الحج منافع: لا للتسييس نعم لعقلنة العلاقات

الحج منافع: لا للتسييس نعم لعقلنة العلاقات

مشاهدة

07/08/2019

فرض الله الحج، واختلفنا في أي عام فرض، بين السادسة  والتاسعة للهجرة، وليس هذا موضع جدل؛ فالتأريخ، في شتى الموضوعات والأفكار، عرضة للرأي والاجتهاد والبحث والنظر، لكن الذي يجب أن يكون فيه الجدل والرأي هو في مقاصدية الحج، وما يمكن أن تخلقه طقوس هذه الشعيرة الدينية وممارسات أركانها  وشعائرها من مفاهيم وقضايا بالقدر الذي تقترب فيه من الجانب العبادي والمحتوى الطقسي الديني، فإنّها تبتعد إلى ما هو أعمّ وأشمل وأكثر منافع، كما في قوله تعالى في تعليل أن يؤذن سيدنا إبراهيم، عليه السلام، في الناس بالحج، ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ الحج29.

اقرأ أيضاً: طرق الحج القديمة.. جسور للتواصل ونقل الثقافات والمعارف

في هذا التناول لفكرة الحج ومقاصدية حكمه وفرضه، إلقاء للضوء على معضلة رئيسة من معضلات فهم وتأويل أداء العبادات والفرائض والشعائر، على شرطها الأساسي، ففي شرط الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، كما في قول الله تعالى ﴿إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ العنكبوت45، فإن لم تفعل؛ أي إن لم يحدث أن تنهى الصلاة عن ذلك، وإن صلى وسرق مثلاً، لا يعد ذلك عيباً في الصلاة، إنما هو عيب في الفهم وعيب في الوعي، وقد روي عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنّه قال: جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال: (سينهاه ما تقول)"؛ أي صلاته بالليل، حين يتحقق شرط الفهم والوعي، لا شرط الطقس الديني والشكل العبادي فقط.

إنّ رمي الشيطان في صحن الجمرات لا يعني أنك ترجمه بقدر ما تعني أن ترجم الخبث بداخلك والشر بنوازعك

إنّ أقل شؤون الدين فلسفة وبحثاً وحضوراً وفرعاً من فروع العلوم الدينية هو ما يتعلق بعلم "المقاصد"، الذي يبحث بمقاصد العبادات وغايات الشعائر وارتباطها بالمصلحة التي يجب أن تتحقق للفرد وللمجتمع وللدولة والأمة، فلا عبادة بلا غاية، ولا شعيرة بلا مقصد، ولا إيمان بلا مصلحة، لكنه، أي هذا العلم، أخذ في عصرنا الحاضر حيزاً مهماً من الاهتمام في محاولة لإصلاح الأعطاب التي أصابت المجتمعات في دينها وحياتها وممارساتها وعباداتها، عن طريق بيان الغايات للأحكام الشرعية وعللها ومستويات تحقق المصالح العامة للناس والمجتمع.

اقرأ أيضاً: البريد السعودي بمناسبة الحج.. مبادرة جديدة وطابع تذكاري

فالحج وفقاً لهذه النظرية ليس عبادة طقسية، إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفات والنفرة منها إلى مزدلفة وغير ذلك من الأركان والممارسات التعبدية، إنّه أوسع غاية من ذلك، وأكثر اقتراباً من واقع الحياة، وبيان صور معاش الناس وعلاقاتهم ومعاملاتهم، فالحج منافع، إن سلمنا أنّ أول منفعة فيه هي تحقيق عبادة وركن من أركان الدين، فإنّ هذا التسليم لا يتوقف هنا فحسب، بل يتعدى ذلك إلى المنافع التي ذكرها الله تعالى، في قوله ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾، وقد أسهب المفسرون في بيان المنافع فكثير من أهل التأويل قالوا "المنافع هي التجارة، وآخرون قالوا الأسواق، وآخرون قالوا "العفو والمغفرة"، وقال القرطبي في تفسيره: "وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بذلك: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة".

اقرأ أيضاً: الحج ميثاق عهد مع الله ومسؤولية تجاه الإنسان

وإن شئنا أن نذهب في القول بالتجارة إلى آخر معانيه، فإنّ من معاني التجارة ومتطلباتها الأمن والسلام واجتماع الناس ولقاؤهم وتعارفهم، وكل ذلك مقصد من مقاصد الحج، ليكون موسماً للعبادة وموسماً اجتماعياً ومؤتمراً عاماً للناس على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم من أهل الدين.

اقرأ أيضاً: الإخوان.. من عفو السادات إلى الهرولة لتسييس الحج

لا يستقيم الحج إلا بتمثل مقاصده، وتحقيق منافعه، أما الذين يتدافعون، مثلاً، إلى رمي الجمرات وعلى عرفات فيقترفون الأذى ويتسببون في موت البعض، فإن ذلك صورة مصغرة من صور تقزيم المقاصدية العظيمة للحج، والذين يعودون من الحج دون أن يعترفوا لأنفسهم بأنه مناخ اجتماعي متقدم على المناخ العبادي فإنهم لم يزيدوا أنفسهم إلا تعباً وإرهاقاً.

من منافع الحج أنّه يعكس صورة مشرقة عن قدرة هذه الشعيرة على إمكانية تجاوز الخلافات بين الناس والدول والمجتمعات

عرفات ليست بكاء ودعاء فقط، إنها شكل للمساواة، ورمي الشيطان في صحن الجمرات لا يعني أنك ترجمه، بقدر ما يعني أن ترجم الخبث في داخلك والشر في نوازعك، فتعود منها بلا حمل يكسر الظهر من الحقد والحسد والغل والبغي والكراهية.

إنّ غاية الخضوع لله تعالى أن تؤدي العبادة على الشكل الذي أمر به الله تعالى، لكن غاية الفهم وغاية الوعي أيضاً، أن تؤديها دون انفصام عن الواقع، بل أن يتم تمثيل الواقع تمثيلاً حقيقياً فيها تحقيقاً لمنافعهاً.

ومن منافع الحج أنّه مؤتمر عالمي للمسلمين، يكرس معاني الأخوة ويعزز اللّحمة، ويوطد العلاقات، ويعكس صورة مشرقة عن قدرة هذه الشعيرة المقدسة على إمكانية تجاوز الخلافات بين الناس والدول والمجتمعات، دون أية محاولة لتسييس الحج كعبادة؛ بل كمحاولة لعقلنة السياسة كعلاقات إيجابية قائمة على المحبة والتسامح.

الصفحة الرئيسية