البابا شنودة الثالث كما لم يخبرك به الخطاب الإسلاموي في مصر

البابا شنودة الثالث كما لم يخبرك به الخطاب الإسلاموي في مصر


20/02/2018

نظير جيد، الشاب النحيف الذي كان يقضي جلّ وقت فراغه في قراءة التاريخ الإسلامي، وبزوغ الإسلام السياسي في المنطقة، فضلاً عن قراءة دواوين الشعر العربي الذي أتقنه، الرجل الذي صيَّره القدر في المنصب البابوي، زعيماً للطائفة المسيحية الأرثوذكسية في مصر، طوال 40 عاماً حاسمة، شهدت فيها البلاد حروباً، وثورة، وانفتاحاً اقتصادياً، وتطبيعاً للعلاقات مع إسرائيل، وأجيالاً جديدة تعيد قراءة وتعريف علاقة الدولة بالدين.

سنّ البابا قانوناً ظلّ راسخاً في الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، وهو رفض الذهاب للأراضي الفلسطينية المقدّسة طالما تقبع تحت الاحتلال

طوال الـ40 عاماً، عرف نظير جيد، الذي صار فيما بعد البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، بعدّة وجوه، فكلّ الفرقاء السياسيين في مصر عرفوه بوجه من وجوهه؛ فقطاع عريض من الإسلاميين رأوا في البابا "مؤجِّج الفتن"، "كاره الأغلبية المسلمة في البلاد"، والمطالب دائماً بحقوق مبالغ فيها للأقباط، مستعيناً على ذلك بالتدخلات الأجنبية، وقد روّج العديد من الإسلاميين لذلك دوماً، ولم تكن النظرة غير المسكوت عنها للدولة المصرية لتختلف عن ذلك، فرغم محاولة إظهار الاحتفاء الإعلامي بالرجل، مع بداية كلّ عام، التي تتزامن مع أعياد الأقباط، إلّا أنّ ما أظهرته، بعد ذلك، شهادات رجال مقرَّبين من السلطة آنذاك، تؤكّد أنّ نظرة السلطة في مجملها للرجل، كانت أقرب إلى تصويره في هيئة الرجل الذي يضغط على النظام دوماً، باصطحابه جهاز "غسل الكلى" خاصته، والتوجّه إلى العزلة، من أجل تحقيق مطالب للأقباط، وفي الوجه الأخير، كان البعض من شباب الأقباط في مصر ينظر إلى الرجل، في نهاية حياته، وبالتزامن مع "أحداث ماسبيرو"؛ التي أعقبت ثورة يناير 2011، وراح ضحيتها العديد من الشباب الأقباط، في صورة الرجل الذي لم يستطع أخذ حقّ القتلى من النظام الحاكم آنذاك.

 صيَّره القدر في المنصب البابوي، زعيماً للطائفة المسيحية الأرثوذكسية في مصر

إصلاح الكنيسة

إنّ هذه الصور وغيرها، التي تشكّلت عند مختلف الأطياف في المجتمع المصري؛ بإيجابياتها وسلبياتها، وبغضّ النظر عن مدى صحّتها من عدمها، كلّها اتسمت بالاختزالية، وبتركيز الصورة على جانب واحد من جوانب الرجل، وربما لا يعرف كثيرون أنّ الرجل الذكي الفصيح، قليل الكلام، الذي بدا عبر الأيام هادئاً، ربما بالنسبة إلى البعض، أكثر مما ينبغي، كان في شبابه مدير تحرير جريدة يظهر على غلافها المسيح وهو يحمل السوط! تعبيراً عن أنّ الوقت قد حان لإحداث الإصلاح الكنسي المنشود للأقباط، وهو شاعر حزب الكتلة الوفدية، الذي كان يكتب قصائد الهجاء في مصطفى النحاس باشا، ويأتي البوليس السرّي إلى منزله ليداهمه، وهو الرّجل الذي ظلّ راهباً في الصحراء لأعوام، جسده هناك، وعقله في كيفية إصلاح الكنيسة المصرية، كما ارتأى هو حينها شكل الإصلاح، والأهم من ذلك كلّه؛ أنّه رجل الدين الذي رفض التطبيع مع إسرائيل طوال حياته، في الوقت الذي هرع فيه رجال السياسة والاقتصاد إلى تل أبيب، لجني أرباح ما بعد التطبيع.

