البوتينية والترامبية في وطن عربي ممزق

أمريكا

البوتينية والترامبية في وطن عربي ممزق

مشاهدة

23/10/2018

ما أن يُذكر قطبا الحرب الباردة -المنتهية افتراضاً- أمريكا وروسيا، حتى يحضر الوطن العربي الذي كان، فيما مضى، من أبرز ساحات صراعات النفوذ بينهما، في أوج تلك الحرب التي رغم انتهائها ظاهرياً مع تفكك الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات، عاد هذا الصراع إلى الواجهة بثوب جديد مع تصاعد أحداث "الربيع العربي".

اقرأ أيضاً: الانسحاب الأمريكي يترك روسيا وإيران وتركيا في الفخّ

تتمثل الدولتان اليوم برئيسيهما؛ دونالد ترامب، وفلاديمير بوتين، المنحدران من أيديولوجيتين مختلفتين، وثقافتين شابهما الصراع أينما التقتا، على امتداد القرن الماضي، بينما يقيم العرب في الوسط، والمثال الأهم على هذا الموقع هو سوريا، التي تعدّ مثالاً واضحاً على تمزق الجغرافيا والديموغرافيا العربية، كلما توسع الصراع وامتد بين البوتينية والترامبية، فأين يكمن الواقع العربي بين طرفي هذا الصراع؟

بين فكّي الصراع

منذ انتهاء عملية الفرز للقوى العظمى، بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الخرائط السياسية للعالم تتلون بالأزرق والأحمر عادة، ليشير كلّ لونٍ إلى مناطق نفوذ الاتحاد السوفييتي من جهة، وأمريكا من جهة أخرى، وبقيت هذه الثقافة السياسية سائدة في العالم حتى يومنا هذا، ظاهرة في أبسط الأشياء كذلك؛ إذ إنّ الألعاب الرقمية الحربية للأطفال والمراهقين، أصبحت بدورها تضمّ خياراتٍ لحروب طاحنة بين روسيا الاتحادية حالياً، وأمريكا.

انضمت قوى شعبية عربية يسارية وإسلاموية إلى محور روسيا بينما طالبت أخرى أمريكا بالتدخل في سوريا

وقد تأثر الوطن العربي، بدوره، بكل ما تعلق من صراعات بين القوتين العظميين خلال الحرب الباردة، والتي تجلت في العالم العربي، إبان العدوان الثلاثي على مصر، عام 1956، وظهرت في تحالفات محدودة أو واسعة؛ عسكرياً واقتصادياً، في مراحل لاحقة؛ بين بعض الأنظمة العربية وروسيا، مثلما فعل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الستينيات، ومن بعده العراق وسوريا، مقابل محور لقِّب سياسياً بمحور الاعتدال العربي، وشمل دولاً خليجية وعربية أخرى.

منذ منتصف القرن الماضي؛ مرّت هذه العلاقات، السياسية منها، والاقتصادية، كما في موضوع النفط العربي، بتحولات كثيرة، يمكن اختصارها بالعلاقة التي توطدت بين أمريكا والاحتلال الإسرائيلي، والتدخل الأمريكي كوسيطٍ في الحرب الأهلية اللبنانية، وفي اجتياح لبنان فيما بعد، ثمّ دوره في الجهاد العالمي والحرب في أفغانستان نهاية الثمانينيات، مدفوعاً بمواجهته الاتحاد السوفييتي، ومن ثم التحولات الأكبر التي انتهت باحتلال العراق عام 2003، وتثبيت العديد من القواعد العسكرية في العالم العربي.

اقرأ أيضاً: مخاوف بوتين من انفراط عقد التحالف الثلاثي في سوريا

أما الدور الروسي؛ فتمثل منذ نهاية الثمانينيات، وحتى نهاية عام 2010، بتنازلات جغرافية وسياسية عن العديد من التحالفات الإستراتيجية التي كان يقيمها، مثلما حدث مع العراق.

العالم الذي تشكّل بين المحورين وتمزّق بفضلهما كذلك

لم يكن التأثير في الوطن العربي، مجرد تأثير سياسي، متعلقٍ بأحداثٍ أو حروب أو باحتلال فلسطين فحسب، بل إنّ الماكينة الأمريكية؛ البحثية والفكرية والسياسية، عملت في مؤسساتها من أجل تحديد الخطابات العربية القائمة طوال عقود، وتفكيكها، ومن ثم إعادة تركيبها بصورةٍ ملائمة لسياساتها، فوقع أثرها على تصورات الحركات الإسلاموية، واليسارية، وغيرها.

وربما تشكّل الاستعانة بأفكار ومقترحات المستشرق برنارد لويس، مثالاً واضحاً على هذا الرأي؛ حيث تمت الاستعانة بتوصياته ومقالاته الفكرية والتاريخية حول المنطقة العربية منذ سبعينيات القرن الماضي، وخصوصاً بشأن إدارة العلاقات مع الجماعات الإسلاموية، والتأثير في توجهاتها، وكذلك في الفاعلين اقتصادياً وسياسياً في الدول العربية، ومحاولة إرساء حالة دائمة من التوازن الذي يخدم مصالح أمريكا، مع من هم في سدة الحكم.

النظام، الذي يمكن اعتباره جديداً من ناحية روسيا البوتينية، سوف يراه الكثيرون غير جديدٍ من ناحية أمريكا الترامبية

وقد جاء في مقالٍ نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، بتاريخ 21 أيار (مايو) 2018؛ أنّ "نظرية لويس عن عودة الإسلام بصورة أقليات، طائفية وجماعاتية، للمساهمة في تفكيك الشرق الأوسط، وخلق واقع سياسي جديد، تعدّ أهم ما جاء به المستشرق عام 1983، حين استشاره الأمريكيون بهذا الخصوص"، ويوضح المقال كذلك، دور لويس في محاولة إجراء دراسات حول تطبيق نماذج من الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979، ومن تركيا؛ الدولة الموصوفة بالعلمانية والدين معاً، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي.

إضافة إلى مقولات غربية صدرت عن لويس وسواه، قادتها أمريكا مطلع الألفية الثالثة، وتمحورت حول معاداة الإسلام للسامية، وحول التطرف والعنف المتعلقين بالعرب والمسلمين، وانتشار ظواهر مثل الإسلاموفوبيا وغيرها.

اقرأ أيضاً: جون إسبوسيتو: العداء للإسلام سيتحوّل إلى معاداة سامية جديدة

وربما حاولت روسيا طرح كلّ هذه الأمور بصيغ أقلّ جدّة وتشدّداً، مركزة على جوانب ثقافية وتعليمية، أكثر من أمور أخرى؛ فوفق الكاتب والباحث "وولتر لاكوير"؛ إنّ "محاولات تشكيل خطاب إسلامي معين من قبل أمريكا، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول  (سبتمبر) 2001، قوبلت تاريخياً بوجود مسلمين طبيعيين داخل حدود الاتحاد السوفييتي، وفي روسيا الاتحادية لاحقاً؛ حيث تعرّض مسلمو روسيا إلى حملات عنيفة منذ قيام الشيوعية، أسهمت لاحقاً بتشكيل صورةٍ عن روسيا؛ أنها مضادة للإسلام والمسلمين أكثر من أمريكا ذاتها".

ساءت صورة روسيا لدى المسلمين بسبب انتهاكات الشيوعية اللينينية لحقوق المسلمين الروس وبسبب حرب أفغانستان

ويرى لاكوير أيضاً، في كتابه "البوتينية"؛ أنّ "سمعة الاتحاد السوفييتي تردت في العالم الإسلامي إبان حرب أفغانستان، وأن اهتماماً عربياً أكبر تشكل بشأن المسلمين الروس، الذين كانوا سابقاً في أسفل سلم اهتمامات العالم الإسلامي".

ورغم ذلك؛ يعتقد لاكوير أنّ روسيا تختلف بالطبع عن أمريكا، خلال تاريخها الحديث؛ ففي روسيا "كانت توجد لجان وجمعيات من أجل دعم معاداة السامية، وإرساء القواعد الثورية للشيوعية اللينينية ضدّ الاحتلال"، كما يكشف الكاتب عن رؤية مختلفة، مثلاً، لأحداث 11 سبتمبر، فيقول: إنّ "الروس المسلمين وغيرهم من الفاعلين في النشاط الثقافي والسياسي الروسي، رأوا أن أسامة بن لادن وجماعته، مجرد أدوات في يد الصهيونية العالمية".

لكن؛ أين يقع تأثير كل هذا اليوم؟ وكيف أسهم في الدمار الحالي، خصوصاً على أرض سوريا، كمثال واضح؟

وقعت سوريا والوطن العربي بين فكّي الصراع

العمليون والمبدئيون

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، منذ ما لا يقل عن ثمانية عشر عاماً، لم تعد الأفكار هي التي تشكّل الآراء والمبادئ فقط، سواء في العالم الإسلامي أو في غيره؛ بل، ووفق المعادِين للّيبرالية الأمريكية، من أمثال الباحث والأستاذ في جامعة كولومبيا، جوزيف مسعد، صاحب المقال المعروف: "الإرث المدمّر لليبراليين العرب"، فإنّ "الكثير من الأنماط الاقتصادية التي تمت في العديد من الدول العربية؛ كالخصخصة، والاقتراض من البنك الدولي، وأنظمة معينة تعتمد على الريعية وزيادة الضرائب والتقليل من الإنتاج، تبعتها حالات ثقافية معينة أسهمت في ترسيخها وترسيخ التبعية لها، مثلما حصل في مصر السادات وسواها"، بحسب مقال مسعد، الذي يؤكد كذلك أنّ العديد من اليساريين والإسلامويين أصبحوا ليبراليين، ومساهمين في ما وصفه "الإرث المدمر".

تشكلت أحلاف عربية بين أمريكا والاتحاد السوفييتي منذ ستينيات القرن الماضي لتتحول لتدخلات سياسية واقتصادية فيما بعد

ولا يملك مسعد في مقاله ذاك رؤية واسعة عموماً، للتناقضات الكبيرة، التي عادت منذ عام 2014 إلى العالم؛ أي بعد احتلال روسيا المفاجئ لشبه جزيرة القرم، وتخوف الناتو من عدم اهتمام أمريكا بحماية أوروبا من توسّع روسي محتمل، أما العرب، فبدأت الحكاية عندهم بعد دخول الروس إلى سوريا بقوة، بعد عام 2014.

وقياساً على سوريا، والحرب المرعبة فيها لسبعة أعوام، على الأقل، جرت خلالها مطالبات عديدة من قبل العرب والمسلمين لأمريكا أن تتدخل وتوقف شلال الدم هناك، إلى أن تعقدت الأوضاع بدخول روسيا؛ حيث أجمعت الدولتان في النهاية على محاربة الإرهاب وتنظيم داعش الإجرامي، ورمت كلّ منهما خلف ظهرها مجريات الحرب ونتائجها المدمرة.

اقرأ أيضاً: على ماذا سيتفق أردوغان مع بوتين حول إدلب؟

في سوريا؛ دار السجال الروسي الأمريكي أمام العالم أجمع، فشهد مجلس الأمن، "17" مرةً، صوتت فيها روسيا ضدّ أيّ قراراتٍ دولية تتخذ تجاه سوريا في مجلس الأمن، وكانت أمريكا تفعل هذا مراراً في السابق، من أجل مصلحة حليفتها (إسرائيل).

والجديد؛ أنّ القوى السياسية العربية، الشعبية تحديداً، يسارية أو يمينية أو إسلاموية، انقسمت على ذاتها بصورة عميقة، ولأنّ أمريكا لم تتدخل من أجل الحسم في سوريا، فإن حلفاً معنوياً على الأقل، تشكل بين قوى الجيش السوري وحزب الله، وميليشيات إيران في سوريا، ومعظمها تحمل صفاتٍ دينية وطائفية، مع أنصار التقدمية العربية السابقين من اليسار؛ الذين عدوا التدخل الروسي اللاحق، انتصاراً لهم ولمحورهم، خصوصاً بعد أن بدأت الأوضاع تبدو مستقرة في سوريا، منذ نهاية عام 2017.

منذ انتهاء عملية الفرز للقوى العظمى أصبحت الخرائط السياسية للعالم تتلون بالأزرق والأحمر

وعلى النطاق الآخر؛ استمرّت أمريكا حتى اليوم، في تعطيل اتخاذ قرارات نهائية بشأن سوريا، في انتظار أن يحصل حلفاؤها الثوريون، إن صحّ التعبير، على شيء مما أرادوه من الكعكة السورية، سواء سياسياً أو اقتصادياً. من ناحية أخرى؛ يتم اتهام أمريكا من قبل الثوريين، كتيارٍ شعبي في العالم العربي، أنها تقف مع النظام السوري ضدّ الثورة، لأنّها لم تحسم أمرها في مواجهته.

وبالعودة إلى آراء مسعد السابقة، ووفق ما سبق، فإنّ الضبابية والضياع، تمثلان المواقف بين مؤيدي النظام السوري، ومعارضيه الثوريين في الصراع الدائر الذي تختلط فيه الأوراق؛ حيث يصبح رأي مسعد (العام أصلاً) ينطبق على الجميع بلا استثناء؛ فجميع الأطراف، ليبرالية كانت أم ثورية، مع تدخل خارجي لحلّ أزماتها بسبب اعتمادها على الغرب لعقود.

اقرأ أيضاً: قمة ترامب - بوتين.. حوار بدل المواجهة

ومنطقياً؛ يبدو من غير المعقول، أن يسود رأي مسعد، إلا إذا كانت نظرية المؤامرة وحدها من تحكم العالم الإسلامي والعربي؛ إذ ينطبق رأيه هذا على القوى الشعبية عموماً أيضاً، ذلك أنّ الإسلامويين يقودون، بوعي وبغير وعي، مشروعات أمريكا في المنطقة، بينما يقود غيرهم مصالح روسيا، وتبدو الأمور محصورة بشخصية بوتين؛ الطامح لإرساء مكانة دولية جديدة لبلده، وطموح ترامب وإدارته التاريخية، من أجل تعزيز سلطة أمريكا في العالم عملياً وبراغماتياً، على أنّ الطرفين يستخدمان أوراق حقوق الإنسان الليبرالية الفردية، قوة أخلاقية يقودان بها تدخلاتهما.

تتجلى كلّ من البوتينية والترامبية في عالمٍ غير حرّ

وباللّجوء إلى كتاب "البوتينية" من جديد، يظهر رأي لاكوير، المثير للجدل، الذي يثبت شيئاً من وجهة النظر هذه، فهو يقول:

"البوتينية باختصار، هي رأسمالية الدولة، سياسة ليبرالية اقتصادية، تنطوي على الكثير من تدخل الدولة، من خلال حكومة استبدادية... في بلد يتمتع بدستور حرّ منذ عهد ستالين، لكنّ الدستور لم يكن يمت للممارسات الستالينية بأيّة صلة".

خطابات العديد من القوى الإسلاموية وغيرها، تتّحد وتتماهى مع بعضها في خدمة مصالح البوتينية والترامبية

هذا النظام، الذي يمكن اعتباره جديداً من ناحية روسيا البوتينية، سوف يراه الكثيرون غير جديدٍ من ناحية أمريكا الترامبية، القديمة في أساليبها ومصالحها، التي يراها مسعد وغيره، أنها مصدرة للاستيلاء على أسواق وموارد وثقافات الشعوب، وتهاجم حتى معتقداتهم الدينية والتقليدية.

وبأية حال؛ فإنّ العالم يقوم على جملة مصالح لدول عظمى، تحاول التوسع؛ اقتصادياً وسياسياً، ومن يعرفون ذلك، ومن لا يعرفون، محقّون بالاصطفاف إلى جانب أيّ من هذه الدول إن شاؤوا، لكنّ التناقض يكمن في رؤية كلّ منهم للآخر، على أنّه غير وطني، أو أنّه ليبرالي، أو ضدّ الثورة، أو خائن، لأنّه مع الثورة.

اقرأ أيضاً: الشرق الأوسط على طاولة ترامب وبوتين

والثورة هنا، تصبح مجرد كلمة عامة، لا معنى لها، في ظلّ هذه الاصطفافات، وكذلك تصبح كلمة النظام ضبابية، سواء نعت بأنه رجعي أو دموي، أم لا، وفي المحصلة؛ فإنّ خطابات العديد من القوى الإسلاموية وغيرها، تتّحد وتتماهى مع بعضها في خدمة مصالح البوتينية والترامبية، إن صحّ التعبير، كما في تجربة الإسلامويين واليسار مع روسيا، والإسلامويين مع أمريكا، فكيف إذاً، يظنّ أي من هؤلاء أنه على حقّ، وأنّه وطني، أو إسلامي، أو قومي، في صراعٍ ظلّ متأثراً بعوامل غير ذاتية، هي نتاج عقود من الاعتماد على تحولات خارجية، في عالمٍ يكاد يبدو ممزقاً بين الترامبية والبوتينية الحاليتين.

الصفحة الرئيسية