الاستثمار الروسي للمنطقة البحرية السورية... هل يعيد رسم خريطة التنافس شرق المتوسط؟

الاستثمار الروسي للمنطقة البحرية السورية... هل يعيد رسم خريطة التنافس شرق المتوسط؟

مشاهدة

14/04/2021

تُعتبر روسيا الدولة الأولى على مستوى العالم من حيث احتياطات الغاز الطبيعي، والثانية على مستوى إنتاجه، والثالثة في إنتاج وتصدير النفط. وهي تصدر للقارة الأوروبية نحو 40% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، ما يجعلها أحد أهم المتحكمين في موازين سوق الطاقة العالمي. ومع بروز منطقة شرق المتوسط كمصدر جديد ومهم للثروات الهيدروكربونية، منذ اكتشاف حقل "تامار" عام 2009، وخاصة احتياطات الغاز الطبيعي، لم يكن بالإمكان أن تبقى روسيا بعيدة عن هذه الساحة التي من الممكن أن تشكل بديلاً يهدد بإزاحتها عن كونها إحدى أهم الدول المتحكمة في موارد الطاقة وأسواقها.

الاتفاقيات الروسية السورية

وفقاً لأرقام مراكز دراسات، بينها مركز "فيريل" في برلين، فإنه من المتوقع أنّ المنطقة الاقتصادية الخالصة السورية تحتوي على احتياطي غاز يُقدّر بـ (28) تريليون متر مكعب، في حين كان وزير النفط والثروة المعدنية السوري علي غانم قد صرّح في شباط (فبراير) 2018 بأنّ الدراسات الاستكشافية الأوّلية قدّرت أنّ مياه "البلوك" السوري رقم (2) وحدها تحتوي على ما يقدّر بـ (300) مليون برميل من النفط.

المنطقة الاقتصادية الخالصة السورية في مياه البحر المتوسط تتكوّن من 3 "بلوكات"

بناء على ذلك، وفي كانون الأول (ديسمبر) من عام 2013، وقّعت وزارة النفط والثروة المعدنية السورية عقداً مع شركة "إيست ميد عمريت" الروسية للتنقيب عن النفط والغاز في مياه المنطقة الاقتصادية الخالصة السورية بالبحر المتوسط، وتحديداً في "البلوك رقم (2)" من المياه السورية، الممتد قبالة سواحل محافظة اللاذقية، بمساحة (2190) كم مربع، في عقد يمتد على مدى 25 عاماً.

يتزامن التحرك الروسي في مياه سوريا الإقليمية مع تحوّل منطقة شرق المتوسط إلى منطقة تنافس ونزاع بين الدول حول ثروات الغاز والنفط

وفي آذار (مارس) 2021 صادقت وزارة النفط والثروة المعدنية السورية على عقد مع شركة "كابيتال ليميتد" الروسية مدّته 4 أعوام (وهو العقد الموقع عام 2019)، لتقوم بعملية المسح والتنقيب عن النفط والغاز في "البلوك رقم (1)"، مقابل ساحل محافظة طرطوس والممتد حتى الحدود البحرية الجنوبية السورية - اللبنانية، بمساحة (2250) كيلومتراً مربعاً. وبحيث تقسم مدة العقد إلى فترتين: الأولى فترة الاستكشاف، ومدتها 4 أعوام، أمّا الفترة الثانية، فهي مرحلة التنمية والاستخراج، ومدتها 25 عاماً.

مواجهة مع منتدى غاز المتوسط

تحركت الشركات الروسية نحو البدء بخطوات المباشرة بالتنقيب قبالة سواحل محافظة طرطوس السورية، ولتدخل روسيا بذلك رسمياَ ساحة الصراع والتنافس على ثروات الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط.

اقرأ أيضاً: تدخل إيران العميق في سوريا

وكانت 7 دول، هي: مصر، والأردن، والسلطة الفلسطينية، وإيطاليا، وقبرص، واليونان، وإسرائيل، قد اجتمعت في كانون الثاني (يناير) 2019، وأعلنت عن إنشاء "منتدى غاز شرق المتوسط"، ومقرّه القاهرة، وبهدف معلن يتمثل في العمل على إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد على الوجه الأمثل وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية. لكنّ غياب 3 دول شرق متوسطية، هي؛ تركيا، وسوريا، ولبنان، أثار التساؤلات عن الاعتبارات والحسابات السياسية التي يحملها المنتدى ويعمل وفقاً لها.

جاء توقيع العقد مع شركة "كابيتال ليميتد" الروسية عام 2019 ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي

الدخول الروسي جاء ليبعثر الأوراق في منطقة شرق المتوسط، تماماً كما صنع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019. ولعلّ المشترك بين الحدثين هو التعبير عن أنّ هناك دولتين مهمّتين بحجم تركيا وروسيا تطمح كل منهما للحصول على حصة معتبرة من موارد شرق المتوسط.

جاء الدخول الروسي في ساحة التنافس على موارد شرق المتوسط ليضع أيضاً ضغطاً إضافياً على تركيا

يتزامن التحرك الروسي في مياه سوريا الإقليمية مع تحوّل منطقة شرق المتوسط إلى منطقة تنافس ونزاع بين الدول حول ثروات الغاز والنفط، ويمثل هذا الحضور الروسي في ميدان التنافس على استغلال موارد الطاقة في شرق المتوسط دخولاً استراتيجياً جديداً لروسيا في المنطقة، يعزز من دورها كلاعب رئيسي في رسم مستقبل التسويات بالمنطقة، وهو ما كان قد تكرّس بعد تدخلها العسكري المباشر في سوريا عام 2015، ثم لاحقاً عبر حضورها المتزايد في الأزمة الليبية، ويأتي تدخلها في الصراع على الغاز ليحوّلها إلى رقم أساسي في أي مفاوضات لرسم ملامح المنطقة في المستقبل، بما في ذلك مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين كلٍّ من سوريا ولبنان، وسوريا وتركيا، وسوريا وقبرص، وهو ما سيكون له أثره على التحالفات الإقليمية التي تشكلت على إثر الصراع على الغاز في المنطقة.

نزاع مع لبنان... ودور منتظر للروس

في لبنان، تعمل شركة الغاز الروسية "نوفاتيك" إلى جانب عدة شركات لاستكشاف واستخراج النفط والغاز من مناطق الصلاحية البحرية اللبنانية، إلّا أنّ الدخول الروسي للاستثمار في المياه السورية سرعان ما أثار جدلاً في لبنان، والسبب هو تبيّن أنّ الحدود البحرية السورية، كما نصّ عليها العقد الموقع بين الجانبين السوري والروسي، مُتداخلة بشكل كبير مع البلوك رقم (1) والبلوك رقم (2) من الجانب اللبناني، وبمساحة تقارب الـ (750) كلم مربع.

اقرأ أيضاً: صراع التجنيد يشتعل بين إيران وروسيا في سوريا... تفاصيل

وتعود الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية بين سوريا ولبنان إلى العام 2011، عندما أصدرت الحكومة اللبنانية مرسوماً يقضي بترسيم حدود لبنان البحرية (من جانب واحد)، إذ أعلنت سوريا حينها عدم اعترافها بالترسيم الذي تم، وقدّمت شكوى بحق لبنان إلى الأمم المتحدة عام 2014، وكان لبنان حينها قد فتح الباب لعروض استثمار الطاقة في منطقته البحرية.

المنطقة البحرية المتداخلة موضع الخلاف بين الحكومتين السورية واللبنانية

ووفقاً للخريطة التي اتفقت عليها سوريا مع الشركات الروسية فإنّ الخط الحدودي مع المنطقة اللبنانية ينطلق أفقياً من الساحل نحو الغرب، وهو ما اعترض عليه الجانب اللبناني الذي اعتبر أنّ الترسيم الذي قدّمه منذ العام 2011 هو الذي يراعي تطبيق القانون الدولي والقواعد المعمول بها لرسم الحدود البحرية.

اقرأ أيضاً: الخلافات تتسع بين روسيا وتركيا في سوريا... ما علاقة الولايات المتحدة؟

وفي هذا الخلاف المستجد، بدأت روسيا تضطلع بدور جديد، يتمثل في قيامها بدور الوساطة لتسوية الخلاف، فقد أعلن مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف، عن الاستعداد الروسي لترسيم الحدود البحرية اللبنانية السورية، وذلك في أثناء زيارة له إلى لبنان في حزيران (يونيو) 2019، وحينها صرّح وزير الدفاع اللبناني إلياس أبو صعب بما مفاده أنه قد يكون لروسيا مصلحة اقتصادية في ذلك، خصوصاً أنّ شركة "نوفاتيك" الروسية موجودة في المياه اللبنانية، وبدأت العمل على استخراج الغاز، وقد يكون لها دور وفرص في استثمار الموارد الموجودة في المنطقة البحرية السورية أيضاً، وعليه ستكون هناك مصلحة روسية لترسيم الحدود البحرية، وبناء عليه، يمكن أن يكون لروسيا دور إيجابي في تسوية هذا الخلاف. وبذلك فإنّ لبنان يعوّل على الوساطة والدور الروسي لتسوية خلافاته الحدودية البحرية مع سوريا.

مواجهة محتملة مع تركيا

جاء الدخول الروسي في ساحة التنافس على موارد شرق المتوسط ليضع أيضاً ضغطاً إضافياً على تركيا، التي تسعى لتفعيل أوراق عدّة من أجل توسعة حدودها البحرية وزيادة فُرَصها الاستثمارية، ومن ذلك كانت مبادرتها إثر حادث انفجار ميناء بيروت وإبداء الاستعداد لإعادة إعمار الميناء، ووضع ميناء مرسين التركي في خدمة لبنان، وكانت تهدف عبر ذلك، من جملة ما كانت تهدف إليه، إلى زيادة فرص شركاتها للاستثمار في المياه اللبنانية، إضافة إلى كسب لبنان إلى جانبها في الصراع الدائر على الغاز في شرق المتوسط.

مشروع "إيست ميد" المقترح لنقل الغاز من المتوسط إلى أوروبا... يثير قلق كل من تركيا وروسيا

تحدٍّ آخر يفرضه الحضور الروسي في شرق المتوسط على تركيا، سيكون مع الانتقال إلى مرحلة الترسيم الدقيق للحدود البحرية السورية التركية، وخاصّة في ظلّ عدم استعداد كل من تركيا والحكومة السورية للدخول في مفاوضات مباشرة بسبب تداعيات الأزمة السورية واحتلال تركيا لأراضٍ في شمال سوريا.

وباعتبار أنّ كُلاً من تركيا وروسيا حاضرتان في ساحة شرق متوسطية أخرى، هي ليبيا، فإنه من المحتمل أن  تكون هناك توافقات وتسويات بينهما تتصل بملف استثمار الموارد في شرق المتوسط، بحيث تنسق روسيا مع تركيا في ليبيا، أو تقدّم تنازلاً لها مقابل تنازل تركيا عن حصص ومطالبات على صعيد الحدود البحرية مع سوريا.

وفقاً للعقيدة البحرية الروسية، فإنّ البحر المتوسط يُعتبر منطقة استراتيجية بالنسبة إلى أمن روسيا ومصالحها

يشار إلى أنّ هناك تعاوناً استراتيجياً روسياً - تركياً في مجال الطاقة، كما في مشروع "السيل التركي" لإيصال الغاز الروسي عبر البحر الأسود ومن ثمّ عبر تركيا إلى أوروبا، وهو ما قد يشجع على تفعيل خطط للتعاون والتنسيق أيضاً على صعيد استثمار ونقل وتصدير غاز شرق المتوسط، وربما تدشين "سيل جديد" (روسي - تركي) لتصدير الغاز منه باتجاه أوروبا، وذلك حتى يكون بديلاً لمشروع "إيست ميد" المقترح لنقل الغاز من شرق المتوسط باتجاه أوروبا والذي يستثني ويتجاوز أي دور لكل من تركيا روسيا، ما أثار قلقهم تجاهه.

اقرأ أيضاً: من يعكر أجواء عودة سوريا لحضنها العربي؟

تدرك روسيا أنه لن يكون بإمكانها أن تكون المتحكم والمسيطر الأول على إدارة واستثمار موارد الطاقة في شرق المتوسط، ولكن ما تسعى له هو الاطلاع بدور مهم، وبحيث تسهم بإدارة الاستثمارات بشكل لا يتعارض مع مصالحها، إذ إنّ مصدر غاز آخر تجاه أوروبا من المتوسط سيسبب قلقاً بالغاً للروس، لذلك يسعون ليكونوا شريكاً مؤثراً في إدارة عمليات استثمار هذه الموارد.

ومع هذا الحضور الروسي المستجد في حوض البحر المتوسط، ذي الطبيعة الاقتصادية هذه المرّة، تتأكد "العقيدة البحرية" التي أعلن عنها الرئيس فلاديمير بوتين في العام 2015، والتي وفقاً لها فإنّ البحر المتوسط يُعتبر منطقة استراتيجية بالنسبة إلى أمن روسيا ومصالحها، وخصوصاً الجزء الشرقي منه، باعتباره متصلاً مباشرة بالبحر الأسود.

الصفحة الرئيسية