الباطنية في الإسلام وصِلاتها بين الشيعة والسنّة

الباطنية في الإسلام وصِلاتها بين الشيعة والسنّة

مشاهدة

29/08/2018

ترجمة: مدني قصري


ما هي الصلات بين الشيعة والصوفية، وهما التياران الباطنيان داخل الإسلام؟ خلال حياة الأئمة الشيعة التاريخية، حتى بداية القرن التاسع تقريباً، كان الشيعة والصوفية متقاربين جداً؛ كانت تعاليم الأئمة، التي تتضمن عنصراً روحانياً قوياً، تستقطب المتصوفين، وكان العديد من الشيوخ الصوفيين العظماء، بحسب بعض المصادر، يعاشرون الأئمة بالفعل.

التشابه بين التصوّف والتشيّع

تقول الباحثة بريجيت بودون (Brigitte Boudon)، أستاذة فلسفة، ومؤسِّسة "خميس الفلسفة" (Jeudis Philo) في مرسيليا، ومؤلفة "طرق الخلود في اليونان القديمة، رمزية بروفانس، رمزية الشجرة، رمزية الصليب" إنّ للعديد من المفاهيم الصوفية الأساسية ما يوازيها في التشيّع:

-  استمرار الدفق النبوي في سلالة "أحباب الله القديسين"؛ حيث إنّ مفهوم الولاية قريب جداً من مفهوم ولاية الشيعة؛ إذ يشير إلى التولية الإلهية للأئمة.

اقرأ أيضاً: حضرة عنايت خان.. ما هو الدين عند الصوفي؟

- مفهوم القطب المماثل للإنسان-الإله، أو الإمام الكونيّ في المذهب الشيعيّ.

- سلسلة النقل التلقينيّ المشابهة لنقل النور في سلالة الأئمة الشيعة، ...إلخ.

مفهوم ولاية الشيعة يشير إلى التولية الإلهية للأئمة

الرؤية بالقلب

بعد احتجاب الإمام الثاني عشر للشيعة الإثني عشرية، في النصف الثاني من القرن التاسع، تطوّر هذا الفرع من الشيعة إلى شكل أكثر قانونية وتسييساً؛ حيث اندمجت العناصر الباطنية لهذا التيار في الصوفية، وفي الإسماعيلية؛ حيث إنّه في وقت لاحق، انعكست الأدوار، فأصبح الشيعة هم أتباع الصوفية، خاصة أتباع مدرسة مُعلم القرن الثالث عشر والثالث عشر العظيم، محيي الدين ابن عربي.

من المرجّح جداً أنّ تكون الملابس الصوفية قد ارتبطت بالفعل بالروحانية في العصور ما قبل الإسلامية

ويُعدّ حيدر أمولي، وهو عالم من الشيعة الإثني عشرية، اشتهر في القرن الرابع عشر بتفسير أعمال ابن عربي، واحداً من أبرز الشخصيات في هذا التقارب بين الصوفية والشيعيّة.

عملياً؛ جميع المراتب الصوفية، التي بدأت تتشكّل بعد القرن الثاني عشر، تُرجِع سلاسل تلقينها الروحي إلى النبي محمّد، صلّى الله عليه وسلّم، من قِبل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، هذا الأخير كان هو أيضاً مصدر المعرفة التلقينية في المذهب الشيعيّ.

ويمكن أيضاً ملاحظة تقارب التيارين الباطنيَّين في تشابه بعض الممارسات الروحية، مثل "الرؤية بالقلب".

اشتهر حيدر أمولي (عالم من الشيعة) بتفسير أعمال ابن عربي

التصوّف: الاتحاد مع الله

يشير التصوف إلى جهد استقراء الوحي القرآني، والقطيعة مع الدين القانوني (الشريعة) البحت، والرغبة في استعادة التجربة الحميمة التي كانت للنبيّ، عليه السلام، في ليلة المعراج: الصعود لتلقّي تعاليم الله حول الصلوات الخمس.

الهدف الأسمى للصوفي؛ هو مماثلة إرادته بإرادة الله، وأن يكون حيّزاً للتعبير الإلهي؛ جسداً وروحاً، إنها طريقة زهدية؛ حيث يقود فيها الكفاح ضدّ المشاعر بفضل القلب إلى النشوة، من خلال اتحاد مع الله، مبنيّ على الحبّ المتبادل الذي يذكره القرآن.

علاقة الصوف بالمتصوّف

الاشتقاق السائد بشكل عام، يستمدّ كلمة صوفي من كلمة "الصوف"؛ التي تشير إلى العُرف الصوفيّ في ارتداء ثوب ومعطف من الصوف الأبيض، بالتالي؛ فإنّ الكلمة لا تحمل أيّة إشارة إلى العقيدة الروحية التي تميّز الصوفيين في الإسلام، ومن المرجّح جداً أنّ تكون الملابس الصوفية قد ارتبطت بالفعل بالروحانية في العصور ما قبل الإسلامية.

اقرأ أيضاً: الطرق الصوفية في مصر..هل تكون جسر إيران لاختراق مصر؟

يوحي لفظ الصوفي بالعديد من تداعيات الأفكار والصور، مثل؛ النقاء، وكون الصوفي حبيب الله والفقر والشخص الذي يتبع الطريقة، كما يشير إلى جميع المتصوّفين والروحيين الذين يمارسون إيمان التصوّف.

يفترض أنّ أعضاء مجموعة الكوفة الروحية الشيعية، على حدود القرنين؛ الثاني والثالث للهجرة، هم أوّل من أطلِق عليهم اسم الصوفية، لكنّ آثار الصوفية الشيعية ما لبثت أن اختفت حتى القرن السابع الهجري، وقد عادت للظهور من جديد إلى يومنا هذا.

الاشتقاق السائد بشكل عام، يستمدّ كلمة صوفي من كلمة "الصوف"

من النقد إلى الاضطهاد

نقطة انطلاق شجرة النسب لمعظم التجمعات الصوفية، تتمثل في أحد الأئمة؛ وقد واجهت الصوفية على مرّ القرون عدداً من الصعوبات من جانب الإسلام الرسمي، بدءاً من انتقادات ساخرة وانتهاءً بالاضطهاد.

ظاهرة الصوفية لم تظهر تماماً بذات الكيفية؛ حيث اختلفت تعبيراتها تبعاً للمكان الذي عاشت فيه، في إيران الشيعية، أو في الإسلام السنّي.

اقرأ أيضاً: ما علاقة صوفيّة مصر بإيران؟

عددياً عبر القرون، الغالبية العظمى من الصوفيين يعيشون في العالم السنّي، وهو ما يبدو مفارقة؛ نظراً إلى قرب الرؤية الصوفية من الشيعة، وعلاوة على ذلك؛ ففي العالم الشيعي، غالباً ما يكون هناك تحفّظ إزاء التصوّف، أقرب إلى التحفّظ والرفض والإنكار.

ما هي الصلات بين الشيعة والسنّة والتصوّف؟

إنه موضوع بالغ التعقيد؛ كان هناك صوفيّون من الشيعة منذ البداية، لكنّ بعض الأئمة عبّروا عن شجب شديد تجاه الصوفيين.

الصوفية لم تظهر بذات الكيفية حيث اختلفت تبعاً للمكان الذي عاشت فيه في إيران الشيعية أو في الإسلام السنّي

في الواقع؛ منظمة الأخوية الصوفية هي المعرَّضة أكثر للانتقاد من قبل الشيعة في أغلب الأحيان: الرهبنة، والثياب الرهبانية، ودور الشيخ الذي يميل إلى أن يحلّ محلّ الإمام، خاصّة محلّ الإمام الخفي، المُعلّم والمرشد الداخلي، لأنّه غير مرئيّ.

تعتقد الشيعة أنّها، في جوهرها، الطريق الروحي، والمسار التلقيني بامتياز؛ فمن خلال الإخلاص للأئمة القديسين، يُبدي الشيعي استعداده لتلقّي هذا التلقين منهم، وهي االمُسارة (التلقين) التي تربطه، بواسطة صلة شخصية مباشرة بالعالم الروحي، في بُعدٍ رأسي، دون الحاجة إلى الدخول رسمياً في جماعة منظمة.

هناك صوفيّون من الشيعة منذ البداية

التصوّف: استبطان محتوى الوحي القرآني

التصوّف ظاهرة روحية ذات أهمية قصوى؛ إنّه في الأساس إثراء للرسالة الروحية التي جاء بها النبي، عليه السلام، والجهد من أجل إعادة تجسيد الطرائق تجسيداً شخصياً، من خلال استبطان محتوى الوحي القرآني، وفي الوقت نفسه مع التقيد الكامل بالقانون الديني، ويظلّ افتراض النشوة التي تلقَّن فيها النبي، عليه السلام، الأسرار الإلهية، تجربة مثالية تسعى الصوفية إلى الوصول إليها وإدراكها.

اقرأ أيضاً: الطرق الصوفية في تركيا.. عبادة أم سياسة؟

التصوّف احتجاج ضدّ أيّة نزعة لتقليص الإسلام إلى الدين القانوني والحرفيّ، وقد توصّل إلى تطوير تقنية زهد روحيّ تستدعي درجاته وتقدّمه وأهدافه، ميتافيزيقا كاملة تسمَّى "العرفان"، وهي معرفة الحقائق الخفية، الغنوص.

الموضوعات الرئيسة:

- قطبية مزدوجة من الباطنية والظاهرية: الظاهر والباطن.

- الشريعة، الطريقة، الحقيقة.

مفاهيم الظاهر والباطن

للإسلام جانبان: جانب واضح بديهيّ خارجيّ ظاهر، وجانبٌ مخفيّ غامض جوانيّ باطنيّ.

التصوّف احتجاج ضدّ أيّة نزعة لتقليص الإسلام إلى الدين القانوني والحرفي

مصطلح الظاهر، يستحضر معنى "خلْف، وراءَ، ظهْر"؛ إنّ ما هو واضح في الواقع هو فقط "ظَهْر" الشيء، ونحن لا يمكن أن نعرف الشيء حقاً حين نراه من الخلف. في المقابل؛ الباطن يستحضر معنى "الأمام، الجبهة، المركز، الوسط"، إنّ ما هو مخفيّ هو في الواقع "واجهة" الشيء؛ فحتى تتمكن من معرفة شيء ما، عليك اكتشاف وجهه الذي يظل مخفياً.

الظاهر هو فضاء الشريعة، القانون الديني، الدين البديهي الواضح، هذا المصطلح العربي يستحضر صورة طريق عظيم، شريان واسع يمكن أن يضمّ عدداً كبيراً من الناس، على أغلبية، القانون (الشريعة) هو مجال التزامات العبادة، مجال "ما يجب القيام به"، مجال "الواجب".

أما الباطن، والمسار الذي يميّزه، فيمكن تقسيمهما إلى ثلاث مراحل.

المرحلة الأولى: الطريقة

على عكس الشريعة؛ الطريق الكبير والواسع، يوحي بمسار ضيّق لا يمكن أن يتخذه إلا قلّة من الناس، يمكن تعريف هذه الخطوة الأولى على أنّها: "مجال كيفية القيام بما يجب القيام به".

الطريقة لفظ عربي يدل على "الدرب، الطريق، المسار"، وقد أخذت معنيَيْن اثنين متتاليين في التصوّف الإسلامي:

في المعنى الأول: تُحدّد هذه الكلمة طريقة علم النفس الأخلاقي لتوجيه كلّ استعداد فرديّ؛ من خلال رسم مسارٍ ينطلق من الروح إلى الله، ويؤدي عبر مراحل مختلفة من الممارسة الحرفية للأمر الموحَى به (الشريعة) إلى الحقيقة الإلهية - الحقيقة.

اقرأ أيضاً: صوفية السودان.. نشر الدين وقيم التسامح والمحبة

في معناه الثاني: يشير مصطلح الطريقة إلى مجموع طقوس التدريب الروحية الموصَى بها، للعيش معاً في مختلف التجمعات الإسلامية، وقد توسّع المعنى فأصبح مرادفاً للأخوية؛ أي لمجتمع قائم على تعليمات خاصة تحت سلطة المعلم نفسه.

لا يوجد فاصل، أو فجوات بين المسار الظاهر والمسار المخفي؛ بل الأمر يتعلق باستمرارية في مسار الرحلة الدينية نفسه، وتطور تدريجي في حالات الوعي.

المرحلة الثانية: المعرفة والمعجزة

تتكوّن المرحلة الثانية من الباطن من مستويين:

المستوى الأول: هو المعرفة؛ حرفياً "المعرفة" المُنقذة والمُحوِّلة، وهنا يتعلم الشخص معرفة العلم الروحيّ في المجالات الفلسفية أو اللاهوتية، إنّه مجال "المعرفة"؛ حيث يبدأ المتعلّم في تعلّم العلوم التي تقرّبه من سعيه.

المستوى الثاني: هو الكرامة "المعجزة"؛ إنه "القوة" التي تطوّر في الصوفي حالات متغيرة من الوعي، وفهماً فورياً للقوانين والوسائل التي تؤدي إلى الغرض من السعي.

المرحلة الثالثة: الإدراك الكامل

المرحلة الثالثة والأخيرة من الحياة الروحية؛ هي مرحلة الإدراك الكامل؛ أي التجربة الحيّة للحقيقة والواقع. هنا، يصل المسافر إلى مجال الكائن (الكينونة)؛ إنّها حالة اتحاد الأضداد، والتقاءُ الأضداد في معنى الكائن المطلق، إنه مجال الاتحاد والوحدة، وذوبان الإنسان في روح الإله.

ابن عربي: الأفلاطوني بامتياز

ابن عربي، الشخصية الصوفية المرموقة، يُطلق عليه أحياناً اسم "لِسنانيّ الباطنية الإسلامية"؛ وقد هزّت عقيدته عالم الفكر الإسلامي، ما أثار الكثير من الجدل، وهيمن عمله على الروحانية الإسلامية منذ القرن الثالث عشر المسيحي، ولم تعرف الصوفية أبداً شخصية أقوى وأكثر تعقيداً منه، أطلق عليه تلاميذه فيما بعد اسم الأفلاطوني بامتياز (ابن أفلاطون).

للإسلام جانبان: جانب واضح بديهيّ خارجي ظاهر، وجانبٌ مخفيّ غامض جوانيّ باطنيّ

أثّر نفوذه في مؤيديه وخصومه، ويُمثّل معجمُه التقني الشكل المستكمل للمفردات اللغوية في اللغة العربية، وقد تبنّى المفكّرون المسلمون فيما بعد، سواء أكانوا عرباً أو إيرانيين أو أتراكاً، مصطلحاته.

ولِد ابن عربى في مورسيا بإسبانيا عام 1165، وبدأ في إشبيلية باكتساب ثقافة إسلامية كلاسيكية؛ دينية وأدبية.

تؤكد سيرة حياته أنّه في سنّ المراهقة، كان قد قام بالفعل بجولة في العلوم الإسلامية؛ كان عمره عشرين عاماً تقريباً عندما سمع دعوة السماء إلى الحياة الحقيقية، فاستجاب عن طريق انتخاب "الطريق"، وتجسّد تحوُّله الروحي أوّلاً باعتكافه لمدة تسعة أشهر تحت إشراف معلم روحي.

اقرأ أيضاً: زوايا صوفية في الأردن محاطة بأسوار عالية وكاميرات

بعد الانتهاء من معتكفه الذي دام تسعة أشهر، وجّه ابن عربي حياته ونشاطه نحو تعميق الدراسات الميتافيزيقية والتقليدية، وزيارة المعلمين الروحيين العظام، وتأليف أعمال باطنية، وتكوين أشخاص يطمحون إلى حياة الفكر النقي والروحانية.

أطلق عليه تلاميذه فيما بعد اسم الأفلاطوني

ابن عربي يثير فضول ابن رشد

بمجرد دخول ابن عربي إلى الطريقة، ظهرت ظواهر نفسية استثنائية ما لبثت أن جذبت فضول الفيلسوف ابن رشد (Averroes).

كان ابن رشد صديقاً مقرباً لأب لابن عربي، كان لقاءً لا ينسى بين عقلين متعارضين تماماً، من حيث رؤيتهما للعالم، ومفهومهما للخلاص الذي سجله ابن عربي في أحد أعماله.

شغف ابن عربي بالكمال

تميّزت جهود ابن عربي بالبحث عن الكمال، وعن تطوّر مستمرّ نحو الحقيقة والسلام، كان شغوفاً بمعرفة كلّ درجات التفاني في جميع الأديان والمذاهب، عن طريق التواصل المباشر مع روح مؤسّسيها.

اقرأ أيضاً: الشيعة والإسلام السياسي

هذا الموقف من الانفتاح على العالمية لم يكن يمكن التعبير عنه في البيئة الأندلسية في عصره؛ لذلك، عام 1202، غادر المغرب العربي نحو الشرق الأدنى، وهكذا عاش مغامرة رائعة امتدت 40 عاماً في الشرق المسلم. مكث سنتين في مكة، غارقاً في تأملات تخللتها رؤى وأحلام صوفية، وقد قادته رحلاته إلى بغداد والموصل والأناضول.

ومن عام 1224 حتى وفاته، عاش في دمشق، حيث دُفن، ورغم انتقاد العلماء الأرثوذكس، فقد مارس هناك حياة حافلة بالعمل والتعليم.

أشهر مؤلفات ابن عربي

أعماله عديدة للغاية؛ فقد فهرسها أحد الباحثين السوريين، يدعى عثمان يحيى، ووجد 856 عملاً، منها 550 عملاً وصل إلينا، وتشهد عليها 2917 مخطوطة.

حسبنا أن نستعرض بشكل رئيس أعماله الثلاثة الأكثر شهرة: كتاب "الفتوحات الروحية في مكة"، كتاب "التجليات الإلهية"، وكتاب "الأحجار الكريمة للحكمة".

استغرق ثلاثين عاماً لكتابته بالكامل

كتاب الفتوحات المكّية

بدأ المؤلف بكتابته عام 1203، واستغرق ثلاثين عاماً لكتابته بالكامل، يتكوّن العمل، في مفهومه الأصلي، من 560 فصلاً، مقسمة إلى 6 أقسام كبيرة.

اقرأ أيضاً: كيف اخترقت القيادة الإيرانية شيعة أفغانستان؟

أجزاء هذا الكتاب المختلفة مرتبة عضوياً؛ في هذا الكتاب يضع ابن عربي الأسسَ العقائدية التي يعدّها ضرورية للصوفي في صعوده إلى الواقع، وهذا هو الجانب النظري من رؤيته للكائن، ثم يأتي إلى التطبيقات التي يجب على الحاج اتباعها من أجل تقدّمه الروحي وكماله الشخصي، ثم يصف الحالات التي يتعيّن على الصوفيّ أن يمرّ بها، والأحداث التي يواجهها في صعوده، ثم تأتي البيوت الروحية، التي ترك الحبيب فيها آثار وجوده على هذه الأرض، المنفى والمعاناة، يتوقف الصوفي عند هذه المساكن لحظات عابرة، ويجد فيها الراحة والعزاء.

كتاب التجليات

هذا الكتاب أنجز في الموصل في نهاية عام 1204؛ حيث طوّر فيه ابن عربي فكرته الرئيسة المتعلقة بالوحدة الإلهية، ولعرض فكره، اختار شكل حوار خيالي مع معلمي الشرق الروحيين العظام الذين سبقوه.

هذا الكتاب أنجز في الموصل في نهاية عام 1204

وحدة الكائن من وحدة الإله

ما دامت هناك وحدة على مستوى البعد الإلهي، فهناك بالضرورة وحدة على مستوى الكائن.

الأحادية اللاهوتية والأحادية الأنطولوجية مرتبطتان، ومن ناحية أخرى؛ إذا كان الله هو الكائن الوحيد للإيمان والعشق، فإنّ هذا الإله نفسه هو الموضوع الأسمى للكائن.

من هذا المنظور؛ ما هو الوضع الوجودي لكل ما هو غير الله؟ يجيب ابن عربي: إنها الأماكن التي يظهر فيها الكائن، الأشكال التي يكشف فيها الإله عن وجوده، أو إذا أخذنا صورته المفضلة، إنها المرايا المتجلية التي ينعكس فيها مجد الكائن، ابتداء من المادة الخام (الذرّة) إلى الفكر الأعلى.

كتاب حكمة الأنبياء

يستعرض هذا الكتاب، الذي صدر في دمشق عام 1230، حياة وتاريخ 27 من الأنبياء التوراتيين الذين ذكرهم القرآن، من آدم إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم.

اقرأ أيضاً: الشيعة والسنة.. الفتنة الكبرى في 100 سؤال

أثار هذا العمل الغامض ردود أفعال عنيفة في عالم الفكر الإسلامي منذ نشره حتى اليوم، وبالفعل، فإنّ موقف ابن عربي بسيط، لكنّه جريء للغاية: إنّه يوضح عقيدته في التوحيد، ويمكن تلخيصها على النحو الآتي: إذا كان عرض الأنبياء في القرآن يبدو كتفسير ديني زمني، فإنّ عرض هذه الشخصيات نفسها، عند ابن عربي، يظهر كتفسير وجودي، أي أنّ المؤلف يتناولهم من حيث واقعهم الميتافيزيقي، وليس من حيث واقعهم التاريخي والديني.

كلّ كلمة نبوية هي تعبير خاص عن الحكمة الإلهية.

مفهوم العالم "المثالي"

مفهوم "التصوري المثالي" (imaginal)؛ مصطلح اقتبسه الفيلسوف الفرنسي هنري كوربين (Henry Corbin)، ويحمل هذا اللفظ الجديد المبتكر، تعظيماً فلسفياً للصورة.

الخيال الإبداعي يشكل الملكة المركزية للروح؛ فهو يمنحنا الوصول إلى منطقة وواقع الكائن الذي يظلّ من دونه هذا الخيال الإبداعي مُغلقاً أمامنا، وممنوعاً علينا (H. Corbin، الجسد الروحي والأرض السماوية).

عالم الملكوت

قوة الروح هذه تفتح الكائن والمعرفة على عالم ما فوق الحسّي: لا العالم المعروف بالحواس، ولا العالم المعروف بالفكر، إنما على عالم ثالث، عالم تفاعلي ما بين المحسوس والمفهوم، وهذا ما يطلق عليه بعض المؤلفين اسم "عالم الروح"، الذي تُطبّق عليه الفلسفة الشرقية اسم "الملكوت".

التقليد الأفلاطوني في الإسلام

تميّز التقليد الأفلاطوني في الإسلام ثلاث حقائق: "العالم العقليّ أو العالم المفهومي، والعالم المثالي أو العالم الخيالي، والعالم الحسّي. ويستند هذا التمييز على الاعتراف "بأشكال" محدّدة لكلّ منها تراتبياً، وفق ثلاث مناطق في الكائن والمعرفة: أشكال عقلانية، وأشكال مثالية، وأشكال محسوسة.

تقول الباحثة بريجيت بودون (Brigitte Boudon): "لقد أسعفتنا اللغة اللاتينية؛ حيث إن (mundus imaginalis) "عالم التصويرية"؛ هو في اللغة العربية المعادل الحرفي لـ "العلم المثالي"، لا يعني هذا عالماً من الصور كواقع متدنٍّ، أو ضعيف، أو متجذّر في المعطيات الحساسة، أو حقيقة خرافية، لكنّه مصدر حقيقي للمعرفة، الروح "تلتقي" هذا الواقع المثالي من خلال إدراك مثالي، بمعرفة مثالية، وبوعيٍ مثالي".

اقرأ أيضاً: على ماذا يجتمع السنة والشيعة؟ وما الذي يفرقهم؟

ابن سينا، السهروردي، ابن عربي، مولا سادرا شيرازي، كلّهم فلاسفة، "شهود" على هذا الصعود إلى "أرض الرؤى"، بمنظور التقليد الفيثاغوريـ الأفلاطوني، النقي.

العالم المثالي؛ هو مكان رؤية الأنبياء والصوفيين، والقيامة، والملاحم والأساطير التلقينية، والرموز والطقوس التلقينية، وجميع عمليات الغنوص. إنه مكان "طريق الروح" (G. Durand، P. Solié) وجميع ظواهر الروح (H. Corbin).


المصدر: L'ésotérisme dans l'Islam

الصفحة الرئيسية