الثنائيات الضدّية المزيّفة في الثقافة العربية

2846
عدد القراءات

2019-09-17

يجيد المثقفون العرب لعبة التنكّر لثنائية الدولة والمجتمع - وهي الثنائية الحقيقية الوحيدة الجديرة بالبحث- عبر افتعال وابتكار العديد من الثنائيات المزيفة التي استأثرت وما زالت تستأثر بما لا يعد ولا يحصى من المؤتمرات والندوات والأبحاث والمقالات.

اقرأ أيضاً: في سبيل تجديد المعرفة والثقافة.. ما الذي يمنعنا من التأثير؟
ولعل أقدم وأبرز هذه الثنائيات ثنائية (الأصالة والمعاصرة) التي لم تفعل أكثر من أنّها رسّخت التضاد الحاد بين الماضي والحاضر، فبدا الماضي بناية مهدّمة تقوم على حافة خندق يفصل بينها وبين بناية زجاجية بلا أبواب! وكأنّ الماضي لا يتواجد في الحاضر بصيغ مختلفة، وكأنّ الحاضر لا يلوّن الماضي بصور متعدّدة، وكأنّ من بشروا بالقطيعة المعرفية مع الماضي شرطاً لإنهاض الحاضر، يتجاهلون حقيقة أن أوروبا لم تقطع مع ماضيها الإغريقي أو الروماني أو الكلاسيكي البتة؛ بل إنّها كلّما تعالت دعوات بعض مفكريها لإحداث هذه القطيعة، ازدادت حنيناً والتصاقاً ومحاورة لموروثها.

يجيد المثقفون العرب لعبة التنكّر لثنائية الدولة والمجتمع عبر افتعال وابتكار العديد من الثنائيات المزيفة

وتليها ثنائية (نحن والآخر) التي زادت الفجوة بين العرب وكل ما هو غير عربي، إلى درجة يمكننا الزعم معها بأنّ حالة من الشوفينية العربية قد تصاعدت في العقود الثلاثة الماضية، استناداً إلى أمجاد غابرة، رغم الواقع المهزوم والمنتهك داخلياً وخارجياً، سواء على الصعيد السياسي أم على الصعيد الاقتصادي أم على الصعيد الاجتماعي أم على الصعيد الثقافي.
أما ثالثة الأثافي فتتمثّل في ثنائية (العرب والغرب) التي فاقمت الإحساس الجمعي بالاستهداف وفتحت مصاريع الأبواب على وسعها، لنظريات المؤامرة التي توحي بأنّ العالم المتقدم لا همّ له سوى التفكير بأمكر الخطط، لتدمير العالم العربي الذي أثبت المرة تلو المرة أنّه أمهر المدمرين لذاته!

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
ولست بحاجة للتذكير بأنّ ثنائية (الهوية والخصوصية) قد راكمت على أرض الواقع ماهية سائلة وهلامية من جهة وفكرة مثالية متعالية من جهة أخرى، فغدت الهوية بالوناً يطير منفرداً في الهواء، بدلاً من العمل على أن تكون محصلة السلوك ونمط التفكير المأمول، حتى تظل صلبة وملموسة وقابلة للتحقق.

حالة من الشوفينية العربية تصاعدت في العقود الثلاثة الماضية استناداً إلى أمجاد غابرة رغم الواقع المهزوم والمنتهك داخلياً وخارجياً

كما لست بحاجة للتذكير بأنّ ثنائية (العولمة والخصوصية) قد كانت وما زالت مسخرة المساخر؛ لأنها أوحت بإمكانية التصدّي للعولمة عبر المحليّات والوطنيات، مع أنّ العولمة مرحلة متقدمة من الرأسمالية المتوحشة العابرة والساحقة للحدود والجنسيات والقارات، إلى درجة أنّها لا تتردّد في افتراس المراكز التي أنجبتها، ومع أنّ العولمة لا تخلو من العديد من المزايا التي أسهمت في تشبيك العالم فعلاً، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي، ومع أنّ العولمة لا تضيق بالهويات المحلية شريطة التعامل معها بوصفها فولكلوراً قابلاً للتسليع والتسويق، ومع أنّ الأجدى لنا هو التفكير الجاد بكيفية حيازة شروط الالتحاق بنادي صانعي العولمة التي تحوّلت إلى واقع يومي يغمرنا من رؤوسنا حتى أخماص أقدامنا، بدلاً من الاستغراق في أوهام مواجهة العولمة بالقصائد والأناشيد، ومع أنّ أبسط شروط مواجهة العولمة تتمثّل في سياسات حماية الهوية الوطنية والصناعات المحلية، التي لا تستأثر بأدنى حد من عناية صانعي القرار المشغولين بتسيير أعمال أقطارهم على مدار اليوم، وأحياناً على مدار الساعة.

اقرأ أيضاً: يوسف هريمة: الثقافة العربية تقوم على صناعة الأصنام الذهنية
وفي مقدورك أيها القارئ العزيز أن تحدّث دون حرج عن ثنائية (المثقف والسياسي)، وكأنّ المثقف مهما بلغ انسلاخه عن الواقع يمكن أن لا يكون مسيّساً، وكأنّ السياسي مهما بلغت معاداته للثقافة يمكن أن لا يكون مثقفًا! فهل تراني غفلت عن التنويه بثنائية أخرى؟ نعم! لقد فاتني أن أشير لثنائية (الفصيحة والعامية)، التي ما فتئ حرّاس اللغة العربية يلوكونها منذ عقود، مع أنّهم يعلمون حق العلم أنّهما تجاورتا واقترضتا من بعضهما البعض منذ صدر الإسلام حتى اليوم، ومع أنهم يعلمون أنّ الفصيحة مؤسسة دينية وسياسية راسخة غير قابلة للزعزعة، ومع أنّهم يعلمون أنّ كبار النحويين والأدباء القدماء، لم يتحرّجوا من التصنيف في العامية كما لم يتحرّجوا من التنويه بالإمكانيات البلاغية والدلالية التي تشتمل عليها العامية.

ما فتئ حرّاس اللغة يلوكون ثنائية (الفصيحة والعامية) مع أنّهم يعلمون أنّهما اقترضتا من بعضهما منذ صدر الإسلام حتى اليوم

لماذا تترسّخ وتتكاثر هذه الثنائيات الضدّية المزيّفة إذن في الثقافة العربية المعاصرة؟ لأنها – ببساطة- مريحة جداً كونها توفر إمكانيات لا متناهية لتوليد ما لا يعد أو يحصى من ضروب التقابل أو التناقض أو الصراع الصوريّة، ولأنها يمكن أن توفر فرصاً جيدة للتخلّص من الشعور العميق بالذنب جرّاء التردّد في مناقشة الثنائية الحقيقية الوحيدة التي يجدر بالمثقفين التصدي لها، ألا وهي ثنائية (الحاكم والمحكوم) بصيغها المختلفة، وعلى كافة الصعد.
وأحسب أنّ مواصلة البحث في هذه الثنائيات العقيمة، بعيداً عن امتلاك الشجاعة الكافية للخوض في شجون وشؤون قضية (العقد الاجتماعي)، لن توصل الثقافة العربية بوجه عام والفكر العربي بوجه خاص، إلا إلى الآفاق المسدودة والعبثية التي سبق للمثقفين العرب أن بلغوها، حينما سمحوا لأنفسهم بالاستغراق في قضية (السرقات الشعرية) التي استنزفت جهودهم لثلاثة قرون على الأقل دون طائل. وأحب أن أذكّر أيضاً بالسفسطائيين الذين ملأوا القسطنطينية بسجالهم البيزنطي، حتى إذا حاصر محمد الفاتح أسوار مدينتهم لشهور وراحت مدافعه تدكّها دكّاً، لم يجدوا مسألة يناقشونها سوى (كم عدد الملائكة الذين يمكن أن يقفوا على رأس دبّوس؟!)، وقد سبقهم في بغداد نفر من أشباههم فراحوا يضجّون بالتساؤل: (أرأيت إن جلست على جلد بعوضة؛ تنجس أم لا تنجس؟!).

اقرأ المزيد...
الوسوم:



بأي معنى هو تجديد الخطاب الإسلامي؟

2019-10-21

تشيع في أدبيّات الإسلاميين عموماً فكرة أنّه لا بدّ من "تحديث" الخطاب الإسلامي كي يستطيع مواكبة الأحداث ليست الراهنة فحسب، ولكن من قبل ذلك عندما بدأ هذا الخطاب يشتبك مع مشاكل نظريّة وعمليّة عالية حول السلطة والمجتمع والفرد والحقوق.

اقرأ أيضاً: الحداثة وعقلنة الخطاب الإسلامي
إنّ تصفّحاً في أدبيات الإسلاميين وفي خطاباتهم؛ مكتوبة ومشفوهة، يوحي لنا بالفكرة التالية: نحن نمتلك مضامين صحيحة -سواء أكانت قديمة تراثيّة أو حديثة أُنتجت على غرار القديمة-، وما نحتاج إليه ويعوزه خطابنا إلى الغير -سواء أكان هذا الغير السياسي ليبرالياً واشتراكياً أو إلى آخر غير دينيّ عامّة- هو "صورة" جديدة لتلك المضامين الصحيحة التي نمتلكها.

