التبرع بالأعضاء: هل يصطدم بالشريعة؟

التبرع بالأعضاء: هل يصطدم بالشريعة؟

مشاهدة

22/01/2020

حوّلتُ أسوأ يوم في حياتي إلى يوم سعادة ونجاة لأطفال آخرين وذويهم"، بهذه الكلمات واجه الأب المكلوم خبر وفاة ابنته ذات الستة أعوام بعد حادث أليم وقع في الـ11 من كانون الثاني (يناير) العام 2020، وعلى الفور وبدون تردد قرر الأب والأم معاً التبرع بأعضاء ابنتهما لأطفال آخرين، حيث تجلّت قيمة الحياة وسط آلام الفقدان.
الحادث الذي وقع في تكساس بالولايات المتحدة في مطلع العام سلب حياة الطفلة (ريفن غوف)، لكن إرادة الأم والأب تحولت إلى الرغبة في استمرار حياة ابنتهما بشكل مختلف، وهو أن تكون أعضاؤها نابضة حية في أجساد أطفال آخرين في أشد الاحتياج لبارقة أمل لهم ولذويهم.

تقبل هذا الفتح الطبي الذي أنقذ حياة الملايين حول العالم لم يمر في عالمنا العربي بتلك السهولة

لا يختلف موقف أسرة الطفلة الصغيرة (ريفن غوف) عن موقف الشاب المغربي (إسماعيل سلطان) الذي لم يتجاوز العشرين ربيعاً ويصارع السرطان منذ أربعة أعوام، هو أيضاً شعر بقيمة الحياة ومنحها للآخرين، بالرغم من آلام المرض وشبح الموت، فسجّل وصيته في المحكمة الابتدائية المدنية في بلاده بالتبرع بأعضائه السليمة من المرض لمن يحتاجها من بعده.
بالرغم أنّ هناك معايير طبية على تبرع مرضى السرطان بأعضائهم إلا أنّ لفتة إسماعيل سلطان كانت رغبة في منح الحياة لمن يعاني من أنين المرض الذي واجهه.
في كلتا الحالتين كان الإيثار والشعور بالآخر جزءاً من الإيمان الفطري الذي يفوق شكليات التدين؛ فالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة لأشخاص غير معلومين ولا صلة قرابة بينهم وبين المتوفى أياً كانت أصولهم العرقية أو عقائدهم، أصبح واحدة من أكبر اللافتات في الحراك الإنساني حول العالم، وكأنّه صرخة تمرد في وجه البشرية الممزقة بالحروب والنزاعات.

اقرأ أيضاً: فتاوى آثمة وضالة ومتكررة
لكن تقبل هذا الفتح الطبي، الذي أنقذ حياة الملايين حول العالم لم يمر في عقلنا الجمعي بتلك السهولة؛ إذ اصطدم بمعيقات مجتمعية انطلقت في مجملها من فتاوى متعجلة، كما أثبت شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي عندما أعلن تبرعه بقرنية عينه بعد وفاته، بعد أن استقرت معظم الهيئات الفقهية على رفض التحريم بالمطلق كما كان شائعاً.

 

 

ثورة نقل الأعضاء
عمليات وأبحاث نقل الأعضاء لها تاريخ مديد، ففي العام 1912، منحت لجنة نوبل جائزتها لعلوم الطب للجراج الفرنسي أليكسي كاريل (1873- (1944)، الذي هاجر من بلاده إلى كندا في مقتبل حياته ليعمل في الزراعة وتربية الماشية اعتقاداً منه أنّه لا يصلح طبيباً، قبل أن تأخذ حياته منعطفاً جديداً ويعود لممارسة الطب بعدما تم تعيينه العام 1906 في معهد حديث العهد حينها ألا وهو معهد روكفلر للأبحاث الطبية في نيويورك.

أشهر فتاوى تحريم التبرع بالأعضاء جاءت على لسان الشيخ الشعراوي في الثمانينيات

ومن خلال عمله هناك طوّر (كاريل) أساليب علاجية لخياطة الأوعية الدموية وجراحة الصدر ونقل الأنسجة، وكذلك قام بعمليات تجريبية لنقل الأعضاء على الكلاب بما فيها عملية نقل الكلى، فكان بذلك أول من اكتشف مشكلة طرد الأجسام الغريبة والتي ُتعرف طبياً بـ "رفض الطعم" Transplant Rejection، وهكذا فتح مجالاً لدراسات بحثية تضمن تثبيت العضو المنقول، واشتهر (كاريل) بلقب "رائد جراحات نقل الأعضاء".
تطور علم نقل وزراعة الأعضاء منذ ذلك الحين بالرغم من الاعتراضات المجتمعية وبعض الآراء الدينية الكاثوليكية على أبحاث كاريل في مطلع القرن العشرين والتي تراءى لها أنّ الحفاظ على الجسد كاملاً من متطلبات البعث من جديد.
لكن العلم والتطور الطبي والتشريعات المدنية استطاعت هزيمة أي آراء أو قيود من هذا النوع تعرقل العمل على منفعة البشر على الأرض، وأصبحت الشروط والمعايير التي تحيط بأبحاث نقل الأعضاء هي معايير مهنية وطبية وإنسانية، يعاقب من يخالفها بحكم القانون، خاصة فيما يخص الاتجار بالأعضاء والتلاعب بحياة البشر واستغلال الفقر الذي يوعز للبعض بيع أعضائهم، وتربص المتاجرين بالفقراء.

اقرأ أيضاً: مؤشر الفتاوى: استراتيجيات الإخوان تقترب من الجماعات المتطرفة
وتفيد البيانات الدولية أنّ هذا الاتجار يزداد في ظرفين أساسيين:
الأول: في خضم الحروب والنزاعات، فيصبح اللاجئون فريسة للاتجار بالبشر وأعضائهم، وهو الأمر الذي رصدته المنظمات الحقوقية العربية والأجنبية على حد سواء في مخيمات الحرب في سوريا، وأصدرت الأمم المتحدة تقريراً يفيد بهذا الوضع الماسأوي في العام 2017. ولعل هذه المأساة هي التي دفعت عدداً من اللاجئين السوريين الناجين إلى التبرع بأعضائهم بعد الوفاة كما فعلت الأم (ميديا محمود) بعد وصولها لاجئة إلى ألمانيا.
الثاني: عدم وجود قوانين تسمح بنقل الأعضاء ما يفتح مجالاً أوسع للسوق السوداء والاتجار الذي يستغل حاجة البشر سواء المتبرعين أو المتبرع لهم، وغالباً ما تتعثر التشريعات المُنظمة لنقل الأعضاء بسبب الفتاوى الشرعية في بعض البلدان.
ذريعة تحريم نقل الأعضاء
"طالما لا تملك ذاتك فلا حق لك التصرف فيها"، هكذا كانت أشهر فتاوى تحريم التبرع بالأعضاء في ثمانينيات القرن الماضي، على لسان الشيخ المصري محمد متولي الشعراوي (1911-1998) وهي الفتوى التي انتشرت بين الجماهير بكافة أطيافهم كالنار في الهشيم حينها وظلت مسيطرة على الوعي الجمعي لعدة أعوام لاحقة.

استند عدد لا بأس من المُحرّمين إلى فتوى الإمام النووي في تحريم وصل الشعر

أما تعقيباً على كلمة "التصرف" فيؤكد الشيخ الشعراوي أنّه يقصد البيع أو الهبة بلا مقابل سواء في حياة المتبرع أو بعد وفاته، والفتوى تذرعت بتأويل "المُلك لله"، وأنّه فليس من حق الإنسان أن يهب ما لا يملكه؛ لأنّ الله يسترد وديعته.
وكان الشيخ الشعراوي أطلق هذه الفتوى على شاشة التلفزيون المصري الرسمي من خلال برنامج (من الألف إلى الياء) الذي كان يقدمه الإعلامي الراحل طارق حبيب، وحينها لم يطلب فتوى بخصوص الاتجار بالأعضاء من خلال البيع، بل كان السؤال عن الهبة والتبرع، فلم تكن فكرة تحليل البيع مطروحة أصلاً، إلا أنّ إقحام تعبير "تحريم البيع" مثّل مدخلاً نفسياً للشحن الضدي ضد الفكرة من أساسها، فانتقى الشيخ الشعراوي مفردات حولّت قضية التبرع - من خلال الهبة من إنسان لإنسان بدون بيع ولا اتجار- إلى خطاب استعداء على ملكية الله تعالى المالكة لجسد الإنسان ليجد المتبرع والمتبرع له في موقف المعصية.

اقرأ أيضاً: مطالبة آبل بحذف تطبيق يحوي فتاوى للقرضاوي تروّج للتطرف والكراهية
ظلت هذه الفتوى حاضرة لأعوام، واستند عدد لا بأس من المُحرّمين، بمن فيهم الشعراوي، إلى فتوى الإمام النووي في تحريم وصل الشعر فيقول: "يَحْرُم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يُدْفَن شعره وظُفُره وسائر أجزائه" (المجموع شرح المهذب، في الفروع للنووي ج3، ص149، شرح مسلم ج14، ص103)
إلا أنّ تلك الفتوى بالتحريم في حد ذاتها لم تكن العقبة الوحيدة على المستوى التشريعي؛ فالإشكالية الأكبر كانت وماتزال، حضور المسألة الفقهية في ذهنية المشرعين المدنيين، بل وفي عقل بعض الأطباء الذين اعتمروا عمامة الفقيه دون علم. وهذه الظاهرة ليست حكراً على مسألة نقل الأعضاء وإنما كذلك ظهرت بشكل جدلي في مسألة ختان الإناث، فنجد طبيباً (أحمد الطحاوي) وعضواً بمجلس النواب المصري يطلب الرأي الشرعي في ختان الإناث (العام 2016) بعد تجريمه قانوناً وتحريمه من الأزهر بحوالي ثمانية أعوام في العام 2008.
الفتاوى وتشريع نقل الأعضاء
علمياً، ثمة تصنيفات متعددة لعمليات نقل الأعضاء، حيث تطورت تلك العمليات تطوراً مذهلاً منذ زراعة القرنية العام 1905 حتى زراعة الوجه كاملاً العام 2010 ولازالت تتطور عاماً بعد عام، وتم إدراجها في عدة تصنيفات ومن بينها: أعضاء مُتبرع بها من أحياء مثل عمليات نقل الكلى وجزء من الكبد أو جزء من الأمعاء وتعرف علمياً بـsplit Transplant (زراعة الأعضاء بالتقسيم)؛ أي تقسيمها بين المتبرع والمتبرع له الأحياء، وأخرى بعد الوفاة (مثل القلب والبنكرياس والمعدة).

اقرأ أيضاً: "مؤشر الفتوى"... هل يضبط فوضى الفتاوى عالمياً؟!
وقد تطورت الفتاوى الدينية، على مدار العقود الماضية، من حالة رفض نقل الأعضاء إلى الإجازة خاصة في حالات نقل العضو من متبرع حي لآخر حي، بالرغم من اعتراض عدد محدود من المشايخ على الأمر برمّته بحجة عدم امتلاك الإنسان لجسده على غرار فتوى الشعراوي.
كما يمكن نقل العضو من المتوفى سواء سريرياً أو المتوفى بفعل هبوط الدورة الدموية حسب المعايير المهنية والطبية، وهنا تتجلى أزمة الفتاوى الدينية في الوقت الراهن في معظم البلاد العربية؛ حيث تتمحور حول نقل الأعضاء من المتوفى إلى الحي؛ حيث ُيعد الأمر جائزاً لكن في ضوء التعريف الفقهي للموت، وقد يختلف هذا التعريف مع التعريف الطبي، هنا يذهب بعض الفقهاء أنّ الموت يصبح معترفاً به في حالة توقف التنفس، فلا عبرة بالموت الإكلينيكي أو ما يعرف بموت جذع المخ؛ لأنّه لا يعد موتاً شرعاً، لبقاء بعض أجهزة الجسم حية.
في هذه الحالة، نجد أنّ الفتوى تدخلت في العمل الطبي ومهنيته وتمسكت برأي فقهي غير دارس للطب، أو استعانت برأي طبيب يضع العلم الفقهي قبل التشريحي والطبي، وهي مثال على الحالات التي تعرقل البحث العلمي في مجمله.
حراك التبرع بالأعضاء
بالرغم من ذلك، هناك حالة حراك طبي في العالم العربي يسعى لتطوير مثل هذه الأبحاث وتقنين العمليات بالفعل وتقليل الحصار حول إجرائها بما لا يمتهن كرامة الإنسان ولا يعرضه للاتجار، وكل تلك المساعي تتم بالرغم من بعض الأزمات التشريعية والشرعية والجمود الذي لا يتناسب مع التطور العلمي الهائل.

ظاهرة التحريم لم تقتصر على نقل الأعضاء فظهرت بشكل جدلي في مسألة ختان الإناث

وربما ما يلفت الانتباه أكثر، هو ذلك الحراك المجتمعي (غير المنظم حكومياً) والذي يتبنى قضية التوعية بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة.
تجلّى هذا الحراك من خلال التدوينات، ثم تتطور إلى تسجيل بعض الأشخاص لوصية موثقة بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة في بلدانهم، مما يُعد بمثابة حركة تنويرية تسعى للتمرد على الأفكار المجتمعية الرافضة أو على بعض الأصوات المتشددة التي تعد جسد الإنسان غير مملوك له.
هذا الحراك انطلق من خلال أشخاص طوّعوا إيمانهم وتدينهم لخدمة الغرض الإنساني، واعتبروا أنّ التبرع يقع في إطار فلسفة من أحيا نفساً كمن أحيا الناس جميعاً، وبالرغم من الاختلافات العقائدية للراغبين في التبرع، يبقى الإيثار وتعاطفهم مع المريض إنسانياً هو ما جمع بينهم مما يعد مؤشراً لتغير الذهنية والثقافة العامة.

الصفحة الرئيسية