كان يقضي جلّ وقت فراغه في قراءة التاريخ الإسلامي، فضلاً عن قراءة دواوين الشعر العربي الذي أتقنه

رفض التطبيع

إنّ النظر إلى البابا شنودة الثالث، من زاوية رفض التطبيع، وهي الزاوية الأكثر إهمالاً بين كلّ الأطياف، وحتى إن ذكرت، كانت عادةً ما تذكر عرضاً دون تركيز الضوء عليها، بوصفها عموداً راسخاً رسخّه البابا المتنيح - المتوفّى باللغة الكنسية - بين المسيحية المصرية الأرثوذكسية، والقضية العربية الأكثر أهمية، بشكل يصعب على أيّ خلف له تغييره بسهولة.       

سعى البابا شنودة الثالث كثيراً، في لقاءاته بالمسؤولين الغربيين، بطرافته المعتادة، إلى تفنيد فكرة "شعب الله المختار"

ربّما لا يعرف كثيرون أنّ البابا شنودة، كان قد حاضر في نقابة الصحافيين بمصر، في حزيران (يونيو) عام 1966؛ أي قبل النكسة بعام بالتمام، محاضرة بعنوان "إسرائيل في نظر المسيحية"، وهي المحاضرة التي طبِعت وترجِمت بمختلف اللغات، لتوزّع على السفارات المصرية في مختلف أنحاء العالم. كانت هذه هي المرة الأولى التي تنتشر فيها عبارة الرجل التي اشتهرت كثيراً فيما بعد: "إنّ اليهود استولوا على فلسطين بوعد من بلفور، وليس بوعد من الله"، حيث فنّد الرجل، وهو ما سيفعله مراراً بعد ذلك، الأساطير الدينية لدولة إسرائيل، التي كان قطاع من المسيحيين في العالم يرى في قيامها أساساً من أسس الإيمان.

سعى البابا شنودة الثالث كثيراً، في لقاءاته بالمسؤولين الغربيين، بطرافته المعتادة، إلى تفنيد فكرة "شعب الله المختار"، مؤكداً أنّهم لو كانوا كذلك، فسيصبح هو والمسيحيون من هؤلاء المسؤولين، خارج نطاق دائرة هذا الشعب المختار من الله؛ لأنّهم مسيحيون.  

 رفض الرجل أن يذهب مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات آواخر السبعينيات إلى إسرائيل لإعلان السلام

لكن تظلّ أهم النقاط الفاصلة في علاقة البابا شنودة الثالث بملف التطبيع مع إسرائيل، هو ما حدث في أواخر سبعينيات القرن الماضي؛ حين رفض الرجل أن يذهب مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى إسرائيل لإعلان السلام، مؤكّداً حينها أنّ المسيحيين لن يذهبوا إلى أراضيهم المقدسة بفلسطين إلّا بصحبة إخوانهم من المسلمين، وليس عبر الكيان الصهيوني، وبذلك سنّ البابا قانوناً ظلّ راسخاً في الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، وهو رفض الذهاب إلى الأراضي المقدّسة طالما تقبع تحت الاحتلال.

توالت الحوادث الطائفية ضدّ الأقباط في مصر جعلت البابا يتّخذ مواقف من النظام رفض خلالها مقابلة المسؤولين بالدولة

بعد حادثة الرفض هذه، توالت الأزمات بين البابا والرئيس السادات، وتوالت أيضاً الحوادث الطائفية ضدّ الأقباط في مصر، ما جعل الرجل يتّخذ مواقف حدّية من النظام، رفض خلالها مقابلة المسؤولين الرسميين في الدولة، ووصل الأمر حدّ تحديد إقامته من قبل النظام الساداتي، في وادي النطرون، وتوالت بعد ذلك التجاذبات بين البابا، الذي مكث على كرسيه الباباوي 40 عاماً، وبين السلطة والإسلاميين، وفي طيات كلّ ذلك، بقي موقف الرجل من إسرائيل ومن قضايا أمته العربية منسياً، ولا يذكر إلا عرضاً في المناسبات، رغم ما لهذا الموقف من تأثير كبير على مصر.

الصفحة الرئيسية