ينظر الإسلاميون للدولة على أنّها أداة مُفرغة يمكن ملأها بأيّ مكوّن أيديولوجيّ دون الاعتبار أبداً لطبيعة الدولة الحديثة وعملها

نُلاحظ دائماً هذه الثنائيّة في خطابات الإسلاميين عامّة بين الخطاب والمضمون، ليس فقط على مستوى الطرح النّظري الذي يطرحه هؤلاء الإسلاميّون، بل إنّ ذلك امتدّ إلى فهم منتجات الفكر عامّة، والفكر الغربي بشكل أخصّ. إنّ الأفكار الشائعة حول قبول المنتجات الغربيّة دون الفلسفة الكامنة وراءها، كما وجدنا مَن يقول إنّ الديمقراطيّة آليات وفلسفة، ومن ثمّ فهو يقبل بالآلية دون الفلسفة، كلّ ذلك ليس سوى امتداد للمشكل الوجودي للإسلاميين المتعلّق بهذا السّؤال: أيّ رؤيّة للعالَم تلك التي نروم بناءها لأنفسنا الحاليّة، وما موقعنا في الزمان؟

سعى الإسلاميّون على الدّوام لأن يكونوا في منطقة وسط بين التراث الذي يعتقدون أنّهم يمثّلونه من حيث جوهره الأخلاقيّ والعقديّ (الشريعة) وبين منجزات العصر الذي وجدوا فيه (الحداثة)، وبالتالي فهم يحاولون دوماً أن يقدّموا خطابات تقارب التراث (الشريعة) بمصطلحات العصر (الحداثة) دون وعيٍ بالفارق المنهجيّ بين نظامين من الخطاب -بتعبير ميشيل فوكو- مختلفين من حيث البنية والرؤية والغاية. هذه المنطقة الوسط هي ما أنتجت تلك الإشكالات النظريّة والأخلاقيّة الكبرى في الوعي الإسلامويّ فيما يتعلّق بمفاهيم حيويّة كالدولة والدين والشريعة.

اقرأ أيضاً: من يتحمل مسؤولية تجديد الخطاب الديني؟

يمكن التعريج مثلاً على مفهوم الدولة عند الإسلاميين، حيث ينظرون إلى الدّولة على أنّها أداة مُفرغة يمكن ملأها بأيّ مكوّن أيديولوجيّ، دون الاعتبار أبداً لطبيعة الدولة الحديثة واختلاف عملها عن أيّ شكلٍ من الحكم سابقٍ عليها. ومن ثمّ، فعندما يربط الإسلاميّون مشروعهم بالدولة –والإسلامويّة منذ الأساس هي حركة اجتماعيّة-سياسيّة- فإنّهم لا يعون لهيكل الدولة وطبيعته البيروقراطيّة والقطاعات داخل الدولة التي تُسيّر بمنطق مختلف.

في كتابه "الدولة المستحيلة"، كان وائل حلاق بالأساس مهجوساً بمحاولة كشف الخطاب الإسلامويّ حول الدولة وكيف أنّه خطاب غير معرفيّ في أحسن توصيفاته، وأنّ الإسلاميين لا يفهمون بنية الدولة ولا بنية العصر الذي يحيوه؛ بحيث إنّ مفهوماً كمفهوم الشريعة غدا "قانوناً"، والأمّة ستغدو كجماعة، والأخلاق ستتحوّل إلى ترسانة عِقابيّة.

يقول حلّاق بشكل واضح وذكيّ موضحاً هذا التشوش: "تفترضُ الخطابات الإسلاميّة الحديثة أنّ الدولة الحديثة أداة حكمٍ محايدة، يمكن استخدامها في تنفيذ وظائف معيّنة طبقاً لخيارات قادتها وقراراتهم. كما تفترض أنّ بمقدور القادة أن يحوّلوا آلة حكم الدّولة، حين لا تُستخدَم للقمع، إلى ممثّل لإرادة الشعب، محدّدين بذلك ما ستكون عليه الدّولة […] هكذا، تنظرُ الخطابات الإسلاميّة إلى الدولة الحديثة كما نظر أرسطو والأرسطيّون إلى المنطق، أي كتقنية محايدة أو كأداة توجّه التفكير السليم في ما يخصّ أي موضوع أو مشكلةٍ في العالم". (حلّاق، الدولة المستحيلة، 275-276).

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟

لا أريد الإطالة بالأمثلة، التي هي ناتجة بالأساس عن "توفيقيّة ملتبسة" في الخطاب الإسلامويّ بخصوص تحديث خطابه. غير أنّ التشوّش ليس فقط المفهومي، بل التشوش الرؤيوي لدى الإسلاميين غير متعلّق باللغة من حيث هي أدوات توصيل، بل متعلّق باللغة من حيث هي إمكان وجودي للتعبير عن الذات في الزمان؛ فالفكر نفسه ليس سوى لُغة مقلوبة، وكلّ فهم يُطرح للذات أو للغير ما هو إلّا فلسفة كامنة للغة نكتنفها لأنفسنا. لا يمكن أن تبقى اللغة منضبطة خطابياً، وهي معوجّة وجودياً.

المشكل، أنّ ثمّة أسطورة في مخيال الإسلاميين عموماً أنّه يمكن تحديث الخطاب حول قضايانا القديمة، وأنّ الخطاب منفصل عن القضيّة التي يتضمّنها الخطاب؛ ممّا يوحي أنّ الإشكال العربي-الإسلامي داخلياً وخارجياً هشّ ويحتاج إلى إصلاحات لغويّة ظاهريّة يمكن ترميمها من خلال "حاذق"، ليس إلّا، وأنّ المسألة ليست أنّ هناك زماناً نظريّاً مختلفاً يفرض لغته بحدودها وبمفاهيمها. أيّة علاقة تلك التي يتصورها الإسلاميون حول اللغة؟ أو هل التحديث ظاهريّ إلى هذا الحدّ؟

ينبغي التأكيد أنّ اللغة ليست وسيلة تواصل كما هو شائع، إنّما هي أداة خلْق لمواضيع لم تكن متاحة للغة أخرى تناقش مواضيعَ أخرى.

اقرأ أيضاً: جناية "أل" في الخطاب الديني

بمعنى؛ اللغة ليست فقط "أداة" جافّة لبناء تواصل بين الذوات، بل اللغة نفسها تتدخّل في المضمون. لا ينبني المضمون إلّا عن طريق اللغة، لا بدّ له من المرور باللغة كي يُنجز هذا المضمون، ومن ثمّة إن هناك إشكالية أخرى في مخيال الإسلاميين يمكن تسميتها "توصيل المنفصل"، وتتمثّل في الآتي: إنّ الإسلاميين لا يفرّقون بين "توصيل" المضامين بشتّى وسائل خطابيّة، بحيث تأخذ كلّ وسيلة شكلاً ملائماً وتداولياً لكلّ مقام، وبين "إنشاء الخطاب" والذي لا تنفصل فيه اللغة عن المضمون. لا بدّ من هذا التفريق كي نكتشف هذا العطب.

إنّ اللغة ليست تحديثاً يُدخل على خطابٍ ما، ليغدو هذا الخطاب جديداً -جدّة زمانيّة ونظريّة- وراهناً ومؤمناً بالآن وهنا، وإنّما التحديث هو أن نغيّر من نمط "مَقُولنا" عن أنفسنا من خلال لُغة جديدة وجودياً تؤمن بالزمان، وبكوننا في علاقة "مختلفة" –وليست نقيضة- مع العالم. وهذا التصوّر، الذي أقلّ ما يُوصف بأنّه غير معرفيّ، لا يمكن أن يعي بأنّ التحديث يكون موضوعاتياً وليس لغوياً، إذا فهمنا اللغة بالمعنى الشائع والعمومي.

تحديث الخطاب هو الذي أنتج كلّ هذا التشوّش المفهومي لدى الإسلاميين فصارت الشورى هي الديمقراطيّة والخلافة هي السيادة

إنّ تحديث الخطاب هو الذي أنتج كلّ هذا التشوّش المفهومي الذي ملأ به الإسلاميّون الأماكن والأوراق والأمكنة. تحديث الخطاب هو مَن جعل الشورى هي الديمقراطيّة، والخلافة هي السيادة، والأمّة هي الأمّة المواطِنة الحديثة. تحديث الخطاب هو مَن جعل السياسة هدفاً، وليس مجالاً مفتوحاً لإنشاء سياسات صداقة ملائمة كي نعيش معاً كاحتمال جذري لأنفسنا المتشظيّة من الدولة الأم ومن التاريخ الطويل الذي لم يبتكر مفهوم الفرد الحديث.

ثمّة تفكير رغائبي توسيليّ عند الإسلاميين، وثمّة إرادة لتوسيل العالم واللغة والناس والسياسة لأهداف نظريّة لم يُحسم أمرها بعدُ نظرياً. ليس عيباً أن نفكّر بشكل رغائبيّ، فإنّي أرى أن كلّ تفكير هو تفكيرٌ رغائبي، وكلّ تأويل هو تأويل رغائبيّ، بشكل ما. لكن علينا أن نسأل: أيّة رغائبيّة تلك التي ينبغي أن نعمل عليها؟ رغائبيّة المبنى أم رغائبيّة المعنى؟ رغائبيّة تريد تملّك الموجود لتوسيله وجعله تقنية مستباحة، أم رغائبيّة لإنتاج أفقٍ للتداول معاً؟

ولا يخفى أن تحديث الخطاب الذي قاموا به لم يقف عند مجرّد التحديث الظاهري والشكلي. فالشكلي ليس شكلياً أبداً، وهذا التحديث لخطابهم جعلهم يفتحون نقاشات حول موضوعات لم تكن تخطر لهم. فمن يتابع شأن الإسلاميين يُلاحظ أنّهم لم يقدروا على السيطرة الخطابيّة لخطابهم بالقدر الذي يرومون، بل وجدوا أنفسهم منغمسين في أطروحات نظريّة جديدة طارئة ومهمّة لا بدّ من معالجتها. إن التلفيق اللغوي يجرّ إلى تلفيق معرفي ولا بدّ، وإنّ كلّ طرح يقوم على معالجة الراهن من خلال فصله عن راهنيته ووضعه في غير راهنه، يجرّ إلى كلّ هذا التشوّش الذي يعاني منه الإسلاميّون.

للمشاركة:

ما الذي يخبئه الاتفاق التركي- الأمريكي على وقف "نبع السلام"؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-10-21

لم يكن الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه بين نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بعد اجتماعات استمرت في أنقرة أكثر من خمس ساعات، وعلى جولَتين، مفاجئاً، بما في ذلك تفاصيل النقاط الثلاث عشرة، ارتباطاً بكون العملية العسكرية التركية "نبع السلام" جاءت في إطار صفقة بين الرؤساء الثلاثة: ترامب وبوتين وأردوغان، وحققت تلك العملية، بنسب متفاوتة، أهداف الرؤساء الثلاثة منها.

حقّق أردوغان أهدافه من العملية العسكرية والمتمثلة بإقامة المنطقة الآمنة في شمال شرق سوريا وبعمق 32 كيلومتراً

فبالنسبة إلى أنقرة؛ حقّق أردوغان أهدافه من العملية العسكرية، والمتمثلة بإقامة المنطقة الآمنة في شمال شرق سوريا، وبعمق 32 كيلومتراً، والمفترض أن تباشر أنقرة إقامة البنى التحتية لإنشاء تجمعات سكانية تستوعب أكثر من مليوني لاجئ سوري، ستتمّ إعادتهم من تركيا، وإسكانهم فيها، وبما يعنيه ذلك من تحقيق الهدف غير المعلن؛ بالفصل بين أكراد سوريا وأكراد تركيا، وهو ما يشار إليه بالتغيير الديموغرافي، بوصفه أحد الأهداف التركية من العملية، كما أنّ البند المتعلق بتسليم الأسلحة الثقيلة من الفصائل الكردية "العمال و الشعب" للقوات الأمريكية، بعد إبعادها عن الحدود التركية، يشكّل استجابة لأحد أبرز الأهداف التركية، فيما ترسل موافقة أردوغان على وقف العملية، لمدة محدودة، استجابته للضغوط والانتقادات الدولية للهجوم والتهديدات بعقوبات اقتصادية؛ أمريكية وأوروبية، ضدّ تركيا، إضافة إلى فتح ملفات مرتبطة بارتكاب الجيش التركي والميليشيات السورية الموالية له، جرائم حرب، وهو ما أكّدته منظمة العفو الدولية.
أما بالنسبة إلى روسيا، التي لا تثق كثيراً بأردوغان، لكنّها تسجّل نجاحات في استثمار خلافات أردوغان مع أوروبا وأمريكا لصالحها؛ فقد طلبت من أنقرة معلومات حول الاتفاق الذي تمّ مع أمريكا، قبيل القمة المرتقبة بين الرئيسَيْن؛ أردوغان وبوتين؛ فالمرجَّح أنَّها المستفيد الأكبر من العملية التركية، في ظلّ هدفها المعلن ببسط سيادة الدولة السورية على كافة أراضيها، وهو ما تحقق مع الساعات الأولى للهجوم التركي، باندفاع الأكراد للتفاوض مع الحكومة السورية، ودعوة الجيش السوري لملء الفراغ وتسليمه بعض المدن والمناطق التي يسيطر عليها الأكراد، وهو ما لم يعترض عليه أردوغان.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تجميد عضوية تركيا بـ"الناتو"؟
الموقف الأمريكي، والذي يثير تساؤلات حول أسباب تناقضه؛ فمن غير الممكن فهم هذا الموقف بعيداً عن الصراعات القائمة بين ترامب من جهة والكونغرس الأمريكي، ويبدو أنّ مرجعيات الموقف الأمريكي مرتبطة بعاملين: الأول؛ الصفقة التي تمّت بين ترامب وكلّ من أردوغان وبوتين، بخصوص الهجوم على الأكراد، نفذها ترامب على طريقة الرئيسَين؛ التركي والروسي، دون الرجوع للمجالس النيابية في روسيا وتركيا، وهو ما يعكس فروقاً جوهرية في كيفية صناعة القرار الأمريكي، مقارنة مع تركيا وروسيا.

اقرأ أيضاً: بعد العدوان التركي: سوريا تربح من الباب الخلفي.. كيف؟
والثاني؛ ملف تركيا في مجلسَي النواب والشيوخ الأمريكيَّين يختلف عن ملفات أخرى شرق أوسطية؛ كالملف السعودي والإيراني، وحتى الملفات المرتبطة بإسرائيل؛ ففي ملفات هذه الدول هناك خلافات بين الديمقراطيين والجمهوريين، بينما تكاد تنعدم هذه الخلافات تجاه الملف التركي، منذ وصول أردوغان للسلطة، وهو ما يفسّر هذا التوافق في الموقف بين الديمقراطيين والجمهوريين تجاه تركيا؛ فالديمقراطيون يرون أنّ الرهانات على إسلام سياسي معتدل، يمكن أن يشكّل نموذجاً بقيادة أردوغان، قد فشل في ظلّ علاقات أنقرة المتشنجة بأوروبا، والعثمانية الجديدة، وملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما يرى الجمهوريون في تركيا، بقيادة أردوغان، نموذجاً للدولة "المتمردة" من بين دول حلف الناتو، وأنّها ذهبت بعيداً في علاقاتها مع روسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي.

تغريدات ترامب لم تكن تخاطب أردوغان بقدر ما كانت موجهة للديمقراطيين والجمهوريين الغاضبين من التعاطي الأمريكي مع الهجوم

ولعلّ تلك الأسباب تفسّر التناقضات في تغريدات ترامب، تجاه تركيا، منذ بدء الهجوم على سوريا، والتي جاءت في إطار مقاربات "العصا والجزرة"، ولم تكن تخاطب أردوغان، بقدر ما كان ترامب يخاطب فيها الديمقراطيين والجمهوريين الغاضبين من التعاطي الأمريكي مع الهجوم التركي، ومواجهة الاتهامات بانقلاب أمريكا على قيمها وحلفائها "الأكراد".
في التفاصيل؛ هناك كثير من التساؤلات التي تطرح حول آفاق الهدنة وإمكانيات الوقف النهائي لإطلاق النار بين تركيا والأكراد، إلا أنّ المرجَّح أن يتم قريباً إعلان وقف إطلاق النار، وفق مرجعية أنّ كافة الأطراف خرجت منتصرة من هذه العملية، كما يرجّح أن تسيطر على المشهد السوري قريباً ترجمات ما التزمت الأطراف الأخرى من الصفقة، وتحديداً المساهمة التركية في القضاء على الفصائل الإرهابية في إدلب، وكشف الغطاء التركي عنها، وتحديداً "جبهة النصرة" و"القاعدة" و"حراس الدين"، والتي يرجح أن تكون أحد أبرز موضوعات البحث في القمة التي ستعقد بين بوتين وأردوغان هذا الأسبوع، ولاحقاً الإجراءات الروسية ضدّ الوجود الإيراني في سوريا، وتدرك إيران أنّها الطرف الأكثر خسارة من اتفاقات أردوغان مع ترامب وبوتين.

للمشاركة:

كيف أضحت الحقوق المدنية تحت وصاية التأويلات الفقهية؟

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
2019-10-21

كان عام 2000 هو عام الانتصارات التشريعية، نسبياً، للنساء في مصر، خاصة فيما يخص تعديلات جزئية طرأت على قانون الأحوال الشخصية، الذي لم يتغير كثيراً منذ عام 1929، وجاءت التعديلات موجهة لقضيتين أساسيتين:
أولهما: قرار المحكمة الدستورية منح الزوجة حقّ السفر دون إذن كتابي من الزوج، وإلغاء مقدرة الزوج على منع زوجته من السفر بمجرد إبلاغ مصلحة الوثائق والسفر التابعة لوزارة الداخلية (أي الشرطة في مصر). 
لكن، للأمانة البحثية، فإنّ قرار المحكمة لم يلغِ حقّ الزوج في اللجوء إلى القضاء لرفع قضية احتباس شرعي للزوجة، بحسب الشريعة الإسلامية؛ أي إنّ حقّ الزوج في منع زوجته من السفر ما يزال قائماً، لكن تستلزمه إجراءات تقاضٍ مطولة، مما خفف التعنّت ضدّ الزوجات لكن لم يلغه.

اقرأ أيضاً: الطلاق في تركيا: أزمة يستغلها حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي لفرض مشروعه

وثانيهما: تشريع آخر يخفف وطأة التقاضي في قضايا الطلاق، فتم منح الزوجات حقّ اللجوء إلى الخلع الشرعي، بحسب بعض التأويلات الفقهية، وليس انطلاقاً من الحق المدني، وهو القانون الذي يُطالب بعض النواب في البرلمان المصري بتعديله في الوقت الراهن.
الكتلة الحرجة والتأثير في إقرار الحقوق
كانت هذه الانتصارات، الجزئية، نتيجة إرادة سياسية تسعى لتخفيف الانتقادات الدولية في سجل الحقوق النسوية من جهة، أو ربما حتى رغبة في إجراء تعديلات على قوانين مجحفة، ونتيجة حراك المجتمع المدني من جهة أخرى، وهو الحراك الذي يمثل الكتلة الحرجة critical) minority ) التي أثرت في صنع القرار، وقد تأتي بنتائج تنتصر للحقوق المدنية بخلاف الاستفتاءات الجماهيرية في بلدان ما تزال، تُصارع ثقافة التمييز ضدّ النساء.
فالاستفتاءات الجماهيرية قد تنتهي بنزع الحقوق الأساسية، وهذه إشكالية الديمقراطية في كثير من البلدان العربية؛ حيث تتحول الاستفتاءات إلى حقّ الغلبة والاستقواء ضدّ الآخر، فتفقد الديمقراطية ركناً أساسياً، وهو مناهضة التمييز؛ فالديمقراطية لا تشرعن التمييز وفق النوع؛ لأنّ المساواة ليست مجالاً للاستفتاء.

الأصل بالتشريع المدني إقرار المساواة، لكنّ المساواة غائبة في حقّ الطلاق؛ فالزوجة لا تتساوى مع الزوج في هذا الحق

والانتصار التشريعي هنا ليس انتصاراً للنساء ضدّ الرجال، بل انتصار لحقوق المساواة والمواطنة، على اعتبار أنّ القانون (في فلسفته) يُفترض أن يساوي بين مواطنيه، ذكوراً وإناثاً،   
فالاعتقاد الشائع هو أنّ حقوق النساء تنتقص من حقوق الرجال، رغم أنّ تلك الحقوق لم تنزع حقوق الرجال بقدر ما مكّنت المرأة من مقدراتها، وهذه المقدمة السابقة ضرورية كمدخل لمناقشة أزمة إقرار الحقوق "المدنية" وثغراتها المتعددة.
كيف تحول حقّ الطلاق المدني إلى مطالبات بالعتق؟
الأصل في التشريع المدني هو إقرار المساواة، لكنّ المساواة غائبة في حقّ الطلاق؛ فالزوجة لا تتساوى مع الزوج في حقّ الطلاق؛ بسبب مفهوم القوامة الذي يحكم قانون الأحوال الشخصية المصري.
فيحقّ للزوج أن يُطلق زوجته لدى مأذون شرعي في لمح البصر، ودون إبداء أسباب، بينما تظلّ الزوجة عالقة في المحاكم لأعوام حال رغبتها في الطلاق.
أقرّت الدولة المصرية، عام 1979، تشريعاً محورياً لتخفيف أزمة التقاضي وهو قانون الطلاق للضرر، ومن بعده قانون الخلع، بحسب الشريعة الإسلامية، عام 2000.

الخلع الذي يحتفى به مجتمعياً يعدّ ثغرة تفلت فيها الزوجة من زيجة لم تعد قادرة على الاستمرار فيها لتفقد حقوقها

الطلاق للضرر: دعوى قضائية تقيمها الزوجة تطالب فيها برغبتها في الطلاق لتضررها من سوء معاملة الزوج، أو لإهماله المعنوي أو المادي أو الجسدي، ويقع على الزوجة عبء الإثبات، وفي حالة الحصول على الطلاق من القاضي تحصل الزوجة على ما يسمّى قانوناً "حقوقها الشرعية".
عدّ القانون رقم (44) للأحوال الشخصية، الصادر عام 1979، الجمع بين الزوجات ضرراً للزوجة الأولى، وأعطاها حقّ طلب التفريق لما تعرضت له من إيذاء، واعترض حينها، النائب صلاح أبو اسماعيل، على القانون قائلاً: "كذب الزوج على زوجته ليرضيها لا يُعدّ كذباً، وكذب الرجل في الحرب خدعة" (كتاب خلف الحجاب، سناء المصري، ص 362 وص363). 
في 4 أيار (مايو) 1985، صدر حكم المحكمة الدستورية في مصر بعدم دستورية قانون 1979، وصدر القانون رقم 100 لعام 1985، ليحلّ محله، فأجاز للزوجة أن تطلب الطلاق من زوجها الذي تزوج بأخرى، خلال عام من تاريخ علمها بالزواج، إذا لحقها ضرر معنوي أو مادي، وبحسب هذا القانون؛ فإنّ التعدّد لا يعدّ سبباً مباشراً للتطليق، إنّما على الزوجة أن تثبت أنّ زواج زوجها بأخرى وقع عليها بالضرر.
الخلع: هل هو مساومة قانونية للزوجات؟
إقرار الخلع الشرعي أعطى للمرأة حقّ رفع دعوى للانفصال، كونها تخشى ألا تستطيع أن تقيم حدود الله، وليس عليها إثبات وقوع ضرر من الزوج، مما يسهل إجراءات وزمن التقاضي لكن، في المقابل؛ تتنازل عن أية حقوق مادية، بل تردّ مقدم الصداق، حتى إن كانت زوجة مشاركة أو متحملة لنفقات المعيشة مناصفة مع الزوج، بحسب العديد من الحالات الموثقة.
لكنّ بعض النساء اعتبرن القانون بمثابة العتق، ولطالما كان عائق الطلاق هو رغبة الزوج في أن تتخلى الزوجة عما يسمى حقوقاً شرعية.

اقرأ أيضاً: %40 نسبة الطلاق في مصر: الأسرة في خطر
والخلع الذي تمّ الاحتفاء به مجتمعياً يعدّ ثغرة تفلت فيها الزوجة من زيجة لم تعد قادرة على الاستمرار فيها، ثغرة تفقدها جميع حقوقها وتعرضها للمساومة، وعليها انتظار بتّ القاضي، والذي يصدر حكمه في غضون عام أو أقل، وبحسب تقارير حديثة تستغرق بعض قضايا الخلع أكثر من ذلك نسبياً، كما أوردت مجلة "نصف الدنيا"، وهي مجلة نسوية تصدر عن مؤسسة "الأهرام" الرسمية، في عددها الصادر ليوم 25 نيسان (أبريل) 2016.
الخلع لا يعني أنّ المرأة نالت حقوقها المدنية في الطلاق بالضرورة، بل يعني أنّ القانون جاء تسهيلاً على محاكم الأسرة التي تعجّ بإجراءات التقاضي، قبل أن يكون تسهيلاً على المرأة ذاتها، وبكل تأكيد كان موقف الزوجات قبل الخلع كارثياً، هكذا أصبحت هذه الثغرة الشرعية متنفساً وانتصاراً نسبياً لنساء عديدات.
حقّ المساواة في الطلاق
رغم أنّ الخلع مكسباً جزئياً، ولا ينطبق عليه قواعد المساواة في حقّ الطلاق بين الذكور والإناث، إلا أنّ مجلس النواب المصري تقدّم من خلال أحد الأعضاء، في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، بمشروع تعديل على قانون الخلع ليجعله سارياً فقط في حالة إثبات الضعف الجنسي للأزواج، مما قد يعدّ موقفاً مهيناً للزوج والزوجة، على حدّ سواء.
وهذا يلفت الانتباه إلى أمرين:
أولهما:
أنّ العضو محسوب على لجنة حقوق الإنسان في المجلس، وهذا يستدعينا للتساؤل عن الفكر الملتبس لحقوق الإنسان في أعلى المناصب التشريعية؛ فالإنسان هو المواطن والمواطنة وليس الذكر فقط.
ثانيهما: هو أنّ تعديل قانون الخلع أثارته جماعة الإخوان المسلمين، عام 2012، بعد تشكيلها الأغلبية البرلمانية، مما يعني أنّ قضية حقوق النساء لا يتم حسمها بمجرد خروج الإخوان من سدة الحكم الرسمي؛ فالدولة المدنية، وما تقرّه من حقوق أكثر شمولاً من عزل الإخوان. 
لكنّ حقيقة الأمر؛ أنّ ما يثير القلم البحثي هنا ليس مشروع القانون الذي تسبّب في جدل كبير، وإنّما ما يثير الباحث في مجال الحقوق بشكل عام، وحقوق المرأة بشكل خاص، هو الرأي التشريعي الرسمي في مسألة المساواة في حقّ الطلاق.

اقرأ أيضاً: إكراهات الزواج والطلاق لدى الأقباط المصريين
وهنا نشير إلى حدثَين مهمَّين: أولهما؛ كان عام 1975، حين اقترحت وزيرة الشؤون الاجتماعية المصرية، السيدة عائشة راتب، المساواة في حقّ الطلاق بين الزوجات والأزواج، وعليه؛ يطلق الزوج زوجته أمام القاضي، وليس لدى المأذون الشرعي، وذلك للحدّ من سهولة تطليق الزوج لزوجته (راجع حوار جريدة "المصري اليوم"، مع عائشة راتب، 4 أيلول (سبتمبر) 2008)؛ هو ما رفضته القيادة السياسية في عهد الرئيس السادات، وتبعته مظاهرات في جامعة الأزهر.

يحقّ للزوج أن يُطلق زوجته لدى مأذون شرعي بلمح البصر ودون إبداء أسباب بينما تظلّ الزوجة عالقة بالمحاكم حال رغبتها بالطلاق

أما الحدث الثاني، جاء عام 2017، حين تقدم النائب المصري عبد المنعم العليمي، بمشروع يحقّ فيه للمرأة أن تُطلّق نفسها لدى المأذون أسوة بالزوج، والمشروع اسمه "قانون المأذونين"، وجاء في تصريحات العليمي أنّ المشروع الذي صاغه لا يخالف الشريعة.
ومن جانبه، علّق النائب الدكتور، أسامة العبد، رئيس لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب الحالي والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، الذي تمّ تعيينه إبان الثورة، عام 2011، على مشروع القانون قائلاً: "الأصل في القرآن أنّ الطلاق بيد الزوج وليس بيد الزوجة، وإذا كان الطلاق بيد الزوجة يكون هذا تنازلاً من الزوج لزوجته"، ثمّ أضاف: "لا يحقّ للمرأة الطلاق في المسيحية كذلك".
لكنّ ما يثير الانتباه؛ أنّ إشكالية الطلاق في الكنيسة لا تخص الزوجة وحدها، بل الزوج كذلك، وتتم المحايلة على القانون (بتغيير الملة) للحصول على الطلاق.
وهكذا؛ فإنّ محاولة درء الأنظار عن الإشكاليات في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، تذرعاً بتلك الموجودة في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، يفتح مجالاً للحديث المجتمعي عن ضرورة إقرار قانون أحوال شخصية مدني، يستند إلى حقّ المواطنة. 

اقرأ أيضاً: الهند: السجن 3 سنوات لرجال الطلاق "بالثلاثة"
تتوافق رؤية المجلس التشريعي، كذلك، مع رؤية الشيوخ الرسميين، ومن بينهم الشيخ أحمد كريمة، أستاذ الشريعة، الذي يقول: إنّ "الشرع جعل الطلاق للزوج؛ إما بالأصالة، أي يوقعه بنفسه، وإما بالوكالة، وكذلك جعل حقّ الطلاق في يد القاضي، ويُسمى تطليقاً في أحوال محددة؛ وما عدا ذلك فهو غير شرعي"، ثم استطرد الشيخ قائلاً: "للإسلام ربّ يحميه". 
وهنا نتوقف كثيراً أمام خطاب جعل من مجرد الحديث عن حقوق المرأة اعتداء على العقيدة بحسب العديد من الفقهاء، فأصبحت الزوجة التي تطالب بحقّ مدني، أو تئن من ظروف عسيرة، بمثابة المعتدية على العقيدة الدينية، وهذه مفردات قد تزيد الأزمات لا تحلها.
الالتباس بين الحقوق المدنية والتأويلات الفقهية 
في هذا الصدد؛ استندت بعض الآراء الفقهية إلى حقّ الزوجة في العصمة، إن أرادت ذلك، وتمّ الترويج لهذا الحقّ الشرعي كونه يمنح الحقوق الشافية الوافية للزوجة، التي تستطيع من خلالها تطليق نفسها.
لكن تعد العصمة في يد الزوجة من الحالات النادرة جداً، فالقليل من الأزواج يرتضون ذلك، والترويج لحالة ليست شائعة إلا في ظروف بعينها على أساس أنّها السبيل الشرعي الوحيد لتطليق الزوجة، ينأى عن مناقشة القضية في إطارها؛ المدني والمجتمعي.  
فمن المفترض أنّ العقد المدني يقرّ المساواة، ولا يمنح طرفاً الغلبة على الآخر، كما أنّ وقوع العصمة في يد الزوجة لا يمنع الزوج من الزواج بأخرى، لذا فهو ليس رهين العلاقة الزوجية كما هو الحال بالنسبة إلى الزوجة التي لا تملك العصمة في يدها، وهنا أصبح الحديث عن المساواة واهياً.

للمشاركة:



الأردن يحبط مخططاً إرهابياً لداعش.. هذه أهدافه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

أحبطت السلطات الأمنية الأردنية مخططاً لتنظيم داعش الإرهابي، كان يقضي بتنفيذ عمليات إرهابية.

وقالت صحيفة "الرأي" الأردنية، في عددها الصادر اليوم؛ إنّ "المخابرات الأردنية كشفت مخططات لخلية مؤيدة لتنظيم داعش، مكونة من 5 أشخاص، كانت تنوي تنفيذ عمليات في الأردن، وألقت القبض على أفرادها، في تموز (يوليو) الماضي".

وكشفت الصحيفة الأهداف التي كانت الخلية تعتزم استهدافها، على غرار الحراسات الأمنية أمام منزل أحد رؤساء الوزراء السابقين، والاستيلاء على أسلحتهم، وذلك كما ورد في لائحة الاتهام بمحكمة أمن الدولة.

المخابرات الأردنية كشفت أنّ الخلية المكونة من 5 أشخاص كانت تعتزم استهداف رجال أمن

كما تشمل قائمة الأهداف: دوريات الأمن العام الموجودة بشكل ثابت على طريق (السلط - السرو)، إضافة إلى "خطف أحد رجال المخابرات وقتله بمنطقة مهجورة وحرق جثته".

وأشارت إلى أنّ الشرطة ألقت القبض على أفراد الخلية، في الأول من تموز (يوليو) الماضي.

وبدأت محكمة أمن الدولة، أمس، بمحاكمة أفراد الخلية؛ حيث عقدت جلسة افتتاحية، ونفى المتهمون ما أسندت إليهم نيابة أمن الدولة من تُهم، وأجابوا بأنّهم "غير مذنبين".

جدير بالذكر؛ أنّ تقديرات رسمية أردنية أطلقت تحذيراً من التنظيم الإرهابي، مؤكدة أنّه ما يزال يشكل خطراً أمنياً ووجودياً على المملكة، وتحديداً من خلال العمليات الحدودية، أو عمليات داخلية عن طريق الخلايا النائمة و"الذئاب المنفردة".

 

للمشاركة:

الهلال الأحمر الإماراتي يحقّق طفرة.. تعرّف إليها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

بلغت قيمة البرامج الإنسانية، والعمليات الإغاثية، والمشاريع التنموية، وكفالات الأيتام، التي نفذتها هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، خارج الدولة، في الفترة من مطلع العام الجاري وحتى أيلول (سبتمبر) الماضي، 338 مليوناً و335 ألفاً و442 درهماً، استفاد منها 8 ملايين و500 ألف و634 شخصاً في عشرات الدول حول العالم.

338 مليون درهم برامج ومساعدات الهلال الأحمر خارج الدولة خلال 9 أشهر

وأكّد الدكتور محمد عتيق الفلاحي، الأمين العام لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي؛ أنّ الهيئة حققت طفرة كبيرة في مجال المساعدات والبرامج والمشاريع الخارجية، بفضل توجيهات ومتابعة الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة الظفرة رئيس هيئة الهلال الأحمر، وفق ما نقلت "وام".

وقال: إنّ الهيئة انتقلت بنشاطها إلى مراحل متقدمة من التمكين الاجتماعي والعمل التنموي الشامل في الساحات المضطربة، وأصبحت أكثر كفاءة وحيوية في محيطها الإنساني، مشدداً على أنّ مبادرات القيادة الرشيدة عبر الهلال الأحمر ساهمت بقوة في تعزيز قدرات الهيئة الإغاثية واللوجستية وتحركاتها الميدانية، ومكّنتها من التصدي للكثير من التحديات الإنسانية التي تواجه ضحايا النزاعات والكوارث، خاصة النازحين واللاجئين والمشردين.

وأضاف الفلاحي، في تصريح بمناسبة صدور التقرير الدوري للهيئة، والذي تناول البرامج والمشاريع التي تمّ تنفيذها خارج الدولة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري؛ أنّ هناك العديد من العوامل تضافرت وجعلت من الهلال الأحمر الإماراتي، عنصراً أساسياً في محيطه الإنساني، وداعماً قوياً للجهود المبذولة لتخفيف وطأة المعاناة الإنسانية، من أهمها؛ أنّ الهيئة تتواجد في دولة سباقة لفعل الخيرات ومساعدة الأشقاء والأصدقاء، ما جعلها أكثر الدول سخاء في منح المساعدات، وتلبية النداءات الإنسانية الإقليمية والدولية، وذلك بفضل الرؤية الثاقبة لقيادتها الرشيدة التي حرصت على تسخير الإمكانيات لتعزيز جهود التنمية الإنسانية والبشرية في المناطق الهشّة والمهمّشة، بكلّ تجرّد وحيادية، ودون أيّة اعتبارات غير إنسانية، ما عزّز مصداقيتها وشفافيتها لدى الآخرين، إلى جانب دعم ومساندة المانحين والمتبرعين لبرامج ومشاريع الهيئة التنموية والإنسانية".

كما أكّد أمين عام الهلال الأحمر؛ أنّ جهود الهيئة وأنشطتها وتحركاتها، شهدت نقلة نوعية، تمثلت في تنفيذ المشاريع التي تلبي احتياجات المناطق الأقل حظاً من مشاريع التنمية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والمياه والإسكان والبنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية، إلى جانب تعزيز قدرة الضحايا على تجاوز ظروفهم الاقتصادية، واستعادة نشاطهم وحيويتهم من خلال تمليكهم وسائل إنتاج تعينهم على تسيير أمورهم، بدلاً من الاعتماد على المساعدات العاجلة والطارئة، مشيراً إلى أنّ دور الهلال الأحمر يتعاظم سنة بعد أخرى، في التصدي للمخاطر التي تنجم عن الأحداث والأزمات، وتخفيف حدّتها على البشرية.

وأوضح التقرير؛ أنّ إغاثات اليمن واللاجئين السوريين والمتأثرين من الأحداث في ميانمار، والكوارث الطبيعية في جنوب السودان وموريتانيا وملاوي، وموزمبيق، وزيمبابوي، وإيران، وباكستان، وتنزانيا احتلّت مراكز متقدمة في قيمة وحجم الإغاثات المنفذة لصالح المتضررين في تلك الدول، كما قدمت الهيئة إغاثات أخرى لعدد من الدول، مساهمة منها في تخفيف الأضرار التي لحقت بعضها، بسبب الكوارث المتمثلة في الفيضانات والأمطار والزلازل والجفاف والتصحر، إلى جانب دعم القضايا الإنسانية للفئات الأشد ضعفاً أيضاً.

استفاد من المساعدات 8 ملايين و500 ألف و634 شخصاً في عشرات الدول

إلى ذلك تناول تقرير الهلال الأحمر خارج الدولة، المشاريع الإنشائية والتنموية، ومشاريع إعادة الإعمار، وتأهيل البنية التحتية في الدول المنكوبة، والمتأثرة بفعل الكوارث والأزمات، والتي نفذتها الهيئة حرصاً منها على إزالة آثار الدمار الذي خلفته تلك الكوارث والأضرار التي لحقت بالمستفيدين من خدمات تلك المشاريع الحيوية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والمياه والإسكان، والمرافق العامة المرتبطة مباشرة بقطاعات واسعة من الجمهور، وعادة ما تبدأ الهيئة في تنفيذ مشاريعها التنموية في الدول المنكوبة عقب عمليات الإغاثة العاجلة والطارئة للضحايا والمتأثرين.

وتأتي هذه المشاريع كخطوة لاحقة لبرامج الإغاثات الإنسانية للمساهمة في إعادة الحياة إلى طبيعتها في الأقاليم المتضررة، وتوفير الظروف الملائمة لاستقرار المتأثرين والمشردين بفعل تلك الكوارث والأزمات.

وأشار التقرير إلى أنّه استفاد من المشروعات في المجالات التنموية المختلفة، 3 ملايين و500 ألف شخص في 33 دولة شملت اليمن، وأثيوبيا، وألبانيا، والبوسنة والهرسك، والصومال، والسودان، والنيجر، والهند، وإندونيسيا، وأوغندا، وباكستان، وبنين، وتشاد، وتوجو، وسيراليون، وغانا، وقرغيزيا، وكازاخستان، وكينيا، ومالي، وموريتانيا، وفيجي، ولبنان، والمغرب، ومصر، وتنزانيا، وأوكرانيا، وجزر القمر، والفلبين، وكوسوفو، وأفغانستان، وفلسطين، وطاجيكستان.

تجدر الإشارة إلى أنّ العدد الإجمالي للأيتام الذين تكفلهم هيئة الهلال الأحمر بلغ أكثر من 114 ألف يتيم، يتواجدون في 25 دولة حول العالم.

 

للمشاركة:

التحالف يقصف مواقع جديدة لميليشيات الحوثي الإرهابية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

قتل وجرح عدد من مسلحي ميليشيا الحوثي الانقلابية، أمس، بغارات لطيران التحالف العربي في محافظة حجة، شمال غرب اليمن.

وشنّ طيران التحالف عدداً من الغارات الجوية، على تجمعات لميليشيا الحوثي، شرق منطقة الحمراء بمديرية مستبأ وحرض، وفق المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الخامسة.

طيران التحالف استهدف تجمعات لميليشيا الحوثي ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفه

وصرّح المركز بأنّ؛ "الطيران استهدف تجمعات لميليشيا الحوثي في قرية "الطينة"، الواقعة على الشريط الساحلي غرب مديرية عبس، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الميليشيا، إضافة إلى تدمير آليات تابعة لها."

بدوره، أعلن الجيش اليمني، مساء الجمعة، مقتل أكثر من مئة مسلح حوثي وإصابة وأسر آخرين في عمليات عسكرية متواصلة منذ أكثر من أسبوع.

وفي سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ قتل سائق شاحنه وأصيب مرافقه، أمس، جراء انفجار عبوة ناسفة من مخلفات ميليشيات الحوثيين، في مديرية التحيتا جنوب محافظة الحديدة، غرب اليمن.

عبوة ناسفة من مخلفات الألغام التي زرعتها الميليشيات الحوثية انفجرت بشاحنة وقتلت السائق وأصابت مساعده

وقال مصدر محلي لوكالات أنباء محلية؛ إنّ "عبوة ناسفة من مخلفات الألغام التي زرعتها المليشيات الحوثية، انفجرت بشاحنة (نوع ديانا)، تابعة لشركة "الزيلعي" للدواجن، في طريق الفازة بمديرية التحيتا، ما تسبَّب بمقتل السائق وإصابة مساعده".

يشار إلى أنّ "المليشيات الحوثية زرعت مئات الألغام والعبوات الناسفة في الطرقات الرئيسية والفرعية في مديريات جنوب الحديدة، قبل تحرير الشريط الساحلي، وقد أسفرت عن سقوط العشرات من المدنيين والعسكريين بين قتيل وجريح".

 

 

للمشاركة:



التطهير العرقي... إمبريالية أردوغان الجديدة

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-10-21

ترجمة: مدني قصري


إنّ الهجوم التركي الذي بدأ، في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، ضدّ وحدات حماية الشعب الكردي (YPG)، والقوات الديمقراطية السورية العربية الكردية (SDF)، أسفرت بالفعل عن مقتل أكثر من 150 شخصاً، ونزوح 200000 مدني، معظمهم من الأكراد، وراء أمر المهمة الرسمية هذه، نجد هدف أردوغان إنشاء "منطقة آمنة" لاستيعاب اللاجئين السوريين في تركيا، في نهاية المطاف.

تهدف خطة أردوغان وجنرالاته للاستفادة من القضاء على القوات الكردية وهجرة مئات الآلاف من المدنيين الأكراد لتوسيع "عمقه الإستراتيجي"

في حين أعلن قائد البنتاغون، مارك إسبير، مؤخراً، سحب 1000 جندي أمريكي من شمال سوريا، وفق قرار دونالد ترامب، أعلن الجيش التركي أنّه استولى على تل أبيض، وحتى على رأس العين، رغم أنّ القوات الكردية تواصل الدفاع عن مواقعها، ويدّعي الجيش التركي أنّه استولى على "ساري كاني"، التي تطالب بها القوات الديمقراطية السورية العربية الكردية، التي تقول إنّ المعركة من أجل السيطرة على المدينة ما تزال مشتعلة، في المجموع؛ استولت القوات الموالية لتركيا بالفعل على 40 قرية منذ يوم الهجوم.
وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ إذا أضفنا إلى الـ 40 مدنياً الذين قُتلوا منذ بداية الهجوم، فإنّ 90 مقاتلاً كردياً قُتلوا بالفعل في الاشتباكات، حيث ارتفع عدد القتلى على الجانب الكردي إلى 130 قتيلاً، أما عن جيش أنقرة فقد اعترف بأنّه فقد 4 مقاتلين في سوريا، و18 مدنياً قتلوا جراء الصواريخ الكردية التي أطلقت على البلدات الحدودية التركية، ومن أهداف الإسلاميين السُنّة المفضّلة 8، فقد تم إخلاء 8 قرى إيزيدية على الحدود مع روجافا السورية الكردية. في المجموع، منذ 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، فرّ 200000 مدني من هجمات الميليشيات الموالية لتركيا التابعة للجيش الوطني السوري.
يؤكد السلطان الجديد، الخليفة أردوغان في كل مكان، أنه في بيته، حيث حَكم الباب العالي

قنبلة حقيقية في يد سلطة أنقرة
على المدى البعيد؛ إذا حدث وتكثفت عملية "نبع السلام"، واستمرت لفترة طويلة، وإذا استمر الغربيون في التخلي عن الأكراد، خاصة أمريكا، حاميتهم السابقة، فإنّ دراما إنسانية حقيقية سوف تلوح في الأفق لستة ملايين مدني؛ أكراد، وعرب، وأرمن، وآشوريين، وإيزيديين، ...إلخ، يعيشون في شمال شرق سوريا.

يدرك أردوغان أنّ شركاءه بالناتو مستعدّون لمنحه الأكراد شريطة أن يظلّ في المحيط الأطلسي ولا يذهب بعيداً بمغازلة موسكو

في المجموع؛ منذ يوم الهجوم، فقد الأكراد ما يقرب من 25 قرية، وفق ما ذكرته قناة "Ronahi TV" الإعلامية الكردية، فإنّ أنقرة حاولت إنقاذ وإطلاق سراح سجناء داعش المحتجزين في مخيم عين عيسى، الأحد، بقصف المنطقة المحيطة بالمخيم، وقد تمكّن جزء من المعتقلين من الفرار مع العديد من عائلات الجهاديين، والرقم الذي أعلنته عدة مصادر هو حوالي 800 جهادي، وأقارب الجهاديين الأجانب الذين ينتمون إلى داعش، وتجدر الإشارة إلى أنّ 12000 من مقاتلي داعش، هم سوريون وعراقيون، و3000 أجنبي من 54 دولة، بما في ذلك 2000 أوروبي، محتجزون الآن في سجون يسيطر عليها الأكراد، إنّها قنبلة حقيقية في يد سلطة أنقرة، عندما نعلم أنّ واشنطن منحت الأتراك "مراقبة" الجهاديين.
أهداف حرب أردوغان والجيش التركي
يتمثل هدف سلطة أنقرة، منذ بداية الأزمة السورية، في أن توطّن في هذه "المنطقة الآمنة" المستقبلية في شمال سوريا، جزءاً من 3.6 مليون لاجئ سوري، تستضيفهم تركيا، ولم يعد يتحمّلهم الشعب التركي، حتى ناخبو أردوغان أنفسهم.
ويجدر التذكير بأنّه، بين عامَي 2016 و2018، قادت تركيا أردوغان هجومَين في الشمال السوري، كما تهدف خطة الرئيس التركي وجنرالاته، بالطبع، إلى الاستفادة من القضاء على قوات حماية الشعب الكردية/ قوات الدفاع والأمن الكردية، وهجرة مئات الآلاف من المدنيين الأكراد، لتوسيع "عمقها الإستراتيجي" في شمال سوريا، وتتوافق إستراتيجية التوسع هذه مع رؤية توحيدية حقيقية للعثمانيين الجدد، الواضحة أيضاً في العراق، أو في قبرص، أو في الجزر اليونانية في بحر إيجه، أو في البلقان؛ حيث يؤكد السلطان الجديد، الخليفة أردوغان في كلّ مكان، أنّه في بيته، حيث حكم الباب العالي.

اقرأ أيضاً: "التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا
هجوم أنقرة يستهدف في البداية التركيز على منطقة حدودية بين بلدتي تل أبيض ورأس العين، اللتين تفصلهما مسافة 120 كم، على المدى البعيد، يخطط أردوغان للسيطرة على قطاع شاسع من شمال سوريا، على عمق 32 كم، ومن الفرات (الغرب) إلى حدود العراق، وهكذا؛ فإنّ إستراتيجية أنقرة و"أهدافها الحربية" في سوريا، تجمع بين الدوافع الإثنية القومية والأمنية والإمبريالية الجديدة، والاقتصادية (النفط)، وحتى الدينية، ناهيك عن الدوافع "القومية الإسلامية"، ويتكون المساعدون السوريون العرب الذين يقاتلون إلى جانب الجيش التركي، وهم جزء من الجيش الوطني السوري، من متمردين إسلاميين سابقين قاتلوا النظام السوري، ولجؤوا إلى الشمال الغربي، تحت الحماية التركية، بعد الاضطرار إلى مغادرة مناطق المتمردين التي سيطرت عليها دمشق وحلفاؤها الروس والإيرانيون، منذ عام 2016 في الغرب، وفي جنوب البلاد على وجه الخصوص.
الانسحاب الامريكي من سوريا..ترامب يتخلى عن الأكراد ويمنح تركيا حرية التصرف

الحرب التركية ضدّ "الإرهابيين"... من هو الإرهابي؟
من الناحية الرسمية، تقول أنقرة؛ إنّها لا تحارب الأكراد كأكراد، ولكنّها تحارب "إرهابيي" حزب العمال الكردستاني وفروعه السورية: (PYD) (YPG) (YPJ)، وفاءً منه لموقفه المعلن منذ بداية الحرب الأهلية السورية، أكّد رجب طيب أردوغان أنّ بلاده "لن تسمح بإنشاء دولة إرهابية في شمال سوريا"، أما بالنسبة إلى الرئيس الفرنسي، فقد قال: "الهجوم التركي في سوريا في صميم اهتماماتنا"، و"يجب أن يتوقف"، بعد تبادل (دون جدوى)، وقتها، مع الرئيسَين، ترامب وأردوغان، ومن باب الضغط؛ أعلنت باريس "تعليق تصدير المواد الحربية المحتمل استخدامها في تركيا" إلى سوريا، أما بالنسبة إلى نظيرتها الألمانية؛ فقد التقت أنجيلا ميركل، أيضاً، بالرئيس التركي، لإبلاغه (دون جدوى) بقلقها، بشأن "تهديد داعش الذي ما يزال قوياً للغاية"، معلنة أيضاً قرارها تعليق مبيعات الأسلحة إلى تركيا.
أردوغان مصمّم على نيل إعجاب ناخبيه الإسلاميين
كما حذت السويد وإيطاليا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى حذو ألمانيا وفرنسا، وهكذا، أدرج مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، الذي اجتمع في لوكسمبورغ، في 14 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، في جدول أعماله: تنسيق "النهج الأوروبي لتحقيق هذه الغاية"، الذي من المرجح أن يكون، كالعادة، ضدّ السلطان التركي، منقسماً وقليل الفعالية، في مواجهة الضغوط الغربية والأطلسية والفرنسية، وقال الرئيس التركي، أردوغان، الذي لم يتأثر بموقف الغربيين، والمصمِّم على أن ينال إعجاب ناخبيه الإسلاميين، في خطاب ألقاه في إسطنبول: "لا شيء يوقف عمليتنا، لا الحظر ولا وقف مبيعات الأسلحة، ولا إعلان دمشق إرسال قوات لمواجهة الهجوم التركي"، ووفق مصادرنا؛ فإنّ المواقع الكردية التي كانت تتمركز فيها القوات الأمريكية والفرنسية كانت مستهدفة أيضاً بقصف الطيران التركي.

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
تتمثل الفكرة في جعل آخر القوات الغربية تغادر حتى يصبح المجال متاحاً للقوات التركية؛ حيث يدرك أردوغان أنّ شركاءه في حلف الناتو مستعدّون لمنحه الأكراد، شريطة أن يظلّ في المحيط الأطلسي، وألّا يذهب بعيداً في مغازلة موسكو، ناهيك عن مسألة المهاجرين والجهاديين المفرَج عنهم من السجون الكردية؛ إذ يعرف أردوغان جيداً قدرته على الإزعاج المقرون بالانقسامات ما بين الغربيين.

ما يفعله أردوغان للأكراد تطهير عرقي

جرائم حرب الميليشيات الموالية لتركيا ضدّ الأكراد
في سياق القتال الأخير، في نهاية الأسبوع الماضي، والذي خسر فيه الأكراد 10 جنود إضافيين، ومدنيين، قال أنصار الميليشيات الإسلامية الموالية لتركيا إنّهم "أعدموا"، جنوب مدينة تل أبيض الحدودية، في كمين ضدّ قافلة من المدنيين بالقرب من جيري سيبو (تل أبيض)، هيفرين خلف، السكرتيرة العامة لحزب المستقبل في سوريا، المرتبط بالحزب الكردي السوري (PYD)؛ حيث تمّ إيقاف سيارتها على الطريق السريع من قبل أعضاء الميليشيا الموالية لتركيا الذين قتلوها وسائقها وثمانية أشخاص آخرين، ووفاءً منهم لـ "التقليد" الجهادي؛ قام المهاجمون الإسلاميون المؤيدون للأتراك بتصوير عمليات إعدام المدنيين، ثم قاموا ببثّ مقاطع فيديو لمقتل هيفرين خلف على شبكة الإنترنت، فضلاً عن صور نزع أسلحة العديد من المدنيين والمقاتلين وإعدامهم بوحشية، هذه صورة "المنطقة" الأمنية التي تريد تركيا أن تبنيها لاستيعاب المعارضين الإسلاميين السوريين والمدنيين المنفيين في تركيا، كما بدت أنقرة محرَجة من تصرفات القوات العربية الإسلامية الموالية لتركيا، وطلبت من قيادة الجيش الوطني السوري (الذي يوحّد الميليشيات العربية والتركمانية الموالية لأنقرة) أن تأمر مقاتليها بالتوقف عن نشر فيديوهات المواجهة والقتل في الميدان.
تركيا.. شوكة في حلق الناتو
الولايات المتحدة، التي تريد أن تبقي تركيا كحليف في الناتو "كخاصرة جنوبية"، والمستعدة لتقديم تنازلات شديدة لأردوغان لمحاولة ثنيه عن تعزيز تحالفه مع روسيا، هل "تخلت" حقاً عن الأكراد، الذين تمّت التضحية بهم على مذبح وحدة الناتو وسياسة دونالد ترامب غير التدخلية؟ كلّ شيء يؤدي إلى التفكير في ذلك، ومع ذلك؛ ففي يوم الجمعة الماضي، بدأ دونالد ترامب، الذي تعرّض للنقد بشدة داخل معسكره الجمهوري لـ "خيانته" للحليف الكردي ضدّ داعش، يبدو كأنّه قال كلّ شيء ولم يقل شيئاً، بتوقيعه مرسوماً يتيح في أيّة لحظة إطلاق عقوبات ضدّ تركيا، التي هدّدها حتى "بتدميرها اقتصادياً"، إذا ذبح أردوغان الحلفاء الأكراد.

اقرأ أيضاً: أكراد إيران.. قصة مئة عام من البحث عن استقلال
كلمات لا يبدو أنّها أرعبت، في الوقت الحالي، السلطان، الرئيس أردوغان وجيشه، من وجهة نظر غربية، تشكّل قضية التخلي عن الأكراد، حلفاء التحالف، إشكالية معقدة، سواء بالنسبة إلى وحدة الناتو، أو إلى ردود الفعل من الرأي العام الغربي، السياسي والإعلامي، ومن وجهة نظر الأمن على السواء (ماذا عن الجهاديين الذين أطلقتهم الميليشيات الموالية للأكراد؟).
مصداقية الغرب على المحك
لقد تضرّرت مصداقية الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، أكثر من أيّ وقت مضى، ومن جانبه؛ أكّد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في مقابلة عبر الهاتف مع نظيره الأمريكي، دونالد ترامب، على ضرورة التوقف في أسرع وقت ممكن عن الهجوم التركي على شمال شرق سوريا، وهي أمنية بلا طائل، ما دام أردوغان، سيد الابتزاز الجيوسياسي، يعلم أنّ الغربيين سوف يسمحون له بمواصلة عمله في "تطهير" الأكراد السوريين، الذي بدأ في اللامبالاة العامة منذ عام 2018 غرب الفرات (عفرين)، ويستمر الآن إلى الشرق.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
هذا هو في الواقع الثمن الذي يجب دفعه مقابل ألا تذهب تركيا نهائياً إلى المعسكر الموالي لروسيا والمؤيد للصين وإيران، كابوس إستراتيجي جغرافي حقيقي يواجهه الغربيون، الذين وقعوا في فخّ "الاحتواء الجديد" (néo-containment) لفترة ما بعد الحرب الباردة، وأطلسيتهم التي عفا عنها الزمن تجاه روسيا، التي تمكنت جزئياً من العودة كواحدة من أعضائهم.
الاستنتاج: العودة الضرورية إلى السياسة الواقعية
النتيجة المتوقعة للتخلي عن القوات الكردية السورية من قبل حليفها الأمريكي، والتدخل التركي في الشمال السوري، هي: أن يرسل جيش نظام دمشق قوات إلى شمال البلاد لمواجهة عدوان أنقرة وميليشياتها العربية الموالية، التي تتألف من المتمردين الجهاديين المعادين للأسد، وتجدر الإشارة إلى أنّه، سبق أن انتشر، في الماضي، الجيش السوري بالفعل في بعض المناطق الكردية لتجنب هجوم تركي محتمل، في هذا السياق، وفي مواجهة تركيا العدو الحقيقي؛ يُجري المسؤولون الأكراد بالفعل "مفاوضات" لمواجهة الهجوم التركي معاً، في نهاية عام 2018، عندما كان نظام أردوغان التركي يهدّد بشنّ عملية ضد القوات الكردية في سوريا، دعت وحدات حماية الشعب، جيشَ الأسد السوري إلى الانتشار في منطقة منبج (الشمال)، مع الموافقة على انسحابها هي نفسها من القطاع.

أكّد الرئيس الفرنسي على ضرورة التوقف في أسرع وقت ممكن عن الهجوم التركي على شمال شرق سوريا

النظام السوري يرحّب بأبنائه التائهين

أعلن أكراد سوريا، الأحد، عقد اتفاق مماثل مع دمشق لنشر الجيش السوري في شمال البلاد لمعارضة التقدم السريع للقوات التركية وحلفائها العرب الإسلاميين، ولتبرير الاتفاق بين الأكراد ودمشق، صرّح القائد الأعلى لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، للشرطة الخارجية؛ بأنّ النظام السوري وحليفته الروسية "تقدّما بمقترحات يمكن أن تنقذ أرواح ملايين الناس"، "نحن نعلم أنّه سيتعين علينا تقديم تنازلات مؤلمة، لكن بين التسويات والإبادة الجماعية لشعبنا، سنختار الحياة"، و"نعلم أيضاً أنّه قبل الهجوم التركي بفترة وجيزة، دعا الأكراد روسيا إلى لعب دور "الضامن" في عملية الحوار مع النظام الذي وافق بعد ذلك على الترحيب بأبنائه التائهين".
هل سيقلص الأكراد مطالبهم في سوريا؟ 
من الواضح أنّ النظام الوطني في دمشق والسلطات الكردية (بحكم الأمر الواقع) في شمال البلاد لديهما نزاع جيوسياسي كبير، وما يزال الوصول إلى اتفاق بشأن مستقبل سوريا بعيداً، لكنّ التخلي الأمريكي قد يدفع الأكراد لتقليص مطالبهم بالحكم الذاتي والتعامل مع دمشق أكثر بقليل.

