الثقافة الشعبية بين السخط والامتداح.. من يملأ فراغ الهدم؟

الثقافة الشعبية بين السخط والامتداح.. من يملأ فراغ الهدم؟

مشاهدة

22/02/2021

"الثقافة الشعبية مفهوم فارغ يملؤه أشخاص مختلفون في أزمان مختلفة بأغراض مختلفة"
انغارد فالديفيا
   

كانت أعوام الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وحتى منتصف العشرينيات، بمثابة العصر الذهبي للمسرح الهزلي "الفودفيلي" في مصر، الذي لمع على خشبته كلّ من نجيب الريحاني وعلي الكسار وعزيز عيد، مسرحاً يشبه في تكوينه، الآن، فرق المهرجانات الغنائية، كما واجه حالة السخط نفسها، التي وُجهت إليه من النخب الثقافية والدينية، وقتئذ، متهمين إياه بأنّه مفسدة أخلاقية تهدّد سلامة المنظومة القيمية التي يدين بها المجتمع.

الثقافة الشعبية ليست مفهوماً فارغاً وإنما هي "أرض تفاوض وتبادل" بمفهوم جرامشي

    في تلك الآونة، كان جورج أبيض قد عاد من فرنسا، عقب اجتيازه شهادة إتمام دراسة فنون التمثيل بمعهد "الكونسرفتوار"، تحت رعاية الخديوي عباس حلمي الثاني (1894-1914)، إلا أنّ مسرح أبيض الذي قدم روائع الكلاسيكيات الغربية، قد فشل فشلاً ذريعاً في جذب الجمهور، الذي كان يذهب إلى الريحاني والكسار، حاملاً أحياناً مقاعده الخاصة من شدّة الزحام، مدندناً في الشوارع والحارات ووسائل المواصلات أغاني مسرحيات كشكش بك والبربري؛ لأنّها بكلّ بساطة كانت تعكس مدلولات حياة عامة الناس، وتتحدث بلغة واقعهم المعيش.
لذا، فطن موجهو الخطاب الثقافي النخبوي أو الديني؛ الذي استهجن هذا الفنّ ذا النكهة الشعبية، إلى ضرورة مفاوضته أو احتوائه، سيما بعد أن استمال لصفّه بعض مثقفي الطبقة العليا في خضم ثورة 1919، مما ساهم في عملية تضمين الثقافة الشعبية داخل بنية الخطاب القومي، بوصفها "ثقافة عامة الناس"، أو بتعبير هيجل "روح الشعب" المنعكسة في أغانيه وحكاياته الشعبية.

اقرأ أيضاً: لماذا شوّهت الثقافة الشعبية المصرية سُمعة القرع والكوسا؟
تمرّ مجتمعاتنا الآن بحالة مماثلة، وإن كانت أكثر تعقيداً من الوجهة التنظيرية؛ حيث تنشط الآن بعض الأشكال الشعبية من الفنون، مثل أغاني المهرجانات وغيرها، ليس بوجهها التراثي القديم، إنّما بحصيلة تفاعلها المتولّد من الهوامش الحضرية والريفية، التي أفرزتها عملية "التحديث القسري" الممتد على مدار تاريخنا الحديث، ومن ثمّ لا بدّ من تحليل علاقاتها مع القوى التي تدير رهانات وخطابات الواقع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وتنكشف سلطة المعرفة هنا؛ حين تستغل تلك الخطابات متباينة الأيديولوجية، بما تمتلكه من نصوص ومنهجيات المساحات الفارغة في الوعي الجمعي، الذي أنتج تلك الثقافة الشعبية، التي يُنظر إليها باعتبارها ثقافة ساذجة وبدائية أو بدوية، يمكن تقويمها أو استغلال جهلها، وفي ذات الوقت؛ "كتلة حرجة" لا بدّ من ضمان ولائها، بالتالي؛ تصبح موضوعاً لمشروعات "تحديث وتنوير"، أو "هداية للإيمان القويم"، بحسب المتدين الأصولي، وللسياسي تصبح صوتاً انتخابياً في العملية الانتخابية.

فطن موجهو الخطاب الثقافي النخبوي لاحتواء الفن الشعبي بعد أن استمال لصفّه بعض مثقفي الطبقة العليا في ثورة 1919

وحين ننظر الآن إلى علاقة المثقف الليبرالي الجديد، أو حتى بعض التقدميين، بالثقافة الشعبية؛ سنجدها علاقة ضبابية، جراء انفصاله عن الواقع المعيش الذي تمثله طبقة تلك الثقافة، أو لاستغراقه واستنزافه في المعرفة التنظيرية، واعتقاده بأنّ كلّ ما هو مغاير أو مخالف لمعايير تلك المعرفة، لا يرقى إلى رتبة ثقافة تستحق اعترافه، بوصفه "مثقفاً حقيقياً"، وتلك "ثقافة محلية مبتذلة وزائفة"، وفي سياق آخر؛ "ثقافة ناس بسطاء سذج" لا يبكون إلا على الخبز.
في السياق ذاته؛ يتبنّى الليبرالي مفردات الثقافة الشعبية ضمن خطاب الهوية بشكل انتقائي ملتبس، حين يُواجه بتحديات التقدم الحضاري الذي يعتنقه، فنجده يتغنى بأخلاق وشهامة "ابن البلد الأصيل"، والفلاح "ابن النيل وملح الأرض"؛ الذي يمتلك آلاف الأعوام من الحضارة القديمة، وتتحدد كثافة هذا الخطاب تبعاً للظرف التاريخي الذي يمر به المجتمع، سيما وقت الأزمات والثورات، أو في حال الاستقطاب السياسي الانتخابي.

اقرأ أيضاً: قلق الطبقات الشعبية في الغرب من التهميش وضعف الأمن الثقافي
على النقيض؛ حين ننظر إلى علاقة الأيدولوجية الدينية مع الثقافة الشعبية، سنجدها أكثر توازناً وذكاءً، سيما أنّها تشتغل على رهانات الواقع المعيش بشكل براجماتي يناسب نمط تفكير العقل الشعبي من الطبقات الدنيا، رغم خطاب التكفير الاستعلائي الذي توجهه إليه؛ لأنّه يرتكز على نصّ مقدس يشكل أساس المزاج العام.
بالتالي؛ تشتغل الأصولية الدينية على رصيد مادي من خلال العمل التطوعي عبر جمعياتها ومنظماتها الخيرية، التي تمثل روابط مدنية آمنة بديلة، لسدّ الفراغ الذي تركته الدولة والثقافة النخبوية، وكذلك رصيد معنوي يتفق مع البنية السيكولوجية للمستهدفين.
وهنا نطرح سؤالنا؛ هل منتجو الثقافة الشعبية منزوعو الإرادة، ومجرد ذوات سلبية خاضعة للأدلجة؟ حتى تُعرّف ثقافتهم بأنّها مفهوم فارغ، كما يدلّ النصّ المقتبس الذي بدأنا به، أو "ليس لها وجود إلا في ضوء النظرة المعيارية التي نلقيها عليها"، بحسب تعبير الباحثة الأنثربولوجية، مارتين سيغالين؟

اقرأ أيضاً: الخطاب الدينيّ الشعبيّ واختراق الأصوليات الإسلامية له
بالرجوع إلى السردية التاريخية التي ذكرناها في البداية، أو المشهد الحالي لبعض الأشكال التعبيرية من الفنون الغنائية أو الدرامية؛ سنجد أنّ الثقافة الشعبية بالعكس هي تمثلات ذات فاعلة واعية قادرة على المقاومة، ولتوضيح ذلك لا بدّ من الاستعانة بنظرية الهيمنة للمفكر الماركسي أنطونيو جرامشي (1891-1937)، الذي ينظر إلى الثقافة الشعبية على أنّها مجال للصراع بين مقاومة التابع، وقوى الدمج المهيمنة على المجتمع، وما ينتج عن ذلك يُطلق عليه "توازن تسوية".
لكن لا بدّ من الأخذ في الاعتبار؛ أنّ جرامشي وضع مقاربته تلك، من منظور الصراع الطبقي الغربي، في ظلّ هيمنة ثقافة الطبقة البرجوازية الصناعية، عكس عملية المقاومة والدمج في مجتمعاتنا التي تنتمي لصراع أيديولوجي فكري، من نوع التراث/ الحداثة، القومية/ الاستعمار، التقدم/ التخلف، وتقوده طبقة واحدة على حدّة تباين خطاباتها؛ لأنّنا لو نظرنا إلى كوادر القيادة في الخطاب التحديثي التنويري أو الديني سنجدهم ينتمون إلى الطبقة العليا أو الطبقة المتوسطة العليا.

اقرأ أيضاً: مفهوم الله في وعي الطفل من واقع الموروث الشعبي
وهنا، لا بدّ من محاولة فهم واستيعاب نمط تفكير الذات المنتجة للثقافة الشعبية؛ إذ هي ذات مرنة، وغالباً ما تبني اختياراتها على أساس النفعية من كلّ ما يحيط بها، ويحاورها، أو يحاول اختراق نسقها، كما يتّسم وقع لغتها المستخدمة بالحسية والخشونة، وغالباً لا تخضع مفرداتها للتشذيب؛ لأنّها متولدة من ظروف قاسية تهتم بالمعنى، وإن كان موارباً، لا الشكل؛ حيث تشبه عوالم الروائي المغربي، محمد شكري (1935- 2003)، في روايته "الخبز الحافي"؛ لذا توصم بالسوقية والعنف.
على هذا النحو؛ تتبين صلاحية مقاربة جرامشي لتفسير حالة التناقض التي تسم الثقافة الشعبية في مشهدها الحالي "المعدل بالتحديث"؛ لأنّنا حين ننظر بموضوعية كمثال تطبيقي إلى أغاني المهرجانات بشكل بنيوي، داخل سياقها الاجتماعي والاقتصادي، الذي أفرزها، سنجدها إدماجاً تجارياً، مزج كافة الخطابات التي اشتغلت على الوعي الشعبي، كل بحسب قوة وجوده وقدرته على الاختراق، وفي الوقت ذاته؛ استطاعت التعبير عن قضايا واقعها المؤرق الذي أنتجته السياسات الطبقية.

اقرأ أيضاً: الشيخ إمام يتحدى التجاهل الرسمي ويشدو بأغنيات خلدها الوجدان الشعبي
إذ نجد بعض مضامينها من نوع الوعظ الوصائي المصاغ على شكل حكاية، تشبه في مغزاها الأمثال والحكايات الشعبية القديمة، التي تحثّ على الزهد وترك الشهوات من أجل الآخرة ونيل الجزاء التعويضي؛ محتوى اختلطت فيه الدعاية الأصولية التي تجذرت على مدى العقود الماضية، وانسجمت مع الخطاب السياسي الذي يحثّ الفقراء على الصبر والخضوع، لكن في قالب غنائي موسيقي راقص، يتعارض مع تلك الأصولية، ويقترب من المزاج الشعبي المُحبّ للحياة، الباحث عن كلّ تسرية رخيصة تعين على الصعوبات الحياتية الضاغطة، وتناسب موارده.
وعلى وجه آخر؛ نجد محتوى ذا توجه اجتماعي طبقيّ، لكنّه مضمر، مرآة صادمة تعكس حال العوالم السرية، المسكوت عنها مجتمعياً بشكل أو بآخر، وكاشفة لبعض السياسات القهرية ومشاعر السخط والظلم الاجتماعي، مثل بابات " ابن دانيال"؛ التي كانت توصم أيضاً بالابتذال زمن المماليك؛ أي بمثابة شكوى معلنة على الملأ، ونوع من المقاومة الرمزية ضدّ السلطة المهيمنة.

تنشط الآن بعض الأشكال الشعبية من الفنون ليس بوجهها التراثي القديم إنّما بحصيلة تفاعلها المتولّد من الهوامش الحضرية والريفية

كما نجد أنّ تلك الأغاني؛ هي إعادة تسويق الثقافة المهمشة من أدوات الثقافة الرسمية؛ أي إعادة إنتاج مضاد للممارسات الاستهلاكية المفروضة، والمحيطة بالعقل الشعبي، ساعد على ذلك وفرة الوسائط التكنولوجية الحديثة، والمنصّات الإعلامية التجارية، وكذلك إتاحة التقنيات الموسيقية والصوتية المعالجة التي يسهل استخدامها بموارد مادية ومعرفية محدودة.
ساهم في فعالية هذا التسويق؛ المزاج الثوري في الآونة الأخيرة، الذي استمال بعض الشباب من الشرائح الاجتماعية العليا إلى تلك الأشكال التعبيرية، من الفنون والدراما، لموافقتها حالة التمرد والمقاومة المتحررة من قوالب التقاليد الاجتماعية، والممارسات السياسية، والثقافة النخبوية المضادة للمبادئ الثورية الأساسية التي بُلورت في ثلاث "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"
إلا أنّ ذلك أثار، الآن، حفيظة شرائح المهنيين من (الأطباء والمهندسين والمعلمين وخلافه)؛ المنتمين إلى الطبقة الوسطى، المهدّدة بالهبوط نتيجة سياسات إعادة الهيكلة الاقتصادية الجديدة؛ لأن صعود هوامش المجتمع، مثل هؤلاء الذين ينتجون أغاني المهرجانات ودراما "فتوة الحارات والعشوائيات"، بمثابة تهديد للمنظومة القيمية التي تحدد سلوكهم وممارساتهم الطبقية، وكذلك تضعهم في مرتبة مادية أدنى، وهم الذين أفنوا أعمارهم، واستجابوا لخطابات التنمية التي حثت على ضرورة التعليم والكفاح، والتحديث من أجل الحصول على امتيازات اجتماعية أفضل، ولسان حالهم يتساءل: كيف يأتي شخص غير متعلم، من العشوائيات أو الريف، ويتحصل على شهرة جماهيرية، وعائد مادي أكثر من طبيب أو مهندس ظلّ يكافح في مسار التعليم لمجرد أنّ الأول يغني كلمات مبتذلة بلا معنى؟

اقرأ أيضاً: المثل الشعبي إذ يكرس العنف والتطرف
في النهاية؛ سنجد أنّ الثقافة الشعبية ليست مفهوماً فارغاً، وليست مجرد سياسات مفروضة من فوق أو تلقائية من نفسها، وإنما هي "أرض تفاوض وتبادل"، بمفهوم جرامشي، تتمّ فيه إعادة إنتاج عدة متناقضات تجمع بين الأصول الجذرية وضرورات الواقع المعيش، وخطابات الهيمنة.
وفي ظلّ حالة الالتباس الذي تعيشه الآن مجتمعاتنا، وتبني سياسات الثقافة على حساب تهميش البنية الاقتصادية السياسية، فمن المنطقي أن يكون الأقدر على مزاحمة مركزية الخطاب؛ هي هوامشه الثقافية التي تتسم بالمرونة، وتتبع مبدأ النفعية للصراع على الآليات المحدودة المتاحة، وملء مساحات الفراغ من الهدم الأيدولوجي كتوظيف مضاد ومباغت؛ بل إنّ الثقافة الشعبية بوجهها الحالي، إذا دققنا النظر، هي ثقافة نابعة من عشوائيات استطاعت عمل اختراق مضاد تجاه السياسات الفوقية المتسمة بالعشوائية.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية