الإيزيديون... أربعة أعوام بعد مذبحة سنجار

الإيزيديون... أربعة أعوام بعد مذبحة سنجار

مشاهدة

18/09/2018

ترجمة: علي نوار


مفترشين بطانية بمتجر ريفي في مخيم للاجئين، بينما لا تتوقّف أقداح الشاي، يطلعنا فلاح بفخر على فيديو حفل زفاف شقيقه؛ احتفال ضخم حضره ما يربو عن ألف مدعو، بقاعة مناسبات شاسعة، تظهر في مقطع فيديو لحفل زفاف ذي طابع فني وحصري.

حفل زفاف إيزيدي، جرى في سنجار، مطلع العام 2014، تكشف الصور حياة كانت تسير على نحو عادي، مثلما هو الحال في أيّ مكان من العالم، لم يكن أحد ليتخيّل ما الذي سيحدث بعد وقت وجيز.

اقرأ أيضاً: الصدفة تجمع فتاة إيزيدية بمغتصبها الداعشي في ألمانيا.. ماذا فعلت؟

الإيزيديون؛ مجموعة عرقية تحتفظ بديانة سبقت ظهور الإسلام، هي الإيزيدية؛ هم أكراد (يتحدثون اللغة الكرمنجية)، لم يتعرّضوا لعملية أسلمة، وحافظوا على ديانة قديمة قدم الزرادشتية، يعيشون بشكل رئيس في مناطق سنجار وشيخان في شمال شرق وشمال العراق، على الترتيب، والمنطقتين تتبعان محافظة نينوى.

كما أنّ هناك جاليات إيزيدية كبيرة، في إرمينيا وجورجيا وألمانيا، وإجمالاً؛ يبلغ تعدادهم 600 ألف شخص تقريباً، حسبما كشف بيرجول أسيكيلديز، المتخصص في الثقافة الإيزيدية.

الطقوس الدينية الإيزيدية تجري وسط أجواء من السرية دون حضور أيّ شخص لا يعتنقها

الإيزيدية؛ ديانة توحيدية (تجمع بعض خصائص من المسيحية والإسلام، الصوفية على وجه التحديد، واليهودية)، الطاووس ملك بالنسبة إلى الإيزيديين، وهو أبرز الملائكة السبعة الذين خصصهم الله بحماية العالم، ويجسّد على هيئة طاووس ملكيّ.

يؤمن الإيزيديون بأنّ الشيخ عدي (الشيخ عدي بن مسافر المتوفَّى العام 1162)؛ هو نسخة من الطاووس ملك؛ لذا يقومون، ولو لمرّة واحدة في حياتهم، بالحجّ إلى ضريحه، في لالش بالقرب من الموصل (يحضره من يعيشون بالقرب من لالش سنوياً)، في الفترة بين آب (أغسطس)، وأيلول (سبتمبر) من كلّ عام.

تجري الطقوس الإيزيدية وسط أجواء من السرية، ودون حضور أي شخص لا يعتنقها، يضاف إلى ذلك نسبة كبيرة من الزيجات داخل العائلة الواحدة (زواج الأقارب)؛ حيث توجد ثلاث طبقات مختلفة (المريد والشيخ والبير)، ويعدّ زواج الأقارب وأجواء الغموض التي تحيط بدينهم وثقافتهم نتاجاً منطقياً لكونهم أقلية عرقية ودينية معزولة ومهمشة، في محيط مسلم بالدرجة الأولى، يصل أحياناً حدّ العداء معهم (سيما العرب السنّة)، ويحمل الإيزيديون على ظهورهم تاريخاً مثقلاً من الإبادة والمذابح ومحاولات إجبارهم على ترك دينهم (جزء لا بأس منه أثناء نفوذ الدولة العثمانية).

نشأ تنظيم "داعش"، في سياق "الثورة"، في أعقاب غزو العراق العام 2003، وامتدّ نفوذه لاحقاً إلى سوريا المجاورة، مستغلاً الحرب الأهلية الدائرة فيها، وتوطّد التنظيم العام 2014 في الفلوجة بالعراق، ثم بسط هيمنته، في حزيران (يونيو) من ذلك العام على شمال البلاد، لتسقط الموصل أخيراً في قبضته (حيث أعلن قيام خلافته).

ومع بدايات صيف العام 2014، ونتيجة تقدم داعش، انسحب الجيش العراقي من مناطق شاسعة بشمال البلاد، وملأت الفراغ في المناطق التي تخلّى عنها الجيش العراقي قوات البشمركة العراقية (بشمركة هي مصطلح يستخدمه الأكراد للإشارة إلى المقاتلين الأكراد، سواء كانوا في تركيا أو العراق أو سوريا أو إيران)؛ ففي العراق، وبعد انتهاء حرب الخليج الأولى العام 1991، أصبح إقليم كردستان يتمتع بالحكم الذاتي، وبات الأمر منصوصاً عليه في الدستور منذ العام 2005.

اقرأ أيضاً: أقليات العراق تشكو تغييبها عن تشكيل الحكومة

يعد إقليم كردستان العراق، وعاصمته مدينة أربيل، أكثر المناطق ازدهاراً، والإقليم الوحيد المستقر في البلاد، ويتمتع بقدر كبير من الحكم الذاتي، ويمتلك رئيساً ورئيس وزراء وقوات مسلحة (البشمركة العراقية).

كانت المناطق التي حلّت فيها قوات البشمركة العراقية بدلاً من الجيش العراقي، أراضي خارج إقليم كردستان العراق، لكنّها مجاورة له، وتقطنها مجموعات كردية كبيرة، وأهم هذه المناطق هي سنجار، وعاصمتها مدينة تحمل الاسم نفسه، ويسكنها 90 ألف نسمة تقريباً، علاوة على جبل سنجار، بكلّ المجموعات الصغيرة المنتشرة حوله؛ حيث يصبح إجمالي السكان في هذه المنطقة 180 ألف نسمة تقريباً، أغلبهم من الإيزيديين.

إزاء تقدّم مقاتلي تنظيم داعش انسحب قرابة سبعة آلاف جندي من قوات البشمركة بشكل مفاجئ من منطقة سنجار

أعطى انتشار قوات البشمركة، مدعومة بجماعات إيزيدية مسلحة محدودة (وحدات مقاومة سنجار)، تشكّلت العام 2007، للحماية من هجمات المسلحين السنّة الأصوليين، إيحاءً بأنّ احتمالات خطر السقوط في قبضة تنظيم داعش ضئيلة، لكن إزاء تقدّم مقاتلي التنظيم، انسحب سبعة آلاف جندي تقريباً من قوات البشمركة، في الثاني من آب (أغسطس)، بشكل مفاجئ من منطقة سنجار.

تغيّر الوضع ليصبح هناك إحساس عام بعدم وجود أيّة حماية للسكان الإيزيديين من مقاتلين متطرفين، عدّوا مَن أمامهم ليسوا عراقيين؛ بل زنادقة يعبدون الشيطان (هكذا ينظر بعض المسلمين للإيزيديين).

اقرأ أيضاً: هل ينتهي تنظيم داعش مع نهاية العام 2018؟!

يروي حواس كيف أنّهم جرى إيقاظهم ليلاً (ليلة الثاني إلى الثالث من آب (أغسطس))، وتحذيرهم عبر الهواتف المحمولة من وصول تنظيم داعش إلى القرية المجاورة؛ بدأ الناس في العدو من ناحية إلى أخرى وهم يبكون، كانت قريتهم (تل عزيز)، من بين القرى التي تقع على الجانب الجنوبي من الجبل، ومثل الكثير من سكان العاصمة، فرّوا حرفياً، دون أن يحملوا شيئاً معهم نحو الملاذ الوحيد المتبقي لهم "جبل سنجار". تمكّن حامد وأسرته، وهم من قرية خان صور، التي لم تستقبل أيّة زيارة بعد من داعش، من الهرب بسيارة أحد أبناء عمومته، التي كانت تستقلها ثلاث عائلات، نحو منطقة آمنة في سوريا، وبدؤوا رحلة استغرقت يومين من المغامرات.

أوى جبل سنجار؛ (الذي يصل ارتفاعه إلى ألف و463 متراً، في أعلى قمة له، وتبلغ المسافة 70 كيلومتراً بين أطرافه)، في يوم واحد، ما يزيد عن 50 ألفاً من اللاجئين الإيزيديين المحاصرين من قبل متطرّفي داعش.

نزوح عائلات إيزيدية من سنجار

كان عشرات آلاف آخرين قد فرّوا نحو كردستان العراق، أو المناطق الكردية في سوريا، ولم يتمكن عشرات آلاف آخرين من الهرب، وقع بين المجموعة الأخيرة خمسة آلاف قتيل، أغلبهم ذكور، لم يرغبوا في التحوّل للإسلام، بينما دخل خمسة آلاف آخرين في تعداد المفقودين والمختطفين، خاصة من فئة النساء الشابات والفتيات اللاتي استعبدن من قبل أفراد تنظيم داعش (يعرف كلّ ذلك باسم إبادة الإيزيديين)، باعتبار أنّ هدف التنظيم كان القضاء على مجتمع بالكامل، وقد اعترفت عدة دول، من بينها أستراليا، رسمياً، بإطلاق مصطلح الإبادة على ما تعرّض له الإيزيديون.

اخترق حواس وأسرته جبل سنجار، عن طريق مسار في الجانب الجنوبي منه، تحت حماية الميليشيات الإيزيدية، وقد تسببت الرحلات الطويلة سيراً في درجات حرارة تفوق الـ 40 مئوية، ونقص المواد الغذائية في وفاة عدة مئات منهم، اضطر حواس لترك والده المسنّ، الذي لم يكن يستطيع مواصلة المسير في قرية صغيرة بالجبل، يسهل على داعش الوصول إليها، حيث تجمّع فيها العجائز، وقد كانوا على ثقة من أنّهم لن يشكّلوا هدفاً إستراتيجياً بالنسبة إلى التنظيم (وقد سار الأمر على هذا النحو، لحسن الحظ).

اقرأ ايضاً: اللاجئون كضحايا لأنفسهم: في نقد النقد الطائفيّ!

على مدار الأيام الـ 10، التالية للثالث من آب (أغسطس)؛ دقّ أبناء اللاجئين الإيزيديين ناقوس الخطر بين أوساط المجتمع الدولي، بعد محاصرتهم من جانب قوات داعش. وقد أسقطت الولايات المتحدة الأمريكية، برئاسة باراك أوباما آنذاك، من الجوّ مواد غذائية وماء شرب للاجئين (يروي حواس كيف أنّ أوعية الماء كانت تنكسر لدى وصولها للأرض)، كما شنّت غارات على مواقع وقوافل داعش، وصولاً إلى التفكير في احتمالية التدخّل بقوات برية، فضلاً عن دعم بالغذاء والماء عبر الجوّ من بريطانيا وأستراليا.

في تلك الأثناء؛ انتقل مئات المتطوّعين من حزب العمال الكردستاني (في تركيا)، على متن حافلات وشاحنات إلى منطقة سنجار، وفعل الأمر عينه مئات المتطوّعين من ميليشيات (وحدات الحماية الشعبية) الكردية السورية، وأسفر كلّ ذلك، في التاسع من آب (أغسطس)، عن فتح ممر عبر من خلاله، في اليوم الأول وحده، 10 آلاف لاجئ، عبر شاحنات وجرّارات جلبها أفراد حزب العمال الكردستاني، وبحلول يوم 12 آب (أغسطس)؛ كان أغلب اللاجئين قد خرجوا، كما يروي حواس أنّ عناصر حزب العمال الكردستاني كانوا هم منقذيه.

عاد جزء محدود من اللاجئين الإيزيديين لمناطقهم الأصلية بينما ما يزال قطاع كبير منهم بمخيمات ومدن شمال العراق

ومن هنا، بدأ شتات عشرات الآلاف من اللاجئين الإيزيديين، فضّل القليل البقاء في جبل سنجار، لكنّ الغالبية العظمى انتهى بها المآل في مخيمات اللاجئين بشمال العراق (مثل مخيم دوميز)، ومخيمات اللاجئين في تركيا (مثل مخيم ميديات)، ومخيمات اليونان (التي وصل إليها الآلاف ممّن خاطروا بحياتهم وعبروا البحر على ظهور القوارب وصولًا إلى جزيرتي لسبوس وشيوس).

تقصّ علينا مكاديس، وهي فتاة كردية من تركيا، كيف أنّ آلاف اللاجئين بدؤوا في التوافد على ديار بكر (تركيا)، وعلاوة على المساعدات التي قدّمتها الوكالة التركية للطوارئ والكوارث "آفاد"، وإعلان السلطات المحلية حالة الطوارئ، فقد عرض مئات الشباب والشابات من هذه المدينة أنفسهم كمتطوّعين لمساعدة اللاجئين في هذه الأسابيع الأولى.

بدأت منطقة سنجار في العودة تدريجياً تحت سيطرة الحكومة العراقية، أو إقليم كردستان العراق (تمّ طرد تنظيم داعش من مدينة سنجار، في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2015).

عاد جزء من اللاجئين إلى مناطقهم الأصلية بينما لا يزال كثيرون في مخيمات ومدن شمال العراق

على الجانب الآخر، وبعد مذبحة آب (أغسطس) العام 2014، تكوّنت ميليشيات إيزيدية اشتركت في طرد داعش، تحت اسم "قوة حماية إيزيدخان"، التي تشمل فرعاً نسائياً يطلق عليه "وحدات نساء إيزيدخان".

توجد محاولات متكررة على نطاق ضيّق لتدشين عملية لتمكين المرأة؛ لا يجب التراجع عن هذا المكسب في الحريات، بالنسبة إلى المرأة الإيزيدية، لكنّ الوضع الحالي في المنطقة ما يزال منكوباً، وغير آمن على الإطلاق.

عاد جزء محدود من اللاجئين إلى مناطقهم الأصلية، بينما ما يزال قطاع كبير منهم في مخيمات ومدن شمال العراق، مثل زاخو في إقليم كردستان ذاتي الحكم، فيما اختار جزء ثالث أن يبدأ حياة جديدة في الاتحاد الأوروبي (ألمانيا أو السويد خاصة)، وكندا أو أستراليا، إلّا أنّ عدداً لا بأس به منهم ما يزالون متواجدين كلاجئين في مخيمات بتركيا واليونان، انتظاراً لاستضافتهم من قبل هذه الدول.

تمّ طرد تنظيم داعش من مدينة سنجار، في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2015

تخيّم أجواء الشعبوية والخوف ومعاداة الأجانب هذه الأيام على أوروبا، وليس من المعلوم ما إذا كانوا سيتمكنون من السفر إلى تلك الدول، أو سيحصلون على حقّ اللجوء يوماً ما، يبدو حامد وجولان، والدان لثلاثة أبناء وأربع بنات، مصمّمين على الهجرة لإحدى هذه الدول؛ لأنّهما يودّان أن تعيش بناتهما في مكان يسوده السلام والأمان، كما أنّ كثيراً من الإيزيديين لا يرغبون في العودة إلى سنجار، ليس فقط بسبب الخراب وغياب الأمن المهيمنين؛ بل لأنّهم فقدوا أحد أحبائهم، ولا يريدون تذكّر هذا الأمر مجدّداً.

كما أنّ كثيراً من هذه العائلات التي ظهرت في فيديو زفاف شقيق فلاح، مشتّتة حالياً بين عدّة دول وأماكن، ما يجعل من الصعب التئام شملها مرة أخرى.

مرت أربعة أعوام على مذبحة آب (أغسطس) العام 2014؛ وهذا يعدّ وقتاً طويلاً بالنسبة إلى أشخاص مثل حواس وأسرته في مخيمات اللاجئين بتركيا واليونان، انتظاراً لقبولهم في وجهاتهم النهائية.

اقرأ أيضاً: لم يسبق لها مثيل..تعرف إلى أرقام اللاجئين في العالم

العيش في مخيمات اللاجئين؛ أن تفعل أنت كلّ يوم الشيء نفسه، بينما يتحرّك العالم، لا وجود لمستقبل واضح المعالم، بينما تأتي أنت من وضع كارثي تماماً؛ إنّه موقف معقد للغاية، يؤدّي بسهولة إلى اليأس. تخصص بعض الدول البعيدة ومتعددة الثقافات، مثل؛ كندا وأستراليا، مجموعات من المؤهلين لأجل العائلات الإيزيدية، فهل تفعل إسبانيا، تحت قيادة بيدرو سانشيز، ذلك؟ سيما أنّه يدعو إلى إسبانيا منفتحة وتقدمية وليبرالية، لم لا؟!

تقرير حول معاناة الإيزيديين في العراق أثناء وجود تنظيم داعش، كتبه خوسيه أندريس فرنانديث كورنيخو، أستاذ الاقتصاد في جامعة كومبلوتنسي في مدريد، ونشر بالنسخة الإسبانية من صحيفة "هافنجتون بوست"، بتاريخ 21 آب (أغسطس).


المصدر: El pueblo yazidí, cuatro años después de la masacre de Sinjar

الصفحة الرئيسية