اقرأ أيضاً: الأكراد.. أين يتواجدون؟ وهل حصلوا على حقوقهم السياسية والثقافية؟
لم تثمر المحادثات الكردية السورية حول مستقبل المناطق، خلال العامَين الماضيَين، لكن هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّه إذا استمرت الولايات المتحدة في السماح للقوات الموالية لتركيا بالتقدم إلى إقطاعيات الأكراد في شمال شرق سوريا، فإنّ ذلك قد يغري دمشق وحليفتها الروسية بالاستفادة من ذلك لدفع الأكراد لقبول عودة السلطة السورية، بشكل شكلي على الأقل، إلى المنطقة الكردية المتنازع عليها من قبل الأتراك، والعرب، والأكراد.
ليس لتركيا مكان في حلف الناتو
أما بالنسبة إلى الأوروبيين، الذين يتعيّن عليهم أن يواجهوا تهديداً إرهابياً مستمراً، والذي من المحتمل أن ينمو مع تحرير مئات الجهاديين الأوروبيين، أو فرارهم، أو إعادتهم إلى أوطانهم، منذ عام 2018، فقد حان الوقت لأن يخضعوا لقانون الإستراتيجية الجيوسياسية والسياسة: اختيار وتعريف العدو الرئيس، ليس وفق أخلاق حقوق الإنسان، ولكن وفق مصالح شعوبهم ودولهم، لكنّ هذا العدو، في هذه المنطقة من العالم، ليس الدول العلمانية الدكتاتورية الموالية لروسيا، مثل الدولة السورية اليوم، أو دولة صدام حسين بالأمس، التي زعزع استقرارها خطأ، لكنّه القوى المتطرفة، سواء تعلّق الأمر بجهاديي داعش والقاعدة، الذين يجب تقليص معقلهم في إدلب، ولكن أيضاً الدول التي تدعمهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، بدءاً من قطر، الراعي لجماعة الإخوان المسلمين والجهاديين الصوماليين والليبيين، أو السوريين، وتركيا أردوغان، الراعي المشارك لجماعة الإخوان المسلمين، وحركة حماس، والعديد من الجماعات الجهادية العاملة في شمال غرب سوريا، والتي جُنِّدت وأُطلِقت لمهاجمة الأكراد.
إنّ مكاناً مثل هذا البلد، تركيا، التي تنتهك الآن سيادة اليونان (تهديدات لجزر إيجه والانتهاكات اليومية للمجال الجوي والبحري)، ثم قبرص (حالة القوارب العسكرية التي تمنع الشركات القبرصية والأوروبية من حفر الغاز والنفط اللذين تم اكتشافهما قبالة قبرص)، بالتأكيد ليس له مكان في حلف الناتو.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

valeursactuelles.com
 

للمشاركة:

عرش "السلطان" في "لاهاي"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

نادية التركي
حان الوقت لأن يتحرك المجتمع الدّولي نحو تقديم ملف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي.

لا حق لهذا الرجل في قتل المدنيين، فقط لأن لهم نزعة انفصالية أو تحررية، فهذا حقهم المشروع، وقمعه بالقصف والسلاح والقوة جريمة إنسانية يجب أن يحاسب فاعلها.

الرئيس الحالم باستعادة أمجاد العثمانيين في منطقتنا العربية جعلت تصرفاته مرعونة مع الداخل والخارج.

ففي تركيا يسجن اليوم ويقمع ويقتل كل من يقف في وجه أردوغان حتى وإن كان خيالا. فقد حدث ذلك بعد انقلاب وهمي صنعه سنة ٢٠١٦ ليستند ويسند عليه كل القمع لحريات الرأي والتعبير. وبين القمع والإرادة يئن الشعب التركي في الداخل والخارج.

لكن بالنسبة لنا عربا ومسلمين علينا عدم السّكوت والتحرك الفوري للحد من المجازر التي يقوم بها أردوغان بين سوريا والعراق وليبيا، الأيديولوجيات الفكرية المسمومة في تونس وباقي دول المنطقة. هو مجرم دولي يجب أن يعرض على لجان التحقيق وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك، ولأمثاله أُسست محكمة "لاهاي".

أكدت منظمة العفو الدولية تورط أنقرة في قتل مدنيين في هجوماتها الأخيرة على سوريا. السؤال الكبير هو بأي حق أصبحت لتركيا كلمة في التفاوض بشأن الأوضاع على التراب السوري؟ نظام أردوغان أثبت خيانته لشعبه وعززه عبر تصرفاته الأخيرة، وتغيير تحالفاته حسب مصالح التوسع وتحقيق حلم الإمبراطورية.

ولولا سياسة "قصر أردوغان" كما سماها زعيم المعارضة كمال أوغلو المعارض التركي الذي سرد في خطاب أخير أن أردوغان هو السبب في كل إحباطات الجمهورية التركية ومشاكلها. ففي حين تعاني البلاد من مشاكل اقتصادية حادة، وتهوي الليرة التركية في سقوط حر وتتنامى البطالة والديون، يواصل الرئيس التركي تجاهل احتياجات شعبه.

وجه المعارض التركي مجموعة من التساؤلات الإنكارية وهنا نتحدث لغويا حول السياسة التي اتبعها "القصر"، أهمها: مَن الذي فتح الطريق أمام السلاح للعبور نحو المقاتلين في سوريا؟ ومَن الذي مهّد لدخول هذا السلاح برا وبحرا وجوا؟

ونضيف على تساؤلات أوغلو: مَن الذي فتح الطريق أمام شباب أمتنا الذين غسلت عقولهم، وتم شراؤهم ببعض الدولارات للعبور نحو سوريا والالتحاق بداعش؟

مَن الذي أحرق قلوب عائلات بأكملها أنفقت عمرها على أبنائها لتراهم في أحسن المراتب، لكن تحولوا إلى وحوش حيوانية في ساحات الموت، وتحولت بناتهن إلى بائعات هوى على أراضي سوريا والعراق مقابل عقد شرعي نحو الجنة المفترضة.

لم يكن للدواعش أن ينجحوا في مخططاتهم، ولم يكن لأرض سوريا أن تقبل أو تبتلع دماء أبنائها وأبناء المسلمين وغير المسلمين من الأبرياء بدون دعم رجب طيب أردوغان.

التدخل التركي في الشأن السوري بشكل مباشر هو ما أوصل البلاد لما عليه الآن، ولم يكن بالإمكان لـ"الثورة السورية" أن تطول ولا لعشرات الآلاف أن يقتلوا لو لم تفتح الحدود التركية لتلعب دورا مزدوجا.

دعمت أنقرة الأردوغانية شرارة "الأحداث" التي شهدتها سوريا في ٢٠١١ بكميات هائلة من الوقود لتأجيجها وتدمير البنية التحتية للبلاد مع سبق الإصرار والترصد. دعم أردوغان المقاتلين، خاصة المرتزقة منهم والمتوافدين نحو سوريا بتسهيل فرص العبور نحو البلاد عبر حدوده، كما دعمهم بالأسلحة والقوات والعتاد.

وفي الوقت نفسه، فتح أبوابه نحو "المعارضين" والمقاتلين ومن ثبت عليهم الإجرام بالعبور نحو تركيا وأعزهم ماديا ومعنويا، وأذل المدنيين الهاربين نحو "ملاجئ" مؤقتة وفرها لهم، ليطالبهم اليوم بالرحيل نحو بلاد لم يبقَ فيها غير أطلال وأرض مثخنة بالدماء. وسيرحل "السلطان" أكيدا وسنرى العدالة الإنسانية تتحقق في "لاهاي".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

نصر الله ولبنان: هيهات منّا الاستقالة!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

مشاري الذايدي

الذي جرى ويجري في لبنان منذ عدة أيام، ليس من النوع الذي يمكن تمريره بسهولة، أو بلهجة اللبنانيين «بتقطع»، بل هو فاصلة بين ما قبل وما بعد، إنه ليس مجرد غضبة من أجل مطالب خدمية بحتة، كما يريد سادة العهد الحالي تصويره، وفي مقدمتهم زعيم حزب الله، حسن نصر الله، وأصدقاؤه من التيار العوني.
لا... الذي نراه، من زخم ومطالب المتظاهرين، هو بالفعل ثورة على كل مؤسسة الحكم اللبناني وثقافة الحكم التي أوصلت البلد إلى الاستسلام لحزب الله، والعمل لصالحه، وتسليم قرار الحرب والسلم له. نعم هذا هو أصل الداء، لأن طرفاً أساسياً من معاناة الاقتصاد اللبناني اليوم هو العقوبات الأميركية والمقاطعة العربية، بسبب انخراط حزب الله في العدوان على الدول العربية، وتغذية الحروب الطائفية، والإسهام الفعّال في خدمة الحرس الثوري الإيراني على مستوى العالم، بل والتخادم المفضوح مع عصابات المخدرات اللاتينية، وخلق روابط اتصال وتنسيق مع تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة»، وغير ذلك كثير من صحيفة لا تسر الناظرين.
الذي ركّب العهد السياسي الحالي في لبنان، هو حزب الله، فهو من جلب الرئيس ميشال عون، لكرسي بعبدا، وهو من سلَّط صهره المستفز جبران باسيل على بقية القوى السياسية، وهو من استهان بزعيم السنة، يفترض ذلك، سعد الحريري حتى أفقده، أعني سعد، الكثير الكثير من مصداقيته، ليس في الشارع السني وحسب، بل لدى كل معارضي حزب الله وأتباعه من العونية.
لذلك حين خرج حسن نصر الله قبل أيام يخطب عن المظاهرات، كان منتظراً منه أن يدافع عن «العهد» وقال بالعامية: «ما تعبوا حالكن، العهد باقي».
بل وجعل التجاوب مع غضب الشارع - بما فيه، بل أوله: الشارع الشيعي - من قبل بعض كتل الحكومة «خيانة»، وربما لو تحمس قليلاً لقال كلاماً آخر، لأنه كان يتكلم بمناسبة أربعين الحسين.
يفترض بثقافة الحزب وطرق تعبئة الجمهور، التركيز على مطالب «المحرومين» و«المستضعفين»، وهذه مفردات أصيلة ومثيرة في خطاب التحشيد الذي تنتمي له ثقافة حزب الله، لكن خطاب المظلومية هذه المرة لا يخدم حاكم لبنان الحقيقي نصر الله، فهو السيد، وهنا لست أعني النسبة فقط للعترة العلوية، بل أعني المراد اللغوي المباشر عن سيد القوم.
جعل نصر الله في خطابه الغاضب الاستقالة من العهد والحكومة خيانة، وكاد يردد المقولة الكربلائية الشهيرة: خيروني بين السلّة والذلّة... وهيهات منا الذلّة، ولكن مع تعديل الهتاف إلى: خيروني بين الحكومة والاستقالة... وهيهات منّا الاستقالة!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية