة دغل ومرفيلي السلطات المحلية، من المساس بأبنائهم العاملين وسط الصومال، بعد تعرضهم "لمضايقات من قبل رجال الأمن" هناك، واتهامهم بـ "التستر على عناصر حركة الشباب التي تنفذ عمليات ضد رجال الأمن والمصالح الحكومية".

هذا ونقلت وكالة سبوتنيك أن انفجارين وقعا  في العاصمة الصومالية مقديشو اليوم، ما أسفر عن إصابة شخص واحد على الأقل.

انفجار قنبلتين في العاصمة الصومالية مقديشو بعد توقيف سيارة محملة بالمتفجرات

ونقل موقع "جوب جوج" الصومالي أن "الانفجار الأول ضرب منطقة سيادكا، القريبة من مجلس النواب، والثاني كان بالقرب من حاجز أمني". ونقل الموقع عن شاهد عيان أن "الانفجار الثاني وقع بعد أن أوقفت قوات الأمن سيارة محملة بالمتفجرات، وأسفر الانفجار عن إصابة السائق، الذي تم توقيفه لاحقا".

كاتدرائية نوتردام تحيي أول قداس بعد الحريق

تحيي كاتدرائية نوتردام بباريس اليوم أول قداس بعد الحريق الذي تعرضت له قبل نحو شهرين ودمر قسماً كبيراً منها.

ويترأس أسقف باريس ميشال أوبوتي القداس في نوتردام الذي سيحضره نحو ثلاثين شخصاً فقط نصفهم من رجال الدين.

وقالت أبرشية باريس في تصريح نقلته وكالة الأنباء الفرنسية إن القداس لن يحضره مصلون "لأسباب أمنية واضحة"، لكن ستقوم قناة "كي تي أو" الكاثوليكية بنقل وقائعه مباشرة "ليتمكن المسيحيون من المشاركة فيه".

أبرشية باريس: القداس في نوتردام لن يحضره مصلون لأسباب أمنية واضحة وسيحضره نحو 30 شخصاً

وإلى جانب المونسنيور أوبوتي، سيحضر القداس خادم رعية الكاتدرائية المونسنيور باتريك شوفيه وعدد من الكهنة ومتطوعون وأشخاص يعملون في الورشة وعاملون في أبرشية باريس. ولن تشارك جوقة معهد نوتردام في القداس، لكن قائداً لجوقة الترتيل سيكون حاضراً.

وسيطلب من الكهنة بالتأكيد ارتداء خوذ لكنهم سيحضرون بلباسهم الكهنوتي.

وتضرر جزء كبير من الكاتدرائية التي تمثّل رمزاً في قلب العاصمة الفرنسية، في حريق أثار حملة تضامن واسعة في العالم لإنقاذ وترميم هذا الموقع الذي يرتدي طابعاً رمزياً كبيراً في قلب العاصمة الفرنسية.

ودمر الحريق مسلة الكاتدرائية وسقفها وجزءاً من قبتها.

واختير موعد هذا القداس في ذكرى تكريس مذبح الكاتدرائية. وقال حول الموضوع المونسنيور شوفيه، إنه "تاريخ يرتدي طابعاً مهماً روحياٌ"، معبراً عن ارتياحه لتمكنه من إثبات أن "نوتردام حية بالتأكيد".

منذ الحريق، يعمل بين 60 و150 عاملاً في الورشة مواصلين نقل الركام وتعزيز البنية. وما زالت المنشأة في طور تعزيزها. أما أعمال تأمينها بالكامل فيمكن أن تستغرق أسابيع قبل إطلاق الأشغال الطويلة والمعقدة لترميمها.

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعادة بناء الكاتدرائية خلال خمس سنوات.

وحتى الآن، لم يتم دفع سوى تسعة بالمئة من المساهمات الموعودة والبالغة قيمتها 850 مليون يورو.

ويفسر ذلك بأن التبرعات الصغيرة للأفراد يمكن تقديمها بدون أي شروط، لكن الشركات الكبرى والمجموعات عليها صياغة عقود حول تخصيص مساهماتها.

في عام 2017 زار نحو 12 مليون سائح كاتدرائية نوتردام التي تعد تحفة معمارية للفن القوطي وتجري فيها أشغال منذ سنوات.

والكاتدرائية مدرجة على لائحة التراث العالمي منذ 1991. وقد اكتسبت شهرة كبيرة بفضل رواية فيكتور هوغو "أحدب نوتردام" التي تم اقتباسها عدة مرات في السينما والعروض المسرحية الغنائية.

مطالبات بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان في السودان..

أكد مسؤول أمريكي كبير على أنّ هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية بعد فض الاعتصام، محذراً من الفوضى. بينما طالبت الشفافية الدولية بوضع حد للفساد، داعية إلى مقاضاة منتهكي حقوق الإنسان هناك.

وطالب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون إفريقيا، تيبور ناجي، بإجراء تحقيق "مستقل وذي مصداقية" في عملية القمع، التي شهدها السودان بدايات الشهر الجاري وأدت إلى مقتل العشرات، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية.

مسؤول أمريكي يؤكد أن هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية

وفي سياق آخر، أصدرت منظمة الشفافية الدولية بياناً، أمس، دعت فيه إلى "وضع حد للفساد لحماية حقوق الإنسان في السودان".

وأضافت المنظمة في بيانها "في الأسابيع الأخيرة وردت تقارير عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وفظائع ارتكبها الجيش السوداني. تدعو منظمة الشفافية الدولية إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان".

وقالت، المنسق الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة الشفافية الدولية، كندة حتر: "الوضع في السودان ينطوي على طاقة كامنة تؤدي إلى سنوات من عدم الاستقرار والعنف، الأمر الذي سيحصن فقط مستويات الفساد العالية بالفعل هناك."

وأضافت حتر: "تحتاج البلاد إلى فترة من الاستقرار لبناء مؤسسات ديمقراطية وأنظمة الحكم الرشيد واستعادة ثقة الشعب في الحكومة".

وكان قد أقرّ المتحدّث باسم المجلس العسكري الحاكم في السودان، أول من أمس، بأنّ المجلس هو الذي أمر بفضّ الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم في عملية تسبّبت في مقتل العشرات.

منظمة الشفافية الدولية تدعو إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان في السودان ووضع حد للفساد

واعتصم المتظاهرون لأسابيع أمام قيادة الجيش في الخرطوم للمطالبة بداية برحيل الزعيم عمر البشير، ولاحقا للضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة لحكومة مدنية.

لكن في 3 حزيران (يونيو) وبعد ايام على انهيار المحادثات بين قادة الاحتجاجات والجيش، اقتحم مسلحون يرتدون ملابس عسكرية مخيم الاعتصام في عملية قالت لجنة الاطباء انها خلفت 120 قتيلاً. الا ان وزارة الصحة اعتبرت أن الحصيلة في ذلك اليوم بلغت 61 قتيلاً فقط.

هل يُسجن صحفيان لنشرهما مقالاً عن الاقتصاد التركي؟

حملت حكومة العدالة والتنمية التركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة عبر الاستناد على نظرية  المؤامرة، التي تحاول الحكومة الإسلامية الاختباء خلفها في تبرير فشلها في إدارة الأزمة الاقتصادية.

حكومة العدالة والتنمية تحمل وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة

وفي أحدث فصول هذه المعارك بين أنقرة والإعلام العالمي، برزت قضية وكالة بلومبيرغ الدولية التي اتهمها الادعاء العام التركي بنشر تقارير عن الاقتصاد التركي "تناقض الواقع"، وتبالغ في تصوير أزمة العملة التركية، وفق ما نقل موقع "أحوال تركية".

وقالت وكالة بلومبيرغ، إنّ المدعين العامين الأتراك يسعون إلى فرض عقوبة السجن لمدة قد تصل إلى خمس سنوات على اثنين من مراسليها في تركيا، بسبب تقريرهما حول أزمة الليرة التركية العام الماضي.

وأوضحت "بلومبيرغ" أن كريم كاراكايا وفيركان يالينكيتش قد اتُهما بمحاولة تقويض الاستقرار الاقتصادي لتركيا بسبب قصة إخبارية كتباها في آب (أغسطس) 2018.

وبحسب تقرير "أحوال تركية"، فإن هذه الاتهامات تأتي بعد أن اشتكت هيئة تنظيم البنوك في تركيا، من تقرير بلومبيرغ حول أزمة العملة.

ودان رئيس تحرير بلومبيرغ، جون مكلثويت، لائحة الاتهام، مشدداً على أنّ مراسلي وكالته قدّما تقارير عادلة ودقيقة عن الاقتصاد التركي.

وكانت تقارير لبلومبيرغ وغيرها قد تناولت أزمة العملة التركية، كما تحدثت عن أن بعض فروع البنوك في تركيا تعاني من انخفاض في العملة الأجنبية، وهو ما ركزت عليه بلومبيرغ التي كشفت، في تقرير لها، أنّ أحد فروع البنوك لم يستطع على الفور، تلبية طلب من أحد العملاء لسحب 5000 دولار.

المدعون العامون الأتراك يطالبون بسجن مراسلين "بلومبيرغ" لخمسة أعوام بسبب تقرير حول الليرة التركية

واستندت بلومبيرغ في تقريرها، على أنّ العميل زار فروع ثلاثة بنوك كبيرة، لكن لم تتم تلبية طلبه، إذ استنتج أن البنوك تكافح لمواكبة الطلب المتزايد على العملات الأجنبية.

وهبطت الليرة التركية إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية، وزادت من سوء الوضع الاقتصادي الملفاتُ السياسية الداخلية، وكذلك التوترات بين أنقرة وواشنطن في أكثر من ملف إقليمي ودولي.

كان الرئيس التركي رجب إردوغان، انتقد بشدة في نيسان (أبريل) 2019، وسائل الإعلام الغربية التي اتهمها بتضخيم الصعوبات الاقتصادية لتركيا، مشيراً خصوصاً إلى مقال نشرته "فايننشال تايمز" حول البنك المركزي التركي.

وتندد منظمات تعنى بالدفاع عن حرية الصحافة، بانتظام بحملات الاعتقال التي تطال الصحافيين، وبإقفال وسائل إعلام منذ الانقلاب الفاشل في 2016.

وتحتل تركيا المرتبة الـ157 من أصل 180 في ترتيب حرية الصحافة لعام 2018، الذي وضعته منظمة "مراسلون بلا حدود" غير الحكومية.

إلى أي مدى سيصمد سيناريو عض الأصابع بين أمريكا وإيران؟

تأتي العملية الأخيرة، التي استهدفت ناقلات نفط على بعد حوالي أربعين كيلومتراً من السواحل الإيرانية المقابلة لسواحل سلطنة عمان، في إطار تناقض أصبح مكشوفاً في التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، ومواصلة معركة عض الأصابع بين الجانبين، في إطار رهانات أمريكية على تنازلات إيرانية، وانصياع طهران للمطالب الأمريكية بالتفاوض، مقابل رهانات إيرانية بإمكانية صمودها أمام الضغوط الأمريكية، وضعف احتمالات قيام أمريكا بشن هجوم على إيران؛ لأسباب مرتبطة بالانتخابات الأمريكية القادمة، والخلافات الداخلية بين البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي.

اقرأ أيضاً: ترامب يكشف من وراء تفجيرات خليج عُمان

استهداف ناقلات النفط، جاء متزامناً مع تطورين بارزين وهما: زيارة رئيس الوزراء الياباني "صديق الرئيس الأمريكي ترامب" إلى طهران حاملاً رسالة من ترامب، وإطلاق صاروخ كروز من قبل الحوثيين على مطار أبها المدني جنوب المملكة العربية السعودية، بعد ضربات ضد أهداف مدنية وعسكرية ومنشآت اقتصادية تم تنفيذها من خلال طائرات إيرانية مسيّرة، إضافة إلى العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، قبل أكثر من شهر.

خلافاً لعملية الفجيرة أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء تفجير ناقلات النفط في خليج عُمان

وخلافاً لعملية الفجيرة، أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء العملية الأخيرة، وبأدلّة تشير إلى قيام عناصر من الحرس الثوري الإيراني باستعادة لغم لم ينفجر بمحاذاة إحدى ناقلات النفط خلال تفجيرها، فيما جاء إطلاق الحوثيين صاروخ كروز ليؤكد مسؤولية الحرس الثوري، ارتباطاً بالقدرات المحدودة للحوثيين على التعامل مع هكذا صواريخ.

رغم انشغالات المحللين والرأي العام بسؤال الحرب في المنطقة، من حيث توقيتها ومدياتها وأطرافها، وفيما إذا كانت ضربة محدودة ستوجهها أمريكا لأهداف إيرانية أم ستكون حرباً شاملة مفتوحة؟، إلا أنّ ردود الفعل الأمريكية المتناقضة ترسل رسائل واضحة أنّها متمسكة بخيار الضغط على إيران لأبعد حد ممكن لإجبارها على التفاوض، وأنّها ليست بصدد الذهاب إلى الحرب، ويبدو أنّ القيادة الإيرانية، وفي ظل تقدير عميق لرد الفعل الأمريكي المحتمل وأنّه لن يصل لمستوى شنّ حرب ضدها، تمارس تنفيذ سياسة استفزاز لأمريكا، وحلفائها في المنطقة، وإحراجها بتنفيذ عمليات نوعية ضد ناقلات النفط في الخليج، وقد أرسل رد الفعل الأمريكي السلبي على عمليات تفجير ناقلات الفجيرة رسالة لطهران بأنّ بإمكانها مواصلة الاستفزاز وتعطيل الملاحة البحرية "النفطية" في الخليج، وهو ما يعزز قناعات واسعة في المنطقة بأنّ إيران ستنفذ المزيد من العمليات ضد أهداف متعددة في الخليج، دون رد فعل أمريكي خارج أطر التنديد والوعيد، خاصة وأنّ تلك العمليات لا يتوقع أن تشمل أهدافاً أمريكية، بما في ذلك بوارجها في الخليج العربي، وقواعدها العسكرية المنتشرة في دول الخليج، وخاصة في البحرين؛ حيث قيادة الأسطول الأمريكي الخامس، وفي قطر؛ حيث القواعد العسكرية في السيلية والعديد، وقاذفات بي 52 الرابضة فيها.

اقرأ أيضاً: ماذا تستفيد إيران من الهجمات في خليج عُمان وعلى السعودية؟

العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط بالقرب من السواحل الإيرانية، تزامنت مع تصريحات ذات دلالة أصدرها المرشد الأعلى خامنئي، حول موقف طهران من الملف النووي الإيراني، وأنّ إيران تؤكد بشكل قاطع أنّها ليست بصدد إنتاج قنبلة نووية؛ لأنّها "محرمة دينياً"، وهو ما يعني تنازلاً إيرانياً واستعداداً لإغلاق الملف النووي، وتقديم ورقة للرئيس الأمريكي، باعتبار أنّ القضية النووية تشكل السبب الجوهري لانسحابه من الاتفاق الموقّع مع إدارة الرئيس الأمريك السابق باراك أوباما، وهو ما يكشف ملامح الإستراتيجية الإيرانية بإبداء استعداد للتفاوض مع أمريكا وتقديم تنازلات في ملفات محددة كالملف النووي، وشن عمليات تثبت استمرار توفر بدائل لدى القيادة الإيرانية، في حال قررت أمريكا مواصلة الضغط على طهران، في العقوبات الاقتصادية التي أصبح واضحاً أنّها تنتهك إيران من الداخل، وهو ما تخشى معه القيادة الإيرانية، من اندلاع انتفاضة شاملة، تضعف موقفها التفاوضي وقدراتها على مواصلة حرب عض الأصابع مع أمريكا وخصومها في الخليج والسعودية.

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب خياراً غير واقعي

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران، محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب شاملة، خياراً غير واقعي، رغم الانضباط الإيراني العالي والدقيق في التخطيط لتنفيذ العمليات واختيار الأهداف والتوقيت، كما أنّ الرهانات على عامل الوقت، الذي يشكل قاسماً مشتركاً في رهانات القيادتين؛ الأمريكية والإيرانية، لم يعد مضموناً في ظل احتمالات وقوع أخطاء عسكرية، أو تنفيذ عمليات من قبل قوى أخرى بما فيها "داعش" و"القاعدة"، التي تحفل سجلاتها بتنفيذ عمليات بحرية ضد حاملات طائرات في خليج عدن"كول".

اقرأ أيضاً: كيف نتصدى لإيران في الخليج؟

العملية الأخيرة وردّ الفعل الأمريكي عليها المتضمن تقديرات استخبارية بإمكانية تنفيذ عمليات جديدة ضد ناقلات النفط في الخليج، وضد أهداف في دول الخليج، بما يعنيه أنّ أمريكا ليست بوارد الرد على إيران، يطرحان تساؤلات حول قدرة المنطقة وخاصة المملكة السعودية والإمارات، ودول أخرى تعاني أزمات اقتصادية خانقة، على الصبر على التجاوزات الإيرانية، في ظل شكوك "رسمية وشعبية"، عميقة تتصاعد في المنطقة بأنّ هناك توافقات أمريكية إيرانية على السيناريوهات التي يتم تنفيذها، تتزامن مع توجهات أوساط أمريكية لتقييد تصدير الأسلحة الأمريكية للإمارات والسعودية، على خلفية دورهما في حرب اليمن.