"التفويض باستخدام القوة العسكرية": هل يفعلها ترامب؟

9512
عدد القراءات

2019-05-21

على إيقاع التصعيد بين واشنطن وطهران، ووصوله إلى أقصاه، أول من أمس الأحد، بصاروخ (تحذيري)، أطلقته أذرع إيران في العراق على المنطقة الخضراء، ومقر السفارة الأمريكية ببغداد، والردّ الأمريكي المتمثل في تغريدة للرئيس ترامب، يتوعد فيها بـ "نهاية إيران"، تواصل إدارة ترامب بالفعل بناء حججها بشأن حربٍ متوقعة مع إيران.

تشير أقوال المسؤولين الأمريكيين وأفعالُهم إلى أنّهم قد يلجأون إلى قانون "تفويض الرئيس باستخدام القوة العسكرية" لعام 2001

وقال الرئيس الأمريكي: "إذا أرادت إيران الحرب فهذه ستكون نهايتها رسمياً"، محذّراً، في تغريده له على تويتر، النظام الإيراني من عواقب تهديده للولايات المتحدة، قائلاً: "لا تهددوا الولايات المتحدة مرة أخرى أبداً".
وجاء ذلك عقب وقوع انفجار، مساء أول من أمس الأحد، في المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية بغداد، إثر سقوط صاروخ كاتيوشا في محيط السفارة الأمريكية. وأكد شهود أنّ "كلّ المؤشرات تدل على أن القصف كان يستهدف السفارة الأمريكية".
ويأتي هذا الانفجار بعد قيام الولايات المتحدة بإجلاء موظفين غير أساسيين من سفارتها في العراق، التي تقع في المنطقة الخضراء.
وتشير أقوال المسؤولين الأمريكيين وأفعالهم إلى أنّهم قد يلجأون إلى قانون "تفويض الرئيس باستخدام القوة العسكرية"، لعام 2001، كمبرر لتجاوز الكونغرس؛ حيث ترفض الغالبية شنّ الحرب على إيران.

إطلاق يد الرئيس الأمريكي
والقانون المصمم (AUMF) لإطلاق يد الرئيس الأمريكي في توجيه الضربات العسكرية، جاء بعد هجمات "القاعدة" على نيويورك وواشنطن، في 11 سبتمبر، ومن هنا يتجه المستشارون الأمنيون والقانونيون في البيت الأبيض إلى فتح ملف "الروابط بين القاعدة وإيران"، وتصوير إيران كتهديد إرهابي للولايات المتحدة، وهذا بالضبط ما فعله مسؤولو الإدارة في الأسابيع الأخيرة.

ينبع جزءٌ كبيرٌ من التوتر بين طهران وواشنطن من تقارير التفجيرات والهجمات التي وقعت في جميع أنحاء المنطقة

وقد يعطي تفعيل القانون ترامب المبرر الذي يحتاجه لمحاربة إيران، بموجب قرار استخدام القوة، الذي ما يزال ساري المفعول ودون موافقة الكونغرس.
هذا الاحتمال يتضاعف مع عدم منح الكونغرس غطاءً جديداً لضرب إيران في ظلّ الظروف الحالية، ووسط حملة "الضغط الأقصى" على النظام في طهران، الذي زاد من حدة التوتر بين الدولتين.
وأعطى ذلك القانون الرئيس سلطة استخدام القوة ضدّ "الأمم أو المنظمات أو الأشخاص الذين خططوا، أو ارتكبوا، أو ساعدوا في شنّ الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، أو إيواء مثل هذه المنظمات أو الأشخاص، من أجل منع أيّة أعمال إرهابية مستقبلية ضدّ الولايات المتحدة".

اقرأ أيضاً: الخليج يتحدى التهديدات الإيرانية بدعم التنسيق لتوفير إمدادات النفط
في وقت سابق من هذا الشهر؛ نشرت الولايات المتحدة مجموعة إضراب لحاملة الطائرات في المنطقة، أخبر ثلاثة مسؤولين أمريكيين شبكة "إن بي سي"؛ بأنّ زيادة عدد القوات الأمريكية في المنطقة كانت رداً جزئياً على جمع المعلومات الاستخباراتية، مما يوحي بأنّ النظام الإيراني أعطى الوكلاء ضوءاً أخضر لمهاجمة أفراد الولايات المتحدة وممتلكاتها في المنطقة.
وفي الأيام الأخيرة؛ اتهمت إدارة ترامب إيران بمساعدة القاعدة، واتهمت إيران بأنها مرتبطة بتهديد إرهابي ضد السفارة الأمريكية في بغداد.
وفي الوقت ذاته، امتنع مسؤولو الأمن القومي الأمريكي عن التصريح حول ما إذا كانت مثل هذه الحوادث ستفي بالحدّ القانوني اللازم للرئيس، لتحديد ما إذا كانت لديه سلطة استخدام القوة ضدّ إيران.
عدم منح الكونغرس غطاءً جديداً لضرب إيران في ظلّ الظروف الحالية

ماذا يقول المحامون؟
لكنّ محامين سابقين على دراية بقانون 2001 وتطبيقاته، يقولون: "من الواضح أنّه خيارٌ من بين الخيارات التي تسعى إليها إدارة ترامب".
وقال أستاذ القانون بجامعة، ييل هارولد كوه، الذي شغل منصب كبير المحامين بوزارة الخارجية، في عهد الوزيرة، هيلاري كلينتون، في مقابلة مع قناة "إن بي سي": إنّ "الأمر برمّته يتركز على فكرة عدم الذهاب للكونغرس للموافقة على استخدام القوة العسكرية".
إلى ذلك، قال وزير الخارجية، مايك بومبو، الشهر الماضي: إنّه "سيترك الأمر للمحامين"، للتأكد ممّا إذا كان ترامب يتمتع بسلطة الدخول في حرب مع إيران في غياب تفويض جديد من الكونغرس.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني يجر بلده إلى كارثة
لكنه استدرك، في جلسةِ لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ: "السؤال الواقعي عمّا إذا كانت صلات إيران بالقاعدة حقيقية للغاية؛ لقد استضافت القاعدة، وسمحت للقاعدة بالوصول إليها أثناء مطاردتهم، ليس هناك شكّ في وجود العلاقة بين جمهورية إيران الإسلامية والقاعدة".
وكان هناك نقاشٌ حادّ، في الأعوام الأخيرة، حول مدى مساعدة فلول القاعدة من قبل إيران؛ حيث اتخذ الصقور الإيرانيون موقفاً مفاده؛ أنّ العلاقات مع القاعدة عميقة ومهمة، بينما يزعم آخرون أنّ محاولات ربط النظام الشيعي بالإرهاب السنّي خاطئة أو مخادعة.
حصى قوية بين فكّي إيران
في سياقٍ متصل، حذر القائد السابق للقوات الأمريكية في العراق، ومدير وكالة المخابرات المركزية السابق، ديفيد بترايوس، من ألاعيب إيران، في ظل تصاعد التوترات مع إدارة ترامب.
ويأتي تنويه بترايوس، من خلال خبرته الطويلة اثناء الصراع الطائفي في العراق، وتأثير الأذرع الإيرانية، عبر الميلشيات الشيعية، حتى إنّه قال، عام 2008: إنّ "إيران ما تزال تقدم الدعم والتدريب للميليشيات الشيعية في العراق، رغم وعودها بالكف عن ذلك".

اقرأ أيضاً: التوتر الأمريكي الإيراني.. هذه تناقضات ترامب
وأوضح القائد الأمريكي حينها؛ أنّه غير متأكد من انخفاض كميات الأسلحة والمتفجرات القادمة من إيران إلى العراق، لكنّه قال: إنّ "الإيرانيين ما يزالون يدربون الميليشيات التي تهاجم القوات العراقية وقوات التحالف، ما يشكل عقبة كبيرة أمام التقدم نحو استقرار الوضع في العراق".
وأضاف: "عناصر محترفة في إيران تشرف على تدريب الأفراد العراقيين، الذين بدورهم يدربون آخرين في العراق لدى عودتهم".
وعام 2015، عاد للقول إنّ الميليشيات الشيعية تهدد وحدة العراق، وإنّها "أخطر من داعش".

اقرأ أيضاً: لماذا أخفقتْ "سياسة حافة الهاوية" التي تمارسها إيران؟
ونوّه ديفيد بترايوس، الجمعة، إلى أنّ إيران ستكون "حذرة للغاية" مع استمرار التوترات بين الدولة الشرق أوسطية والولايات المتحدة، لذا "سيتعين عليهم اتخاذ قرار، إما أن يقوموا بتشديد الحزام، أو مواصلة تشددهم، لأنّ الأمر سيزداد سوءاً. سيكون هناك مزيد من العتلات القوية في حملة الضغط القصوى، ووضع الحصى القوية بين أسنانهم". وأضاف: "سيتعين عليهم توخي الحذر الشديد لعدم المبالغة في تقدير قدرة أيديهم على التحرك المؤذي بما يؤدي إلى نوع من الردّ العقابي".
وينبع جزءٌ كبيرٌ من التوتر بين طهران وواشنطن من تقارير التفجيرات والهجمات التي وقعت في جميع أنحاء المنطقة، والتي ارتبطت بالجماعات الإرهابية المدعومة من إيران، وكذلك بالانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران، قبل أكثر من عام، حين وصفه الرئيس ترامب بكونه "أسوأ صفقة في التاريخ"، وقال: إنّ الاتفاق كان ينبغي أن يقيد برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وأن يكبح أنشطةً طهران العدائية في المنطقة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"جثة البغدادي" وراء تفكيك خلية إرهابية بين المغرب وإسبانيا

2019-12-05

بعد هدوء قصير على ضفتي المتوسط، خلال الأشهر الماضية، عادت أخبار الخلايا الإرهابية لتتصدر من جديد أغلفة الصحافة الإسبانية ومعها الإشادة بالتعاون المغربي النموذجي في تعقب الجماعات المتطرفة. فقد أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أمس عن تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم داعش تتكون من أربعة أفراد، ثلاثة منهم جرى اعتقالهم فوق التراب المغربي بمبادرة من الأجهزة الأمنية، والرابع اعتقل في ضواحي مدريد من لدن الأجهزة الإسبانية.

وبحسب بلاغ الداخلية الإسبانية، فإنّ أعمار ثلاثة أفراد من هذه الخلية تتراوح ما بين 24 و29 عاماً، بينما يبلغ عمر الشخص الرابع الذي اعتقل فوق التراب الإسباني 31 عاماً، وتصفه الأجهزة الأمنية الإسبانية بأنّه الزعيم المفترض للخلية. ووفقاً للبلاغ نفسه فإنّ أفراد الخلية كانوا يعقدون بين الحين والآخر لقاءات سرية في مدينة مليلية المحتلة القريبة من الناظور شمال المغرب.

اقرأ أيضاً: ملامح مستقبل "داعش" في الصومال بعد مقتل البغدادي

بيد أنّ ما يثير في هذه الخلية، التي ليست الأولى التي يتم تفكيكها بتعاون بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، هو أنّ عناصرها كانوا يخططون للانتقام لمقتل أبي بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش الذي انتحر في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أثناء تعقب القوات الأمريكية له. فبعد أزيد من شهر على نهاية البغدادي يبدو أنّ التنظيم المتوحش قد انتهى من وضع مخطط إرهابي جديد لاستهداف عدد من البلدان، خصوصاً الأوروبية منها، انتقاماً لزعيمه المنتحر.

بعد نهاية البغدادي واستحالة تعويضه داخل التنظيم لا يبقى لدى هذا الأخير سوى توظيف جثة الزعيم المنتحر

ولعل هذا يشير إلى نقطة مركزية لا بد من التوقف عندها. فطوال العامين الماضيين، منذ أن تم القضاء على التنظيم في العراق وسوريا من لدن التحالف الدولي، حاول البغدادي مرات عدة إعادة إحياء مشروع ما يسمّى "دولة الخلافة" لدى بقايا مقاتلي التنظيم، الذين قضى الكثير منهم في المواجهات مع القوات العراقية وقوات التحالف الدولي، لكن من دون جدوى، والسبب أنّه بعد تفكك الدولة المزعومة وفقدانها المناطق التي كانت تسيطر عليها صار من الصعب خلق فكرة جديدة يتم تجييش المقاتلين القدامى حولها، أو استقطاب مقاتلين جدد للدفاع عنها، كما فعل التنظيم في أوج انتشاره بين عامي 2014 و2016. غير أنّه بعد مقتل البغدادي يظهر أنّ التنظيم وجد أخيراً ورقة يلوح بها في أوساط المقاتلين القدامى ويجند بها متطوعين جدداً للقتال، بدعوى الانتقام لمقتل "الخليفة". فبعد نهاية البغدادي واستحالة تعويضه داخل التنظيم بشخص آخر له نفس الكاريزما، لا يبقى لدى هذا الأخير سوى توظيف جثة الزعيم المنتحر.

وتقدم السرعة التي تم بها تفكيك هذه الخلية الجديدة بين كل من المغرب وإسبانيا صورة عن التعاون النموذجي الحاصل بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة. فقد انطلق هذا التعاون بوجه خاص منذ تفجيرات مدريد في آذار (مارس) من عام 2004، التي تم خلالها اعتقال عدد من المغاربة المهاجرين في إسبانيا لتورطهم فيها، ومنذ ذلك التاريخ تطور التنسيق بين البلدين بحيث صار نموذجاً للتعاون الأمني بين بلد في الاتحاد الأوروبي وبلد متوسطي من خارج الاتحاد. وفي شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 2017، في أعقاب العملية الإرهابية في مدينة برشلونة، قال وزير الداخلية الإسباني، خوان إغناسيو زويدو، خلال زيارته للرباط، إنّ التعاون الأمني مع الرباط يعد مثالاً نموذجياً في الاتحاد الأوروبي لأشكال التعاون الأخرى التي يمكن للاتحاد أن ينخرط فيها مع بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط، وأشار إلى أنّ التنسيق الأمني بين مدريد والرباط تمكن خلال عام 2017 فقط من إطلاق 12 حملة أمنية داخل إسبانيا أدت إلى اعتقال 175 متشدداً.

تقدم السرعة التي تم بها تفكيك الخلية الجديدة صورة عن التعاون النموذجي بين المغرب وإسبانيا في مجال مكافحة الإرهاب

ويعود التركيز الإسباني على المغرب، كشريك أساسي في الحرب ضد الإرهاب، إلى الموقع الإستراتيجي الذي يحتله، ووجود سبتة ومليلية المحتلتين على أراضيه، وهما مدينتان محتلتان من طرف إسبانيا منذ قرون لكنهما اليوم تندرجان ضمن نطاق الأمن الأوروبي كجزء من الاتحاد. ونظراً لوجود عدد كبير من المغاربة في المدينتين فإنّ إسبانيا تجعل منهما محوراً رئيسياً في التنسيق الأمني مع المغرب، خصوصاً وأنّ عدداً من المغاربة في المدينتين سبق أن اعتقلوا في شبكات متطرفة خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وكان المعهد الملكي للدراسات (إلكانو) قد أشار في دراسة له العام الماضي إلى أنّ ثلاثة أرباع المتطرفين الذين قتلوا أو اعتقلوا بين 2013 و2017 في إسبانيا ينحدرون من هاتين المدينتين؛ حيث كشفت الدراسة أنّ 44 في المئة من هؤلاء ينحدرون من سبتة، و28 في المئة من مليلية، مشيرة إلى أنّ 40 في المئة من المغاربة الذين التحقوا بتنظيم داعش في نهاية 2013 كانوا ينحدرون من مدن الشمال المغربي القريبة من المدينتين المحتلتين.

كما يعود هذا التركيز أيضاً إلى الأعداد الكبيرة للجالية المغربية المقيمة في إسبانيا، خصوصاً في إقليم كاطالونيا، ذلك أنّ المغاربة في إسبانيا يشكلون تقريباً ثلثي المهاجرين، بنسبة تصل إلى 67 في المئة، ما يجعلهم الجنسية الأولى في إسبانيا بين المهاجرين. وبعد حصول عمليات إرهابية في عدد من المدن الأوروبية، مثل؛ باريس وبرشلونة وبرلين، تورط فيها مهاجرون مغاربة، باتت مدريد أكثر حرصاً على مد يدها إلى المغرب لتعزيز التعاون الأمني، قصد مراقبة تحركات بعض المهاجرين الذين يمكن أن يكونوا عناصر في شبكات إرهابية.

للمشاركة:

تونس: هل قطع راشد الغنّوشي الأغصان التي كان يقف عليها؟

2019-12-05

دخلت حركة النّهضة الإسلامية التونسية، للمرة الأولى، منذ خريف العام الحالي في دوامةٍ من الخلافات والانشقاقات، التي أدّت إلى تتالي الاستقالات من هياكلها، وخروج العديد من القيادات الحالية على واجب التحفظ الذي كان يميّزها، فتحوّل استقرارها الذي عاشته على مرّ الأعوام الماضية، إلى تصدّعٍ أدخلها في مناخٍ حزبي متحرّكٍ سمتُه التفكك والانقسام.

اقرأ أيضاً: تونس: رئيس الحكومة الجديد مستقل فعلاً أم واجهة لحركة النهضة الإخوانية؟‎
قدّم مؤخّراً الأمين العام للحركة زياد العذاري، الذي يوصف بـ "الابن المدلّل" لراشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، استقالته من أمانتها العامة، ومن كلّ الهياكل القيادية فيها، لتُسجّل بذلك أوّل حالة انشقاقٍ منذ انتهاء الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس، وبرّر العذاري استقالته في رسالة نشرها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، بكونه "غير مرتاح للمسار الذي أخذته البلاد منذ مدة، خاصّة عدداً من القرارات الكبرى للحزب في الفترة الأخيرة".

وأرجع قراره بالاستقالة، بحسب ما نشره للعموم، إلى "الفشل في إقناع مؤسسات الحزب في قضايا أراها مصيرية، وفي لحظة مفصلية بتفادي خيارات لا أراها (باجتهادي البسيط) جيدة للبلاد، كما لم أقتنع من جهتي بخيارات أخذتها مؤسسات الحزب (آخرها كان ملف تشكيل الحكومة القادمة)، أرى أنّها لا ترتقي إلى انتظارات التونسيين، ولا إلى مستوى الرسالة، التي عبروا عنها في الانتخابات الأخيرة، بل إنّني أحسّ وكأنّنا بصدد استعادة أخطاء الماضي نفسها"، وأضاف أنّه ما يزال يعتقد بأنّ الحكومة القادمة ربما تكون الفرصة الأخيرة للبلاد، وأنّه لم يعد لدى الحركة هامش للخطأ.
استقالات متتالية سببها الغنوشي
وتعدّ استقالة العذاري الثانية من الأمانة العامة لحركة النهضة بعد الثورة، بعد استقالة رئيس الحكومة الأسبق، حمادي الجبالي، ومن الحركة برمّتها أواخر العام 2013، وقد جاءت ضمن موجةٍ من الاحتجاجات والاستقالات، وتجميد العضوية في المكاتب الجهوية بالحركة، بما في ذلك استقالة القيادي التاريخي بالحركة، لطفي زيتون، من منصب المستشار السياسي لرئيس الحركة، الشيخ راشد الغنوشي، وهو الذي أدار مكتبه لأعوام في لندن، وكان كاتم سرّه إلى وقتٍ قريبٍ.

حركة النهضة الإسلامية دخلت للمرة الأولى منذ خريف العام الحالي في دوامة من الخلافات والاستقالات والانشقاقات

ويُعدّ زيتون الصوت التقدمي الأكثر بروزاً داخل الحركة، حتى إنّ مواقفه كانت جليّةً من بعض المسائل التي كانت تعدّ محرماتٍ في تلك الفترة في التيار السياسي الذي ينتمي إليه، كما عُرف بنقده الحاد لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، الحليف السابق للنّهضة، وهو ما أحرج قيادتها، خاصةً راشد الغنوشي، وقد أرجع مقربون منه آنذاك، استقالته، إلى هذه الأسباب فضلاً عن تخلّي الغنّوشي عنه وتعويضه بنجله معاذ وصهره رفيق عبد السلام، وبعض القيادات الأخرى.
وأعلن زبير الشهودي، المدير السابق لمكتب راشد الغنوشي، في وقت سابق، إنهاء كلّ مهامه القيادية، عقب نتائج الانتخابات الرئاسية، التي فشل فيها مرشح النهضة، عبد الفتاح مورو، وخرج من السباق الرئاسي من دوره الأوّل، ووجّه الشهودي، في تدوينةٍ نشرها على حسابه على فيسبوك، رسالة اعتذار عن "تقصيره في المساهمة في تحقيق أهداف الثورة في التنمية، والرفاه، والعدالة الاجتماعية"، وأخرى للصفح والعفو من والديه بعد معاناتهما من خياره السياسي طيلة 33 عاماً، قضى نصفها في سجون بن علي.

ودعا الشهودي راشد الغنّوشي إلى "اعتزال السياسة، وإبعاد صهره، رفيق عبد السلام، وكلّ القياديين الذين دلّسوا إرادة كبار الناخبين في إقصاءٍ مباشرٍ لكلّ المخالفين في الرأي من نساءٍ وشبابٍ وقياداتٍ تاريخيةٍ"، وهو ما عدَّ خروجاً عن واجب التحفّظ الذي تربّت عليه الحركة.

جمعي القاسمي: حركة النهضة محكومةٌ بشقين أحدهما متشدّد يُطلق عليه جناح الصقور، وآخر يدعو للتغيير يُطلق عليه جناح الحمام

هذا وقد خرجت بعض القيادات الحالية عن هذا المبدأ، وكشفت عن جوانب مهمّة من الخلافات التي تحكم أروقة الحركة، منهم: القيادي عبد اللطيف المكي، ومحمد بن سالم، بعدما كشفا رفضهما إلى جانب عدّة قياداتٍ أخرى، لبعض قرارات الغنّوشي، المتعلقة بتشكيل القائمات الانتخابية، والترشّح لرئاسة البلاد، فضلاً عن ترشيح شخصيةٍ نهضويةٍ لرئاسة الحكومة.
وتعليقاً على ذلك؛ لفت المحلّل السياسي، جمعي القاسمي، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ زعيم الحركة، راشد الغنّوشي، الذي تولى زعامة النهضة خلال المؤتمرين الماضيَين، ما يزال يحاول السيطرة على الوضع الداخلي، وأنّ تمسّكه بالمشاركة في الحكومة بهذه الطريقة، خاصّةً بعد أن حاول سابقاً الترشّح للانتخابات الرئاسية، ثم ترشّح لمنصب رئيس البرلمان، يؤكّد محاولاته اليائسة في تأجيل الانقسام داخل النهضة، وتقديم مزايا للغاضبين، من أجل البقاء داخل الحركة.
لأول مرة  تتالى الاستقالات داخل حركة النهضة

صراع أجنحة
ويرى مراقبون أنّ استقالة العذاري ستفتح الباب أمام استقالاتٍ أخرى داخل النهضة؛ لأنّ الصراع بداخلها يتوزع بين صراعٍ على خلافة الغنوشي، الذي سيغادر رئاسة الحركة في مؤتمرها القادم، المقرر في أيار (مايو) المقبل، وصراعٍ آخر قديمٍ طفا حديثاً على سطح الأحداث والمتمثّل في صراع الأجنحة التي تحكم الحركة.

إبراهيم العمري: استقالة عناصر متنفّذة داخل حركة النهضة يؤشّر إلى خلافات حادّة وتباين في وجهات النظر

ويوضح المحلل السياسي، جمعي القاسمي؛ أنّ هذه الحركة الإسلامية تتكوّن من شقّين؛ شقّ داخلي يطلق عليه جناح الصقور، ويتكوّن من قيادات الحركة الذين رابطوا في سجون البلاد، لدى معارضتهم نظام بن علي السابق، وهو الشقّ المتشدّد، وشقّ خارجي يُطلق عليه جناح الحمام، ويتكوّن من القيادات التي مارست معارضتها لبن علي من خارج البلاد في مقدّمتهم، راشد الغنّوشي، وهو الشقّ الذي يدعم إحداث تغيير في توجّه الحركة، ويدعم الفصل بين الدعوي والسياسي.

ويقول القاسمي لـ "حفريات" إنّ شقّ القيادات التي عانت ويلات السجن وجدت نفسها بعيدةً عن مواقع القرار، لفائدة شقّ القيادات التي عاشت خراج البلاد، وهو "ما فجّر الخلاف، وتسبّب في تتالي الاستقالات صلب الحركة"، مرجّحاً أن يتفاقم هذا الخلاف، خلال مؤتمر الحركة القادم، وفق توازنات الحركة، وحسابات السياسة.
خلافة الغنّوشي تهدد وحدة جماعته

لعنة الحكم
في سياقٍ متّصل؛ يرى مراقبون للشأن التونسي أنّ منهجية حركة النهضة لا تبدو واضحة المعالم في تعاملها مع المشاورات الحكومية، وأنّ مواقفها باتت متخبطةً بين الاقتراب من حزب "قلب تونس" العلماني أحياناً، وأحياناً أخرى مغازلة الأطراف المتشدّدة دينياً على غرار ائتلاف الكرامة، وبين مغازلة الأطراف الوسطية على غرار حزب التيار الديمقراطي، وحركة الشعب، وهو ما يفسّر ولادة صراعاتٍ جديدةٍ داخلها، مرتبطة بإيجاد التوازنات وتشكيل تحالفات تضمن بقاءها في مواقع القرار، ومواصلة التموقع في الحكم، في وقتٍ ترى قيادات من داخل الحركة توجهاً آخر للحركة تبقى من خلاله في الحكم، دون تقديم تنازلات، حسبما أكّده الأستاذ في العلوم السياسية، إبراهيم العمري، الذي شدّد على أنّ الاستقالات المتواترة من النّهضة مرتبطة بالوضع السياسي المتحرّك في البلاد بصفةٍ عامّةٍ، وبسياسات الحركة المرتبكة بشكلٍ خاصٍ.

اقرأ أيضاً: انقسام في "النهضة" بين قيادة الحكومة أو الحكم من وراء ستار
ويقول العمري، في حديثه لـ "حفريات" إنّ استقالة عناصر متنفّذة داخل الحركة، يؤشّر إلى وجود تباين في وجهات النظر، وخلافاتٍ حادّةٍ، يرى خلالها المستقيلون أنّه على حركتهم ألّا تقدم تنازلاتٍ كبيرة لباقي الأحزاب، وأنّها لا يجب أن تنبطح لتياراتٍ سياسيةٍ أخرى لا تتماشى مع خطّها الحزبي، وربّما يريدونها أن تتجّه إلى توجّهٍ راديكالي.
ويرى العمري أنّ حركة النّهضة تمارس سياسة الارتهان للتوازنات السياسية، التي تفرضها المصالح الحزبية، والوضع الراهن للبلاد، التي تتطلّب نوعاً من الحكمة، والحنكة السياسية، لإيجاد أرضية تلتقي عليها، أكثر من تيارٍ، وتقبل تباين وجهات النظر.

للمشاركة:

سيناريوهان وحزمة هواجس تشعل انتخابات الرئاسة الجزائرية

2019-12-05

يطرح محللون جزائريون سيناريوهَين وحزمة هواجس على أهبة سادس انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ البلاد، والمقررة يوم الخميس 12 كانون الأول (ديسمبر) الجاري.

وفي تصريحات خاصة بـ "حفريات"؛ برز تباين بشأن مؤدَّى الاقتراع المرتقب، وسط إقرار بأنّ الموعد يستهوي أقلية محدودة، في ظل رفض غالبية عظمى متمسكة بتعاطٍ مغاير مع الأزمة الناشبة منذ بدء الحراك الشعبي قبل عشرة أشهر.

اقرأ أيضاً: عبدالقادر بن قرينة مرشح إسلامي لرئاسة الجزائر بسيرة ذاتية غامضة

في نظر الخبير الإستراتيجي، محمد بغداد؛ فإنّ التداعيات التي صاحبت التحوّلات العميقة التي حلّت بالعالم العربي منذ 2011، لا نرى منها سوى المرحلة الاولى، وإنّ التداعيات الأكثر دراماتيكية لم يأتِ وقتها بعد، وستكون تكلفتها باهظة إلى درجة لا يمكن لبعض العقول أن تتصورها، ومع ذلك فإنّ الحالة التي تمر بها المنطقة العربية لا تظهر الجوانب الكارثية فقط؛ بل هناك إيجابيات يمكن رصدها والانتباه إلى أهميتها والبناء عليها والجزائر جزء من المنطقة العربية.

ويقول بغداد لـ "حفريات": "المشهد الجزائري اليوم يعيش لحظة متميزة في تاريخ البلاد، ويشهد تحولاً عميقاً لا تظهر تداعياته في الوقت القريب، لكن ستكون هذه التداعيات مساعدة على الانتقال نحو مرحلة قادمة، وستكون النخب السياسية والفكرية الأكثر من يدفع التكلفة الباهظة من خلال التغيرات الجذرية التي ستحصل على البنية الهيكلية لهذه الفضاءات، مما يجعلنا في هذه اللحظة في موقع المنتظر للمشهد الجزائري القادم، الذي بالضرورة سيكون في موقع المتقدم من تحقيق مستويات أعلى من الديمقراطية وممارسة مغايرة عن سابقتها للسياسة وإدارة الشأن العام".

الجيش الجزائري لن يخرج عن الدور الذي يلعبه حالياً وهو ضمان تمرير انتخابات الرئاسة مهما كان الأمر

ويلاحظ د. بغداد؛ أنّ المشهد الجزائري اليوم بقدر ما هو مشحون بمؤشرات يصعب على البعض فهم جوهرها وطبيعة تمظهرها، إلا أنّ المعطيات المتوفرة اليوم تؤكد أنّ الغالبية الواسعة من الشعب الجزائري، متفقة على حتمية الذهاب إلى الانتخابات، وأنّ الظروف العامة مساعدة على إجراء الانتخابات الرئاسية.

ويذهب الخبير الإستراتيجي إلى أنّ الموجود في الساحة هو كمّ معتبر من النقاش حول جزئيات وتفاصيل لا تؤثر على المجرى العام لإمكانية تنظيم الانتخابات، كون الإرادة السياسية لقيادة البلاد والحرص الكبير الذي توليه القيادة العليا للجيش، وما تعبّر عنه الفئات الاجتماعية الواسعة والنخب ذات التأثير الفاعل، يجعل من إجراء الانتخابات الرئاسية، يوم 12 كانون الأول (ديسمبر)، حتمية زمنية وواقعاً قائماً بذاته.

وفي نظر بغداد؛ فإنّ أهم عامل يؤكد حتمية إجراء الانتخابات الرئاسية في وقتها، يوم 12 كانون الأول (ديسمبر)، هو ذلك الإحساس المرّ والتجربة المؤلمة التي خاضها الشعب الجزائري في تسعينيات القرن الماضي، ويستدلّ: "كلنا نتذكر كيف خرج الشعب الجزائري في عز العشرية الدموية، عام 1995، وتمت الانتخابات الرئاسية والتي تمكّن من خلالها من مواجهة أقوى وأشرس موجة إرهابية في العصر الحديث".

هناك إيجابيات يمكن رصدها والانتباه إلى أهميتها والبناء عليها

حتمية الموعد
يسجّل بغداد أنّ التقييم الموضوعي للمشهد الجزائر، بكلّ مكوناته، ومنذ شباط (فبراير) الماضي، يجعل المتتبع الحريص على الحقيقة، وباستخدام كلّ الوسائل العلمية والتقصّي الميداني، توصل إلى نتيجة واحدة، وهي حتمية إجراء الانتخابات، وفي موعدها المعلن.

اقرأ أيضاً: وزير الطاقة الجزائري لـ"حفريات: لا نبيع نفطنا بالمجان

وعن دور الجيش، يردّ بغداد: "التاريخ السياسي للجزائر منذ الاستقلال، عام 1962، يؤكد بكل معطيات مراحله أنّ مؤسسة الجيش تقوم عقيدتها على الوفاء للوطن والالتزام بحماية البلاد والاستجابة لتطلعات الشعب، ومنذ بدء الحراك، في 22 شباط (فبراير) الماضي، التزمت المؤسسة العسكرية بمرافقة الشعب في مطالبه، وتعهدت بحماية (الحراك الشعبي)، والتزمت بتحقيق كلّ تطلعاته، وأعلنت في كلّ المناسبات أنّه لا طموح سياسيا لها، وأنها تعمل على مساعدة الشعب في تقرير مصيره".

اقرأ أيضاً: الأمن الجزائري يقمع إضراب القضاة المفتوح

وبحسب المعطيات المتوفرة من خلال ما تمّ إنجازه منذ أول  نيسان؛ "حماية البلاد، وتسيير الشأن العام، وتعديل القوانين، وتوفير الأدوات والهياكل"، والإعلان الرسمي في كثير من المناسبات، فإنّ عهد صناعة الرؤساء قد انتهى في منظور بغداد الذي يشدّد على أنّ مؤسسة الجيش لن تساند أيّ مرشح، وليس للنظام مرشح.

الأكاديمي عبد الكريم غريبي: الانتخابات أصبحت تفرض سياسة الأمر الواقع وستكون عسيرة التنفيذ، ولكن أرى أنّها ستقوي الحراك الشعبي

ويضيف: "الشعب وحده من يختار رئيس الجمهورية القادم، والنظرة الموضوعية والمسؤولة، تؤكد أنّ الجيش كان وسيبقى مكتفياً وملتزماً بدوره الدستوري في حماية البلاد والدفاع عن السيادة الوطنية.

ويذهب محمد بغداد إلى أنّ التحدي الأكبر أمام النخب السياسية والفكرية الجزائرية، سيكمن في بلورة أنموذج جديد للحكم، ومنظومة سياسية تكون قادرة على تحمّل تكاليف هذا الموقف، كونه يجعل الجزائر الأنموذج الذي سيكون محلّ اهتمام ودراسة المهتمين بالنظم السياسية وإدارة الأزمات، كون الجيش الجزائري الوحيد (على الأقل في العالم الثالث) الذي التزم بالدستور والقوانين ومبادئ الديمقراطية في هذه الأزمة.

اقرأ أيضاً: انقسامات جبهة الإنقاذ تنهي أسطورة الأحزاب الإسلامية في الجزائر
  
من جانبه، ينفي المحلل السياسي، هيثم رباني، أية ضبابية في المشهد السياسي؛ "لأنّ أطراف الوضع الحالي واضحة، وهي: الجيش الوطني الشعبي، الإدارة، سلطة مراقبة الانتخابات، قضاء، مترشحون، حراك مناصرون للانتخابات ومعارضون لها، رغم اعتقاده أنّ الانتخابات الرئاسية هذه المرة هي انتخابات أقلية محدودة في مقابل غالبية عظمى لا تريد التصويت أو تعارضه أو لا تبالي به".

ويبدي رباني ثقة بأنّ المشهد السياسي المنظور، في تقديره، "سيتميز بالهدوء؛ لأنّ لا أحد من الأطراف التي ذكرها، ترغب في التصعيد لكن هذا الاحتمال سيتغير وقد يتعقد الوضع بدخول أطراف غير جزائرية في الموضوع، خاصة العربية منها؛ لأنّها تحمل أجندات جيوسياسية غاية في الخطورة، ولا تتناسب مع حجمها السياسي والإستراتيجي؛ فهي مغرورة بمالها وتريد الحلول مكان مصر والجزائر، بعد أن ساهمت في تدمير سوريا والعراق".

الظلّ الأجنبي
يضيف رباني: "هذه ليست ديماغوجية؛ بل سأمضي معك إلى أبعد حدّ، فلو فرضنا أننا نريد أن نصل إلى مجلس تأسيسي ونلغي انتخابات الرئاسة، فإنّ تأثر هذا المجلس بتدخل أجنبي، مهما كانت بساطته، قد يدمّر المعبد ومن فيه".

لكن رباني يعود ليؤكد لـ "حفريات": "الانتخابات ستجرى في موعدها؛ لأنّه، ورغم الرفض الكبير لها، إلّا أنّها ستتمّ بسبب رفض كلّ الأطراف التصعيد، كما أنّ قانون الانتخابات الجزائري يفتقد إلى مادة تحدّد النسبة الأقل من المصوّتين التي بسببها تلغى الانتخابات، وبالتالي فإنّه ومهما كانت نسبة الأقلية المصوتة، ستجرى الرئاسيات ويخرج منها رئيس جزائري".

الانتفاضة الشعبية الجزائرية، التي تدخل شهرها العاشر، كان لها الدور الحاسم في إسقاط المنظومة السلطوية والسياسية والأجهزة المؤسّسة لها

وعن مدى تمتع الرئيس المقبل بـ "الشرعية"، يردّ رباني: "إذا كانت الشرعية السياسية تكتسب من الغالبية، فإنّ الأقلية لا تعدّ شرعية بمعنى الدعم الشعبي، وليست شرعية قانونية؛ لأنّ القانون المحلي لا يحدّد الأقلية المصوتة ولا دخل له في الشرعية البعدية".

ويتفق الناشط طاهر دزيري مع هيثم رباني في استبعاد إلغاء الاقتراع الرئاسي؛ لأنّ "مسبّبات الإلغاء ضعيفة، والسبب المباشر هو ضعف زخم الحراك الشعبي وليس توقفه، فهو وإن ما يزال مستمراً، إلاّ أنّ عدد المشاركين ليس كما كان في الأسابيع الأولى، عندما ألغي موعدان انتخابيان، وكان هذا منتظراً بسبب غياب وجوه شعبية قوية متفق عليها شعبياً، تواجه الوجوه التقليدية.

ويتصور دزيري ورباني أنّ الجيش يريد الوصول إلى برّ الأمان من خلال الرئاسيات مهما كانت الظروف، وأنّ "الجيوش في العالم تتحرك بمنطق قوة الواقع فتتأقلم معه أو تحاول ترويضه، وبما أنّ الوضع السياسي الجزائري غير مستقر، بسبب عدم الاتفاق الحراكي ومن ثم الاجتماعي، أطلب من الجيش مواصلة نهجه الحالي، الذي يتميز بحرية الانتخاب، وألا يتدخل، كما وعد، للتأثير في نتائج انتخابات الرئاسة".

اقرأ أيضاً: هاجس الأزمة وضغط الشعب يشعلان الصراع على الرئاسة في الجزائر

ولا يؤيد رباني سياسة الاعتقالات التي طالت الحراكيين الوطنيين، وهم الغالبية، لكنّه يفتح قوساً: "من قبل أموالاً خارجية، أو تعاون مع جهات غير جزائرية، من خلال تقديم المعونة وسؤال المشورة، فهذا من واجب القضاء سؤاله؛ لأنّ التعامل مع الأجنبي بهذه الطريقة يرفضه الجزائريون جملة وتفصيلاً".

في المقابل؛ يرى الأكاديمي عبد الكريم غريبي، أنّ الانتفاضة الشعبية الجزائرية التي تدخل شهرها العاشر، كان لها الدور الحاسم في "إسقاط كلّ المنظومة السلطوية والسياسية والأجهزة المؤسّسة لها ووضعها في حجمها الحقيقي وحدودها ومداها".

ويقدّر الباحث والمتابع لراهنية الحراك أنّ تسارع الأحداث السياسية والاجتماعية قد يؤثر على الحراك ويقلّص فاعلية الشعب، لذا يرى غريبي أنّ "الانتخابات أصبحت تفرض سياسة الأمر الواقع وستكون عسيرة التنفيذ، ولكن أرى أنّها ستقوي الحراك الشعبي". ويلاحظ، كما أبلغ "حفريات" أنّ الجيش الجزائري أصبح يسيّر جبهتين؛ "إحداهما داخلية منقسمة، والأخرى خارجية جيوسياسية، وليس له غير المضي في الإستراتيجية المرسومة منذ قضية تيقنتورين، وسيلعب دوراً حاسماً في الأعوام الخمسة القادمة، كمرحلة انتقالية تحت إشرافه، أمنياً وسياسياً واقتصادياً".

اقرأ أيضاً: إسلاميو الجزائر يناورون في التعاطي مع الانتخابات الرئاسية

ويستطرد غريبي: "الإشكال الخطير يتمثل في التسيير الأمني والانتخابي فقط، والتعتيم الإعلامي، وعدم مشاركة النخبة السياسية والمثقفين في نشر الوعي والحوار على كلّ الأصعدة، وعليه تبقى الانتخابات وسيلة مرحلية وليست غاية في حدّ ذاتها" .

وفي السياق ذاته، يلفت الكاتب الصحفي، صديق يحياوي؛ إلى أنّه في مقابل تسخير السلطة لكلّ الوسائل، تتوجه الانتخابات لأن تكون دون ناخبين، ويتكئ على فشل الحملة الدعائية للانتخابات بعد مرور أكثر من أسبوعين على انطلاقها، ويعدّ ذلك "المؤشر الأحسن".

ويحيل يحياوي إلى أنّ المرشحين الخمسة مطاردون في كلّ المحافظات، بينما المسيرات الداعمة للانتخابات لا تحظى بالشعبية، رغم كلّ ما سُخّر لها من إعلام ودعاية في مقابل دعوات إسقاطها التي تتبناها المسيرات الجماهيرية ورغم التعتيم الإعلامي الممارس.

اقرأ أيضاً: حملة انتخابية مبكرة لإخوان الجزائر بحثاً عن تموقع في مشهد متأزم

ويخلص يحياوي: "كلّها مؤشرات لا تبعث على الارتياح، بجانب دعوات الإضراب العام، بداية من الثامن من كانون الأول (ديسمبر) الجاري، إلى غاية يوم الاقتراع، ودعوات الاعتصام والتظاهر أثناء العملية الانتخابية".

وينتهي يحياوي، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ دور الجيش لن يخرج عن الدور الذي يلعبه حالياً، "وهو ضمان تمرير انتخابات الرئاسة، مهما كان الأمر، إلّا إذا تفطنت قيادته إلى الخطر على الوحدة الوطنية والاستقرار، إن تمت الانتخابات من دون ناخبين، واتساع المقاطعة سيفرض على الجيش إلغاءها".

للمشاركة:



الاحتجاجات العراقية مستمرة.. آخر تطوراتها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

توافد آلاف المتظاهرين إلى ساحة التحرير وسط بغداد، الخميس، وشارك في التظاهرات عدد من مناصري الحشد الشعبي، رافعين شعارات مؤيدة للمرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني.

وذكرت مصادر من ساحة التحرير نقلت عنهم "العربية"؛ أنّ التظاهرة خرجت بحجة دعمها للاحتجاجات السلمية المطالبة بالحقوق المشروعة للعراقيين، وقطع الطريق على "المخربين"، مبدية تخوفها من إمكانية حصول أيّة احتكاكات أو صدامات، ما قد يشكل خطراً على المتظاهرين الذين ما يزالون منذ أكثر من شهر في ساحات بغداد.

التظاهرات في بغداد تستمر، بمشاركة عدد من مناصري الحشد الشعبي الذين رفعوا شعارات مؤيدة للسيستاني

هذا واستمرت أيضاً التظاهرات في المحافظة الجنوبية، وسط دعوات لعدم وقفها حتى تحقيق المطالب.

ونقلت وكالات أنباء محلية؛ أنّه تمّ فتح جميع الجسور في الناصرية (مركز المحافظة) باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً، حداداً على أرواح القتلى الذين سقطوا خلال الاحتجاجات.

من جهته، أكّد قائد عمليات الرافدين، اللواء جبار الطائي، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء العراقية؛ أنّ الوضع الأمني في ذي قار مستتب والدوائر الرسمية والمؤسسات ستشهد عودة الدوام الرسمي.

فتح جميع الجسور في الناصرية باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً حداداً على أرواح قتلى الاحتجاجات

كما شدّد على أنّ جميع الدوائر الرسمية تحت حماية قوات الأمن في الوقت الحالي، مضيفاً أنّ "هناك تعاوناً كبيراً مع المتظاهرين في ساحة الحبوبي".

وكانت مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار، قد شهدت، الأسبوع الماضي، احتجاجات دامية أدّت إلى مقتل العشرات، ما أثار غضب الأهالي والمحتجين؛ حيث عمد بعضهم خلال الأيام الماضية إلى مهاجمة مركز الشرطة، قبل أن تتدخل بعض الوساطات العشائرية والمدنية بهدف تهدئة الأوضاع.

وأعلنت نقابة المحامين في المحافظة بوقت سابق رفع 200 دعوى قضائية ضد رئيس خلية الأزمة في محافظة ذي قار، الفريق جميل الشمري، من قبل ذوي الضحايا في المحافظة.

 وفي وقت سابق؛ أصدر القضاء مذكرة قبض بحق الفريق جميل الشمري، رئيس خلية الأزمة في ذي قار، المبتعث من قبل رئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي.

يذكر أنّه في 27 و28 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، شهدت الناصرية أحداثاً دامية أدّت إلى مقتل 32 محتجاً.

مفوضية حقوق الإنسان تعلن ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح

وعقب ذلك؛ أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق، تشكيل لجنة للتحقيق في تلك الأحداث، وقال المتحدث باسم المجلس، عبد الستار بيرقدار، في بيان مقتضب في حينه: إنّ "مجلس القضاء الأعلى شكّل هيئة تحقيق مكونة من ثلاثة من نواب رئيس محكمة استئناف ذي قار، للتحقيق العاجل في عمليات قتل المتظاهرين خلال اليومين الماضيين".

ويشار إلى أنّ مفوضية حقوق الإنسان في العراق أعلنت، أمس، ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات خلال الشهرين الماضيين إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح.

ويشهد العراق، منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، تظاهرات حاشدة ومتواصلة في بغداد، والمحافظات الجنوبية، مطالبة برحيل النخبة السياسية المتهمة بالفساد وهدر أموال الدولة، والتي تحكم البلاد منذ إسقاط نظام صدام حسين، عام 2003.

 

للمشاركة:

إجراءات قطرية جديدة لمواجهة الأزمة الاقتصادية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

اتخذت دولة قطر مؤخراً حزمة من الإجراءات، في محاولة لتجاوز الأزمة التي تخيم على اقتصادها، بسبب مقاطعة الدول الرباعية.

وقال مصدر مطلع، اليوم: إنّ قطر حددت بأثر رجعي سعر البيع الرسمي لخامها البحري، لشهر تشرين الثاني (نوفمبر)، عند 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق، وفق "رويترز".

 

 

وكانت قد ارتفعت أسعار التأمين البحري على البضائع وأجسام السفن بنسب تتراوح بين 50 و500%، خلال الربع الثاني من العام الجاري، بعد عمليات الاستهداف التي طالت أكثر من ناقلة في المنطقة خلال الفترة الماضية، واستمرار التهديدات الإيرانية باستهداف ناقلات النفط ومنع تصديره عبر الخليج العربي ومضيق هرمز.

هذا وتشهد قطر، هبوطاً ملموساً في مختلف القطاعات المؤلفة للاقتصاد المحلي، وسط شحّ في وفرة السيولة، خصوصاً في النقد الأجنبي في السوق والقطاع المصرفي.

قطر تحدّد سعر البيع الرسمي لخامها البحري بــ 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق

وتواجه دولة قطر أزمة اقتصادية خانقة جراء المقاطعة الرباعية؛ إذ تأثرت جميع القطاعات الحيوية في البلاد، وأدّت إلى هبوط كبير في أحجام أنشطة القطاعات التي تدر دخلاً بالعملات الأجنبية، مثل: الطيران المدني، والسياحة، والتصدير، إلى جانب تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر الوافد إلى قطر، نظراً إلى تخوف المستثمرين من ظروف عدم الاستقرار التي قد تتعرض لها في ظلّ الأزمة، الأمر الذي فاقم الدين العام ليقفز إلى 91.7 مليار دولار، بنهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ورفع الدين الخارجي لقطر خلال عام 2018، بنسبة 37% على أساس سنوي؛ إذ سجّل ما يعادل 43.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 31.6 مليار دولار في 2017، بحسب بيان صادر عن مصرف قطر المركزي.

ورغم شحّ السيولة؛ فإنّ قطر واصلت استنزاف الأموال من السوق المحلية، وضخّها في سوق السندات الأمريكية، في محاولة لشراء المواقف الدولية.

 

 

للمشاركة:

القوات اليمنية تصدّ هجمات حوثية وتكبّدهم خسائر كبيرة..تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

قتل عشرات، وجرح آخرون، من ميليشيات الحوثي الإرهابية، أمس، خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته الميليشيات على مدينة حيس، وآخر في الجبلية بالتحيتا جنوب محافظة الحديدة.

وذكرت المصادر الميدانية في مدينة حيس، وفق ما نقلت صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ مليشيات الحوثي تركت جثث عشرات القتلى من مسلحيها الذين هاجموا مواقع القوات المشتركة شرق وشمال مدينة حيس.

وهرب مشرفو الميليشيات تاركين جثث قتلاهم المهاجمين بالقرب من مواقع القوات المشتركة.

مقتل وإصابة العشرات من ميليشيات الحوثي خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته على مدينة حيس والحديدة

وتصدّت القوات المشتركة لهجمات ميليشيات الحوثي على مواقعها شرق وشمال مدينة حيس، بالتزامن مع تصدّيها لهجوم آخر شنته المليشيات على مواقع القوات في منطقة الجبلية جنوب مديرية التحيتا.

وأضافت المصادر العسكرية؛ أنّ القوات المشتركة كبّدت ميليشيات الحوثي خسائر فادحة في العتاد والأرواح، خلال عملية التصدي للهجمات التي شنّتها المليشيات على تواصل مع التصعيد العسكري المستمر.

هذا وتحاصر القوات اليمنية الموالية للشرعية في محافظة الحديدة مليشيات الحوثي الانقلابية، بدعم من التحالف العربي بقيادة الممكلة العربية السعودية، منذ أواخر حزيران (يونيو).

ومن اليمن أيضاً؛ قالت مصادر محلية في صنعاء إنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية قامت بتوجيه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة، تسمى (مرشدات)، حيث تخضع المستهدفات بعد تعبئة استمارة لبرنامج تدريبي بدني وعسكري قاسِ .

ميليشيات الحوثي الانقلابية توجّه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة

وأكدت المصادر أنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية لجأت مؤخراً إلى تجنيد الطالبات في بعض مدارس أمانة العاصمة، وذلك من خلال توجيه تلقته المعلمات في المدارس .

هذا وتخضع الطالبات لتدريب عسكري شاقّ، ولفتت المصادر أيضاً إلى أنّ التسجيل يجري علناً داخل الفصول الدراسية في مدرسة القديمي، الواقعة في حي الجراف، وذلك بإشراف معلمة من مليشيات الانقلاب، تدعى "أمة الإله عبد الملك شرف الدين"؛ حيث تقوم هذه المعلمة بتدريب الطالبات عسكرياً، وتشرف على عمليات التجنيد في المدرسة.

 

للمشاركة:



ما هي أفضل الدول في مجال التعليم على مستوى العالم؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

غالبا ما نطرح على أنفسنا هذا السؤال: ما هي الدولة صاحبة أفضل نظام تعليمي على مستوى العالم؟

لكن ربما تخلو أي إجابة محددة عن ذلك السؤال من الموضوعية، مما قد يجعل "برنامج التقييم الدولي للطلاب" (بي آي إس إيه) مؤشرا جيدا ربما يفيد في التوصل إلى الإجابة المطلوبة.

ويتكون هذا المؤشر من سلسلة من الاختبارات الدولية التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويخضع لتلك الاختبارات، منذ إطلاق البرنامج في عام 2000، طلاب في سن الخامسة عشرة، كل ثلاث سنوات.

وكشفت المنظمة نتائج الاختبارات الأحدث من هذا النوع، التي أُجريت في 2018، والتي أشارت إلى أن الطلاب الصينيين يظهرون أداء فائقا يتجاوز أداء جميع الطلاب من الدول الأخرى في القراءة، والرياضيات، والعلوم.

أرقام قياسية
شاركت 79 دولة وإقليم في هذه الاختبارات، مما يُعد رقما قياسيا. وبلغ عدد عينة الطلاب المشاركين 600 ألف طالب العام الماضي.

وتتكون منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 37 دولة، أغلبها دول متقدمة، مثل الولايات المتحدة، واليابان، ودول أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

لكن عدد الدول التي تريد التعرف على مدى ملائمة طلابها للمعايير الدولية في مجال التعليم يتزايد في الفترة الأخيرة.

وأصبحت هذه الاختبارات، التي تصنف الدول حسب متوسط درجات الطلاب في كل دولة، من أدوات القياس المؤثرة في معايير التعليم الدولي، إذ توفر منظورا مختلفا مقارنة بالاختبارات المحلية.

ويدخل الطلاب تحديات حقيقية أثناء هذه الاختبارات، والتي قد تكون في شكل أسئلة تتناول اتخاذ القرارات المالية السليمة، وتحقيق الاستفادة المثلى من المعلومات.

وعلى سبيل المثال، كان هناك سؤال في اختبارات 2018 يقيس مهارات القراءة، مبني على أساس حوار متخيل على أحد منتديات الإنترنت، وفيه يتساءل صاحب مزرعة دواجن عما إذا كان تناول دجاجه للأسبرين آمنا أم لا.

سيطرة أسيوية
كانت الصين هي صاحبة التصنيف الأعلى في ثلاث من الجولات الأربع الأخيرة في هذه الاختبارات الدولية، لكن كان هناك تحفظ بأن مشاركة الصين كانت مقتصرة على مناطق معينة في البلاد.

واستخدمت السلطات الصينية نتائج الاختبار الخاصة بطلاب منطقة شنغهاي فقط في عامي 2009 و2012. كما استخدمت الصين نتائج الاختبارات التي دخلها الطلاب في أربعة ولايات فقط في عامي 2015 و2018.

وقال أندريا شلايشر، مدير التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "في هذه المناطق، أظهر الطلاب الأكثر معاناة من الحرمان الاجتماعي أداء أفضل في القراءة مقارنة بالطلاب العاديين في المناطق التابعة للمنظمة".

وكانت فنلندا هي الدولة صاحبة الأداء الأفضل في النسخ الثلاث الأولى من اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب في أعوام 2000، و2003، و2006، بينما احتلت سنغافورة الصدارة في اختبارات 2015.

وتتصدر دول آسيوية المراكز الأولى في اختبارات هذا البرنامج، وفقا لحساب جميع الدرجات. ويشير التصنيف الحالي إلى أن دولا آسيوية تحتل المراكز الأربعة الأولى في نتائج تلك الاختبارات بينما تعتبر استونيا الدولة غير الآسيوية الوحيدة التي تصعد إلى المراكز المتقدمة.

وألقت النتائج التي توصلت إليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضوء على مخاوف حيال "الجاهزية للعالم الرقمي".

ووفقا لشلايشر، أظهرت نتائج اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب الأخيرة أن عشرة في المئة فقط من الطلاب المشاركين في الاختبارات من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمكنوا من التمييز بين الحقائق والآراء الشخصية، أثناء قراءة موضوعات غير مألوفة.

رغم ذلك، أشارت النتائج إلى أن الفجوة التعليمية بين الدول المتقدمة والدول النامية ليست كبيرة كما يعتقد البعض.

وأضاف مدير التعليم في المنظمة: "عندما أجرينا مقارنة بين الدول التي حصلت على نفس الدرجات في اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب، اكتشفنا أن هناك فجوة واسعة في مستويات الدخل في تلك الدول."

كما كشفت النتائج عن وجود فوارق كبيرة بين أداء النساء والرجال، إذ ثبت أن الفتيات يتفوقن في الأداء على الفتيان في القراءة، ويظهرن تقدما هامشيا عليهم في العلوم (بمقدار نقطتين في المتوسط)، بينما أثبت الفتيان تفوقا على الفتيات في اختبارات الرياضيات ( بنحو خمس نقاط).

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

هدى الحسيني

أهم ما تركته المظاهرات في إيران أنها أبلغت القيادة بأن حاجز الخوف قد تم كسره. بدأت المظاهرات المتقطعة أولاً في العراق، ثم امتدت إلى لبنان، وأدت إلى استقالة رئيسي وزراء البلدين، ثم وصلت إلى شوارع طهران بقوة كبيرة.
وكان قرار اتخذته 3 بلديات منذ نحو 3 أسابيع برفع سعر لتر البنزين بمقدار 5 آلاف ريال، وإدخال نظام الحصص الشهرية المخفضة للوقود، أخرج عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع، وتحولت المظاهرات العامة الأصيلة والعفوية والتي بدأت بوصفها احتجاجاً مالياً، على الفور إلى معارضة للنظام الذي يستثمر أموال الإيرانيين لترسيخ نفوذه الإقليمي على حساب مواطنيه. في الأسبوع الماضي تعمد «حزب الله» في لبنان نشر فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي وأعضاؤه يعدّون ملايين الدولارات التي وصلت إلى الحزب من إيران (تقدر بـ75 مليوناً)، كما نشر الحزب شريطاً لأحد أعضائه يقود سيارة وفي داخلها رزم ضخمة من الدولارات وعلى واجهة السيارة صورة الأمين العام للحزب حسن نصر الله، ويستمع إلى أغنية عراقية تمجّد إيران. وكان الأمين العام للحزب قال في إحدى خطبه إن أزمة الدولار التي تعصف بلبنان لن تطال مقاتليه، فإيران هي البنك الذي لا ينضب، وبالتالي لن يعاني الحزب من أي ضائقة. وليس غريباً أن يكون الشعار الأكثر شيوعاً في المظاهرات الإيرانية: «الموت للديكتاتور»، وهذا زاد من قلق النظام إلى حد كبير.
بدأت المظاهرات في عشرات المدن على امتداد جميع أنحاء إيران، بما في ذلك المدن الرئيسية: طهران، وشيراز، وأصفهان. كان سلاح المتظاهرين الشعور بالإحباط من الاحتجاجات الفاشلة سابقاً، لذلك هاجموا قوات الأمن وأغلقوا الطرقات وأضرموا النار في مئات محطات الوقود والمصارف وقواعد «الباسيج» والكليات الدينية، وأحرقوا صوراً لكبار مسؤولي النظام. لقد أدى اليأس والإحباط والكراهية العميقة تجاه النظام التي عبر عنها الإيرانيون، إلى تغذية الاحتجاجات وزيادة حجمها. ووفقاً لوكالات أنباء عدة؛ شارك نحو 100 ألف شخص في المظاهرات، ومع هذا تجاوز مستوى العنف والمعدل الذي انتشرت به الاحتجاجات، ذلك الذي قوبلت به مظاهرات عام 2018، مما جعلها أكثر المظاهرات الاحتجاجية انتشاراً وأهمية منذ عام 2009. يبدو من هذا أنه كلما أصبح الشعب الإيراني أكثر استعداداً لتنفيذ انقلاب، زاد التطرف في التدابير التي يتخذها النظام لقمع الاحتجاجات والمظاهرات بأي ثمن. وكلما استعرت المظاهرات؛ كان قادة النظام يحاولون استرضاء الشعب. ومع ذلك؛ فإن الإجراءات تتحدث بصوت أعلى من الكلمات. وكعادة الأنظمة الديكتاتورية التي تدّعي أنها لا ترى ما يجري في الشارع، أعلن الرئيس حسن روحاني أن الأمة الإيرانية تمكنت من التغلب على تحدي الاحتجاج، وسارع متحدث باسم الحكومة إلى إبلاغ الإيرانيين بأنه لن تتم الموافقة على زيادة تسعيرة الوقود حتى شهر مارس (آذار) من عام 2020.
في الأيام التي تلت تغيرت النبرة وبدأ زعماء النظام الإدلاء بتصريحات علنية بشأن وحشية الأحداث والخطر التي تشكله على النظام. على أرض الواقع كانت هناك بالفعل تقارير عن ارتفاع أسعار الخبز والحليب في المستقبل القريب، فالوضع الاقتصادي المتدهور في إيران لا يبدو جيداً.
سواء تم فرض تدابير اقتصادية جديدة أم لا، وما إذا كانت المظاهرات تشكل تهديداً حقيقياً للنظام أم لا، فهناك شيء مؤكد تغير في المجتمع الإيراني؛ لقد تم «كسر حاجز الخوف» لدى الإيرانيين، فالجدار الذي كان بمثابة ضبط النفس من تطور الاحتجاجات المدنية حتى الآن، تم هدمه، واستعداد الجمهور الإيراني للاشتباك مع قوات الأمن يعني شيئاً واحداً: لم يعودوا يخافون من الخروج إلى الشوارع.
اتخذ النظام تدابير استثنائية عادة ما تكون مخصصة للأحداث الشديدة، مثل استخدام النيران الحية، وتم نشر كثير من قوات الأمن؛ بما في ذلك قوات «الحرس الثوري» التي تولت القيادة في العمليات إلى جانب القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي و«الباسيج» ووزارة الداخلية. احتجز النظام 7 آلاف مواطن في جزء من محاولاته لقمع الاحتجاجات، وتأثر كثير من جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك إلغاء الدراسة في المدارس والجامعات، وتأجيل المباريات الرياضية، وإغلاق خطوط المترو، وفرض حظر تجول عام.
كما تم حظر الإنترنت والشبكات الخليوية من أجل جعل تنظيم المتظاهرين بين بعضهم بعضاً أمراً صعباً. كانت هذه محاولة أخيرة من قبل النظام لإخماد نيران المظاهرات ولو على حساب تقويض صورته والتسبب في إضرار بالاقتصاد. حتى بعد ادعاء الدولة أنها أعادت الإنترنت، أبلغ كثير من الإيرانيين عن محدودية الوصول إليه، لا سيما المواقع الإلكترونية والشبكات الخليوية. ورغم أن هذا الإجراء المتطرف قد تعرض لانتقادات شديدة من قبل كثيرين، بما في ذلك احتجاج رسمي من قبل 11 عضواً من أعضاء مجلس الشورى، فإن قرار حظر الإنترنت كان له تأثير حاسم على قمع الاحتجاج في أسبوع واحد فقط، ومع ذلك بقي الجمهور الإيراني يطلق صرخة المعركة. فقد وجدت مقاطع فيديو وصور خاصة للمتظاهرين طريقها إلى العالم، حيث أبلغت العالم بالنطاق الهائل للاحتجاج على النظام والعنف الذي استخدمه النظام لتفريق المتظاهرين. وذكرت منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان مقتل 143 متظاهراً خلال موجة الاحتجاجات، لكن المنظمة لم تكشف عن القتل الجماعي في ماهشهر حيث أحاط «الحرس الثوري» بالمنطقة وقتل ما بين 40 ومائة متظاهر مسالم أغلبهم من الشباب كانوا لجأوا إلى حقل من قصب السكر، وقيل إنهم أضرموا النيران بالجثث.
حاول النظام التخفيف من عدد القتلى، لكن مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى من وزارة الداخلية أكد مقتل 218 شخصاً «إن لم يكن أكثر». ورغم أن الاحتجاجات لم تخرج عن نطاق السيطرة، فإن العدد الكبير من القتلى قد يشير إلى أن قوات الأمن فوجئت بمدى شدة الأحداث وغضب الشارع.
ربما تراجعت موجة الاحتجاج، لكن ينبغي عدم التقليل من أهمية الانتفاضة العامة، من قبل النظام أو الشعب؛ إذ يشير الغضب الذي عبرت عنه الأحداث الأخيرة إلى شعور الجمهور الإيراني المتزايد بالاشمئزاز تجاه النظام، حتى لو حاول الأخير إيجاد حلول ملتوية لتخفيف الشقاء العام، فالحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك حل حقيقي للمعضلة الاقتصادية، ولا توجد وسيلة لتحسين الرفاهية العامة، ما دامت إيران تحت قيادة «فيلق القدس» التابع لقاسم سليماني تواصل محاولة ترسيخ نفوذها في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
رغم أن النظام ربما يكون استوعب الحساسيات الحالية للجمهور استناداً إلى سلوكه على مر السنين، فإنه من المحتمل أن يحاول الحفاظ على صورة قوته من أجل ردع المحتجين حتى عندما يكون وضعه أضعف مما يبدو عليه. هذا سيؤدي إلى خروج الجماهير مجدداً إلى الشوارع والانضمام إلى «حرب الاستنزاف» ضد النظام، وليس من الواضح من سيخرج منتصراً، مع أن الإيرانيين صاروا يدركون ويرددون أنه لن يكون سلام في إيران أو في الشرق الأوسط، إذا لم تتم إطاحة النظام الذي «يحتل بلادهم» بصورة غير شرعية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

عبد القادر الطائيّ: العرب لا يفهمون طبيعة السياسة الأمريكيّة

2019-12-05

أجرى الحوار: خالد بشير


يرى أستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة الشرق الأوسط بعمّان، الدكتور عبد القادر الطائيّ؛ أنّ العرب لا يفهمون طبيعة السياسة الأمريكيّة، وأنّ الاهتمام الأمريكيّ تجاه منطقة أو إقليم ما قائم بالأساس على حسابات المصالح، وفي هذا الحوار مع "حفريات" يقدّم الطائيّ تحليلاً للأسس التي تقوم عليها الحسابات الأمريكيّة تجاه منطقة الشرق الأوسط، وعلى أيّ أساس ينشأ ويزداد أو يتراجع اهتمامها بها.

اقرأ أيضاً: ما حلمت به أوروبا من تخريب المعنى يتحقق في أمريكا
حسابات المصالح في المنظور الواقعي الأمريكي تأتي قبل كلّ شيء، هذا ما يوضحه الطائيّ، وفيه يعيد مساءلة وتقييم مقولة الانسحاب والانكفاء الأمريكي من المنطقة، ويشير إلى جوانب أخرى من طبيعة العلاقة الإيرانية الأمريكية لا تظهر عادةً على سطح العلاقة التي يطغى عليها في الفترة الحالية التوتر، ويلفت إلى بعض أسسها والحسابات التي تقوم عليه، مع وقفة على الأسس التي تنطلق منها السياسات الإيرانية والتركية تجاه المنطقة. ويبين الطائيّ أهم العوائق التي تحول دون تحقيق التقارب والتكامل على المستوى العربي. إنه حوار حول تقاطعات السلاح والنفط والاقتصاد في المخططات الإستراتيجيّة إزاء المنطقة.

يذكر أنّ الطائيّ متخصص في العلاقات الدوليّة والإستراتيجية والسياسة الخارجيّة، وله عدة كتب في هذه الاختصاصات، منها: "النظريات الجزئيّة والكليّة في العلاقات الدولية"، و"المدخل إلى دراسة الإستراتيجية"، و"الفكر السياسي والإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكيّة".
هنا نص الحوار:
هل يمكن الحديث عن تراجع وانسحاب وانكفاء أمريكي في المنطقة، مقابل الحديث عن تمدّد صيني اقتصادي، وحضور روسي عسكريّ متزايد؟ وإلى أيّ مدى هذا القول علمي وواقعي أم أنّه مجرد تعبير عن رغبات؟

بدايةً لا بدّ من التطرق إلى سياق دخول الولايات المتحدة الأمريكية وامتداد نفوذها إلى المنطقة، وهنا نشير إلى أنّ دخولها جاء في فترة متأخرة نسبيّاً، إذا ما قارنا ذلك بقوى مثل بريطانيا وفرنسا؛ فبريطانيا مثلاً كانت حاضرة في منطقة الخليج العربي منذ مطلع القرن السابع عشر الميلادي، خلافاً للدخول الأمريكي الذي تأخر إلى القرن العشرين، ودخول الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن بالمعنى الاستعماري المتعارف عليه، إنّما كان بالمعنى المصلحيّ النفعيّ، وذلك بالتحديد بعد اكتشاف النفط وازدياد أهميته.

الولايات المتحدة لم تنسحب من المنطقة بمعنى الكلمة، إنما كان هناك انتباه جديد إلى مصالح أخرى أكثر أهميّة

في مرحلة الثلاثينيات؛ دخلت أمريكا في صراع مع بريطانيا، ومن الحجج التي كانت تسوقها هو أنّ بريطانيا كانت تملك حصة كبيرة من نفط الخليج فأين حصّة أمريكا من هذا النفط؟ وبعد دخولها، انحصر النفوذ الأمريكي في السعودية، بينما كانت دول الخليج الأخرى تحت النفوذ البريطانيّ، وهنا نلاحظ أنّ تنامي الدور الأمريكي في منطقة الخليج العربيّ لم يبرز إلّا بعد خروج بريطانيا من الخليج عام 1969.
ازداد الاهتمام العالمي بالنفط في مرحلة السبعينيات، بسبب أسعاره الرخيصة آنذاك، وفي تلك المرحلة تضاعفت أهمية منطقة الخليج العربي، حيث إنّ اعتماد أوروبا على النفط القادم من الخليج العربية كان يقدر بنسبة 65%، فيما وصلت نسبة اعتماد اليابان عليه إلى نحو 80%، وهنا جاء العام المفصليّ، عام 1973م، مع وقوع حرب تشرين لأول (أكتوبر)، وقرار "الأوابك" (منظمة الدول العربية المنتجة للنفط) توظيف سلاح النفط في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بغرض دفعها باتجاه الضغط على "إسرائيل" للانسحاب من الأراضي المحتلّة عام 1967، وتطبيق القرار "242"، كما جاء في العام ذاته قرار تأميم النفط العراقي، باعتبار أنّ النفط يمثّل ثروة وطنيّة وقوميّة يمكن توظيفها كسلاح في المعركة لخدمة القضايا القوميّة.

اقرأ أيضاً: "البغدادي"... فكرة تدرك أمريكا أنّها لم تمت
كلّ ذلك ضاعف من الاهتمام الدوليّ، الأمريكيّ خاصّة، بمنطقة الخليج العربي، ولفت انتباههم إلى ظهور العامل النفطيّ، إذا ما استثمر من قبل العرب، وهنا أذكر مقالة لكيسنجر، نشرت عام 1975 في مجلة "نيويورك تايمز"، قال فيها ما معناه ينبغي على دول الغرب ألا تسمح بتكرار تجربة العام 1973، وألا يسمحوا للعرب بأن يمسكوا بعنق الغرب الصناعي؛ ويقصد بذلك ألا يسمحوا للعرب باستخدام نفطهم ضدّ الغرب الصناعيّ.

الإعلان عن عدم توفر الوقود "الولايات المتحدة".. إثر القرار العربي بحظر تصدير النفط عام 1973

إذاً، هل يمكن القول إنّ الاهتمام الأمريكي بالمنطقة كان منحصراً بمسألة النفط؟
بالتأكيد لم يكن منحصراً بالنفط، وإن كان النفط يأتي في مقدمة العناصر؛ جانب أساسي من الاهتمام كان متعلقاً بالبعد الإستراتيجي؛ حيث إنّ حضور النفوذ الأمريكي كان ضرورياً لمواجهة الاتحاد السوفييتي، في إطار الصراع الأيديولوجي العالمي بين القطبين، الذي برز على السطح بعد الحرب العالمية الثانية؛ إيران مثلاً كانت تعدّ دولة تماسّ مع الاتحاد السوفييتي، وكان الاتحاد السوفييتي ينظر لها باعتبارها المعبر والمنفذ المحتمل إلى الخليج العربي، وكان من غير الممكن للولايات المتحدة أن تفرط بعلاقاتها الإستراتيجيّة معها.

اقرأ أيضاً: إيران تحتجّ على تدخلات أمريكا بشأن الاحتجاجات
وقد حاول السوفييت استغلال صعود التطلعات القوميّة والاستقلاليّة في المنطقة، وإقامة العلاقات معها لتكون جسراً لنفوذهم، في المقابل كانت الإستراتيجية الأمريكيّة في المنطقة آنذاك ترتكز على ما أسمته "العمودين"، وكان يطلق عليها اسم "إستراتيجيّة العمودين"، ومضمونها التحالف الإستراتيجي مع السعودية وإيران.

القوة العسكرية أصبحت عامل هيبة أكثر مما هي أداة من أدوات التغيير والفعل في السياسة الخارجية

ومع دخول عقد السبعينيات حسمت مسألة صراع النفوذ في المنطقة ضمناً، وأصبحت واحدة من المناطق غير القابلة لتمدّد الاتحاد السوفييتي فيها، وهنا جاء مبدأ الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر، إثر التدخل السوفييتي في أفغانستان عام 1979، والذي أشار بشكل واضح إلى أنّ منطقة الخليج العربي خطّ أحمر، وإذا تدخلت أيّة قوة فإنّ الولايات المتحدة ستستخدم كلّ ما لديها من قوة للمواجهة.
ما أُريد قوله هو أنّ الإستراتيجيّة الأمريكيّة تنظر إلى منطقة الخليج العربي من منظورين؛ الأول النفط، والثاني الالتزام بمبدأ حماية الحلفاء، ولكن لكلّ منهما مقتضياته التي تحتّم على الولايات المتحدة التدخّل بالقوّة لحماية مصالحها ومصالح حلفائها، إن اقتضت الضرورة، وأركّز هنا على كلمة "إن اقتضت الضرورة".

جون كينيدي وزوجته في استقبال الشاه محمد رضا وزوجته عام 1962

بالحديث عن العلاقة الأمريكية مع إيران؛ إلى أيّ حدّ اختلفت العلاقة بعد ثورة 1979؟ وهل انتقلت إلى مرحلة القطيعة؟
لا أوافق على توصيف العلاقة بينهما بـ "القطيعة"؛ إذا نظرنا إلى مرحلة الحرب العراقية الإيرانية، خلال الثمانينيات، نجد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية كانت تنتظر من الذي سيخرج منتصراً من الحرب، ولم تبدِ انحيازاً لأيّ من الطرفين، لم تقرّر الانحياز إلى الجانب العراقي، وترجيح كفّته بما يؤدي إلى انهيار نظام الحكم في إيران، وذلك عائد إلى أهمية إيران وموقعها الإستراتيجي، آنذاك كانت النظرة ما تزال أنّها قوة لا ينبغي التفريط بها وتركها لصالح عدو أيديولوجي (الاتّحاد السوفييتي) ضمن صراع الحرب الباردة، وهنا جاءت قضية "إيران كونترا"، فضيحة صفقات ومبيعات الأسلحة الأمريكية إلى إيران، إذاً نستنج أنّ إيران لم تخرج من الاهتمام الأمريكي، حتى بعد التغيّر الأيديولوجي، إثر ثورة عام 1979.
لكن، ماذا عن أزمة احتجاز الرهائن داخل السفارة الأمريكيّة في طهران؟ وماذا عن خطاب "الموت لأمريكا" الذي رفعه الخميني بعد الثورة؟
قضية احتجاز الرهائن جاءت في بداية الثورة، وضمن سياق أحداثها الأولى، ولكن هناك تطوّرات لاحقة أخذت بالحسبان المصالح الإستراتيجيّة، وتجاوزت مثل هذه الأزمات، أما عن خطاب الموت لأمريكا؛ فهو ذو طابع دعائيّ وجزء من تسويق الثورة لشعوب المنطقة التي لها معاداة لمواقف أمريكا وأدوارها في المنطقة.

اقرأ أيضاً: هل إيران عنوان التحدي الأبرز لأمريكا؟
مثل هذا الشعار يعني القطيعة، لكن هذا لم يحدث، العلاقات بين البلدين استمرت؛ لأنّها تقوم على مصالح واعتبارات أهمّ، ولننظر هنا إلى الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، عام 2003، على التعاون بدخول قوات الولايات المتحدة لاحتلال العراق، وتأمين إيران دخول القوّات الأمريكيّة من الجبهة الشرقية، وذلك مقابل السماح لإيران بإعادة إحيائها للبرنامج النووي الإيراني على أن يكون سلميّاً، ولكن طبعاً عندما تطوّر بعد عام 2006، وأصبح عملاً جاداً لإنتاج وامتلاك سلاح نووي، بدأت بوادر الخلاف، وذلك مع ظهور مسألة إمكانيّة تحوّل إيران إلى قوة نوويّة، وهنا جاءت المحادثات السريّة بين طهران وواشنطن، والتي تضمنت عرضاً إيرانياً، مضمونه إمكانيّة إيجاد علاقات وتفاهمات جديدة، وذلك مقابل تخفيف ضغط حزب الله على "إسرائيل"، كما جاء في كتاب "حلف المصالح المشتركة" لمؤلفه "تريتا بارسي"، والذي اعتمد على مصادر استخباريّة موثّقة.

تريتا بارسي مؤلّف كتاب "حلف المصالح المشتركة"

عودةً على سؤال الانسحاب؛ هل نستطيع اعتبار أنّ تغيّر اعتبارات النفط والإستراتيجيا كانت الدافع وراءه؟
لا أرى أنّ الولايات المتحدة انسحبت من المنطقة بمعنى الكلمة، وإنّما كان هناك انتباه والتفات جديد إلى مصالح أخرى أكثر أهميّة، وذلك بعد الاطمئنان بأنّ كلّ القوى في المنطقة باتت موالية وحليفة، وأنّه لا يوجد هناك من يتحدّى الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة، سوى الإعلانات الدعائيّة لإيران في مواجهة "الشيطان الأكبر".
هذا التحوّل في السياسات تجاه المنطقة بدأ منذ عهد الرئيس بوش الابن، واستمرّ في عهدَيْ أوباما ودونالد ترامب، وهو مستند بالأساس إلى التقرير الإستراتيجي للأمن القومي الأمريكي، الصادر عام 2006، والذي أوصى بأن تلتفت الولايات المتحدة إلى مصالحها الحيويّة أيضاً في شرق آسيا، تحديداً الصين، وألّا تتدخل عسكرياً في الصراعات البينيّة في المنطقة العربيّة، وألّا تنزلق مرة ثانية في صراعات عسكريّة، كما حصل في حرب العراق واحتلاله عام 2003، وألّا توظّف كلّ قوّتها في صراعات إقليميّة مماثلة، وأنه ينبغي أن تخرج من منطقة "الشرق الأوسط" بثقلها العسكريّ، مع الاستمرار في دعم حلفائها، لكن دون التورّط عسكريّاً.

اقرأ أيضاً: لماذا يميل مسلمو أمريكا إلى اليسار؟
وعندما جاءت إدارة أوباما، حصلت أزمة جورجيا، مع تدخّل روسيا عسكرياً فيها عام 2008، وكان السؤال المطروح في حينها، ما الذي ستكسبه الولايات المتحدة جراء التدخّل في صراع مثل هذا النوع؟ كانت الإجابة: لا شيء، هذا هو مضمون التوجّه الجديد في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، وهو مدعوم من مراكز بحوث ودراسات: عدم التورّط عسكرياً، وإعادة تعريف وتحديد مفهوم الأمن القومي الأمريكي، ومفهوم المصالح الأكثر حيويّة، والمصالح المهمة، في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، بناء عليه؛ صنّفت المصالح إلى مصالح عُليا تعدّ مصالح حيوية، مثل تحدّي الأمن الأمريكي، والمجتمع الأمريكيّ، وتحدي الأراضي الأمريكيّة، وتحدي الاستقلال والسيادة الأمريكيّة، بما في ذلك الهجوم المباشر على القوّات العسكريّة الأمريكيّة المنتشرة حول العالم، وهناك المصالح الأخرى، المهمة أيضاً، لكنّها لا ترتقي إلى مرتبة المصالح الأكثر حيوية.
هل بالإمكان تحديد العوامل التي أدّت لبلورة التوجّه والسياسة الأمريكيّة الجديدة إزاء المنطقة؟
نعم، هناك ثلاثة عوامل أساسيّة: من ناحية تراجع أهمية النفط، بسبب زيادة الإنتاج المحلي من النفط في الولايات المتحدة الأمريكيّة، فلم يعد مصلحة حيوية، وإنما انتقل إلى مرتبة المصلحة المهمة.
والعامل الثاني، تمثّل في بروز الصين كمنافس وقوة اقتصاديّة كبرى، فعلى ضوء مؤشرات النمو الاقتصادي للصين؛ تبيّن أنّها ستصبح قوة اقتصاديّة معادلة أو لنقل مقاربة نسبيّاً للولايات المتحدة، لكن مع بقاء الولايات المتحدة صاحبة الزعامة على صعيد القوة العسكريّة، وإن كان الإدراك ازداد بأنّ القوة العسكرية أصبحت عامل هيبة أكثر مما هي أداة من أدوات التغيير والفعل في السياسة الخارجية، في حين أنّ القوة الاقتصادية حاضرة كقوّة ناعمة ذات فاعليّة أكبر، ويمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة لفرض سياساتها وأجنداتها، إذاً؛ هناك مصالح وتحديّات جديدة، كالصين التي تمثل تحدياً كبيراً، وهنا نجد عقوبات ترامب للصين، التي هي عقوبات اقتصاديّة للحدّ من حركة الصين وانتشار نفوذها كقوة اقتصادية.

اقرأ أيضاً: الهجوم على أرامكو: لماذا تخبئ أمريكا النفط في كهوف تحت الأرض؟
قوة الصين جاءت من كونها لم تطرح نفسها كدولة تريد الهيمنة، وإنّما طرحت نفسها كدولة عالم ثالث، تريد المشاركة، وذلك كي تحظى برصيد قبول، على مستوى الشعوب والقيادات، في دول العالم الثالث. كما أنّها لا تمتلك انتشاراً أيديولوجياً، وهي ملتزمة بالجانب الدبلوماسيّ، ولا توجد عندها ميول قويّة للتورّط عسكريّاً في صراعات ونزاعات دول العالم الثالث، كما أنّها ليست طرفاً في الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وليس عندها التزام عالميّ كما كان الاتحاد السوفييتيّ، الذي كان حاضراً في كلّ صراع دوليّ وإقليميّ تقريباً.
العامل الثالث: الدافع وراء تبلور هذا التوجّه الجديد، كان اطمئنان واشنطن على المنطقة ودولها، من ناحية الاطمئنان إلى أنّ أيّاً منها لم يَعُد يشكّل تهديداً لنفوذها، بل إنّ دول الخليج والدول العربيّة هي التي في حاجة إليها ومعتمدة عليها؛ حيث أصبحت أيّ دولة عربيّة تشعر بالتعرض لخطر تهرع للولايات المتحدة الأمريكيّة لنجدتها وحمايتها؛ أيّ إنّ معادلة الأمن والاعتماد المتبادل أصبحت معكوسة في بعض جوانبها.

قوات عسكريّة أمريكيّة في كوريا الجنوبيّة

لكن ما يزال هناك تواجد وانتشار عسكري أمريكي في المنطقة، كيف يمكن تفسيره ضمن هذا التوجّه؟
نعم، لم تنسحب أمريكا عسكرياً من المنطقة، هي موجودة في الخليج، وفي العراق، وفي سوريا، لكن لو نظرنا مثلاً لتواجدها في العراق أو سوريا، نجده تواجداً عسكرياً رمزياً، بالقياس مع القوة الكبرى للولايات المتحدة الأمريكية، القوات الأمريكية هنا هي مجرد عصا مرفوعة في وجه كلّ من يشقّ عصا الطاعة، ويلعب بذيله، إن صحّ التعبير، في مواجهة الولايات المتحدة، هو تعبير عن النفوذ أكثر منه أداة لمباشرته.
لكن، فلننظر مثلاً إلى عدم تدخل أمريكا عسكرياّ بعد ضربات أرامكو، في أيلول (سبتمبر) الماضي، طبعاً كانت هناك حالة استغراب ودهشة عند الدول والنخب العربيّة؛ لعدم إقدام الولايات المتحدة على اتخاذ ردّ فوري وسريع حِيال إيران. في الواقع؛ عدم الردّ هو عين الواقعيّة الأمريكيّة، هي لا تريد تعريض مصالحها للخطر؛ التصوّر الإستراتيجي الأمريكي، في تقديري، كان مبنيّاً على افتراض أنّها إذا توجهت بعمل عسكري ضد إيران سوف تنفتح عليها أربع جبهات: الخليج، والعراق، وسوريا، ولبنان. طُرحت فكرة توجيه ضربة، وإن كانت محدودة من ناحية الأهداف، ومن ناحية الأثر، لكنّ الخبراء الإستراتيجيين نصحوا ترامب بعدم التورط عسكريّاً، وبالفعل كان تصريحه صادقاً عندما قال: "تراجعنا في الدقائق العشر الأخيرة"، بعد إسقاط إيران طائرة الاستطلاع الأمريكية، في العشرين من حزيران (يونيو) الماضي.

اقرأ أيضاً: ضرب منشآت النفط السعودية.. النيران تتسع وأمريكا تتهم إيران والعراق ينفي
الشجاعة من المنظور الأمريكي لا تتطلب أن تغامر وتلقي نفسك بالتهلكة؛ واشنطن ترجّح العقلانية في العمل السياسي، الذي يقوم على تجنب الخسائر، هذا ما نجده عند سماع الخطب التي ألقى بها بومبيو وترامب، فهما يؤكدان: "إذا تعرضت مصالحنا"، إنّهم يعنيان: إذا تعرض أيّ جندي أمريكي، أو أي هدف، أو مرفق أمريكيّ، للهجوم، فإنّنا سوف نرد، لا إذا تعرضت مصالح الحلفاء، وهذا هو ما تدركه إيران، التي تلعب بذكاء وتمتلك دبلوماسية عالية، وتحسن استخدام أوراق الضغط.
علينا أن نفهم كيف يفكّر الأمريكيون؛ هم لا يرتبون سياستهم وفق ما نريد ونتمنى، إنما وفق ما يريدون هم، ووفق ما تقتضيه مصالحهم، في الحقيقة هناك عدم كفاية في العقل العربي في تفهّم طبيعة السياسة الأمريكية، الدول العربية تريد من أمريكا أن تستجيب لمصالحها، لكن في الواقع هي تتحرك وفقاً لمصالحها هي. السياسة الواقعية الأمريكية قائمة على المصالح، وهنا يُطرح السؤال: هل من الواقعية أن تغامر الولايات المتحدة دون حسابات؟ ما نفهمه نحن، كعرب، من الواقعيّة؛ أنّه ينبغي على أمريكا أن تستجيب لما نريد، لكن في الواقع هي لا تفعل ذلك، إنّها تعمل في ضوء ما هي تريد.
وبالتأكيد؛ فالانسحاب العسكري من سوريا مدروس، لا تتوقع من الولايات المتحدة أن تنسحب دون أن تحسب لكلّ خطوة حسابها الخاصّ، في تقديري، خير من عبر عن الواقعية في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، هما أوباما وترامب.

ترامب في زيارة للقوّات الأمريكيّة بالعراق في كانون الأول 2018

"الناتو العربي" مقولة تتردّد، هل هو خيار ممكن وواقعيّ؟
إطلاقاً، هو من باب الخيال، قبل الناتو العربي، هناك جامعة الدول العربيّة، وهناك معاهدة الدفاع العربي المشترك، ومعاهدة التعاون الاقتصادي المشترك، ولم يتم تفعيل أيّ منها. نعم، تتردّد فكرة "الناتو العربي" كقول فقط، لكن من الناحية الواقعيّة، في تقديري، هي غير ممكنة؛ هذه المسألة تحتاج إلى التزامات يقتضيها التعاون العسكري، هي بحاجة لتخطيط مشترك، وتغليب المصالح العامة للحلفاء على المصالح الخاصّة، وهو ما يصعب على الدول العربيّة التضحية بها. أيضاً مثل هذا الحلف سيكون في حاجة إلى موافقة ومباركة دوليّين، ثم هناك تساؤلات عدّة: ما هي حدود تحرّك هذا الحلف؟ هل هو متوجّه مثلاً تجاه إيران؟ لا توجد اليوم سياسة عربية موحدة تجاه إيران.
وعموماً؛ لا يوجد في تقاليد السياسة العربيّة ما يجعل المرء متفائلاً حول مسألة "التضامن العربي"، أو تشكيل "ناتو عربي".
بالحديث عن الانسحاب من سوريا، وتزامنه مع عملية "نبع السلام" التركيّة، هذا يقودنا للدور التركيّ في المنطقة، وتوتر العلاقات بين تركيا وأمريكا، هل ترى أنّ التحالف بينهما انتهى؟
الدور التركيّ في المنطقة هو صناعة الجغرافيا؛ جغرافية تركيا كانت تحتّم عليها أن تلعب دور الحاجز في مواجهة روسيا والاتحاد السوفييتي، منذ بروز المسألة الشرقيّة والدور الوظيفيّ لتركيا (وقبلها الدولة العثمانية) هو الحيلولة دون التمدد الروسيّ، وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ما يزال الدور الوظيفي في مواجهة روسيا قائماً.

الوجود العسكري الأمريكي الحالي في الشرق الأوسط رمزيّ، وهو مجرد عصا مرفوعة في وجه من يشقّ عصا الطاعة

نعم، هناك خلافات بين واشنطن وأنقرة، هناك توترات، لكن لا ترتقي إلى حالة صراع، وهي ليست كما تصوّر إعلامياً، الإعلام يضخّم الخلافات، لننظر إلى قضية المنطقة الآمنة في سوريا، نجد أنّ الولايات المتحدة لم تعارضها، وذلك عائدٌ إلى أنّها تتفهم القلق التركي من احتمالات قيام الدولة الكرديّة، فيما جاءت ردّة فعل الأكراد باعتبار الموقف الأمريكي خيانة لهم، هم يفكّرون بالعقلية العربيّة ذاتها، يريدون أمريكا حليفاً مطلقاً، أما تركيا فقد فهمت وأدركت السياسة الأمريكية، في الحقيقة؛ إنّ الأتراك لهم خبرة أكبر في السياسة الخارجية.
أما بخصوص تفسير العلاقة المتزايدة مع روسيا، فإنّ تركيا، كما يُقال، تلعب على الحبلين، الروسي والأمريكي، لا يعني ذلك أنّها ستميل إلى جانب إحداهما دون الآخر، هي لن تفرّط بروسيا أو الولايات المتحدة. في الواقع لا وجود لشيء اسمه القطيعة وإنهاء العلاقة في العلاقات الدولية؛ هذه محض نظرية افتراضيّة، دائماً هناك قنوات للتواصل والحوار مهما بلغ الخلاف.
بالحديث عن التمدّد والنفوذ التركي في العالم العربي؛ هل هو مُقبل على مزيد من الصعود أم الانحسار؟
تركيا أدركت، منذ مطلع الألفية، أنّ خياراتها وحظوظها في الساحة العربية أكبر منها في الاتحاد الأوروبي، وهنا تبلور خيار تركيا بالتوجه نحو الدول العربية، ولكن ليس بنفس إسلامي متشدّد، من دعم جماعات وما إلى ذلك؛ إنّ هذا التمدّد والنفوذ مقترن بمدى اعتداله، حيث تكون سياسة قائمة على أساس المصالح المشتركة، العرب الآن يبحثون عن مستثمرين، يبحثون عن قوى إقليمية مساندة لهم، وأعتقد أنّهم يجدون مع تركيا فرصة مناسبة، هذا ما أراه، خيارات وفرص التعاون بين الأتراك والعرب اقتصادية بالأساس، بعيداً عن مقولات واعتبارات أيديولوجية وفكريّة مثل دعم الإسلام السياسي أو العثمانيّة الجديدة.
بالحديث عن التمدّد والنفوذ الإيراني؛ هل ستكون العقوبات الاقتصاديّة الحاليّة على إيران سبباً في انحساره؟
مبدأ تصدير الثورة مبدأ أصيل في النظام الإيراني، منذ مجيئه عام 1979، وهو مستمرّ حتى الوقت الحالي، وقد استفادت إيران واستغلّت المناطق الرخوة والأزمات لنشر وتمديد نفوذها في المنطقة العربيّة، في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو تمدّد موجود وقائم بالفعل.

اقرأ أيضاً: لماذا تم إخفاء تاريخ مسلمي أمريكا القدماء؟
الآن، هناك انتباه متزايد للدور الإيراني حتى على مستوى الشعوب، وفي الحقيقة هناك نقطة ضعف في هذا النفوذ تكمن في أنّ من يقودونه هم أحزاب وقوى مؤدلجة، لا الشعوب؛ بمعنى أنّ هناك أحزاباً وقوى مرتبطة بإيران، أما على مستوى القواعد الشعبيّة فهناك وعي متزايد، وأخذ يتبلور حول فهم طبيعة الدور الإيراني في المنطقة، وهو دور طائفيّ تفتيتيّ.
العقوبات الاقتصادية موجودة، وقد أثرت فعلاً، ولكن هناك منافذ أخرى لا تستطيع الولايات المتحدة أن تمسك بها، وجديرة بأن تنتبه إليها إذا كانت جادّة في سياسة "الحد الأقصى" من العقوبات، وأهمها العراق، وهنا نتساءل، بنوع من الاستغراب، حول عدم إخضاع الولايات المتحدة البنك المركزي العراقي للمراقبة؟
نعم، إيران تعاني اقتصادياً، وكلّما طال الزمن ضاقت خيارات إيران، وبات الإنفاق الخارجي أكثر إرهاقاً، الآن إيران تراهن على الزمن وتنتظر رحيل ترامب، وهنا نسمع مثلاً التصريحات القوية الأخيرة من طهران التي تترافق مع السير بإجراءات عزل ترامب.

في الختام، وبالحديث عن النظام الإقليمي العربي ومستقبله؛ هل هناك إمكانية لتحقيق تقارب من جديد؟ وما هي فرص استعادة تماسك النظام، أم أنّ العوائق أكبر من ذلك؟
الاتحادات والاتجاه نحو العمل العربي المشترك ضدّ منطق السياسة الأمريكيّة والإسرائيلية؛ قناعتهم أنّه لا يجوز أن يكون هناك تقارب عربي على أي مستوى، نعم هناك نوع من التقاربات بين العواصم أحياناً، ولكن ليس على مستوى اتحاد إستراتيجي، هذه التقاربات تبقى في إطار العلاقات الثنائية، هناك شروط للتعاون الإستراتيجي ينبغي توافرها؛ من التعاون الأمني إلى العسكريّ، وهي غير متوفرة أبداً، بل إنّ آخر قلاع الاتحاد العربي المتمثلة في مجلس التعاون الخليجي باتت في حالة تصدّع.

نقطة الضعف في النفوذ الإيرانيّ تكمن في أنّ من يقودوه هم أحزاب وقوى مؤدلجة لا الشعوب

الحوار حول تعزيز التعاون والعمل المشترك موجود، لكنّه طرح على مستوى المثقفين فقط، الانتقال بهذا الخيار إلى أرض الواقع في حاجة إلى مصداقيّة ذاتية على مستوى القيادات العربيّة؛ إذ أمامها سؤال كبير: هل هي مقتنعة بالتضحية بمصالحها الخاصّة؟ إذاً المسألة في حاجة إلى توفير أرضيّة وقاعدة راسخة لإنجاز هذا المطلب الضخم إستراتيجياً، وفي ظلّ الأوضاع الراهنة، من الانقسامات الداخليّة والبينيّة بين العرب، فضلاً عن الاختراقات الخارجيّة، يبدو لي أنّ الأمور أصعب لإنجاز بنية نظاميّة بصيغة نظام إقليميّ عربيّ؛ ذلك أنّ الأمر، وكما أشرت، يرتبط وثيقاً بمصداقية الإرادات العربيّة القياديّة قبل كلّ شيء، وفي تقديري؛ الفرصة الآن مواتية ومشجعّة لإنجاز هذا الخيار المصيري، لكن متى تتوحد الإرادات لتحقيقه؟

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية