الجوار الهش: ما هي سيناريوهات الحرب الأهلية في إثيوبيا وتداعياتها الإقليمية؟

الجوار الهش: ما هي سيناريوهات الحرب الأهلية في إثيوبيا وتداعياتها الإقليمية؟

مشاهدة

24/11/2021

محمد عبدالكريم

انتهت جميع مشروعات وطموحات رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” باندلاع حرب أهلية “مثالية” وشاملة. كما انتهت حالة الإنكار الداخلية والدولية لمعضلة الدولة الإثيوبية بانكشاف أزمة يصعب تدارك تداعياتها (داخليًّا وإقليميًّا في واقع الأمر). ومع احتدام “الحرب الأهلية” الإثيوبية، تبرز عدة سيناريوهات متباينة وفق تطورات الأحداث بالغة التغير في الوقت الراهن.

قراءة في الحرب الأهلية الإثيوبية

بادر آبي أحمد، بعد بدء مهام رئاسته للوزراء في فترتها الثانية (4 أكتوبر 2021)، بما وصفته قوات جبهة تحرير التيجراي “هجومًا موسعًا” ضد قوات المعارضة أملًا في تحقيق حسم مؤجل منذ شهور. وأصبح تحقيق “الحسم” المحك الرئيس لاستمرار آبي أحمد من عدمه في السياسة الإثيوبية في الفترة المقبلة؛ لاسيما مع تمدد رقعة الحرب الأهلية خارج إقليم التيجراي إلى أقاليم العفر والصومالي وأوروميا، التي تعاني اضطرابات سياسية وأمنية معقدة سواء قبل تولي آبي أحمد الحكم، وأثناء وزارته. ويمثل إقليما “أوروميا” و”الصومال” وحدهما نحو ثلثي مساحة البلاد وقرابة نصف عدد سكانها حسب التقديرات الرسمية الإثيوبية التي تتصف عادة بعدم دقتها وتوجيهها لأغراض سياسية. وفي ظل استقطاب حاد بين نظام آبي أحمد والقوى المعارضة له.

وتوفرت قبيل أكتوبر الفائت تقارير متزايدة عن استخدام التجويع كسلاح والتوسع في عمليات “التطهير الإثني” من بين جرائم حرب أخرى؛ بينما اتضح تدهور علاقات إثيوبيا الدبلوماسية مع شركائها الغربيين بعد استقرار براجماتي ومفهوم في هذه العلاقات طوال عقود بالرغم من مقاربات نظم الحكم الإثيوبية سياسات استبدادية وتهميشية منهجية ضد إثنيات وجماعات بعينها في البلاد.

وعند مراجعة عام كامل من “الحرب الأهلية” بمستويات مختلفة في إثيوبيا يلاحظ أن أخطاء  آبي أحمد لم تقتصر على سوء تقديره للقدرة القتالية لجبهة تحرير التيجراي، التي سيطرت على الجيش الإثيوبي لمدة 27 عامًا خلال إدارتها للبلاد حتى العام 2018؛ بل إنه عمل على جمع مجموعات متباينة من القوات الهشة وغير المدربة (بما فيها ميليشيات مسلحة من إقليم الأمهرا)، وجنود من إريتريا ارتكبوا بعض أسوأ الانتهاكات في الحرب بحق مواطنين إثيوبيين شملت الاغتصاب والمذابح الأهلية؛ وهي تهم قد تطال جميع الأطراف المتورطة في الحرب بما فيها جبهة تحرير التيجراي. وأسفرت الحرب عن كارثة إنسانية متعمدة بمقتل آلاف المدنيين والعسكريين الإثيوبيين، ومعاناة نحو 400 ألف مواطن من مجاعة خطيرة، وتشرد نحو 2 مليون نسمة؛ ليتجاوز إجمالي المشردين داخليًّا في إثيوبيا خمسة ملايين نسمة، وتصبح الحالة الأبرز عالميًّا. وتتجاوز هذه الأرقام حاليًّا إجمالي عدد المشردين داخليًّا في سوريا واليمن وعدة دول أخرى مجتمعة، مما يثير السخرية من تلويح آبي أحمد بأن قوى خارجية تريد تحويل إثيوبيا لسوريا وليبيا أخرى، دون توجيه الاهتمام الدولي الكافي بهذه الأزمة الخطيرة.

سيناريوهات الحرب الأهلية في إثيوبيا

تُطرح بين حين وآخر قراءات “لحظية” لأهم سيناريوهات الحرب الأهلية الحالية في إثيوبيا. ويمكن القول إن سيناريوهات الأزمة تكتسب أبعادًا “توافقية” وداخلية أكثر من أفكار “تقسيم إثيوبيا” أو تفتتها إلى عدة دول. ورغم طرح فكرة التقسيم أو التخوف البالغ منها؛ لاسيما في أوساط الدول الغربية وعدد لا يستهان به من دول أفريقيا جنوب الصحراء، فإنها تظل هاجسًا غير واقعي في المرحلة الحالية أو على المدى المتوسط. كما أنها تمثل “تهديدًا” يُلَوح به نظام آبي احمد من حين لآخر بشكل غير مباشر. ومن هنا يمكن طرح أهم السيناريوهات المرتقبة على النحو التالي:

نجاح الضغوط الدولية والوساطة الكينية الحالية في ضبط أداء نظام آبي أحمد ومواقفه من الأزمة. ويرجح توقيت زيارة الرئيس الكيني “أوهورو كينياتا” لأديس أبابا (15 نوفمبر) بالتزامن مع جولة وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” وجدولة زيارته نيروبي في اليوم نفسه وجود دعم أمريكي قوي للوساطة الكينية. ويقصد بضبط الأداء دفع حكومة أحمد نحو إطلاق حوار وطني شامل، وهي الخطوة المؤجلة منذ سنوات، وأن يكون دور آبي أحمد انتقاليًا ومحددًا بفترة زمنية قصيرة للغاية؛ في حال قبول أي دور له فعليًا. ويتوقع هذا السيناريو بشكل كبير مع تزايد عزلة آبي أحمد الإقليمية والدولية، وبدء نفاد صبر الإدارة الأمريكية إزاء استجابته للأزمة، واحتمالات دفع واشنطن بقوة أكبر في اتجاه دعم المعارضة المسلحة لنظام آبي أحمد بعد اجتماع تسع جماعات من أهمها “جيش تحرير أورومو” و”جبهة تحرير تيجراي،” هناك مطلع نوفمبر الجاري.  

حدوث تصدع متوقع في بنية نظام آبي أحمد لعدة اعتبارات أبرزها: الانهيار الاقتصادي الذي تشهده البلاد؛ إضافة إلى احتمالات سيطرة قوات المعارضة على الطرق الرئيسة التي تربط أديس أبابا بميناء جيبوتي، منفذ إثيوبيا البحري الرئيس؛ وتآكل “مشروعية سد النهضة” كعامل- وحيد ربما- لحشد المواقف الإثيوبية خلف آبي أحمد؛ وتخوف جماعات الأمهرا من استهدافها الدائم من قبل الإثنيات الأخرى، لاسيما التيجراي والأورومو؛ ومن ثم فك ارتباطها العضوي بنظام آبي أحمد تفاديًا لعواقب وخيمة؛ ثم الفراغ الجيواستراتيجي القائم في إقليم القرن الأفريقي برمته جراء الأزمة الإثيوبية وفقدان أديس أبابا مكانتها.

أما السيناريو الأخير فإنه يتسق بشكل كبير مع رؤية آبي أحمد “الشخصانية” الدينية لمستقبل الدولة الإثيوبية؛ إذ من المتوقع أن يواصل آبي أحمد قدر استطاعته القفز فوق المشكلة القائمة، والجدل بشأن الحلول الممكنة، لاسيما السياسية، وتجاهل مطالب مجموعات غالبة من الإثنيات المهمشة تاريخيًّا لصالح تصوراته الإمبراطورية. وسيكون هذا السيناريو مصحوبًا بتصعيد المواجهات العسكرية، وجعلها نقطة الحسم الرئيسة، وربما الوحيدة، في الاحتراب الأهلي الإثيوبي.

التداعيات الإقليمية “للحرب الأهلية” الإثيوبية

رغم ارتكاز هذه السيناريوهات بالأساس على المخرجات الداخلية للحرب الأهلية الإثيوبية فإنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا، من جهة، بتداعياتها الإقليمية، وإن كان في مسار واحد من إثيوبيا في الوقت الراهن بعد تحجيم التأثير الإريتري في الأزمة. ويمكن رصد أهم هذه التداعيات على النحو التالي:

إريتريا

انخرطت إريتريا بشكل كامل في تفاعلات الحرب الأهلية الإثيوبية؛ وتراجع دورها عقب تمكن جبهة تحرير التيجراي والقوى الحليفة لها من تحقيق انتصارات على الأرض ضد قوات آبي أحمد. وتؤثر الحرب في إثيوبيا على إريتريا من عدة نواح: حيث ستضعف الهزيمة العسكرية الحالية للقوات الإثيوبية- الإريترية الحليفة من قوة نظام أسياس أفورقي وقواته المسلحة داخل إريتريا. أما خارجيًا، فمن المتوقع أن تزداد هشاشة نظام أفورقي بفضل إعادة نظام العقوبات الأمريكية- الأوروبية عليه في الشهور الأخيرة، وكان أحدثها فرض وزارة الخزانة الأمريكية (12 نوفمبر الجاري) عقوبات على الجيش الإريتري والحزب الحاكم بإريتريا (الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة)، وعدد من أبرز الشخصيات الإريترية مثل أبرهة كاسا نيميريام، وهيدري تراست، وهاجوس جبريهيوت كيدان، ومؤسسة البحر الأحمر التجارية Red Sea Trading Corporation على خلفية الأزمة الإثيوبية.

السودان

مع استمرار الحرب الأهلية في إثيوبيا، فإن الأحداث في السودان، لاسيما منذ نهاية أكتوبر 2021، تزيد من زعزعة الاستقرار في إقليم القرن الأفريقي بأكمله. وفي ظل هذا الاستقطاب الإقليمي يتوقع أن يواصل المكون العسكري في السودان سياساته الحاسمة إزاء إثيوبيا، خاصة تعميق وجود قوات سودانية في إقليم الفشقة السوداني، الذي استعادته القوات المسلحة السودانية من إثيوبيا في ديسمبر 2020؛ حتى في ظل توقف الدعم المالي الأمريكي للخرطوم. وإذا ساءت حالة الصراع، يتوقع مراقبون دوليون تدخل دول “مثل مصر وإريتريا ودول أفريقية أخرى” في صف أيٍّ من الجانبين؛ بما “يهدر فرص الاستقرار في القرن الأفريقي.”

الصومال

ربما كان الصومال، بقيادة الرئيس المنتهية ولايته محمد عبد الله “فرماجو”، الدولة الأكثر تضررًا من “الحرب الأهلية الإثيوبية” منذ اندلاعها. ومن المرتقب أن يتزايد هذا الضرر مع توجه واشنطن نحو مقاربة أكثر حسمًا للأزمة وإعلان قادة عسكريون بالمنطقة (14 نوفمبر الجاري) احتمال اضطرار الولايات المتحدة (التي سحبت قواتها من الصومال لقواعد أخرى في الإقليم) إلى “الاستجابة العسكرية أو حتى فرض تسوية سياسية” لإنهاء الصراع، وتكريس جهود قوة المهام المشتركة في القرن الأفريقي لهذا الغرض؛ ما يعني تهميش الصومال ومحاولات إعادة بناء جيش وطني قوي وتحجيم الأنشطة الإرهابية.

جيبوتي

حضرت جيبوتي في قلب الحرب الأهلية الإثيوبية، وتصاعد هذا الحضور مع التقدم العسكري “لقوات المعارضة” الإثيوبية مطلع نوفمبر الجاري. ويتوقع مراقبون أنه في حالة نجاح هذه القوات في مواصلة تقدمها في الأراضي الأمهرية (بعد الاستيلاء على مدينتي ديسي وكومبولتشا على بعد 400 كم فقط من العاصمة أديس أبابا) فإنها ستحكم سيطرتها على “ممر جيبوتي” وهو الطريق التجاري الرئيس لإثيوبيا؛ مما سيضغط اقتصاديًّا بقوة على أديس أبابا وجيبوتي معًا.

الحرب الأهلية الإثيوبية والنظام الإقليمي

تمثل الأزمة الإثيوبية تهديدًا وجوديًّا للإقليم برمته وليس لإثيوبيا وحدها؛ حيث قد يقود تصاعد الاضطرابات إلى ارتفاع ضخم في أعداد اللاجئين الذين سيسعون إلى عبور الحدود الإثيوبية إلى دول الجوار، في تكرار كارثي ومضاعف لأزمة لجوء التيجرانيين إلى السودان طوال العام الفائت. وتشير تقارير للأمم المتحدة -لم تنشر بعد- توقعات بمحاولة مئات الآلاف من اللاجئين الفرار إلى جيبوتي وكينيا وولاية أرض الصومال بجمهورية الصومال الفيدرالية.  

وبعد صمت مطول من قبل الاتحاد الأفريقي ومؤسساته إزاء الأزمة في إقليم التيجراي عند وقوعها قبل أكثر من عام، وما نتج عنها من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وأعمال ارتقت –بأدلة وثقت لاحقًا- إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ورفض متكرر لتداول المسألة أفريقيًّا باعتبارها شأنًا داخليًا إثيوبيًّا، بادر الاتحاد بتدشين دبلوماسية نشيطة في الأزمة بقيادة مبعوثه في القرن الأفريقي الرئيس النيجيري الأسبق “أوليجسون أوباسانجو.” قامت هذه المبادرة، في جوهرها، وكما اتضح من بياني أوباسانجو أمام مجلس السلم والأمن الأفريقي ومجلس الأمن الدولي في 8 نوفمبر الجاري، على تبني مقاربة أديس أبابا للأزمة ورفض أي تدويل لها رغم الوضع الإنساني المزري القابل لمزيد من التدهور في الأسابيع المقبلة.

وتكشف المقاربات الإقليمية والدولية، وعدم القدرة على تنسيقها بشكل كاف، وجود تخوفات عميقة وتصورات متعارضة لسبل الحفاظ على النظام الإقليمي مستقرًا، في حده الأدنى. ففي حين تجنح الولايات المتحدة وخلفها قوى فاعلة في الإقليم إلى فرض التسوية وإطلاق “إثيوبيا ما بعد آبي أحمد” كحل مرحلي للأزمات الإقليمية، يواصل الاتحاد الأفريقي دورًا مضطربًا لا يحظى بقبول المعارضة المسلحة؛ مما يشي بفشله في النهاية، ويفسح المجال أمام المقاربة الدولية بتنسيق ثنائي مع بعض الدول الأفريقية.  

عن "مركز الإنذار المبكر"




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية