"الاحتطاب" في تونس: الجماعات الإرهابيّة تسطو وتسرق بفتاوى شرعية

توالت في الآونة الأخيرة عمليات السطو المسلح، وسرقة السيارات، والفروع المصرفية بتونس، من قبل الخلايا الإرهابيّة النائمة من أجل جمع الأموال التي تعتمدها هذه الجماعات كمحركٍ رئيسي لاستقطاب الشباب، وتوسيع دائرة نشاطها، خاصة بعدما ضاق عليها خناق التمويل، وفقدت الدعم الخارجي، نتيجة الحصار الذي فرضته عليها القوات الأمنيّة.

خبير في الجماعات الإرهابيّة: "الاحتطاب" عقيدةٌ لدى الإرهابيين لأنّ المال هو عنصر الإسناد الرئيسي لهم

العمليات التي نفّذتها التنظيمات الإرهابية من هذا النوع تكرّرت على نحو لافتٍ، خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً في المناطق القريبة من الجبال على غرار محافظة القصرين الحدودية وسط غربي تونس، أين يتواجد الإرهابيّون.

ونفّذت الجماعات الارهابيّة عملية سطوٍ على بنكٍ مصرفي وسط محافظة القصرين، في بداية كانون الأول (ديسمبر) 2018 استولت منه على مبلغ قيمته 320 ألف دينار/ حوالي 100 ألف دولار، وهي ليست العمليّة الأولى من نوعها، ففي 1 آب (أغسطس) الماضي، تمكّنت مجموعةٌ إرهابيةٌ أخرى من السطو على فرع بنكي وسط مدينة القصرين أيضاً، باستعمال أسلحةٍ ناريةٍ، واستولت على مبلغ يقدر بـ90 ألف دينار/ حوالي 30 ألف دولار.

كما تكرّرت مراراً، وفي تواريخ مختلفة، عمليات مداهمةٍ لمنازل متساكني المناطق القريبة من الجبال، والدكاكين، والسطو على المؤونة، وأحياناً سرقة الأغطية، والأفرشة من أصحابها تحت التهديد، ووقعت هذه العمليّات، في محافظتي سيدي بوزيد، والقصرين، وسط غربي تونس، وفي جندوبة والكاف، وباجة، شمال غربي تونس.

اقرأ أيضاً: تونس تفكك تنظيماً إرهابياً.. هذه كانت مخططاته

وتندرج هذه الهجمات ضمن ما تطلق عليه هذه الجماعات "الاحتطاب"، لتبرير استباحة واستحلال نهب، وسلب، وسرقة أموال من تصفهم الجماعات الإرهابيّة بـ"الكفّار" لتمويل عناصرها، وعملياتهم.

ويقول في هذا الشأن الخبير في الجماعات الإرهابية على الزرمديني لـ"حفريات"، إنّ "الاحتطاب" هو عقيدةٌ لدى الإرهابيين، لأنّ المال هو عنصر الإسناد الرئيسي، والمحور الأساسي لتحرّكاتهم، ومخطّطاتهم، وبرامجهم، ويضيف أنّ العمل الإرهابي هو عمل "مافيوزي"، يقوم على قطع الطريق، والسطو، والسرقة، تحت غطاء الدين.

اقرأ أيضاً: الجهاديات في تونس

الخبير في الجماعات الإرهابية يشير أيضاً إلى أنّ تنظيم داعش جمع ثروةً طائلةً من النفط، ورغم أنّه خسر دولة الخلافة، والجغرافيا أي المناطق النفطيّة، فإنّه مايزال يسعى إلى إعادة التمركز فيها مجدّداً بهدف جمع المال، فضلاً عن سعيهم إلى إيجاد طرقٍ أخرى كالتهريب، وغيرها من الأساليب غير الشرعيّة.

اقرأ أيضاً: معلومات لا تعرفها عن أول انتحارية تونسية
ويخلص الزرمديني إلى أنّ الاحتطاب يقوم في الأصل على هدفين أساسيين هما؛ توفير المال، من أجل خلق موارد ذاتيّة دون اللجوء إلى القيادة المركزيّة، وبثّ الفوضى والتشكيك في المؤسسات، فضلاً عن خلق الرعب لدى المواطنين، ويلفت إلى أنّ "الاحتطاب لا يستثني المؤسسات ولا الأفراد.

الاحتطاب يقوم على هدفين أساسيين هما؛ توفير المال وبثّ الفوضى

فتاوى تشرّع سرقة الأموال لتمويل الإرهابيين

ويُعد اغتنام الأموال بالقوّة جائزاً في مفهوم الجماعات الإرهابية، على من يعتبرونهم فئة مرتدّة كافرة، وبالتالي يجوز اغتنام ممتلكاتها بالقوّة، لذلك وظّفت الحركات الجهاديّة "الاحتطاب" كمفهومٍ حديثٍ للغنيمة التي كانت مصدراً رئيسيّاً، لتمويل الجهاديين الذين اتخذوا من الجبل ملاذاً وقاعدةً للجهاد، وفق دراساتٍ متطابقة في هذا الغرض.

الشيخ محمد البارودي: السطو على أموال الغير غير مقبول لا شرعاً ولا عرفاً.. والإرهابيون يسعون إلى تشويه الدين

وتلجأ قيادات هذه الجماعات إلى مرجعياتها الفكرية لتحقيق مكاسب من المخزون القديم، حيث تبيح في فتاواها، ما يمكن أن يجعلوه مستنداً شرعياً للتلاعب بعقول أنصارهم، بهدف الاستيلاء على الأموال، التي تتحول بسببها الجماعة إلى أشبه بعصابةٍ للنصب على الممولين، كما تصدر عدّة فتاوى أخرى تبيح ليس فقط الاستيلاء على الأموال ولكن تشمل أيضاً القتل من أجل الهويّة.
في مقابل ذلك، يقول رجل الدين الشيخ محمد البارودي في تصريح لـ "حفريات"، إنّ السطو على أموال الغير غير مقبول، وغير جائز، لا شرعاً ولا عرفاً، وأنّ الجماعات الإرهابية أعطتها شرعيّة وهميّة، مستغلّةً في ذلك الدين الإسلامي الذي يدعو، عكس ذلك، إلى الحوار، والجدال الحسن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

اقرأ أيضاً: أحزاب تونسية تكشف بالوثائق تورّط "النّهضة" في الاغتيالات السياسيّة
واعتبر البارودي أنّ "الإرهابيين يسعون إلى تشويه الدين الإسلامي"، داعياً إلى "ضرورة الاطّلاع على التعاليم الدينيّة، لمعالجة هذه الأفكار المتطرّفة".

أعلى مرتفع في تونس، يقع في محافظة القصرين وهو معقل الإرهابيين

النزول من الجبال للبحث عن المال

ويعد خروج الخلايا النائمة للاحتطاب في وضح النهار مؤشّراً خطيراً، يدل على ارتقاء الحركة الإرهابية من حالة المنافي والسجون والفوضى قبل أحداث ثورة يناير 2011 التونسية، إلى حالة التنظّم والتشكّل، وهو ما سمح لها بالتحرّك بمرونةٍ على كامل أرض تونس، حيث تصاعدت العمليات الإرهابية من عمليات الاغتيال السياسي وذبح الجنود ومحاولة السيطرة على جبل الشعانبي (أعلى مرتفع في تونس، يقع في محافظة القصرين وهو معقل الإرهابيين) إلى تكثيف حضورها العلني بغاية التأثير والاستقطاب.

اقرأ أيضاً: هكذا نجح إرهابي تونسي بالهرب
وتسعى هذه الجماعات إلى اعتماد كل الفضاءات الممكنة، من بينها الجوامع والمساجد، والإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت، لنشر فكرٍ يهيئ الأشخاص إلى المرور إلى المرحلة الحاسمة، وهي الإعلان عن إنتمائهم للتنظيمات الإرهابية واستعدادهم لتنفيذ برامجهم.
ويرى العميد السابق بالمؤسّسة العسكرية مختار بن نصر في تصريح لـ"حفريات"، إنّ "الاحتطاب" في تعريف الجماعات الإرهابيّة هو "تشريع افتكاك الأموال، وممتلكات، وكل ما له علاقة بالدعم اللوجيستي من المؤسّسات، أو الأفراد، ويعتبرونه حلالاً، كما يعتبرون أنّ كلّ من يخافهم في ذلك، أو يتصدّى لهم، يجب أن يُستباح عرضه، وشرفه، ونساء بيته"، لافتاً إلى أنّ ذلك "لا علاقة له بالدّين الإسلامي، الذي يستغلّونه لتشريع جرائمهم".

العميد السابق بالمؤسّسة العسكرية مختار بن نصر
ويضيف في تأثير ذلك على البلد والمتساكنين، أنّ "عدد العناصر الإرهابية المتمركزة في جبال تونس، لا يتجاوز مائة فردٍ من أصول تونسيّة وجزائريّة، يتموقعون بالأساس في جبال محافظات القصرين وجندوبة الحدوديتين، وأنّ العناصر العسكريّة، والأمنيّة تحاصرهم، وتضيّق عليهم الخناق لذلك هم افتقدوا الدعم اللوجيستي، ونزلوا إلى القرى المجاورة لهذه الجبال، من أجل (الاحتطاب)".

اقرأ أيضاً: هل يمتلك التونسيون وصفة سحرية لاقتلاع شوكة الإرهاب؟
ويشير الخبير العسكري إلى أنّ نزول الإرهابيين إلى المنازل القريبة من الجبال، قد يدفع المتساكنين إلى مغادرة، هذه المناطق نحو المدن، وهو ما قد يسهّل توسّع هذه الجماعات.
حاضنةٌ اجتماعيةٌ في المساعدة
وتذهب بعض التحليلات في تونس، حول وجود بيئةٍ حاضنةٍ للإرهاب، في بعض المناطق  تسهّل دخول الجماعات الإرهابية إليها، والخروج منها، وهو ما ذهب إليه الخبير في الجماعات الإرهابيّة علي الزرمديني، الذي أكّد في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ ما حدث في محافظة القصرين مؤخّراً "من سهولة دخول جماعات إرهابية، عبر سيارةٍ مدنيّةٍ، وسرقة أموالٍ من مصرفٍ، ثم المرور إلى منزل عائلة شهيد الإرهاب سعيد الغزلاني، لاغتيال شقيقه، والعودة بأمانٍ إلى أوكارهم، لا يمكن أن يتمّ إلا بمساعدةٍ محليّة".

العميد بالمؤسّسة العسكريّة مختار بن نصر: العناصر الإرهابية لا تتجاوز مائة فردٍ وهم من أصول تونسيّة وجزائريّة

وشدّد الزرمديني على ضرورة الإقرار بوجود "حاضنةٍ اجتماعيةٍ، تساعد الإرهابيين في التنقّل، وتمدّهم بالمؤونة، والدعم اللوجيستي المطلوب"، خاصّة أنّ الوحدات الأمنيّة، والعسكريّة في تونس، اكتسبت خبرةً في مجال مقاومة الإرهاب، وحاصرتهم في المرتفعات.
ودعم ذلك الناشط الحقوقي مصطفى عبد الكبير، الذي أبلغ "حفريات"، بأنّ الحاضنة الاجتماعية والشعبيّة للعناصر الإرهابيّة، موجودةٌ في تونس، لكنّها متغيّرة بتغيّر الأوضاع السياسية، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة.
وأوضح أنّ المشهد السياسي في 2011، و2012، و2013 ، أي خلال الثورة، وفي عهد حكومة الترويكا، التي تقودها حركة النّهضة الإسلاميّة، كان سانحاً لدعم الإرهاب، بوجود أطرافٍ سياسية تدعو لذلك، وتشجّعه خلال اجتماعاتها ندواتها، بشكلٍ علني، كما أنّ أخطر القيادات الإرهابيّة المطلوبة اليوم دولياً بتهمة الإرهاب، كانت تنشط وقتها بكلّ حريّة.

اقرأ أيضاً: هكذا يتحوّل الشباب العاطل عن العمل في تونس إلى "قنبلة موقوتة"
وأضاف أنّ "هذه الحاضنة تراجعت بتغيّر الوضع السياسي، قبيْل انتخابات 2014، وبعدها، غير أنّ الحاضنة الاقتصادية طغت، خاصةً أنّ الإرهابيين كانوا يشترون السلع بأموالٍ خياليةٍ من أصحاب الدكاكين في المناطق القريبة من الجبال، وأنّ هذه الحاضنة مازالت متواصلةً، لكنّها أقلّ بكثيرٍ من السابق".

الأقسام: