الجمهور بوصفه ألدّ خصوم المفكِّر!

1724
عدد القراءات

2019-01-07

لا تسمح لحماسة الجمهور بأن تفقدك توازنك! هذا هو الدرس الأول الذي يتم تلقينه لتلاميذ فنّ الخطابة والحوار، في كلّ مدارس ومعاهد وجامعات العالم، ومع ذلك؛ فإنّ قليلاً من الخطباء يتدبّرون هذا الدرس، وسرعان ما تجرف معظمهم حماسة الجماهير، وتدفعهم إلى أقوال ومواقف وردود أفعال ما كانوا ليقترفوها، لو أنّهم امتلكوا الحد المطلوب من القدرة على ضبط ذواتهم والتحكّم بمشاعرهم.

اقرأ أيضاً: الليبراليون العرب على المحك!
المفكّرون كانوا، وما يزالون، أرفع وأخطر الخطباء في تاريخ المعرفة البشرية، بحكم ارتباط الخطابة بالعقل والمنطق والبرهان، منذ 2233 عاماً؛ أي منذ أن أهدى أرسطو طاليس العالم كتابه الفذّ "فنّ الخطابة"؛ الذي يهدف إلى تزويد الخطيب المفكر بالمعارف النظرية والمهارات الذهنية والتعبيرية اللازمة، لإقناع مستمع واحد، على الأقل، من مستمعيه، بما يقول.

المفكّرون كانوا، وما يزالون، أرفع وأخطر الخطباء في تاريخ المعرفة البشرية، بحكم ارتباط الخطابة بالعقل والمنطق والبرهان

وإذا جاز لنا القيام بالجمع بين النقيضين؛ عقلانية أرسطو طاليس المفرطة، ووجودية جان بول سارتر المفرطة؛ فإنّ الجمهور من منظور أرسطي هو (الآخر أو الجحيم)، بتعبير سارتر؛ لأنّه المقصود بالطّلب وهو حَتْف المفكر، إذا لم يحسن إدارة علاقته الوجدانية به.
الجمهور مُولَع تاريخياً بصنع الأبطال وأكلهم، وهو يقتات على دماء الشهداء وأشلاء الضحايا؛ تُسكره صيحات التحريض والتحشيد والوعيد والتهديد، ولا يروقه الاعتدال والتوسّط، ولكلّ هذا؛ فقد استخدم عبر القرون بوصفه أداة فاتكة لحسم المعارك المقدّسة؛ أيديولوجياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً، ولعلّ أطرف ما يمكن استحضاره بخصوص الجمهور؛ قابليّته الكبيرة للانقلاب على رموزه بلمح البصر، إذا توفّر الخبراء القادرون على التلاعب بمشاعره مرة أخرى، فهو سلاح ذو حدين، بكلّ ما في الكلمة من معنى، وقد حفلت هبّات الربيع العربي، أكثر من مرة، بهذه الكوميديا السوداء؛ حيث اضطلعت الجماهير الثائرة بالانقلاب على زعماء وعلّقتهم على أعواد المشانق، أو زجت بهم في السجون، بعد أن جاءت بهم إلى منصّات الحكم.

اقرأ أيضاً: عبد الرحمن بدوي إذ يفتك بالعقاد: أهكذا تكون أخلاق الخصومة؟
ما الدرس الذي ينبغي أن يستخلصه كلّ مفكر عربي إصلاحي وعقلاني ورصين مما سبق؟ إنه يتلخص في خطورة ركوب موجة الجمهور المتعطّش للإثارة والاستنفار والاصطفاف! إذ إنه فضلاً عن أنّ هذا الجمهور غير متجانس معرفياً واجتماعياً ونفسياً؛ فهو مرشّح أيضاً لإدارة ظهر المجنّ بكلمة أو صرخة واحدة، إذا انطلقت في الوقت والظرف المواتيين، ناهيك عن أنّ الاستكانة لمزاج الجمهور تكبّد المفكّر كثيراً من الوقت والجهد والخسائر المادية والمعنوية التي من شأنها جميعاً أن تطيح بمشروعه الفكري، وما البديل عن هذا الجمهور، المغرم بالتصفيق والهتاف؟ إنه يتمثل في العمل على توسيع قاعدة القرّاء الحقيقيين، والإخلاص في مدّهم بالمعارف والأفكار والتحليلات المسوقة بهاجس الإقناع، وليس بهاجس الإبهار، وإذا نظرنا بعين الاعتبار الشديد إلى حقيقة أن هؤلاء القرّاء ينتمون غالباً إلى فئات المعلمين والأكاديميين والأطباء والمهندسين والمحامين وطلبة الجامعات، صار في مقدورنا الزعم بأننا قد حصلنا على البديل الآمن والمطلوب، والأكثر تأثيراً في الحياة اليومية، علماً بأنّ التحوّلات الفكرية والسياسية الجذرية التي تجتاح الغرب الآن، لم تصنع في الشارع؛ بل أحدثتها نخبة من التكنوقراطيين الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة في كلّ قطر من أقطاره، خلال بعض اللقاءات والاجتماعات المكتبية الروتينية!

اقرأ أيضاً: هل غدا الابتزاز العاطفي سيد الموقف العربي؟
وحتى تستوفي هذه المقالة مطلوبها المعرفي المحض، فيسعدني أن أعيد التذكير ببعض قصص النجاح الفكرية العربية التي ما تزال سارية المفعول، ولا ريب في أنّ مشروع المفكر العربي الراحل، محمد عابد الجابري، يقف على رأسها؛ إذ قُيِّض له أن يمدّد (العقل العربي) بأطيافه البيانية والبرهانية والعرفانية، على طاولة التشريح السافر، إلى درجة يمكنني الزعم معها بأنّ ما وجهه الجابري من انتقادات للعقل العربي، يبلغ أضعاف أضعاف ما وجهه بعض المستشرقين! ومع ذلك؛ فقد نجح في تمرير وترويج كثير من مقولاته المعرفية حتى صارت مسلّمات تتردد في معظم الندوات والمؤتمرات العربية، كما أنّ مشروع المفكر العربي، فهمي جدعان، بخصوص تحليل وتفكيك آليات ودوافع (السلطة والسلطة الموازية) في الوطن العربي، هو من الوضوح والجرأة والحسم، إلى درجة يمكنني الزعم معها أيضاً، بأنّه المدخل الأمثل لفهم وتجاوز الصراع بين مشروع الدولة المدنية الحديثة ومشروع الإسلام السياسي، ولست في حاجة للقطع أيضاً بأنّ كثيراً من مقولات فهمي جدعان قد صارت من كلاسيكيات الفكر الإسلامي الحديث.

المفكرون الناجحون ما كانوا لينجزوا ما أنجزوه  لو لم يأخذوا في الحسبان: أنّهم باحثون وليسوا دعاة ومبشّرين

وأما مشروع المفكّر العربي، عبد الله الغذامي، بخصوص تحليل وتفكيك الأنساق المضمرة التي رسّخت (الفحل البلاغي)؛ فهو من التأثير إلى درجة يمكنني الزعم معها كذلك؛ بأنّه قد أنهى سلطة (أدبية الأدب) إلى غير رجعة، وأحلّ مكانه سلطة (النقد الثقافي) بوصفه المرجعية المنهجية الأمثل، لتشبيك ووصل الأدب بالسياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفسي والاتصال.
هؤلاء المفكرون (الناجحون)، ما كانوا لينجزوا عُشر ما أنجزوه من (انتصارات) فكرية، لو لم يأخذوا في الحسبان: أنّهم باحثون وليسوا دعاة ومبشّرين، وأنّهم ناصحون وليسوا محرّضين، وأنّهم يعون حقيقة انتمائهم لمجتمعات محافظة تستطيع إحراج أنظمتها كلّما تمّ المساس بثالوثها المحرّم: (الدين، السياسة، الجنس)، وأنّهم يمتلكون المهارات الذهنية والتعبيرية اللازمة لتمرير وتأهيل أفكارهم، وأنّهم يدركون خطورة الاستنجاد بالجمهور المتقلّب، وأنّهم مكتفون ومخلصون لقواعد قرّائهم العقلانيين، وأنهم زاهدون بالإعلام الذي لا يقلّ عن الجمهور تعطّشاً للإثارة والتعبئة، وأنّهم يدركون حقيقة أنّ على المفكّر أن يختار بين أن يكون نجماً، ويدفع الثمن إذا تطلّب الأمر، أو أن يكون باحثاً مثابراً وهادئاً، وقانعاً بما يحدثه من تأثير وتغيير صامت، في عقول قرّائه ومتابعيه.

اقرأ المزيد...

الوسوم: