الجماعة السلفية في مصر.. حرب على الإرهاب أم تفريخ له؟ (2-2)

مصر والسلفية

الجماعة السلفية في مصر.. حرب على الإرهاب أم تفريخ له؟ (2-2)

مشاهدة

15/03/2018

في تشرين الأول (أكتوبر) العام 2015، أطلق مسلح رصاصة على رأس شاب لم يتجاوز الثلاثين من عمره، أثناء سيره للالتحاق بصلاة العصر في مدينة العريش، شمال سيناء، شرق مصر.

المغدور كان الدكتور مصطفى عبدالرحمن، أمين حزب النور في المحافظة الحدودية، وهو الحزب المنبثق من جماعة الدعوة السلفية، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث، إلا أنّ أصابع الاتهام توجهت لمبايعي "داعش" في سيناء.

اتخذ برهامي من مقتل أمين حزب النور بسيناء دليلاً على براءة جماعته من تهم تصدير الإرهاب

اتخذ نائب رئيس الجماعة الشيخ ياسر برهامي، من هذه الواقعة دليلاً على براءة جماعته من تهم تصدير الإرهاب؛ إذ إنّه أرجع مقتل "عبدالرحمن" إلى أنّه كان ينشر الفكر السلفي الوسطي في شبه الجزيرة، ولذا فقد قررت العناصر التكفيرية هناك التخلص منه.

ومع أنّه لا يكاد يخلو إصدار مرئي لمبايعي "داعش" في سيناء، من الهجوم على قادة الجماعة السلفية واصفين إياهم بالمرتدين، فإنّ ذلك ليس دليلاً كما ادّعى كُتّاب الجماعة السلفية على موقعهم الرسمي "صوت السلف" ببراءتهم من الأفكار المنتجة للإرهاب، فتنظيم "داعش" أطلق أحكام الكفر على أغلبية المخالفين له، بما فيهم الفصائل المنتسبة لتنظيم القاعدة ذاته.

الدكتور مصطفى عبدالرحمن

مراجعة أم براغماتية؟

ما بين مطرقة التيارات المدنية التي لم تألُ جهداً في الهجوم على جماعة الدعوة السلفية، وهجمات الإسلاميين المعادين لها الذين لم تهدأ اتهاماتهم لها بأنّها عميلة للنظام المصري، على إثر تأييدها لثورة الثلاثين من يونيو، تحاول تلك الجماعة صد الاتهامات المكالة لها من الجانبين.

وزاد الطين بلة تورط أعداد من المتهمين في قضايا الإرهاب ينتمون إلى الجماعة وحزبها "النور" واعترافاتهم بأنّهم ترعرعوا في محاضنهما، مع أنّ شيوخ الجماعة أكدوا أنّ الخلاف بينهم وبين التيارات السلفية الأخرى لم يكن في الغاية "إقامة دولة إسلامية بمرجعية سلفية"؛ بل في الوسيلة، بما يوحي أنّ الدعوة السلفية رأت أنّ طريق التمكين لم يحن بعد، وأنّ عليها الانحناء للعاصفة ثم إعادة الارتداد مرة أخرى حالما تتمكن من ذلك، وأنّها كسبت بذلك إنقاذ أفرادها من الاعتقال والحصار.

بات مطلوباً من شيوخ الجماعة السلفية إثبات أنّ أفكارهم ليس لها علاقة بالإرهاب

بات مطلوباً من شيوخ تلك الجماعة إثبات أنّ أفكارهم ليس لها علاقة بالإرهاب، فأصبحوا في مواجهة نصوصهم القديمة التي تشابهت مع بقية التيارات السلفية العلمية والجهادية، فيما عدا مبدأ حتمية المواجهة وحمل السلاح.

في هذا السياق يأتي "برهامي" في حواره مع "جريدة الفتح" في كانون الأول (ديسمبر) 2017 ، ليؤكد أنّ: "الدعوة السلفية هي أكبر فصيل إسلامي، حارب فكر التكفير عبر أكثر من 40 عاماً، ولم يكن هؤلاء الذين يرددون الاتهامات قد ولدوا بعد".

بل إنّه ذهب إلى أنّ جماعته هي أول من واجهت فكر التكفير في الإسكندرية ثم المحافظات الأخرى "فقد أقامت الدعوة بالعديد من الحملات للتوعية والتحذير من هذا الفكر، وكان أول ذلك عند مقتل الشيخ الذهبي، رحمه الله، العام 1977، فأقامت حملات للتوعية، ودروساً علمية ومحاضرات، وكتباً تم تدريسها في هذا الوقت، وتعلمتها الأجيال في الردّ على فكر التكفير، فكيف يمكن أن تتهم "الدعوة السلفية" بعد ذلك بأنّها بذور للتكفير؟".

تبين أنّ ثمة متهمين في قضايا الإرهاب بمصر ينتمون إلى الجماعة السلفية وحزبها "النور"

من جهته قال ستيفان لاكروا، الباحث الفرنسي المهتم بالشأن السلفي، في مقال له على موقع معهد "كارنيغي" في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016:  تُعدّ البراغماتية بنداً ثابتاً في توجّه حزب النور منذ تأسيسه، بيد أنّ الأساس المنطقي لهذا النهج تغيّر في أواخر العام 2012. ففي فترة 2011-2012، كان حزب النور يحاكي في براغماتيته أغلب الأحزاب الإسلامية التي انخرطت في العملية السياسية، وراجعت بعض مفاهيمه العقدية (أو أنحَتها جانباً) تكيّفاً مع قواعد اللعبة".

وأضاف "ومنذ العام 2013، جاءت براغماتية حزب النور من مصدر آخر مُتمثّل في القضايا السياسية؛ فمواقف الحزب لم تكن انتهازية أو مسيّرة من جانب المصالح الخارجية؛ بل ثمة منطق واضح في ثناياها، وهو الدفاع عما يعتبره مصلحة الدعوة السلفية، مهما كان حجم التكلفة السياسية".

و"أجبر هذا الدفاع السلفيين أيضاً على تبنّي مواقف تتعارض مع بعض معتقداتهم الدينية. لكن هذه المرة كانت هذه المواقف مبرّرة بحجج الضرورة "، وفق لاكروا.

ياسر برهامي

إستراتيجية تغيير المجتمع

يؤمن السلفيون الإسكندريون بكفر الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله، لكنهم لا يسقطون الحكم على شخص الحاكم، وهو ما يطلقون عليه الكفر النوعي، لكنهم لا يكفّرون الحاكم كفراً عينياً، ويشترطون في ذلك إقامة الحجة عليه أولاً.

كما يعتقد هؤلاء أنّ السرية منهج نبوي استخدمه كثير من الأنبياء، إلا أنّهم لا يرون الآن حاجة للعمل السري؛ لأنّهم تمكّنوا من دعوتهم العلنية، وأنّ السرية أضرّ من العلانية في هذا الزمان -على حد تعبير ياسر برهامي في حواره- لأنّها قد تؤدي إلى الصدام مع الدولة، وهو الأمر الذي يرفضونه.

لاكروا: حزب النور يحاكي في براغماتيته أغلب الأحزاب الإسلامية التي تكيّفت مع قواعد اللعبة

لكن الشائع عن هؤلاء السلفيين، كما يذكر كتاب الحركات الإسلامية في الوطن العربي الصادر عن مركز الدراسات الوحدة العربية، أنّهم يتبنون إستراتيجية لتغيير المجتمع تمر بأربع مراحل هي التصفية: وهي تصفية عقائد المسلمين من كل ما يعتبرونه مخالفة شرعية، وإقناعهم بالمنهج السلفي في الحياة، ثم مرحلة التربية: وهي التي تجعل من الفرد سلفياً صالحاً؛ حيث يتم دعوة وتربية أغلبية المسلمين على هذه الكتب الصافية من أي أخطاء، وبعدها تأتي مرحلة التمكين الشامل دون انتخاب أو انقلاب، ثم المفاصلة حيث يعلن المؤمنون انفصالهم عن الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ويعلنون أنّ هؤلاء الحكام على باطل، وينذرون الحكام وأعوانهم بالرجوع عن باطلهم، وإلا سيواجهون جهاداً إسلامياً من أهل الحق، ويطالب كل المسلمين بتحديد موقفهم بشكل واضح إما مع أهل الحق، وإما مع أهل الحكم؛ أي أهل الباطل، ثم  الجهاد وهو في حالة إذا ما رفض الحكام الالتزام بالإسلام بعد الإنذار السابق فحينئذ يجاهدهم أهل الحق؛ لأن الصفوف في هذه الحالة ستكون قد تمايزت، فصار بعض الشعب مع الحق وبعضه مع الباطل، وهنا سيكون الفريقان المتصارعان واضحين لا لبس فيهما، فلا يقع ضحايا لا علاقة لهم بالصراع، بل يكون أي إنسان إما مع هذا الفريق أو ذاك.

دفاع مستميت

مع ذلك يصر "برهامي"، في حواره مع "جريدة الفتح" عقب أحداث مسجد الروضة نهاية العام 2017، على أنّ جماعته هي من لديها القدرة على القضاء على أفكار التكفير، بما أنّها تملك الأدوات الشرعية لذلك، عبر شرح النصوص شرحاً صحيحاً، وفق تعبيره، "وكذلك كلام أهل العلم في مسائل الشرك والتوحيد".

برهامي: الجماعة السلفية هي المؤهلة للقضاء على أفكار التكفير بما تملك من أدوات الشرعية

ويشدد الشيخ على أنّه "ينبغي رعاية استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ومعرفة الفرق بين الكفر الأصغر والأكبر، ومعرفة الفرق بين كفر العين وكفر النوع، ومعرفة تكفير المعين ثم الحكم عليه ليست وظيفة آحاد الناس من الجهال، وإنما وظيفة أهل العلم والقضاء الشرعي الذي ينظر في الأمر بناء على الأدلة الواقعية".

ويتساءل مستنكراً: "هل نلغي الآيات من القرآن حتى يستريح هؤلاء؟ هم يريدون محو لفظ الكفر والشرك، والأمر ليس كذلك، فهل الكفار الذين يثبت كفرهم كلهم نوع واحد ولهم حكم واحد؟ فإنه لا يلزم الحكم بالكفر إباحة الدم أو المال أو إباحة العرض، بل هناك كفار معاهدون".

ويستطرد قائلاً: "أما من ثبت إسلامه فلا بد من أن يحذر من الحكم عليه بالكفر دون بينة أوضح من شمس النهار، ويوجد باب اسمه "باب الردة" في كل كتب الفقه، لكن من الذي يطبق ذلك؟ إنّ الحاكم هو الذي يطبق الأحكام، والقاضي هو الذي يحكم بذلك وليس آحاد الناس، وأهل العلم هم الذين يبيّنون".

الصفحة الرئيسية