الحداثة في السعودية ليست جديدة.. هذه هي الحكاية

5456
عدد القراءات

2018-12-17

تضم المملكة العربية السعودية صوراً مختلفة وعريقة في الفنون والثقافة، إضافةً إلى التنوع في التيارات الفكرية، رغم الصورة الطاغية لتياراتٍ دينيةٍ مختلفة، إلا أنّ قصة الحداثة فيها تحمل سيرةً مثيرة وغير عادية، ربما أهمها احتضان السعودية لأبرز القوميين العرب مطلع القرن العشرين.

ورغم أنّ صورة المملكة التي تشكلت في العالم الغربي، خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، وانعكست في العالم العربي، تطغى عليها الحركات والجماعات الإسلامية، لكن هذا، وجد في دولٍ إسلامية وعربية مختلفة مثل؛ مصر وباكستان.
آثارٌ مختلفة، تركها سعوديون في الفكر العربي وفي الأدب، إضافةً إلى بعض الإنجازات العلمية، وهو ما يمكن إلقاء نظرة عليه، للنظر في مقولة للبعض انتشرت مؤخراً، وهي أنّ حركة التحديث الجديدة في السعودية ليست إلا (ردة فعل سياسية)، رغم تاريخ الشعب السعودي الغني والمتنوع.

اقرأ أيضاً: السعودية المستهدفة: بروباغندا غير مسبوقة

أرض لكلّ عربي

بعد انقضاء الحرب العالمية الأولى، عام 1918، كانت المملكة العربية السعودية من الدول العربية القليلة المستقلة آنذاك، في حين بدأت أفكار القومية العربية والبحث عن الاستقلال وحقّ تقرير المصير تظهر في مواجهة الاستعمار، فشكّلت المملكة حينذاك موطناً للقوميين العرب في بداياتهم.

اقرأ أيضاً: السعودية تدخل "عالم النووي"
يقول الباحث الألماني، يورك ديترمان، في كتابه "كتابة التاريخ في المملكة العربية السعودية": إنّ "القوميين، خصوصاً أولئك الذين يؤمنون بضرورة ربط الإسلام بالعروبة، وجدوا ملجأهم في السعودية، ومن أبرزهم: شكيب أرسلان، الذي حاولت سلطات الاحتلال الفرنسي التضييق عليه، فلجأ إلى السعودية التي منحته المواطنة مباشرة خلال العشرينيات".

استقبل الراحل المؤسس عبد العزيز القوميين العرب بترحاب

وينقل ديترمان عن أرسلان قوله: "منذ اللحظة التي وقفت فيها بأرض ميناء جدة، شعرت أنّني عربي حرّ، في أرض عربية حرّة غير خاضعة للأجنبي".

اقرأ أيضاً: عقوبات إيران ومستقبل السعودية
أسماء عديدة أخرى وردت في كتاب ديترمان، كانت تحمل آمال أرسلان نفسها وثقته، منهم؛ المفكر والمؤرخ السوري خير الدين الزركلي، القوميّ الذي عيّنته السعودية، عام 1946، وزيراً لخارجيتها، بعد أن فوّضته لأعوام ليكون مستشارها للشؤون الخارجية، كما تبنّت السعودية عربياً سورياً آخر؛ هو يوسف ياسين الذي عمل في عدة مناصب، منها وزارة الخارجية كذلك، وأسماء أخرى؛ كحافظ وهبة من مصر، وفؤاد حمزة من لبنان.

اقرأ أيضاً: العالم يستثمر في السعودية رغم الحملات
وفق ديترمان؛ لم تكن المملكة العربية السعودية، منذ عهد الملك المؤسّس، عبد العزيز آل سعود (1876- 1953)، بمعزلٍ عن الهموم العربية عامة، لكنّها تحاشت أيّة حربٍ مع القوى العظمى في ذلك الحين، وانشغلت بالتوحّد، والبحث عن مصادر ثروات للاستمرار، فاستعانت بالعرب الذين استقبلتهم، كي يساهموا في رسم السياسة الدولية للمملكة من خلال خبراتهم.

ظهور النفط وصعود الثقافة

شهد العام 1935 بداية استخراج النفط في المملكة، التي كانت حينها آخذة بالتشكل؛ فلعب النفط دوراً مهماً، في بلد شبه خالٍ من الموارد، وتحتلّ صحراء الربع الخالي القاحلة مساحة واسعة من أراضيه.

تضمّ المملكة صوراً مختلفة وعريقة في الفنون والثقافة إضافة إلى التنوّع في التيارات الفكرية والدينية

وفيما تظهر المملكة العربية السعودية من بعيد، كأنّ معالمها لم تتضح للعالم الخارجي إلا مع اكتشاف النفط، فإنّ فسيفساء متنوعة جداً، ثقافياً ودينياً وجغرافياً أيضاً، كانت تمنح المملكة صورتها، غير أنّ الصراع العربي مع الاحتلال الصهيوني حتى عام 1967، والحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا، جعلت الدولة الغنية من عدة نواحٍ، لا تظهر في الإعلام والسياسة الدولية الخارجية إلا بوصفها مفتاح أمان للدول الكبرى اللاعبة في الشرق الأوسط، ولهذا بقي النفط وحده طافياً على السطح، مُخفياً ما تحته.

أسهم النفط في ضمان اقتصاد المملكة وتقدمها السريع

الواقع أنّ النشاطات الفكرية والثقافية السعودية بدأت مبكراً؛ على أيدي جيل من الصحفيين والكتّاب، مثل عابد خازندار؛ الذي نشط منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، فكتب في الحداثة والشعر والأدب، وانتقد في الصحافة ما رآه من مشكلات مجتمعية تتعلق بحقوق المرأة، كما انتقد "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" آنذاك، وكذلك إبراهيم الناصر؛ الذي يعدّ من رواد الرواية السعودية، إضافةً إلى عبد الله الجفري، صاحب التقنيات القصصية المتقدمة، الذي ذاع صيته خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وترأس تحرير عدة صحف سعودية، مثل: "البلاد" و"المدينة.

اقرأ أيضاً: طريق المرأة السعودية لقيادة السيارة.. ثماني محطات أساسية
ولمعت شاعرات وأديبات مثل: ثريا قابل، ومريم بغدادي، وأخريات من اللواتي أثرين المكتبة السعودية بالعديد من الدواوين الشعرية.
إضافة إلى السجالات الدينية والفكرية، التي أخذت مكانها مبكراً في المجتمع السعودي، في إشارة إلى وجود دولة وشعب، يمكنهما الصعود بسرعة نحو التقدم المأمول؛ فقد اشتهر مفكّرون من أمثال: عبد الله القصيمي؛ المثير للجدل على المستوى العربي كلّه، بمراوحته بين السلفية والإلحاد، ونقده طوال سيرة حياته للأنساق الفكرية السائدة عربياً، إضافة لمؤلَّفه ذائع الصيت "العرب ظاهرة صوتية"، الذي لاقى من النقد والجدل ما لاقاه، وبغضّ النظر عن الخلافات التي دارت مع القصيمي، فقد أضاف إلى المشهد السعودي والعربي مثالاً جديداً على الجرأة في الطرح، والجدل الممكن في أيّة قضية فكرية كانت.

اقرأ أيضاً: السعودية تكتسح عالم الطاقة الشمسية بقوة
ولم تفتقر المملكة العربية السعودية إلى الجدل الثقافي والفكري المستمرين، لكنّهما ترافقا كذلك مع وجود تيارات دينية متعددة ومختلفة، حجزت هي الأخرى مقاعد لها في المشهد السعودي.

الحداثة والتيارات الدينية
يقول الباحث السعودي في شؤون الحركات الإسلامية، خالد المشوح، في كتابه "التيارات الدينية في المملكة العربية السعودية": "السلفية العلمية، والسلفية الحركية، والجامية، والسروريون، وجماعة الإخوان المسلمين، والعصرانيون، وأخيراً؛ السلفية الجهادية، جميعها تيارات دينية تشكلت في المملكة العربية السعودية لأسباب مختلفة؛ فكانت المدارس الدينية حول المسجد النبوي الشريف مركزاً للسلفية بأشكالها المختلفة، منذ أربعينيات القرن الماضي".

اقرأ أيضاً: السعودية الجديدة... حديث العالم
ويضيف المشوح: "معظم هذه التيارات، شكلت امتداداً للسلفية؛ حيث تخلو السعودية من أحزاب حركية سياسية، لكنها تموج بنقاشات وصراعات بين تيارات تحاول أن تتسيد المشهد"، وذلك في بلد يعدّ قلب العالم الإسلامي وفيه مكة المكرمة، قبلة المسلمين؛ حيث يشرح المؤلف كذلك ارتباط ظهور الإخوان في السعودية بصعودهم نهاية الستينيات، ومجيء بعضهم من أقطار عربية مختلفة ليعملوا هناك، كما ظهرت شخصيات شيوخ إسلاميين؛ كابن عثيمين، وابن باز فيما بعد، أثّروا دينياً، وبقوة، في المجتمع السعودي.

اقرأ أيضاً: المعادلة السعودية في مواجهة المشروع الإيراني
ويربط الباحث بين السلفية الجامية والجهاد العالمي في أفغانستان، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ومن ثم انتشار السلفية الجهادية بسبب ظهور تنظيم القاعدة.
ومن زاوية أخرى؛ شهدت السعودية حراكاً ثقافياً مهماً بعد مرحلة الرواد في الستينيات، كما أنّ عقد السبعينيات كان عقد سجال فكري.
ويشير رئيس نادي الرياض الأدبي، الكاتب سعيد الحيدري، إلى نشأة النوادي الأدبية في السعودية، فيقول: "بداية عام 1975 تقدم عدد من الأدباء الكبار بفكرة إنشاء الأندية الأدبية، وقُدّم الطلب إلى الأمير فيصل بن فهد، وبالتالي لقيت الفكرة قبولاً وموافقة، فطلب من كل منطقة في المملكة تقديم طلب لإنشاء نادٍ أدبي فيها، فأنشئت نواة الأندية عام 1975؛ في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجازان، والرياض، وعدد منها ما يزال حتى اليوم".

اقرأ أيضاً: السعودية تعلن تجنيد الفتيات في 7 مناطق
ويؤكد الحيدري، من خلال تقريرٍ لصحيفة "الرأي" الكويتية، بتاريخ 10 آب (أغسطس) العام 2014؛ أنّ "نشاط الأندية استمرّ بالتطور تحت إشراف رئاسة رعاية الشباب، حتى دخلت المرأة في منظومته بعد عام 2000".

 

 

وقد تميزت هذه الأندية بإصدار العديد من الكتب والمجلات التي ضمت أعمال أدبائها وباحثيها، كما تظهر ذلك أظهر المكتبة الرقمية السعودية، على موقعها الرسمي.
جوانب مختلفة تفتح الباب على سؤال الحداثة في المملكة العربية السعودية، وما آلت إليه من اختفاء تحت عباءة أحداث مختلفة.

اقرأ أيضاً: الدين والسياسة الدولية في عقائد "السعودية الجديدة"
وفي كتابه المثير "حكاية الحداثة في السعودية"؛ يقول أحد كبار النقاد السعوديين والعرب، وأحد رواد نظرية النقد الثقافي العربي، عبد الله الغذامي: إنّ "المحافظة سمة عربية عموماً وإسلاميةٌ خصوصاً، والعرب رأوا في السعودية جوهر المحافظة، ولم يفكروا بالعثور على الحداثة فيها".
ويضيف الغذامي "إنّ بعض دعاةِ الحداثة بذلوا جهاداً مقدساً حتى لا يتحول المجتمع السعودي إلى الحداثة، لذلك، لا بدّ من أنّ للحداثة حكاية خاصة في هذا البلد".

اقرأ أيضاً: السعودية تفاجئ رواد السينما بقرارها الجديد
شهدت السعودية فترة انكماش اجتماعي أعقبت حادثة الحرم المكي وجهيمان العتيبي، عام 1979، وبعدها بعشرة أعوام تقريباً؛ ظهر الشيخ سعيد الغامدي، الذي دشّن بداية ظهور أشرطة التسجيل والمحاضرات الدينية، وانتشارها بين شباب الصحوة الدينية في السعودية، وقد وصفه الغذامي في كتابه قائلاً: "وصف الغامدي، في شريطه الأول، أيّ شخص يتحدث عن الحداثة والتقدم؛ بأنّه مدعٍ، وأنّه رسول الحداثيين، أو حاخام التنويريين".

يرى الغذامي أنّ للحداثة حكاية خاصة في السعودية

ولم تمنع هذه المرحلة، وما تلاها من سقوط الاتحاد السوفييتي بعد أفغانستان، وحرب الخليج الأولى، من أن تعدّ الحقبة الممتدة من السبعينيات وحتى التسعينيات، حقبة غنية، خاصة في الأدب النسوي؛ حيث أنتجت روايات نسائية سعودية، تميّزت بالجرأة والخوض في القضايا الاجتماعية المختلفة، فاشتهرت روائيات سعوديات، من أمثال: ليلى الجهني براويتها "الفردوس اليباب"، ونورة الغامدي برواية "البوصلة"، ورجاء الصانع صاحبة رواية "بنات الرياض".

اقرأ أيضاً: السعودية تواجه التحرش بنظام جديد.. هذه هي العقوبات
وظهر "العصرانيون" التنويريون؛ الذين استغلّوا تطور وسائل الاتصال والإنترنت لينشروا أفكارهم منذ بداية الألفية، يقول المشوح في كتابه آنف الذكر: هو "تيار رغم قلة منتميه وعدم ظهور منظومة أفكار واضحة لهم، غير أنّهم انتقدوا المواقف السعودية الرافضة لتدريس الفلسفة، وشجعوا مراجعة الخطاب الديني السائد، ويعتبر منصور الطريفي أحد رواد هذا التيار".

اقرأ أيضاً: الأردن والسعودية والمسار الطويل

ولا يخفى أنّ المملكة العربية السعودية شهدت تغييرات اجتماعية وقانونية مهمّة بعد العام 2000، وصلت ذروتها، أو تكاد، في هذا العام (2018)؛ بانفتاحها على معظم التيارات الفكرية والاجتماعية والحداثية في المملكة مستقبلاً، خصوصاً أنّ معظم هذه التغييرات جاءت في سياق لا يخدم أيّة أفكار متشدّدة يدعمها تيار ديني محدّد، وذلك أيضاً، ضمن ظروف المملكة الداخلية التي ساعدت في الحفاظ على أبرز سمة للمجتمع السعودي وهي المحافظة، وهي سمة مطلوبة من هذا المجتمع ومتوقعة منه، عربياً وإسلامياً.

 

 

تحديث ومستقبل
ركّزت سياسات المملكة التأسيسية على عدم الدخول في أيّ صراع من أجل بناء المملكة، وكانت خطة الملك المؤسس، عبد العزيز آل سعود، تقضي بمدّ أنابيب النفط حتى فلسطين، غير أنّ الاحتلال الصهيوني، المدعوم أممياً، أفسد هذه الخطة.
واليوم، تدخل المملكة في تحديات اجتماعية وسياسية مختلفة، أساسها التغيير الاجتماعي والتحديث، ومواجهة الأخطار الخارجية بعد انعدام الأمن في دول "الربيع العربي"، وتغول قوى غير واعية بمصالح العرب، مثلما تفعل إيران.

لم تفتقر السعودية إلى الجدل الثقافي والفكري اللذين ترافقا بوجود تيارات دينية حجزت مقاعد لها في المشهد السعودي

لقد شهدت السعودية قفزة حداثية في شتى المجالات؛ ففي مجال التعليم؛ يبلغ عدد المبتعثين السعوديين للتعليم في الخارج، اليوم، أكثر من مئة وعشرين ألف مبتعث، وفي السعودية العديد من مراكز الأبحاث الفكرية والعلمية، أشهرها تلك التي تضمّها جامعة "الملك فهد للبترول والمعادن"
وجامعة "الملك سعود"، أما في مجال الزراعة والصناعة؛ فتتجه المملكة إلى تطويرهما على أراضيها، فالحديث متداول اليوم، عن عدم الاعتماد على النفط وحده، وتطوير الاستثمارات الضخمة لصالح المملكة والدول العربية من حولها، بحسب مشروع "نيوم": الذي تم الإعلان عنه في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

اقرأ أيضاً: السعودية: جماعة الإخوان المسلمين "نبتة شر" في الإسلام
قطعت المملكة أشواطاً، وتجاوزت مصاعب كبيرة، منذ العام 2017، في مجال محاربة الإرهاب من جهة، ومنح حقوقٍ أوسع للمرأة السعودية، والحدّ من أيّ تشدّدٍ في المجال العام للمجتمع السعودي، إضافة إلى تطوير نظام المملكة الاقتصادي والسياسي.
هذه هي السعودية؛ التي ضمّت، بجسدها المعقد، الممتدّ بصحاريه وبحره وجباله الخضراء، ما يطمح إليه أيّ بلد عربي إسلامي؛ من تنوّع وتياراتٍ سياسية ودينية وفكرية، وراوحت بين المحافظة والحداثة، متمسّكة بصورتها الأساسية؛ بأنّها مرجعية إسلامية تضمّ مكة والمدينة، وكما يقول عبد الله الغذامي في كتابه: "مهما ظنّ البعض أنّ السعودية لم تدخل الحداثة، أو حاول آخرون الجزم بهذا، فإنّها تتغير، فقد عاشت ثورة مبكرة حين تبنّت الدولة الأولى تصور مجتمعها البدوي للدين والحياة، وها هي اليوم تتغير مدفوعةً بوعي الحداثة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: