التجربة الحزبية عند الإخوان المسلمين: التنظير والعمل السياسي

5322
عدد القراءات

2019-05-06

تأسست جماعة الإخوان المسلمين، عام ١٩٢٨، في ظلّ وضع سياسي اصطلح الباحثون عليه بمرحلة شبه ليبرالية، تحت إمرة ملكية تحكم البلاد.

تراوح التنظيم الإخواني مع فكرة السياسي والسياسة شداً وجذباً فقد داروا بطريقة براغماتية مع نمط الحكم السائد

في البداية؛ كان تصوّر البنا للمجموعة التي أسسها، لا على أنّها تنظيم سياسي بالمعنى الرائج في العلوم السياسية، ولكن كجماعة دينية-سياسية-اجتماعية، تعمل على إيقاظ الروح المسلمة، التي ظنّ البنا أنّها في اضمحلال نتيجة لعوامل كثيرة، لا يمكن الاستفاضة فيها في هذا المقال، المخصص لرصد "التجربة الحزبية" في تنظيم ديني، غدا أكثر التنظيمات الإسلاموية تأثيراً في العالم بأجمعه، وليس العالم العربي فحسب.

كانت العلاقة بين فكرة الجماعة عن العمل السياسي دائماً محلّ إشكال؛ فرغم السياق السياسي الذي تأسست عليه الجماعة أو التنظيم، ورغم هدفه السياسي المدين بجلاء، إلا أنّ البنا قد أعطى صفة غامضة لعلاقة جماعته الناشئة بالمحيط السياسي المشكل، والذي ستغدو الجماعة فيه ذات أثر على كافة النقاشات السياسية والاجتماعية في مصر آنذاك.

 

 

يمكن القول: إنّ إرهاصات النقاش حول الدين والعلمانية، أو بصورة أدق، حول الإسلام وطبيعة السياسة الحديثة قد أثرت بشكل كبير على حقبة العشرينيات، التي شهدت مصر فيها تجربة دستورية مهمة، لا يمكن إغفالها، المتمثلة في دستور ١٩٢٣، في ظلّ الملكية، وهو الدستور الذي مثل محطة مهمة للنقاش القانوني والسياسي والديني حول موضوع الدين في الحياة العامة، أو  في علاقته بالدولة ووضع الأديان الأخرى، ودور أفرادها، (لقد رفض الأقباط على طول مسيرتهم أن يسموا كـ "أقلية"، وهذا واضح من بدايات القرن العشرين، رغم الإجبار الاصطلاحي الذي يقوم كثير من دارسي مصر، وهذه الفترة تحديداً، بفرضه عليهم).

الانخراط الإخواني في السياسة جاء على 3 مراحل: مرحلة إخوان العهد الملكي، وإخوان العهد الناصري والساداتي وإخوان السياسة

وقد سبق كتابة دستور ١٩٢٣، الذي اعترف بمصر كدولة مستقلة ذات سيادة، حدثت ثورة ١٩١٩؛ التي شارك فيها كثير من الشبان والتيارات الأيديولوجية والنساء، وكان من المشاركين فيها، حسن البنا، الشاب الذي رفع الشعارات ضدّ الإنجليز وملنر.
وفي الفترة تلتها بقليل؛ سقطت الخلافة الإسلامية في تركيا، الأمر الذي أحدث شرخاً عميقاً في نفس البنا، وما سيؤثر لاحقاً في تنظيمه "الهوياتي"، القائم بالأساس على إعداد أمة مسلمة تستعيد الخلافة (حتى وإن اختلفت على شكلها القديم).

اقرأ أيضاً: الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة

فمن ناحية، في فترة العشرينيات، كان هناك جوّ ليبرالي يخيم على المجال العام؛ حيث التنوع والمشاركة في الحياة العامة والحزبية؛ ومن ناحية أخرى، بزغ نجم مواجهة ضدّ الكمالية الأتاتوركية التي أسقطت الخلافة الإسلامية، وكما يرى محمد جمال باروت عن حقّ؛ فإنّ البنا -ابن سياقه تماماً- لم يكن "نتاج ثورة ١٩١٩ بقدر ما كان نتاج مواجهة النموذج الكمالي إثر إلغاء الخلافة"، وعليه؛ فإنّ البنا بتشكيله الجماعة كان، رمزياً وسياسياً، يؤسس حركة مضادة للكمالية العلمانية؛ ففي مذكرات "الدعوة والداعية"، يقول البنا صراحة: إنّ "إعادة الخلافة في رأس مناهج الإخوان المسلمين".

 

 

براغماتية مبكرة

"لقد ظنوا في الثلاثينيات أنّ التحول قد ينجز من خلال تعزيز علاقات جيدة مع الملك الإصلاحي الشاب، وبالتالي أصبحوا أنصاراً أقوياء للملكية، ثم بعد أن انقلب الملك عليهم، شاركوا في انقلاب الضباط الأحرار، ظانين أنهم قد يكونون، إذا ساعدوا في خلق جمهورية، قادرين على تخلل وسائل الإعلام المنشأة لاحقاً، وعلى التسلل إلى نظام التعليم العام. وبالفعل؛ كان سيد قطب، عشية الانضمام إلى "الإخوان المسلمين" مستشاراً ثقافياً لعبد الناصر. ثم انقلب عبد الناصر ضدّهم، وحينما أخرجهم السادات من السجن، جعلوا من أنفسهم نصراء لديكتاتورية عادلة، وشرعوا في تحوّل ثقافي؛ بأن أصبحوا مستشاريه، وبعد أعوام من التعاون، انقلب السادات عليهم. وعندما صعد مبارك إلى السلطة، لم يردهم مستشارين له، لكن سمح لهم بالعمل في مجال المجتمع المدني"؛ بهذه الكلمات، يختصر السوسيولوجي المصري، حازم قنديل، الكثير مما يمكن قوله عن البراغماتية السياسية للإخوان المسلمين.

اقرأ أيضاً: هكذا ردت الأحزاب الجزائرية على مقترح قائد الجيش

حاول حسن البنا أن يتعامل مع النظام النيابي بطريقة فيها كثير من التلفيقية مع البراغماتية الصريحة؛ فقد رأى البنا أنّ النظام النيابي ليس "غريباً عن النظام الإسلامي"؛ حيث يقول: "نحن نسلم بالمبادئ الأساسية للحكم الدستوري باعتبارها متفقة، بل مستمدة من نظام الإسلام".

لكن، مع ذلك، لم يؤمن البنا بالحياة الحزبية؛ بل رأى أنّ الأحزاب تدمير للأمة والوطن؛ فقد نظر إلى الأحزاب المتعددة الموجودة والاختلافات البرامجية للإصلاح بينها على أنّها إعاقة للوحدة، وأنّها تغلّب الشخصي، حتى بتقرب البعض إلى الاستعمار، على المصلحة العامة.

بيد أنّ البنا، كما يشير عمرو الشوبكي، نقل رفضه للحياة الحزبية من كونها موقفاً سياسياً إلى اعتبار أنّ الإسلام يرفض الحياة الحزبية بالأساس؛ "أعتقد، أيها السادة، أنّ الإسلام لا يقرّ نظام الحزبية ولا يرضاه"؛ هكذا قال البنا، معتقداً بحلّ عرى كلّ هذه الأحزاب التي تنخر في جسد الأمة والوطن، وتشتت مهمة الإصلاح.

حاول حسن البنا أن يتعامل مع النظام النيابي بطريقة فيها كثير من التلفيقية مع البراغماتية الصريحة

وكما يؤكد إبراهيم البيومي غانم، وعمرو الشوبكي؛ فإنّ الفترة التي امتدت من تأسيس التنظيم في ١٩٢٨ إلى ١٩٤٨ مع قضية فلسطين، اتسم نشاط الإخوان المسلمين فيها بالدعوة، غير المنفصلة بالتأكيد عن السياسة، وإبداء الآراء فيها؛ بل والتعنيف أيضاً، بالمعنى البرلماني للسياسة الذي كانت الحياة المصرية متسمة به آنذاك، فلم يكن للإخوان المسلمين أيّ نائب مثلاً في البرلمان، قبل ١٩٥٢ .

من الغريب أنّ سيد قطب، أحد ألمع منظري الإخوان اللاحقين، ومطوري فكرة "الحاكمية الإلهية"، حثّ عبد الناصر على حلّ كافة الأحزاب

تراوح التنظيم الإخواني مع فكرة السياسي والسياسة، شداً وجذباً؛ فقد داروا، بطريقة براغماتية، مع نمط الحكم السائد؛ في الملكية كانوا ملكيين مؤيدين للملك، وإن قاموا بانتقاد وشجب أعمال الحكومة فإنّهم كانوا يبقون على فكرة أنّ ملك البلاد هو من له الطاعة، وأنهم ملتزمون بكونه الحاكم الشرعي للبلاد، ومع حركة الضباط الأحرار ١٩٥٢، تردد الإخوان في البداية في دعم الحركة، لكنّهم سرعان ما حاولوا ركب الموجة، التي ستنقلب بهم، وتكسرهم تماماً، مع السلطوية الناصرية التي نكّلت بهم، مما ستكون من اللحظات الفارقة في تاريخ الجماعة التي ستختبر أقصى وأشدّ لحظات المواجهة مع الدولة وجهاً لوجه، ومصادرة الأموال، والدور، وغيرها من موارد الجماعة.

ومع انقضاء الفترة الناصرية، ومجيء الحكم الساداتي الملبرل، سينفتح الأفق أمام الجماعة نوعاً ما للعمل العام وللإفراج عن كثير من المعتقلين، وسيتم استخدامهم لاحقاً ضدّ الشيوعيين، الذين رآهم السادات العدو الأول الداخلي، الذي لا بدّ من تصفيته.
من هنا، ستشهد حقبة السبعينيات والثمانينيات انفراجة في وجه عمل إخواني، ستليه موجة من الاعتقالات، إثر رفضهم وتظاهرهم ضدّ اتفاقية كامب ديفيد، وسيقوم بالعمل على إعادة هندسة المجتمع و"تربيته" على فكرة الأخ المسلم، والأسرة المسلمة، وسيترافق ذلك مع نشاط مهم للإخوان المسلمين داخل أروقة الجامعات.

اقرأ أيضاً: الانتخابات الرئاسية في الجزائر تشق أكبر الأحزاب الإسلامية
وسيكتمل هذا الانفتاح مع العصر المباركي؛ الذي سيسمح بهامش لما يسمى "المجتمع المدني"، ومع فكرة الدعوة التي لازمت الإخوان منذ تأسيس البنا، فقد دخلوا إلى حياض الحياة البرلمانية بقوة منذ الثمانينيات، وحتى انتخابات ٢٠٠٥ في عهد مبارك، ومجيء ثورة ٢٠١١، ما سمّي بالربيع العربي، وتسلمهم لمقاليد الحكم في مصر، وهو ما سنحاول أن نرصده في تتبع تاريخي متعلق بدخولهم إلى مجال العمل الحزبي، وتأسيس حزب العدالة والحرية لاحقاً، بعيداً عن الخوض عن تصورهم للديمقراطية، الذي لا يمكن ردّه إلى مرجعية واحدة، بل إلى مرجعيات، وتطور من مرحلة إلى مرحلة؛ وهو أمر قد تناوله باحثون كثر مختصون في الحركات الإسلاموية.

 

 

الكادر الإخواني من الثمانينيات إلى نهاية الربيع العربي

يقسم عمرو الشوبكي الانخراط الإخواني في السياسة إلى ثلاث مراحل: مرحلة إخوان العهد الملكي، وإخوان العهد الناصري والساداتي، وإخوان السياسة.
بإيجاز؛ في فترة العهد الملكي، فقد أظهرنا عاليه طبيعة الانخراط في المجال السياسي، والتردّد الذي اعترى الإخوان بين التنظير بالحرمة بخصوص الأحزاب، ومناصرة الملكية، في الفترة الناصرية، اختبر الإخوان تجربة جديدة من القمع السياسي، مختلفة عن أيّ قمع سابق، فقد قامت ثورة يوليو ١٩٥٢، والذين شاركوا في تأييدها بتردّد، بسحق الحياة الحزبية بالأساس.

واجه مرسي بالحكم حملة من الانتقادات على رأسها عدم دمج الجماعة للتيارات الأخرى بالعمل السياسي واستفرادهم بمنظومة الحكم

ومن الغريب؛ أنّ سيد قطب، أحد ألمع منظري الإخوان اللاحقين، ومطوري فكرة "الحاكمية الإلهية"، كان قد حثّ عبد الناصر على حلّ كافة الأحزاب، وضرب عمال المحلة المعتصمين؛ حيث كان يرى أنّ الحياة الحزبية مضرة بالثورة الناشئة، والأغرب، أنّ قطب نفسه هو من سيلقى مصرعه على يد هذا النظام فيما بعد بالإعدام.

في فترة السادات؛ سمح للإخوان بانفراجة للعمل، مما جعلهم ينتشرون في الجامعات، والنقابات؛ التي سيزدهر بالفعل عملهم فيها خلال حقبة الثمانينيات، سيما نقابة المحامين، وعندما اغتيل السادات، وجاء مبارك، كوّنت تلك الشريحة الجديدة بالفعل ما أطلق عليهم الشوبكي "إخوان السياسة".

إخوان السياسة هؤلاء هم الذين انخرطوا في الحياة النقابية والبرلمانية؛ فقد دخلوا في انتخابات عامَي ١٩٨٤ و١٩٨٧، وحققوا نتائج جيدة، وقد اتّسم خطاب الإخوان في تلك الفترة بمفاهيم الدولة، والسيادة، والقانون، مع الإحالة الدائمة، منذ النشأة، على فكرة "الإسلامي"، غير المتبلورة، والمترددة كثيراً في تفكيرهم، والتي تتحول إلى معانٍ كثيرة من حقبة إلى حقبة.

في فترة مبارك؛ تبلورت النسخة الأكثر معاصرة للجماعة، إذا شئنا الدقة؛ فبعد مناصرتهم لديكتاتورية عادلة، كما يوضح السوسيولوجي المصري حازم قنديل، فترة السادات، فإنّهم سيتحولون في عصر مبارك إلى العمل في المجتمع المدني، عن طريق النقابات والجامعات والبرلمان، محملين بـ "الرسالة الثقافية" التي يريدون إنجازها في المجتمع.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟

تكلّل هذا المسعى في العمل المدني بكسبهم لـ ١٧ مقعداً في انتخابات عام ٢٠٠٠ التشريعية، وفي ٢٠٠٦؛ ازداد الرقم ليصل إلى ٨٨ مقعداً، وهي الفترة التي أحدث الإخوان فيها طفرة على المستوى البرلماني، وأصبح -نوعاً ما- يتشكل خطاب سياسي مرن للإخوان المسلمين فيما يتعلق بالمشاركة السياسية والعمل السياسي، وتصورهم لنظام الحكم، ومناصرتهم المحفوفة بكثير من الأسئلة للديمقراطية، كأداة للانتقال في الحكم والعمل السياسي.

 

 

كان حدوث الثورة في مصر، عام ٢٠١١، حدثاً فارقاً بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين، فبعد انتخابات ٢٠١٠، المتهمة بالتزوير من قبل مراقبين دوليين وداخليين، ستأتي فرصة جديدة للعمل الحزبي للإخوان المسلمين عشية الثورة، حينما أسسوا "حزب الحرية والعدالة" المنفصل، شكلياً، عن الجماعة، لكنّه هو المعبر السياسي الحقيقي عن اختيارها بالأساس.

وقد تكلّل كلّ هذا "السعي السياسي" من قبل الإخوان، الذي جوبه بكثير من المخاوف والتساؤلات، بوصول محمد مرسي إلى سدة الحكم، عام ٢٠١٢، ومثل هذا الوصول بالنسبة إليهم نجاح كبير، رغم أنّ مشاركة الإخوان المسلمين في الثورة المصرية لم تتأتَّ إلا لاحقاً، وكشفت الكثير عن علاقتهم والتقائهم بأعضاء من النظام الحاكم، عشية نزول الجماهير إلى الميادين، في كانون الثاني (يناير) ٢٠١١

اقرأ أيضاً: العراق.. الأحزاب الدينية تُطارد الشباب بتهمة الإلحاد

بالفعل، واجه مرسي في الحكم حملة شرسة من الانتقادات، كان على رأسها عدم دمج الجماعة للتيارات السياسية الأخرى في العمل السياسي، واستفرادهم بمنظومة الحكم، ووصلت تلك المعارضة ذروتها مع التعديلات الدستورية التي كان هناك مواجهة شديدة لها، الأمر الذي تكلّل بأحداث الثلاثين من حزيران (يونيو)، والإطاحة بمرسي (أي بالإخوان عموماً) من الحكم، في الثالث من حزيران (يونيو).

اقرأ المزيد...

الوسوم: