التوقّف والتبيّن: جماعة لا همّ لها سوى تكفير الناس

6900
عدد القراءات

2019-08-21

تستفيض أدبيات الإخوان في شرح حالات التعذيب التي تعرّض لها من انتموا للجماعة في المعتقلات، عام 1965، وتصوّر كيف كان السجن جحيماً على الأرض في تلك الفترة، غير أنّ المسألة الأهم التي ربما لم ينتبه لها كثيرون، ليست حالات التعذيب بعينها، ولكن ما نتج عنها من أفكار سيطرت على عقول البعض داخل السجن، ثم تمدّدت حتى تأسّست عليها أقوى فرق التكفير في العصر الحديث، بداية بجماعة التكفير والهجرة، ثمّ السماويين، ثم جماعة "الناجين من النار"، ثم "الشوقيين"، نهاية بما نراه في تنظيم داعش.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
وكان من أبرز تلك الأفكار؛ مبدأ التوقف والتبيّن، والذي قسّم المجتمع إلى ثلاث فئات، هي: مسلم دون شبهة، وكافر دون شبهة، وثالث يتوقفون عن الحكم بكفره من عدمه حتى يتبين لهم هل هو مسلم أم لا!
شكري مصطفى

جماعة المسلمين
الصدفة وحدها هي التي ساقت عضو جماعة الإخوان السابق، شكري مصطفى، إلى جدران المعتقل، حيث يوضح الباحث في شؤون جماعات الإسلام السياسي، ماهر فرغلي، في تقرير منشور؛ أنّ مصطفى أحبّ فتاة ورغب بالزواج منها، وتقرّب إلى أخيها في البداية، بيد أنّ ذلك الأخ كان عضواً في جماعة الإخوان، فلما اعتقل قبضت الأجهزة الأمنية على أصدقائه المقربين؛ بتهمة محاولة إحياء تنظيم الإخوان من جديد، عام 1965، وكان من بينهم شكري مصطفى.

كان التعذيب فوق طاقته البشرية فنزع شكري مصطفى إلى أفكار التطرّف والغلوّ التي استهوته داخل السجن

كان التعذيب فوق طاقته البشرية، فنزع شكري مصطفى إلى أفكار التطرف والغلوّ التي استهوته داخل السجن، عن ذلك كتب محمد سرور زين العابدين، في كتابه "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"، الجزء الثاني، عن نشأة فكر "التوقف والتبين" قائلاً: "نشأت أفكار أهل التوقف داخل أسوار معتقلات ليمان طره في مصر، وكان الشيخ الأزهري علي عبده إسماعيل أول من نادى بهذه الأفكار، وشاء الله أن يتراجع الشيخ، ويتبرأ من هذه  البدعة، ومع ذلك فقد استمرت الفتنة عندما سارع الشاب شكري مصطفى إلى اتهام شيخه بالكفر، وتولى قيادة هذه الجماعة".
 كتاب "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"

التصوّر الإسلامي للجماعة
في كتابه "الفرق الإسلامية بين الفكر والتطرف"؛ كتب اللواء حسين صادق: "تبلورت لدى شكري مصطفى مجموعة من الأفكار الدينية تمثّل إضافات جديدة للفكر القطبي، كان أبرزها:
• التصوّر الإسلامي للجماعة؛ ويقوم على أنّ الإسلام قد عاد غريباً، وأنّ المجتمعات القائمة سوف تنهار، وسيبدأ الإسلام من جديد على يد الصفوة المؤمنة بحدّ السيف، انطلاقاً من جبال اليمن، واستناداً إلى بعض الأحاديث الدينية المكذوبة "أحاديث آخر الزمان".
• فكرة الهجرة؛ وهي نتيجة لضرورة الانفصال عن المجتمع القائم والانعزال عنه، وبدء التحرك الإيجابي لتحقيق نواة المجتمع الإسلامي المنشود، وذلك باللجوء للجبال والمغارات.
• مبدأ التوقف والتبين؛ الذي يقوم على رفض الاكتفاء بتوافر أركان الإسلام الخمسة ليكون المرْء مسلماً، والمطالبة بحتمية تجنّب المعاصي وإلا يعدّ الفرد كافراً.

اقرأ أيضاً: السلفّية التجريبية.. الصراع بين واقعية ابن تيمية ومثالّية سيد قطب
كان لشكري مصطفى في المعتقل صديق آخر، يعدّ المنظّر الأهم لفكر التوقف والتبين، وهو عبد المجيد الشاذلي، يقول عنه موقع "أنا السلفي" في ترجمته: إنّه أحد خواص سيد قطب، وينسب نشر فكر التوقف والتبين إلى عبد المجيد الشاذلي بشكل خاص؛ "يمكن اعتبار كلّ من الشاذلي ومحمد قطب منظرَين أساسيين لهذا الفكر، إلا أنّ عبد المجيد كان مقلّاً في كتاباته، ولم تُنسب له سوى عدة كتب، أبرزها كتاب "حدّ الإسلام وحقيقة الإيمان "، أما محمد قطب فله مؤلفات عديدة وضع فيها خلاصة أفكاره، كما ضمّن فيها أفكار عبد المجيد الشاذلي، ولكن بعبارات أدبية أقلّ عمقاً وأسهل تناولاً من الطرح الأصولي الذي قدمه عبد المجيد الشاذلي".

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
يضيف موقع "أنا السلفي": "عبد المجيد الشاذلي كان زميلاً لشكري مصطفى في الأسرة الإخوانية الخاصة، حين كان كلّ منهما عضواً في جماعة الإخوان، وقد تأثّر كلّ منهما بسيد قطب باعتباره أستاذهما الأول، وسيد كانت لديه فكرتان أساسيتان؛ الأولى تخصّ الحكّام، وهي ما عبّر عنها باسم "الحاكمية"، والثانية تخصّ المجتمع، وهي ما عبر عنها باسم "جاهلية المجتمع"، وقد ظلّ المسار الفكري لهاتين القضيتين واضحاً في أذهان تلامذة سيد قطب، إلّا أنّ الأفهام قد تنوّعت في عمق المضمون لكلّ قضية من هذه القضايا، ولأنّ كلام سيد كان كلاماً أدبياً مرسلاً وكانت تعوزه الأدلة الشرعية،  فانطلق كلّ واحد من هؤلاء باحثاً عن أدلة شرعية يستشهد بها للقضايا التي تشربها واعتنقها، كي يدعم بها كلامه، لا أن يختبر بها فهمه، هل وافق الشرع أم لا".
 عبد المجيد الشاذلي

أهم صفاتهم وأشهر أقوالهم
محمّد سرور زين العابدين، في كتابه "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"، الجزء الثاني، رصد أهم صفات فكر التوقف والتبين، الذي روّج له تلامذة قطب؛ شكري مصطفى والشيخ الشاذلي، ومحمد قطب؛ "يرى أهل التوقف أنّ الناس ساكتون على الحكم بغير ما أنزل الله، ولهذا فهم شركاء للحكّام في كفرهم، .... والأصل عندهم أنّ المجتمع بعمومه رايته راية كفر ما دام يحكم بغير ما أنزل الله".

اقرأ أيضاً: سيد قطب والكتاب القادياني المُرضع
من صفاتهم أيضاً، كتب زين العابدين: "السرية؛ يسرف غلاة أهل التوقف في هذا الجانب، إذا كنت لا تعرفهم يتعذّر عليك تمييزهم عن غيرهم من عامة الناس، فهم لا يرتادون المساجد، ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ويحلقون لحاهم، ويحرصون ألّا يعلم الناس عنهم أنهم دعاة إلى الله، أما جلساتهم التنظيمية فمحدودة العدد، وتتألف المجموعة من ثلاثة أفراد أو اثنين، والعضو يمر بمراحل شاقة حتى يحظى بهذا اللقاء، وقد يستمر نشاطهم ومتابعتهم له أكثر من عامَين، ويتعرض خلال هذه المدة لاختبارات كثيرة".
يشير زين العابدين، في كتابه، إلى أنّه "من صفاتهم أيضاً الجهل والغرور؛ "دخل أصحاب هذه البدعة السجن ومعظمهم في سنّ العشرينيات، وكان قليلون منهم في سنّ الثلاثينيات، ولم يكن بينهم علماء أو طلاب علم شرعيّ، على الأقل، وكان أكثرهم يدرسون في كليات تقنية لا تدرس فيها العلوم الشرعية".
كلام سيد قطب كان كلاماً أدبياً مرسلاً وكانت تعوزه الأدلة الشرعية

جماعة التوقّف والتبين
لم يقتصر مبدأ التوقف والتبين على أنه مجرد نظرية مجردة؛ فقد بدأ أتباع ذلك الفقه في العمل المسلح من أجل الوصول إلى حلم الدولة المسلمة، فأسّس شكري مصطفى "جماعة المسلمين"، المشهورة إعلامياً باسم جماعة "التكفير والهجرة"، وبعده بعدة أعوام؛ كان هناك طبيب شاب قد انشقّ حديثاً عن فكر الجهاد، وبدأ في البحث عن غايته في أفكار أخرى، حتى استهوته نظرية التوقف والتبين، فقرّر تأسيس تنظيم بالاسم نفسه، عن ذلك كتب عبد المنعم منيب، في كتابه "دليل الحركات الإسلامية": "في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين؛ تخلّى الطبيب الشاب، مجدي الصفتي، عن انتمائه إلى فكر تنظيم الجهاد، وتبنى فكر التوقف والتبين، وسرعان ما كوّن جماعة خاصة به مزج فيها بين فكر الجهاد في العمل المسلح، وعقيدة جماعات التوقف والتبين المنتشرة، وقرّر أنّ الطريق الأقصر إلى نشر فكر التوقف والتبين بين الحركات الإسلامية هو إثبات أنّ معتنقي هذا الفكر هم أهل جهاد وعمل، وليسوا أهل كلام فقط، كما كان يرميهم خصومهم، خاصة من تنظيم الجهاد المصري، الذي كان يصف جماعات التوقف بأنّها "لا همّ لها سوى تكفير الناس، دون القيام بأيّ عمل إسلامي فعليّ".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ما مدى جدّية المعارضة في تعاطيها مع الاحتجاج الشعبي في العراق؟

2019-11-20

يبدو أنّ التظاهرات العراقية، قد كشفت جدّية الكتل السياسية التي أعلنت معارضتها لحكومة عادل عبد المهدي، في التعاطي الفاعل مع مخرجات الاحتجاج من عدمه؛ حيث انزوت كتل أعلنت المعارضة الرسمية للحكومة، كتيار الحكمة الوطني (بزعامة عمار الحكيم)، بعيداً عن الميادين العراقية الصاخبة، فيما راحت كتل أخرى تستثمر المناخ الاحتجاجي، بغية العودة ثانية إلى صدارة المشهد السياسي العراقي.

يحاول رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي بسلوكه السياسي الناعم استثمار وكسب غضب الشارع المحلي المحتج ضدّ خصومهِ السياسيّين

وأعلنت عدّة كتل سياسية عراقية، في أوقات متفاوتة من العام الحالي، معارضتها للحكومة التي شكّلها تحالفا "الفتح" و"سائرون" الشيعيَّين (الأخير انسحب من الحكومة)، ومن أبرز الكتل المعارضة، تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم (21 مقعداً نيابياً)، وتحالف النصر بزعامة حيدر العبادي (32 مقعداً نيابياً)، وكتلة الإنقاذ والتنمية بزعامة أسامة النجيفي (12 مقعداً نيابياً)، بحسب التصريحات الرسمية لتلك الكتل.

تعقيدات المشهد السياسي في العراق، دفعت للتعاطي الإيجابي بين المرجعية الشيعية في مدينة النجف (180 كم جنوب بغداد)، وبعثة الأمم المتحدة في العراق، فيما كشف تسريبات صحفية نية محمد الهاشمي، مدير مكتب رئيس الوزراء، الاستقالة من منصبه، والأخير يمثل قناة طهران داخل الجسد التنفيذي.

وكان المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، قد التقى بالمبعوثة الأممية في العراق، جينين بلاسخارت، الإثنين 11 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، وقد دعا بعيد اللقاء، القادة العراقيين إلى صياغة حلول جذرية لواقع البلاد.

عراقيون محتجون في ساحة التحرير

الحكيم في صمتٍ سياسي 
إلى ذلك؛ رجّح مراقبون سياسيون، أنّ عدم فاعلية زعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، مع التظاهرات الرائجة في العراق، التي يفترض أن تستثمرها كتلته السياسية، يعود إلى ابتعاد تيارهِ عن "نبض الشارع العراقي"، فيما يتهم الحكيم بالانتماء للطبقة السياسية التي شكلت النظام الجديد بعد 2003.

اقرأ أيضاً: هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟

وكان الحكيم قد أعلن في حفل شعبي وسط أنصاره في العاصمة بغداد، في 16 تموز (يوليو) الماضي، تبنّيه خيار المعارضة السياسية للحكومة العراقية الحالية.

أسامة النجيفي يؤكّد دعم كتلته النيابية لاستجواب عبد المهدي ويكشف اتفاقه مع علاوي والعبادي على توحيد الجهود

وقال الباحث الأكاديمي وئام لطيف، لـ "حفريات"، إنّ "الجميع، من ساسة ومراقبين ومهتمين بالشأن السياسي والثقافي، كانوا ينتظرون استثمار كتل المعارضة، وفي مقدمتها "تيار الحكمة"، التظاهرات الآنية"، مبيناً أنّ "الكتلة الأخيرة كانت في حاجة إلى دعم سياسي لحمايتها من بطش الجماعات المسلحة الموالية لإيران، بعد اتهام التظاهرات بأنّها مدفوعة من قبل واشنطن".

وعزا لطيف، عدم تفاعل الحكيم مع تظاهرات تشرين العراقية، إلى "رفع المتظاهرين شعار إسقاط النظام؛ حيث يعدّ زعيم المجلس الأعلى الإسلامي سابقاً، وتيار الحكمة حالياً، أحد الأعمدة الرئيسية لهذا النظام"، لافتاً إلى أنّ "مشكلة الحكيم ليست مع النظام السياسي بقدر ما هي مع الشركاء السياسيّين داخل النظام الحالي".

الحكيم في تجمع سياسي لتياره للإعلان عن معارضته لحكومة عبدالمهدي في تموز الماضي

العبادي و"الفاعلية الهادئة" مع الاحتجاجات
من جانبه، يحاول زعيم تحالف النصر، رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، التصعيد الإعلامي المندّد باستخدام الحكومة العنف المفرط ضدّ المحتجين، لكنّ حركة المعارض السياسي لحكومة عادل عبد المهدي، وصفت بـ "الفاعلية الهادئة"، في حين يؤكد ساسة أنّ العبادي يستخدم "السياسة الناعمة" طيلة سلوكياتهِ السابقة والحالية.

اقرأ أيضاً: ناشطو الحراك الاحتجاجي في العراق في مواجهة الموت والاختطاف
وتعليقاً على ذلك، تقول النائبة عن تحالف العبادي، ندى جودت: "تحالفنا مع المطالب الحقّة للمواطنين، وعلينا الاستماع إليهم، بدل قمعهم والاعتداء عليهم بشكل وحشي"، وأضافت لـ "حفريات": "الحكومة تلطخت أيديها بدماء المتظاهرين، بالتالي يجب أن تستقيل، وأن تحلّ محلّها حكومة وطنية، الهدف منها حماية مصالح العراقيين والنهوض بواقعهم وتقديم الخدمات وتشغيل الأيدي العاملة".
بيْد أنّ المحلل السياسي، محمد البدران؛ يعتقد أنّ "العبادي يستخدم أسلوب السياسة الناعمة داخل العملية السياسية وخارجها"، مبيناً أنّه "الفاعل الهادئ والداعم للاحتجاج، ورغم هدوئه إلّا أنّ صوته مسموع".

ويضيف البدران لـ "حفريات": "كثير من الكتل المعارضة لحكومة عادل عبد المهدي أثبتت فشلها في دعم التظاهرات العارمة في البلاد"، موضحاً أنّ "شعار إسقاط النظام أثار قلق كثيرين من السياسيين، سواء كانوا معارضين أو موالين".

العبادي بين أعضاء تحالفه السياسي في حفل انتخابي سابق

محاولات المعارضة إسقاط عبد المهدي
في غضون ذلك، أعلن رئيس جبهة الإنقاذ والتنمية، أسامة النجيفي؛ أنّ كتلته النيابية ستدعم استجواب رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، داخل البرلمان، وذلك لتدارك الأزمة الراهنة، فيما أكّد اتفاقه والزعيمين السياسيَّين؛ إياد علاوي وحيدر العبادي، على توحيد الجهود البرلمانية لإسقاط حكومة عبد المهدي. 

وقال النجيفي، في بيان له: "تبنِّينا خيار المعارضة يدعونا لاستجواب رئيس الحكومة الحالية، جراء الانتهاكات الفظيعة بحقّ المتظاهرين السلميين"، مبيناً أنّ "الوضع العراقي يعيش انسداداً في الأفق السياسي، والسلطة عاجزة عن تحقيق مطالب المتظاهرين العادلة"، على حدّ قوله.

اقرأ أيضاً: موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق
وأوضح رئيس البرلمان الأسبق: "رؤيتنا مؤيدة لمطالب المتظاهرين، وتؤكد أهمية التغيير بالطرق السلمية المتفقة مع الدستور"، لافتاً إلى أنّ "خريطة الحلّ التي قدمتها جبهة الإنقاذ، والمتضمنة استقالة الحكومة، وتشكيل حكومة من الشخصيات المستقلة، على ألّا تشارك في الانتخابات القادمة".

وتابع النجيفي قوله: "اتفقت مع إياد علاوي وحيدر العبادي على توحيد الجهود المشتركة، وتنشيط العمل السياسي والبرلماني المعارض لتحقيق انتخابات مبكرة، بعد إقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة مؤقتة لضمان سلمية التغيير المنشود الذي يحقّق طموح الشعب ضمن سقف الدستور ومعاييره".

تحالف "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر ينضم لمحور المعارضة النيابية

"سائرون" تنضمّ لجبهة المعارضة
وفي السياق ذاته؛ أعلن تحالف "سائرون" بزعامة مقتدى الصدر، انضمامه لجبهة المعارضة لحكومة عادل عبد المهدي في البرلمان، كاشفاً تحديد موعد لاستجواب عبد المهدي.

وقال النائب عن الكتلة، رياض المسعودي، لـ "حفريات" إنّ "تحالف "سائرون" ماضٍ في عملية استجواب عادل عبد المهدي، وبعد الاستجواب يقرر أعضاء المجلس القناعة من عدمها"، مؤكداً أنّ "تحالفه النيابي لا يسعى لإسقاط الحكومة، والاستجواب لا يعني الإسقاط".

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وعن نية قيام عبد المهدي بتعديل وزاري، علّق المسعودي بأنّ "تغيير كثير من الكابينة الوزارية مؤشرٌ خطيرٌ على فشل الحكومة العراقية في تقديم الكابينة السابقة"، مبيناً أنّ "التغيير الجديد يتطلب إعطاءَهم سنة أخرى لمعرفة جهودهم في إدارة الوزارات".
وأضاف النائب الصدري؛ أنّ "العراق ليس حقلاً للتجارب، ولا بدّ من توضيح رؤية مجلس الوزراء"، مشدّداً على "عرض أسباب استبدال الوزراء، فيما إذا تعلّق الأمر بالأداء الوظيفي أو الفساد، أو سوء الإدارة، لإطلاع الشعب ومجلس النواب على أسباب التغييرات".

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وأكد أنّ "تغيير الوزراء، من دون توضيح، أمر مرفوض رفضاً قاطعاً من جميع الكتل السياسية التي تستغرب نية رئيس الوزراء إجراء تغييرات وزارية دون التواصل مع الكتل".
الهاشمي قناة إيران داخل الحكومة
وفي سياق آخر؛ كشف مصدر مطلع نية محمد الهاشمي، مدير مكتب رئيس الوزراء، الاستقالة من منصبه، مبيناً أنّ "ذلك يأتي في إطار خشية إدراج اسمه على لائحة الإرهاب دولياً".

أبو جهاد الهاشمي حلقة الوصل بين طهران وبغداد. وترجيحات بإدراجه على لائحة الإرهاب من قبل واشنطن

ومحمد الهاشمي، المعروف بـ "أبو جهاد الهاشمي"، قيادي في المجلس الأعلى الإسلامي العراقي (حزب موالٍ للمرشد الإيراني علي الخامنئي)؛ ويمثّل الهاشمي حلقة الوصل بين الإيرانيين ورئيس الحكومة، عادل عبد المهدي، كما أنّ منصبه يعدّ بدرجة وزير.

ويقيم الهاشمي وعائلته في العاصمة البريطانية لندن، إلا أنّه يمثّل قناة الاتصال بين طهران والحكومة العراقية، كما أنّه أحد أبرز المساهمين في توليف وزارة عبد المهدي، بحسب مصدر مطلع أبلغ "حفريات" بذلك.

وأشار المصدر إلى أنّ "وسائل الإعلام تناقلت خبر استقالة الهاشمي، بين تأكيدٍ ونفي"، مرجحاً "استقالة مدير مكتب رئيس الوزراء، خشية إدراجه على لائحة الإرهاب من قبل الإدارة الأمريكية".

ويضيف: "أبو جهاد الهاشمي خاض مفاوضات تشكيل الحكومة، ممثلاً لتحالف الفتح، بزعامة هادي العامري، كما أنّه شريك وحليف العامري وعبد المهدي منذ أيام تواجدهما الحزبي في المجلس الأعلى الإسلامي، بقيادة الراحل محمد باقر الحكيم".

للمشاركة:

فضيحة الوثائق الإيرانية: هكذا عمل "الإخوان" ضد السعودية في اليمن

2019-11-20

قدمت فضيحة الوثائق الإيرانية المسرّبة التي كشفها موقع "إنترسبت" الأمريكي وصحيفة "نيويورك تايمز"، عن اجتماع إخواني إيراني برعاية تركية، لمحة مثيرة بشأن العلاقات بين الدولتين والجماعة وعملهما معاً لمواجهة التحالف العربي.

اقرأ أيضاً:  وثائق مسربة من استخبارات إيران تكشف دور طهران الخفي في العراق
كان موقع "The Intercept" نشر وثائق عن اجتماع عُقد في تركيا عام 2014 ضم أعضاء من الإخوان، وعناصر من الحرس الثوري الإيراني، لبحث التحالف ضد المملكة العربية السعودية، وأنّ "الجماعة" عرضت على مسؤولي طهران، التعاون معهم في اليمن ضد المملكة.

تكشف الوثائق عن جانب آخر من إستراتيجية الإخوان المتمثلة في المظلومية في العلن وعقد التحالفات في السر

وأفاد موقع "The Intercept" بأنّ تركيا تعتبر مكاناً آمناً لمثل هذه القمة؛ لأنها تعد واحدة من الدول القليلة التي تربطها علاقات طيبة مع كل من إيران والإخوان، ولكن كان لا يزال يتعين على الحكومة التركية أن تخفي حقيقة توجهاتها ومواقفها أمام العالم، لذا فقد رفضت منح تأشيرة دخول إلى قائد فيلق القدس قاسم سليماني، بحسب ما كشفت عنه وثائق الاستخبارات الإيرانية المسربة، ونظراً لعدم تمكنه من دخول تركيا، فقد حضر الاجتماع وفد من كبار مسؤولي فيلق القدس، برئاسة أحد نوابه، وهو باسم أبو حسين، وكان وفد التنظيم ضم 3 من أبرز قيادييه المصريين في المنفى، وهم: إبراهيم منير مصطفى، ومحمود الإبياري، ويوسف مصطفى ندا.

اقرأ أيضاً: وثائق إيرانية سرية تكشف هيمنة طهران على بغداد بهذه الطريقة
وأوضحت الصحيفة الأمريكية أنّ سليماني هو من يحدد سياسات إيران في لبنان وسوريا والعراق، وأشارت إلى أنّ سفراء إيران في الدول الثلاث من الرتب العليا بالحرس الثوري، مؤكدة أنّ مسؤولين عراقيين سياسيين وأمنيين وعسكريين أقاموا علاقات سرية مع إيران، مشيرة إلى أنّ الأخيرة ركزت على تعيين مسؤولين رفيعي المستوى بالعراق.
كشفت الوثائق عن اجتماع إخواني إيراني برعاية تركية للعمل ضد التحالف العربي في اليمن

دلالات الاجتماع
في مقابل ما تم تسريبه من وثائق دشّن عناصر التنظيم الشباب هاشتاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، أعلنوا فيها دعمهم لإيران، على حساب السعودية، وقال حسام محمود، أحد الكوادر الشابة في التنظيم، على صفحته على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك، إنّ دعم إيران ضرورة ملحّة، نتيجة لموقف السعودية من الإخوان ودعمها لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي.
مجموعة محمد كمال من شباب الإخوان اتهموا جناح محمود عزت بتلقي التمويل من إيران، مطالبين المملكة أن تتجاوز أزمة الجماعة، ومستدلين بدعم الإخوان للمملكة في حربها مع الحوثيين.

اقرأ أيضاً: كيف ابتلعت جماعة الإخوان الدولة الوطنية؟
من جانبه، أدلى طارق أبو هشيمة، رئيس وحدة الدراسات الإستراتيجية بدار الإفتاء المصرية، ومدير المؤشر العالمي للفتوى، في حديث خاص لـ "حفريات"، برأيه في تلك الوثائق قائلاً: إنّ فكرة عرض الإخوان التعاون مع إيران ضد السعودية في اليمن في 2014 له أكثر من دلالة، أولها الثأر من المملكة التي ساندت الدولة المصرية بعد إطاحة نظام الإخوان من الحكم، خاصة أنّ التنظيم كان يُمنّي نفسه بالعودة للسلطة في هذه الفترة المبكرة، وثانياً التوقيت الزمني المتمثل في 2014 تحديداً، فهذه المرحلة كان التنظيم يعاني من تخبط وعلى استعداد أن يتعاون مع الشيطان لأجل الانتصار في المعركة التي خسر فيها كل شيء، ويبرر ذلك تعاونهم مع الإيرانيين رغم الاختلاف العقدي والأيديولوجي للطرفين، ويكشف عن مبدأ أصيل في إستراتيجية الجماعة وهو الغاية تبرر الوسيلة، وهي نفس الغاية التي يتبناها الإيرانيون.

بيّنت الوثائق أنّ الإخوان عرضوا على طهران أن يلعبوا دوراً في الحرب الدائرة في اليمن ضد السعودية

أضاف أبو هشيمة: تكشف الوثائق عن جانب آخر من إستراتيجية العمل في تنظيم الإخوان المتمثل في المظلومية في العلن وعقد التحالفات بعيداً عن أي إطار أخلاقي في السر، وهذه الإستراتيجية ذات الوجهين هي ما جعلت الشعوب تلفظ هذا التنظيم، كما كشفت الوجوه الحقيقية التي تعادي الأنظمة والشعوب، وعن أنّ السّاعين لهدم الدول والمجتمعات متحدون في الغاية وإن اختلفت مذاهبهم أو معتقداتهم، مما يحتم من ضرورة وجود التحالفات والتكتلات الموازية لردعها.
يقول الباحث في معهد بوسطن بالولايات المتحدة، ماهر جبره لـ"حفريات": "مع كل أزمة تطفو على السطح بين أي طرف عربي والجمهورية الإسلامية في إيران، يظهر الخطاب المائع للجماعة الذي لا تستطيع أن تدرك من خلاله شيئاً، وجاءت تلك الوثائق لتؤكد العلاقات التاريخية مع إيران، والتشتت الإخواني، والانهيار الإداري الذي بدا واضحاً الآن، فكل فريق من جماعة الإخوان اتهم الآخر بأنّه عميل لطهران"، مضيفاً أنّ "العلاقات الدولية الإخوانية لا مذهب لها، ولا عقيدة ولا أيديولوجيا؛ بل هي مصلحة التنظيم التى تعلو فوق كل شيء، وعلى هذا فهم يمسكون العصا من المنتصف، ويلعبون، فلا تعرفهم مع السعودية، أم مع إيران، وما نحن متأكدون منه فقط، هي تلك الصورة التي يصدرونها لنا وهي: فريقان أحدهما يؤيد هذا والآخر يهاجم ذاك، وهما يتبادلان الأدوار معاً".

لماذا اليمن وتركيا؟
أوضحت الوثائق أنّ الإخوان عرضوا على طهران أن يلعبوا دوراً في الحرب الدائرة في اليمن ضد المملكة، لكنها لم توضح الكيفية التي سيلعبون بها، وأي فريق إخواني هو الذي قدم هذا العرض!
ما يشار إليه أنّه في نفس توقيت الاجتماع الذي تم في اسطنبول وقع اتفاق آخر في مران اليمنية بين الإصلاح اليمني وعبدالملك الحوثي، تم الاتفاق فيه على عدة محاور أهمها: إخلاء صنعاء أمام الحوثيين مقابل الحفاظ على مقرات وممتلكات الحزب، ثم إخلاء المدن، وإصدار بيانات متتالية بوقوف الإخوان إلى جانب الشعب اليمني، وثالثاً الاستعانة بجماعات مثل؛ القاعدة أو داعش لدعم الحوثي وإثارة العنف في أماكن نفوذ المملكة العربية السعودية.

حزب التجمع اليمني للإصلاح هو الذراع السياسي للإخوان في اليمن
يقول الكاتب المختص في الشأن اليمني، محمود جابر، لـ"حفريات": "الجماعة قدمت هذا العرض؛ لأنها تعتقد أنّ الحسم العسكري للحرب في اليمن لصالح التحالف يضعف إمكانية حصولهم على مكاسب سياسية، وهذا يدفعهم للتركيز على المفاوضات السياسية التي ستدفع بهم كطرف مفاوض، في حين أنّ الحسم العسكري قد يستثنيهم، خصوصاً مع تزايد الاتهامات للحزب بالبحث عن مكاسب غير مشروعة، وهذا كله لأن الجماعة وحزبها الإصلاح ضعيفة جداً".

اقرأ أيضاً: "الإخوان" تحارب الجيش الليبي بـ850 ألف حساب وهمي
ويضيف جابر "براغماتية الجماعة بلغت أقصى درجة ممكنة، وإذا أردت أن تتأكد من ذلك فراجع مواقفها من عاصفة الحزم على الحوثيين باليمن؛ إذ إنها أثارت حالة من التباين بين أفرع الجماعة وأنصارها في مختلف الدول العربية، حيث دعم الإخوان ممثلين في حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذراع السياسي للإخوان في اليمن، العاصفة، لأنها ستعيدهم إلى المشهد السياسي باليمن، وخاضوا الحرب في البداية ضد الحوثيين، لكنهم هزموا في أولى المعارك بعمران، رغم امتلاكهم لقوات عسكرية ضخمة هي قوات الفرقة الأولى مدرع، فهرب بعضهم إلى تركيا وقطر، ووجدوا أنفسهم في مرمى الحوثيين فتفاوضوا معهم في لقاءات سرية بغية البحث عن مكاسب سياسية، ولما زاد قصف قوات التحالف، أيدت الجماعة الحرب دعائياً، وتراوحت ردود الجماعة ما بين ردود فعل مؤيدة؛ من خلال إعلان فروع جماعة الإخوان في كل من الأردن وتونس والمغرب وسوريا، دعمها عملية "عاصفة الحزم"، بعدما أعلن راشد الغنوشي دعم حركة النهضة المعركةَ بعد انقلاب الحوثيين على الشرعية في اليمن، وأما إخوان مصر فبعضهم أيد، ومنهم عمرو دراج ويحيى حامد، وبعضهم رفضها ومنهم جمال حشمت الذي تحدث عن التدخل المصري باليمن".
الوثائق المسربة أثبتت، بلا ريب، أنّ الإخوان مع الشرعية في اليمن طالما أنّ الحسم قد اقترب، ومع الحوثيين طالما سيحصلون على مكاسب سياسية، وأنه لا خلاف في أنّ لهم علاقات تاريخية مع إيران، وتستمر هذه العلاقة برعاية تركية، وهم الآن يقفون حيث يقف هذا الحليف.

للمشاركة:

أبرز المعيقات التي تمنع تطور التقارب بين تركيا وإيران

2019-11-19

تشاركت الدولتان المهمتان في الشرق الأوسط، تركيا وإيران، الحدود والجوار منذ قرون ممتدة، واتسمت العلاقات بينهما بالتذبذب باعتبار تغيّر الحسابات والظروف الدوليّة. اليوم تزداد المؤشرات على عودة العلاقة بينهما إلى مسار التقارب، فإلى أيّ حد يمكن أن يتطوّر التقارب، وما هي أهم المعيقات؟

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران... الأصولية والطائفية
بإلقاء نظرة سريعة على البدايات، تعود بداية الصراع إلى توسّع الدولة العثمانيّة في الأناضول، خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، مستفيدة من الفراغ الذي تركه انحلال دولة سلاجقة الروم، ومن ثم اجتياح تيمورلنك وانحلال دولته أيضاً بعد ذلك، وبعد استلام السلطان سليم الأول الحكم عام 1512، بدأت حملات جديدة لتوسيع الدولة، وهذه المرة بدأ التفكير يتجه للامتداد خارج حدود الأناضول؛ فكان أن اختار التوجّه شرقاً، والتوغل نحو العراقين؛ عراق العرب وعراق العجم.

الضغوط على  تركيا وإيران تدفع باتجاه المزيد من التقارب بينهما. ولكن، بالعموم، تبقى العلاقات بينهما في إطار وحدود "التقارب"

اصطدمت جيوش سليم الأول في معركة "جالديران" سنة 1514 بقوّات الدولة الصفويّة، التي كان حكمها في مرحلة النشوء والتوسّع آنذاك في الهضبة الإيرانيّة، وتوغّل حتى احتلّ عاصمتها تبريز. وكانت تلك البداية لصراعات وحروب ممتدة عبر ثلاثة قرون بين الدولة العثمانية من جهة، والدولة الصفوية والدول الإيرانية الوريثة لها (الهوتاكيّة، والأفشاريّة، والزنديّة، والقاجاريّة) من جهة أخرى. انسحب الجيش العثماني بعد معركة جالديران من مناطق جبال زاغروس، ولكنّ النفوذ العثماني ترسخّ منذ تلك المعركة في العراق، فأصبح جزءاً من الدولة العثمانيّة طوال القرون الأربعة اللاحقة.

ومنذ تلك الحرب انتقل ميدان الصراع إلى مستوى آخر، وهو المستوى المذهبيّ، مع توجّه الشاه إسماعيل الصفويّ إلى نشر وتعميم المذهب الشيعيّ في بلاده ليكون الأساس في تشكيل رابطة الولاء في الدولة، ويصبح مذهب الدولة الرسميّ في مواجهتها مع الدولة العثمانيّة التي كانت متبنيّة للمذهب السّني، وبذلك اكتسى الصراع الثوب المذهبيّ.

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران: الاستعمار الجديد في الوطن العربي!
وفي عهد السلطان سليمان القانونيّ استمرت الحروب بين الدولتين، مع توجّه كل منها لعقد تحالفات مع دول غير إسلاميّة في إطار المواجهة بينهما؛ فتحالف الصفويون مع البرتغاليين ومع امبراطوريّة المجر والنمسا، وتحالف العثمانيون مع فرنسا، واستمرت الحروب في الأقاليم الحدوديّة لكن دون حدوث تغييرات جوهريّة في الخرائط. واستمرت حتى نهاية الحرب الأخيرة عام 1823، وامتد الصراع فيها حول المناطق الممتدة من القوقاز شمالاً وحتى البصرة جنوباً. ولم تتمكن أيّ من الدولتين من القضاء على الأخرى بسبب تكافؤ القدرات بينهما في التعبئة العسكريّة.
الحداثة والعلمنة والحرب الباردة.. الاتجاه نحو التقارب
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ونيل الجمهوريّة التركيّة استقلالها، ومع بداية عهد الأسرة البهلويّة في إيران، تميّز عهد رضا شاه بالاتجاه نحو التقارب مع تركيا الكماليّة، فكان رضا شاه معجباً بمصطفى كمال أتاتورك ونموذجه التحديثيّ العلمانيّ، وهو ما عنى تجاوز ميراث الانقسام المذهبيّ، في ظل طغيان الاتجاه الحداثيّ بين النخب في حينه.

الباحث عبد القادر الطائي: وجود الخلافات بين تركيا وإيران على المستوى الأيديولوجي لا يعطل العلاقات الثنائيّة بينهما

وفي عام 1926 وُقعّت معاهدة الصداقة بين البلدين، وشملت النصّ على تعزيز مبادئ السلام والتعاون، وتفعيل العمل المشترك بين البلدين على كافّة الصُعُد والمستويات، واتبعت باتفاقيات لاحقة. كما شهدت تلك المرحلة بداية الاتفاق الإستراتيجي بين البلدين على الموقف الرافض من قيام دولة كرديّة مستقلّة تهدد وحدة وكيان كليهما، والتشبث بمخرجات معاهدة لوزان، وهو ما سيستمر لاحقاً ويشكّل نقطة تعزيز دائمة للعلاقات الثنائيّة بينهما.

أتاتورك مستقبلاً رضا شاه أثناء زيارته تركيا عام 1934

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتوجّه رضا شاه نحو التقارب مع النازيّة، ومن ثم تنحيته من قبل البريطانيين والمجيء بابنه محمد رضا شاه إلى الحكم، ومن ثم حدوث الانقلاب عام 1953 على حكم رئيس الوزراء محمد مصدّق، ترسّخ حكم محمد رضا باعتباره حكماً قائماً على أساس الموالاة المطلقة للغرب (الولايات المتحدة وبريطانيا). وتزامن ذلك مع فترة رئاسة دوايت أيزنهاور، في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وهو الرئيس الأمريكي صاحب مبدأ "سد الفراغ"، الذي هدف لمدّ نفوذ الولايات المتحدة في منطقة "الشرق الأوسط" في مسعى لصدّ خطر التوسع السوفييتي القادم من الشمال، وفي هذا السياق، ومع اشتداد الحرب الباردة، جاءت مشاركة البلدين في تأسيس "حلف بغداد" عام 1955. وهو ما دفع باتجاه تعزيز العلاقات بين البلدين؛ باعتبار مشاركتهما في ذات التحالفات والتوجّهات الاستراتيجية.
الثورة في إيران.. مسار الاختلاف والافتراق
ولكن نقطة التحوّل جاءت مع اندلاع الثورة في إيران، والإعلان عن تأسيس الجمهورية الإسلاميّة عام 1979؛ فمن جهة أدى هذا التحوّل إلى حدوث خلاف وافتراق جوهريّ بين الدولتين على المستوى الأيديولوجي؛ مع تحوّل إيران إلى دولة دينيّة ثوريّة، في حين بقيت تركيا جمهوريّة علمانيّة، ومن جهة أخرى برز الاختلاف فيما يتعلق بالموقف من الولايات المتحدة والنظام الدولي؛ فإيران أصبحت دولة ثوريّة تعلن العداء والتحدي للولايات المتحدة، فيما تركيا دولة عضو في حلف الناتو. كما أعلنت الجمهورية الإسلاميّة مناصبة "إسرائيل" العداء، بالمقابل حافظت تركيا على علاقات بمستويات متقدمة معها على مختلف الصُعُد. وبالتالي ساد البرود العلاقات بين البلدين.
حقائق الجغرافيا.. والعودة إلى مسار التقارب
وعلى الرغم من ذلك، بقي هناك قدر من العلاقات بين البلدين؛ بسبب ما تفرضه حقائق الجغرافيا على الأرض؛ فتركيا بالنسبة لإيران ممر لصادراتها باتجاه أوروبا، وإيران ممر لصادرات تركيا نحو آسيا، كما أنّ التجاور والحدود المشتركة يسهّلان ويقللان من نفقات النقل والتبادل التجاري بين البلدين.

اقرأ أيضاً: ألمانيا وتركيا على صفيح ساخن.. ما علاقة الإسلام السياسي؟
وجاء التحوّل مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002، والتحوّل الإستراتيجي الذي أحدثته القيادة الجديدة بالتوجّه نحو إقامة وتعزيز العلاقات والنفوذ في الشرق والجنوب، بدلاً من حصر المساعي - كما كان في السابق - بالالتحاق بالغرب ومسعى الانضمام للاتحاد الأوروبي. كما كانت نخبة العدالة والتنمية أقل ميلاً لرؤية إيران الإسلاميّة باعتبارها تهديداً لأركان النظام العلماني التركيّ، كما كانت تصوّرها النخب العلمانية التركيّة السابقة.

اقرأ أيضاً: تقرير: طموحات تركيا في سوريا خير دليل على اتباع أردوغان النهج العثماني للتغيير العرقي
انعكست هذه التحوّلات الجديدة على المستوى الاقتصادي، فتعزز سريعاً مستوى التبادل التجاري، وارتفع من حدود المليار دولار عام 2000 إلى الأربعة مليارات عام 2005، ووصل إلى عشرة مليارات في العام 2010. كما انعكس تحسّن العلاقات على المستوى السياسي أيضاً؛ فأعلن الرئيس أردوغان في زيارة له إلى طهران عن تأييده ودعمه للبرنامج النووي الإيراني، على أن يكون سلمياً وملتزماً بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النوويّة.

أردوغان وأحمدي نجاد في طهران عام 2010

الناتو والحراك العربي.. الخلافات من جديد
وبالرغم من حدوث تطوّر في العلاقات إلا أنها لم تتحوّل إلى حالة من الشراكة والتحالف الإستراتيجي، وذلك عائد للخلافات الجوهريّة بينهما فيما يخصّ التوجهات الإستراتيجيّة، وخصوصاً بسبب علاقة تركيا مع حلف الناتو والولايات المتحدة. وسرعان ما حدث التوتر بين البلدين عندما وافقت تركيا على استضافة نظام درع صاروخي تابع للناتو، والذي اعتبرته إيران موجهاً لها، ويهدف لحماية "إسرائيل" من التعرض لأي هجوم إيراني في حال استهدفت "إسرائيل" مواقع إيرانيّة.

اقرأ أيضاً: هل يتم إقصاء تركيا من حلف الناتو؟
على صعيد آخر، سرعان ما تسارعت الأحداث في الإقليم مع اندلاع الاحتجاجات في معظم الدول العربيّة نهاية العام 2010 وبداية العام 2011، وما رافق ذلك من سقوط أنظمة حكم وثورات وأزمات، وهنا سعت كل من تركيا وإيران للاستفادة من حالة الاختلال والاضطراب في النظام العربي لتحقيق تمدد على مختلف المستويات، من السياسة إلى الاقتصاد إلى التمدد العسكري، بما يضمن لكل منهما تعزيز وتأمين المصالح الإستراتيجيّة، وهو ما تسبب في تأزيم العلاقات من جديد بين البلدين؛ نتيجة للاختلافات في طموح كل منهما، وبلغ التأزّم ذروته في سوريا، مع اختيار تركيا دعم قوّات المعارضة المسلحّة في مواجهتها مع النظام الحاكم الحليف لإيران.
أنقرة تعيد الحسابات
إلا أن عودة واستدارة حدثت في السياسة التركيّة، جاءت على إثر تغيّر المعطيات على الأرض في سوريا، بدءاً من بروز خطر تنظيم الدولة، إلى بروز خطر قيام كيان كردي مستقل أو بحكم ذاتي يكون مدعوماً من  الولايات المتحدة، إضافة إلى التدخل الروسيّ العسكريّ الحاسم، ثم جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016 لتدفع الأتراك باتجاه التقارب مع مواقف روسيا وإيران من الأزمة، والاتجاه نحو خيار دعم إعادة بسط الحكومة السورية سيطرتها على أراضي البلاد، وهو ما بدت بوادره سريعاً مع تخليها عن إسناد فصائل المعارضة المسلحّة في معركة حلب، معقل المعارضة في حينه، في كانون الأول (ديسمبر) عام 2016، ومن ثم الاتفاق مع إيران وروسيا على المضيّ في مسار أستانا - سوتشي للسلام، البديل عن مسار جنيف الذي ترعاه دول أوروبا والولايات المتحدة. وبالتالي، فإنّ الموقف التركي والإيراني انتهى إلى التشارك في الدفع باتجاه تعزيز الاستقرار السوريّ، ما حرك عجلة التقارب بين البلدين من جديد.

اقرأ أيضاً: قطر ترفع شعار مع تركيا ظالمة أو مظلومة
ويرى الباحث عبد القادر فهمي الطائي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الشرق الأوسط، في حديثه لـ "حفريات" بأنّ "وجود الخلافات بين تركيا وإيران على المستوى الأيديولوجي لا يؤدي إلى تعطيل العلاقات الثنائيّة بينهما، وإنما يتم تأجيل مثل هذه المسائل، في مقابل الحسابات والمصالح المتزايدة؛ فهناك الغاز والنفط الإيراني الذي يصدّر بأسعار تفضيليّة لتركيا، وهناك حجم التبادل التجاري بالمليارات، والمعبر الإيراني إلى أوروبا هو تركيا، لا يمكن لأيّ من الدولتين أن تفرطا بهذه الأرقام والحسابات من أجل خلافات أيديولوجية". أما بخصوص وجود تنافس بينهما في إقليم ثالث، وهو المنطقة العربية، فإنّ ذلك، بحسب الطائي، "لا يؤدي إلى التصادم بقدر ما يؤدي إلى تقسيم الحركة والنفوذ على أساس التفاهم".

توافقت تركيا مع روسيا وإيران على الدفع باتجاه إنهاء الصراع في سوريا

ورحبت تركيا بالاتفاق النووي مع إيران عام 2015، والاتجاه نحو رفع العقوبات الاقتصاديّة عن إيران، ومع مواجهة تركيا عقوبات وضغوطات وتهديدات أمريكيّة متزايدة في العام 2019، على إثر شرائها منظومة (S400) من روسيا، وقيامها بالعملية العسكريّة "نبع السلام في شمال سوريا، ومع رفض تركيا الالتزام بالعقوبات على إيران، فإنّ هذه الضغوط على كليهما باتت تدفع باتجاه المزيد من التقارب بينهما. ولكن، بالعموم، تبقى العلاقات بينهما في إطار وحدود "التقارب"، ولا يمكن الحديث بعد عن الانتقال إلى حالة من "التحالف الإستراتيجي"؛ فلا يزال مثل هذا التحالف مفتقداً لعناصر عدّة.

للمشاركة:



كيف ستواجه فرنسا الإسلام السياسي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمس؛ إنّ "بلاده ستقدم على خطوات جديدة فيما يخص مكافحة الإسلام السياسي، خلال الأسابيع المقبلة".

وقال ماكرون، في كلمة خلال مشاركته في "مؤتمر رؤساء البلديات"، بالعاصمة باريس: "سيتم الإقدام على خطوات جديدة فيما يخصّ مكافحة الإسلام السياسي، وزارة الداخلية ستصدر توجيهات جديدة لرؤساء الولايات، في هذا الموضوع"، دون إعطاء تفاصيل إضافية، وفق روسيا اليوم.

إيمانويل ماكرون يقول إنّ بلاده ستقدم على خطوات جديدة فيما يخصّ مكافحة "الإسلام السياسي"

وشدّد ماكرون على معارضته لمنع الأشخاص الذين يحملون فكر الإسلام السياسي، من المشاركة في الانتخابات المحلية، المزمعة في 2020.

وأضاف ماكرون؛ هذه المشكلة (في إشارة للإسلام السياسي) لن يتم حلّها عبر منع المشاركة في الانتخابات، مؤكداً على أهمية مكافحة الإسلام السياسي في البلاد.

واستطرد: "الذين يطالبون بتخصيص ساعات محددة، خاصة بالنساء المسلمات في المسابح، ويفضلون عدم إرسال الأطفال إلى المدارس، هم من منتسبي الإسلام السياسي وليس الجمهورية".

وأوضح أنّه "بالإمكان مكافحة هذه الظاهرة عبر إغلاق الجمعيات والمدارس التي لا تلتزم بقوانين الجمهورية الفرنسية".

وكان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قد حذّر، في نيسان (أبريل) الماضي، من أنّ الإسلام السياسي تهديد للجمهورية الفرنسية ويسعى للانعزال عنها.

وقال في تصريح صحفي إنّه طلب من حكومته "ألا تظهر هوادة مع الحركات الإسلامية، وأن تحول بينها وبين الحصول على أي تمويل من الخارج".

 

للمشاركة:

الاحتلال الاسرائيلي يقصف مواقع عسكرية في سوريا.. ما هي أهدافه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم، عشرات الأهداف داخل الأراضي السورية، رداً على إطلاق صواريخ من هضبة الجولان المحتلة باتجاه إسرائيل أمس.

طائرات حربية تغير على عشرات الأهداف العسكرية التابعة لفيلق القدس الإيراني والجيش السوري

وأعلن الكيان الصهيوني، على لسان الناطق باسم جيشه: "أغارت طائرات حربية قبل قليل على عشرات الأهداف العسكرية التابعة لفيلق القدس الإيراني والجيش السوري داخل الأراضي السورية، تشمل؛ "صواريخ أرض-جو"، ومقرات قيادة، ومستودعات أسلحة، وقواعد عسكرية، وذلك ردّاً على إطلاق الصواريخ أمس من سوريا نحو إسرائيل".

من جهتها، أكدت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" وقوع الهجمات الإسرائيلية، التي تمت بطائرات حربية استهدفت العاصمة دمشق وضواحيها من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديداً من ناحية الجولان المحتل، ومن فوق مرج عيون في لبنان.

وأضافت أن أحد الصواريخ ضرب منزلاً ودمّره ما أدّى لإصابة عائلة من أربعة أفراد.

وقالت "سانا": "أنظمة الدفاع الجوي السوري تصدّت للهجوم وأسقطت عدداً من الصواريخ الإسرائيلية فوق العاصمة دمشق".

وذكرت تقارير محلية؛ أنّ انفجاراً قوياً سمع في المدينة، كما أظهرت الصور على وسائل التواصل الاجتماعي عدداً من الحرائق في مواقع بالعاصمة السورية.

المرصد السوري: مقتل11 بينهم سبعة غير سوريين في غارات إسرائيلية على مواقع عسكرية في دمشق وريفها

من جانبه، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، لاحقاً اليوم: إنّ 11 مقاتلاً، بينهم 7 غير سوريين، قُتلوا في غارات إسرائيلية على مواقع عسكرية في دمشق وريفها.

ووفق مصادر "المرصد السوري" لحقوق الإنسان؛ فقد سمع دوي انفجارات ضخمة في العاصمة دمشق ومحيطها عند الساعة الواحدة والنصف صباح الأربعاء، واستمرت لعدة دقائق.

 

للمشاركة:

تركيا أكبر سجن للصحفيين.. تقرير دولي جديد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

أفاد المعهد الدولي للصحافة، أمس، بأنّ تركيا ما تزال تحتلّ المركز الأول عالمياً بسجن الصحفيين؛ حيث يقبع في سجونها ما يقارب 120 صحفياً، مشيراً إلى أنّ وضع الإعلام فيها ما يزال سيئاً، ولم يتحسّن منذ إنهاء حالة الطوارئ العام الماضي بعد استمرارها عامين.

تقرير للمعهد الدولي للصحافة يسلّط الضوء على انتهاكات جسيمة في تركيا لحرية التعبير ولحقوق الانسان

وقال المعهد في تقريره: "وراء هذه الأرقام تكمن قصة الانتهاكات الجسيمة للحقوق الأساسية ويُحتجز عشرات الصحفيين لشهور، وأحياناً لأعوام، قيد المحاكمة في أخطر التهم ذات الصلة بالإرهاب وفي كثير من القضايا دون اتهام رسمي"، وفق ما نقلت "ميديل إيست أون لاين".

وأضاف التقرير: "الصحفيون يُسجنون نتيجة لحملة مطولة وذات دوافع سياسة ضدّ الإعلام"، مشيراً إلى أنّ تركيا هي "أكثر دولة سجناً للصحفيين (في العالم) بلا منازع، على مدى نحو عشرة أعوام".

وذكر المعهد أنّ عدداً كبيراً من القضايا معروض على القضاء التركي منذ محاولة الانقلاب، لكنّه عاجز عن نظرها بشكل ملائم؛ لأنّ ثلث القضاة كانوا من بين من تم إعفاؤهم من الخدمة؛ بسبب الاشتباه بصلتهم بمحاولة الانقلاب.

وأوضح المعهد الدولي للصحافة أنّه منذ محاولة الانقلاب واجه مئات الصحفيين محاكمات لتهم معظمها مرتبط بالإرهاب، مشيراً إلى أنّ عدد الصحفيين المسجونين انخفض بعد أن تجاوز 160.

وتقول أنقرة إنّ الاعتقالات والإقالة والوقف عن العمل إجراءات ضرورية لحماية أمنها القومي باعتبار أنّ تركيا تواجه هجمات من متشددين أكراد وإسلاميين ومنتمين لليسار المتطرف.

 

 

 

 

للمشاركة:



كيف اندثرت دولة التلاوة القرآنية في مصر؟

2019-11-19

اختفت في مصر الكتاتيب، التي كانت مصنعاً تخرّج فيه قرّاء عظام، مثل: الشيخ مصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومحمد صديق المنشاوي، وغيرهم، ولم يتبقَّ من أثرها سوى الموجود بمدينة الأقصر، ومحافظة المنيا وأسوان، وباقي المدن الجنوبية المصرية، وهو ما أدّى إلى بروز أشكال أخرى، منها مقارئ المساجد، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ومعاهد القراءات، التي ورغم نفقاتها الباهظة إلا أنها لم تحلّ محلّ دكاكين وغرف المشايخ حتى الآن.

الكتاتيب تاريخ طويل
نشأت الكتاتيب، وفق ويكيبيديا، منذ العصر الأموي، وانتشرت في القرن التاسع عشر والعشرين، انتشاراً واسعاً، وكانت تقام في مبانٍ متصلة بالمساجد، أو مبانٍ مستقلة، أو في بيوت معلمي الكتاتيب أنفسهم أو مشايخها؛ حيث كان المعلم يجلس على كرسي أو مصطبة مرتفعة عن الأرض، أما التلاميذ فكانوا يجلسون أمامه على الأرض المفروشة بالحصير، وهذا ما ساد في القرى المصرية بالأخص.

اختفت وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بالكتاتيب منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها

أما العاصمة القاهرة؛ فانتشرت فيها بشكلٍ أكبر الكتاتيب التي تعلو السُبل، مثل: سبيل وكُتَّاب "عبد الرحمن كتخدا"، الذي بُني عام 1744، في شارع المعز لدين الله الفاطمي، لمصمّمه الأمير عبد الرحمن كتخدا، عبقري الهندسة المعمارية في عصره، وهو عبارة عن سبيل يشرب منه المارة، يعلوه كُتَّاب يتلقى فيه الطلاب العلم. وسبيل وكُتَّاب "نفيسة البيضاء" القائم بمنطقة السُكَّرية العتيقة بالقاهرة، ويرجع تاريخه إلى عام 1796، وصاحبته هي السيدة نفيسة البيضاء التي عُدَّت واحدة من أغنى نساء عصرها، كما عُرِفت بعلمها وثقافتها وحبّها لعمل الخير.
صوَّرت رواية الأديب طه حسين "الأيام" ما يدور داخلها، وكيف أنّها لا تمنح شهادات أو مؤهّلات، إلا أنّها وضعت في الأطفال المصريين بذور المعرفة الصحيحة باللغة العربية وقواعدها، لكن في ذات الوقت كانت مثار تسلط المشايخ الأزهريين، الذين كان بعضهم لا يفقهون الأصول والقواعد التربوية الحديثة في تعليم النشء.

في تصريح صحفي نشرته "فيتو"، قال الدكتور أحمد المعصراوي، شيخ مشايخ قرّاء مصر السابق: إنّ "دور الكتاتيب تراجع كثيراً في الأعوام الأخيرة؛ بسبب تقصير الأزهر ووزارة الأوقاف المصرية في الاهتمام بها، رغم أنّها دائماً مصنع العظماء من رجال الدين والأدب والشعر وكبار المفكرين والعلماء، لذا اعتمد محمد علي باشا، والي مصر، على خريجي الكتاتيب في تأسيس المعاهد الأزهرية، وحقّق من خلالهم نهضة تعليمية شاملة، ومن أبرز خريجي الكتاتيب المصرية؛ المفكّر والمترجم رفاعة الطهطاوي".

 الدكتور أحمد المعصراوي
وقال الشيخ عبد الله عبد الواحد، محفِّظ قرآن: "رغم اندثار الكتاتيب إلا أنّه حلّ محلّها المقرِئة، ويطلق عليه أيضاً الكتَّاب، لكن ليست كالكتاتيب المتعارف عليها قديماً؛ حيث اختفت بعض وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بها منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار، والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها، وكذلك الفلكة، وهي إحدى أدوات العقاب، والتي كانت تمثل رعباً وعقاباً شديداً للمتخاذلين في حفظ القرآن"، لافتاً إلى بروز "ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية، التي تقوم عليها الفتيات والسيدات، اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهن".

أسباب الغياب
يرى الباحث التراثي، هيثم أبو زيد، في تصريح لـ"حفريات"؛ أنّ "دولة التلاوة القرآنية في مصر انتهت تماماً، والأسباب كثيرة، وأهمّها غياب الكتاتيب، التي كانت تنتج لنا المئات من القرّاء المتميزين، والذين كانوا يمرون بمراحل كثيرة تدقّق فيهم جيداً، ومنها الإذاعة التي لم يدخلها أحد بسهولة، ضارباً المثل بالطبلاوي، الذي لم يصبح مقرئاً رسمياً إلا بعد عدة مرات رسب فيها، وكذلك الشيخ المنشاوي، وأيضاً نصر الدين طوبار والنقشبندي، اللذَين تمّ رفضهما والسماح لهما فقط بالتواشيح".

برزت ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية التي تقوم عليها الفتيات والسيدات اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهنّ

وفي سؤال حول معاهد القراءات التي أصبحت بديلاً للكتاتيب، أوضح أبو زيد؛ أنّ "تلك المعاهد لا علاقة لها بالقرّاء وإنتاجهم، فهي تخرّج مدرسين محترفين في علوم القرآن والقراءات العشر، لكنّ مشايخ القرآن يعتمدون بشكل ذاتي على مواهبهم الخاصة، التي ينمونها بالدراسة، مثلهم مثل الفنانين، وفي هذا التوقيت قلّت تلك المواهب بسبب حالة التجريف الثقافي التي يمرّ بها المجتمع جملة"، مضيفاً: "لا يجوز لأحد أن يطلق على نفسه لقب قارئ إلا إذا كان حافظاً للقرآن الكريم والمقامات الموسيقية، والأحكام والمتون الخاصة به، وأن يكون موهوباً من الناحية الصوتية، أما الآن فمعظم القراء يحفظون بعضاً من أرباع السور، ولا يتمكنون من أداء المقامات الموسيقية".

وفي سياق متصل، يقر الباحث سامح عسكر، لـ"حفريات" باندثار "جيل القرّاء العظيم صاحب الأسبقية، وبموت أكثرهم وفراغ الساحة أمام مقرئي الخليج (اختلف الذوق) المصري، والعربي بالخصوص، ليعلو سهم آخرين، أما مقرئو مصر فتفرغوا للتجارة بحفلات القراءة شرقاً وغرباً مع التركيز على النغمات والألحان دون الاهتمام باللغة وأحكام التلاوة، فجرت العادة على أنّ القراءة فقط لحلاوة الصوت، لا بأحكام قراءة الآيات، طرباً ولغة ومعنى وشعوراً، كما كان في بدايات الإذاعة".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ محمد رفعت: قيثارة السماء
وفي تصريح لصحيفة "اليوم السابع" المصرية، لفت الشيخ محمد صالح حشاد، شيخ عموم المقارئ المصرية، إلى تراجع الريادة في التلاوة لضعف وتراجع الكتاتيب وقلّة عددها، وتكريم حفظة القرآن الكريم على الحفظ، وليس على الحفظ وجمال الصوت، وغياب التشجيع الحقيقي منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أنّ وزارة الأوقاف المصرية ستهتم بإعادة التوسع في انتشار كتاتيب القرآن الكريم، وأنّ "هذا الأمر سينعكس بشكل كبير وإيجابي على عودة الريادة القرآنية التي كانت تتمتع بها مصر".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
أرجع الشيخ محمود الطبلاوي، خلال لقاء على فضائية "إكسترا نيوز" السبب؛ إلى أنّ "معاش قارئ القرآن الكريم 40 جنيهاً فقط، وهذا ما دفعهم للمغالاة في أجور المآتم والحفلات"، مشيراً إلى أنّ "الاختبارات الحالية أصبحت أكثر مرونة من الماضي، وهو سبب كبير لتراجع الأداء".
ويرى الكاتب أحمد الشوربجي؛ أنّ "جماعة الإخوان عملت على إنشاء منظومة تربويّة إخوانيّة خاصّة، تشمل الكتاتيب والمدارس القرآنيّة، وهو ما دفع الحكومة لإغلاق ومراقبة العديد منها، بالتالي؛ وقع التأثير الكبير في غياب هذه الوسيلة الكبيرة التي كانت عموداً كبيراً في دولة التلاوة القرآنية".

أما الباحث هيثم أبو زيد، فقد أشار إلى أنّ إيران أيضاً اخترقت دولة التلاوة المصرية، عبر استقطاب قرّاء كثيرين إلى إيران والضاحية الجنوبية في لبنان، وكانت تعطيهم مبالغ باهظة، وصلت في بعض الأحيان إلى 90 ألف دولار نظير القراءة طوال شهر رمضان في طهران، وهذا ما استتبع انتباه الدولة المصرية إلى هذا الاختراق؛ ففي 2014 تمّ التحقيق مع كلٍّ من: الشيخ الدكتور أحمد نعينع، والشيخ طه محمد النعماني، والشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي، والشيخ ياسر عبد الباسط عبد الصمد، بسبب سفرهم لإيران والعراق ورفعهم الأذان الشيعي، دون إذن مسبق من الوزارة، وبالتالي أثّر ذلك كلّه في دولة التلاوة القرآنية.

اقرأ أيضاً: رحلة المنع والحصار لقارئات القرآن الكريم في مصر
في إحصائية قدمتها صحيفة "الوطن" المصرية؛ بلغ عدد (الكتاتيب) ما يزيد على 2500، إضافة إلى 863 مدرسة قرآنية، تضمّ كلّ مدرسة ثلاثة محفّظين بالمساجد الكبرى، و174 مدرسة علمية على مستوى الجمهورية المصرية، تخضع لوزارة الأوقاف، التي تعمل على تقنين أوضاع المكاتب الحالية وخلق جيل جديد تغرس فيه الأخلاق الإسلامية، وروح الانتماء للدين والوطن من خلال مكاتب التحفيظ العصرية والمدارس القرآنية التي تمثل المنهج الوسطي، وهذا من أجل محاولة إيجاد حلّ لمشكلة التلاوة القرآنية، وغياب الريادة المصرية الآن عن قيادتها.

للمشاركة:

سلطان بن زايد حامي التراث

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

المغفور له الشيخ سلطان بن زايد بن سلطان آل نهيان من مواليد أبوظبي في الأول من ديسمبر عام 1956م، وهو الابن الثاني للمؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيَّب الله ثراه»، تلقى تعليمه الأولي في العين وأبوظبي، وواصل دراسته في بيروت، وتخرج عام 1973م، من كلية ساند هيرست العسكرية البريطانية، والتحق بدورات عسكرية خارجية في كل من باكستان ومصر.
يعد أحد رجالات الدولة الأوفياء ورمزاً من رموزها الوطنية.. عمل مع المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على وضع لبنات مؤسسات الاتحاد وخدمة شعبه.

مناصب شغلها الفقيد:
* ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
* نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
* رئيس دائرة الأشغال في حكومة أبوظبي.
* قائد عام القوات المسلحة.
* نائب قائد قوات دفاع أبوظبي وقائد للمنطقة العسكرية الغربية.
* رئيس نادي تراث الإمارات، حيث تابعه منذ إنشائه، واهتم به اهتماماً خاصاً، إذ كان من أشد المهتمين بالحفاظ على تراث الإمارات وعادات وتقاليد شعبه، وحمل لقب رجل التراث في العالم العربي.
* رئيس مركز سلطان بن زايد.
* رئيس اتحاد الإمارات لكرة القدم من عام 1976 إلى غاية 1981م.
* شغل العديد من المناصب الأخرى، منها عضويته في المجلس الأعلى للبترول ومجلس إدارة جهاز أبوظبي للاستثمار، ومجالس العديد من الدوائر.
امتدت هوايات فقيد الوطن إلى رياضة الصيد بالصقور، وأولى الفروسية أهمية بالغة، حيث أقام قرية وأكاديمية للفروسية على أسس مدروسة، كما له مكتبة خاصة عامرة بأمهات الكتب ونصوص التراث.

توظيف التراث لتعليم الأجيال
كان فقيد الوطن الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان يمتلك رؤية متقدمة لتوظيف التراث لتعليم الأجيال، وجعل من نادي تراث الإمارات الذي كان يرأسه منصة لخدمة هذا الهدف السامي.
وبدعم واهتمام الفقيد حصل النادي على جائزة مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز عن فئة المؤسسات الداعمة للتعليم بمبادرة «تراثنا.. هويتنا» لطلبة المؤسسات التعليمية، في الدورة الحادية والعشرين للجائزة.
وقد حرص في تلك المناسبة على إهداء الفوز بالجائزة إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لجهوده في تطوير التعليم بكافة مجالاته وتخصصاته، وتشجيع سموه ودعمه السامي لنادي تراث الإمارات في أنشطته لصون التراث الثقافي الوطني ونقله إلى الأجيال المقبلة، وذلك ضمن رؤية سموه لتعزيز المحافظة على موروث الشعب وهويته وشخصيته الوطنية.
وأكد أن التعليم أساس تطور الأمة ونموها وحضارتها، قائلا « إن المفردات التراثية تشكل مصدراً مهماً وملهماً للتعليم وتعزيز وحفظ هوية ومكتسبات الوطن ومنجزاته واستشراف المستقبل.
كما أكد أن فوز نادي تراث الإمارات بهذه الجائزة التعليمية جاء تقديراً لجهود النادي ومراكزه ومرافقه المتعددة وعمله المتواصل على نشر وتعليم وتوثيق الحركة التراثية والثقافية بالدولة.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

"قمة سرية" بين الإخوان والحرس الإيراني برعاية تركية لاستهداف السعودية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

لا يمثل النفوذ الإيراني في العراق سوى واجهة خفيفة لإمبراطورية أعمق وأكثر تأثيرا في المنطقة، ووظفت أوراقا مختلفة بينها جماعة الإخوان المسلمين لاستهداف أكثر من جهة بينها السعودية.

وكشفت وثائق مسربة عن أنشطة الاستخبارات الإيرانية عن “قمة سرية” عقدت في أحد فنادق تركيا وجمعت مسؤولين في فيلق القدس مع قيادات إخوانية، بعد أشهر من الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، وكان الهدف هو السعودية.

وأكد وفد الإخوان، وفق الوثائق التي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” وموقع “ذي إنترسبت” الإلكتروني، الاثنين، أنه “ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، وأن العدو المشترك لكل منهما هو كراهيتهما للمملكة العربية السعودية”.

ورغم الخلافات بشأن الملف السوري، فقد بحث الطرفان إمكانية التعاون ما بين الحوثيين والإخوان في اليمن (حزب الإصلاح) لتقليل الصراع بينهما وإدارته لاستهداف السعودية.

وأظهرت الوثائق أن وفد الإخوان سعى في بداية الاجتماع، لأن تكون له “اليد الطولى” بأنه ذكر فيلق القدس، بأنه يمتلك نفوذا وحضورا في 85 دولة حول العالم.

وتحدث الوفد الإخواني في البداية أيضا، حول وجود خلافات واضحة بين الجماعة وإيران، التي وصفها بأنها ممثل للشيعة في العالم الإسلامي، فيما وصف الإخوان أنفسهم بأنهم “ممثل السنة في العالم الإسلامي”.

وأشار وفد الإخوان، وفقا للوثائق إلى أنه “ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، ونعتقد أن العدو المشترك لكل منا هو المملكة العربية السعودية”.

وأظهرت الوثائق أن قائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني هو الحاكم الفعلي للعراق، وأن أنشطته امتدت إلى ما هو أبعد من خلال شبكات علاقات نجحت في استخدام الإخوان المسلمين الهاربين إلى تركيا في العمل ضد السعودية.

وكشفت التقارير الاستخباراتية الإيرانية المسرّبة “صورة مفصلة عن مدى القوة التي عملت فيها طهران لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد للجنرال قاسم سليماني”.

ويعتبر سليماني رجل طهران الأساسي في العراق. ودأب على زيارة بغداد خلال الانتفاضة الشعبية ضد النفوذ الإيراني، حيث ترأس اجتماعات في بغداد والنجف خلال الأسابيع الأخيرة، لإقناع الأحزاب السياسية برص الصفوف حول رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي.

وفي إحدى الوثائق المسربة، يوصف عبدالمهدي بأنه كانت له “علاقة خاصة” بطهران حين كان وزيرا للنفط في العراق في العام 2014، وهذا ما يفسر صعود اسمه في 2018 لرئاسة الوزراء وتمسك إيران بعدم التضحية به، رغم الإشاعات المضللة التي رافقته والتي تشير إلى أنه ورقة أميركية لا تعارضها إيران.

وقالت الصحيفة والموقع الأميركيان إنهما تحققا مما يقارب 700 صفحة من تقارير كتبت في عامي 2014 و2015 من قبل وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، وأرسلت إلى “ذي إنترسبت” من قبل شخص رفض الكشف عن نفسه.

وقال المصدر المجهول، الذي رفض اللقاء بالصحافي شخصيا، إنه يريد أن “يرى العالم ما تفعله إيران في بلدي العراق”.

ويكشف التسريب غير المسبوق عن تأثير طهران الهائل في العراق، والذي يعرض سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لاختيار قادة البلاد، ودفع رواتب الوكلاء العراقيين الذين يعملون من أجل الأميركيين لتبديل مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وتصف العديد من الوثائق الحياة الحقيقية التي كان يعيشها الجواسيس، حيث يتم ترتيب الاجتماعات في الأزقة المظلمة وفي مراكز التسوق أو تحت غطاء رحلة صيد أو حفلة عيد ميلاد. كما يسلك المخبرون طرقا متعرجة عند الذهاب إلى الاجتماعات للتهرب من المراقبة. ويتربصون في مطار بغداد ويلتقطون صورا للجنود الأميركيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف.

ويتلقى العملاء هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران. كما يقدمون رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

وذكرت الوثائق أيضا أن رؤساء الوزراء السابقين نوري المالكي وحيدر العبادي وإبراهيم الجعفري، ووزير الداخلية السابق، بيان جبر، ورئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، هم سياسيون لهم صلات وثيقة بإيران.

ووفقا لصحيفة “نيويورك تايمز” تمكنت طهران من حصد المزيد من المكاسب والنفوذ بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق في العام 2011، والتي قالت إنها تركت المخبرين العراقيين لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “عاطلين ومعدمين”، ما سهل استقطابهم.

وقال التقرير إن هؤلاء لجأوا بعد ذلك إلى إيران، وقدموا معلومات عن عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إي) في العراق، مقابل أموال.

وفي أحد الأمثلة، تشير الصحيفة إلى أن ضابطا في الاستخبارات العسكرية العراقية سافر من بغداد إلى مدينة كربلاء المقدسة لدى الشيعة، للقاء مسؤول في المخابرات الإيرانية.

وخلال الاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات، قال المسؤول العراقي إن رئيسه، الفريق حاتم المكصوصي، أخبره أن ينقل رسالة إلى إيران مفادها أن “جميع استخبارات الجيش العراقي، اعتبرها تحت أمرك”.

وعرض المكصوصي تزويد إيران بمعلومات حول نظام سري أنشأته الولايات المتحدة للتنصت على الهواتف العراقية، يديره مكتب رئيس الوزراء والاستخبارات العسكرية.

وسمح ذلك لإيران بتوسيع نفوذها من خلال علاقاتها الوثيقة مع جيل جديد من السياسيين الذين أصبحوا قادة للعراق، وساعدها في تشكيل ميليشيا الحشد الشعبي التي تضم فصائل شيعية موالية لها.

وجعلها ذلك أيضا شريكا تجاريا رئيسا للعراق الذي يستورد منها الكهرباء والغاز الطبيعي لدعم منشآت الطاقة المدمرة، في بلد أصبح ثاني أكبر مستورد للمنتجات الإيرانية بينها السيارات والسجاد والمواد الغذائية، حتى أن وزيرا للنقل رفض طلبا من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وقف الرحلات الجوية من إيران، والتي كانت تمرر من خلالها المساعدات العسكرية للنظام السوري.

واستخدمت إيران العمل الاستخباراتي للمحافظة على دورها في العراق، بحسب ما ذكرت الصحيفة والموقع الأميركيان، لتحقيق أهداف استراتيجية تتمثل بـ”منع انهيار العراق ومنع استقلال إقليم كردستان” الشمالي.

وأشارت الوثائق إلى أن “التركيز الأكبر” كان باتجاه “المحافظة على العراق كدولة تابعة لإيران، والتأكيد على بقاء الفصائل السياسية الموالية لطهران في السلطة”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية