الحركات الجهادية في إفريقيا... تحالف وتقاتل وعنف

6290
عدد القراءات

2018-12-13

ترجمة: علي نوار


قبل ما يقرب من عام؛ انفجرت عربة مفخخة تحمل طنّين من المتفجرات، في قلب العاصمة الصومالية، مقديشيو، لتودي بحياة 600 شخص؛ ويصبح هذا الحادث هو ثاني أكثر الهجمات دموية في تاريخ الإرهاب الحديث، نظراً إلى ضخامة عدد القتلى، الذي يصل لثلاثة أضعاف ضحايا هجمات 11 آذار (مارس) 2004 في مدريد، وهجمات بالي، و10 أضعاف ضحايا هجمات 7 تموز (يوليو) 2005 الإرهابية.

هذا الحادث هو ثاني أكثر الهجمات دموية في تاريخ الإرهاب الحديث، نظراً إلى ضخامة عدد القتلى

تقدّم هذه الاعتداءات لمحة عن تصاعد وتيرة العنف الذي يشهده، ليس الصومال فحسب؛ بل القارة الإفريقية بالكامل. فقد شهد العام الماضي مقتل 10 آلاف شخص، جرّاء هجمات جهادية، ورغم أنّ الرقم بعيد للغاية عن ذلك الذي شهده عام 2015، بمصرع 18 ألف شخص، إلّا أنّ الظاهرة لا تتوقّف عن التمدّد: فخلال الفترة بين عامي 2010 و2017، ارتفع عدد الدول التي توجد بها منظمات جهادية إلى الضعف، بينما قفزت معدلات الهجمات بنسبة 300%.
ويقول سرخيو ألتونا، الباحث في برنامج الإرهاب العالمي بمعهد "إلكانو" الملكي الإسباني: "رقعة التهديد تتسع، ويحظى تنظيم القاعدة حالياً بعدد من المقاتلين، يفوق أيّ وقت مضى داخل إفريقيا، ولديه وجود في دول كثيرة، كان الاعتقاد السائد دائماً أنّها لن تتعرّض لهذا النوع من التهديد، وظهرت بؤر جهادية جديدة في كلّ من؛ موريتانيا، وكينيا، وبوركينا فاسو، بقوة كبيرة، أما النيجر التي كان هناك وجود بسيط للجهاديين في المنطقة الجنوبية الشرقية منها، فقد أصبحت هذه المنطقة شديدة الخطورة".

أبو بكر شيكاو، في فيديو عام 2016. (رويترز)
وبحسب التقرير السنوي حول الإرهاب؛ الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية، والذي نشر في أوائل تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ فإنّه "على الرغم من تكثيف الدول الإفريقية لجهودها الهادفة لوضع حلول لمكافحة الإرهاب في المنطقة، إلّا أنّها ما تزال تقاتل من أجل احتواء توسّع الجماعات الإرهابية، التي نفذّت بالفعل هجمات وأعمال أخرى في 2017"، وبينما كان العالم منشغلاً بالعراق وسوريا، ويحتفل بالقضاء على آخر معاقل تنظيم داعش، كانت الحركات الجهادية تنتشر في أنحاء إفريقيا كالسرطان.

اقرأ أيضاً: الأعداد التقديرية للمقاتلين في الخلايا التابعة لداعش في إفريقيا
قال ألتونا لصحيفة "الكونفدنسيال" الإسبانية: "هناك أسباب مختلفة؛  منها غياب الفرص التعليمية والاقتصادية، إضافة إلى الحكم غير الرشيد حيث إنّ الكثير من هذه الدول تحكمها أنظمة استبدادية؛ إذ يحدث تركيز شديدة للسلطة، فسلطة الدولة لا تتجاوز المدن الحضرية الكبرى، ويتلاشى خارجها، ما يسهم في السعي نحو انضمام جزء من الشعب، محدود، لكنّه واضح، إلى هذا النوع من الجماعات الإرهابية".
خلافات عائلية في بوكو حرام
تعدّ الأحداث التي أحاطت بجماعة (بوكو حرام) مؤخراً خريطة واضحة لكيفية تطور الحركات الجهادية في قارة إفريقيا، فقد تأسّست الجماعة عام 2002، في مدينة مايدوجوري النيجيرية، على يد رجل دين ذي شعبية جارفة؛ هو محمد يوسف وكانت جماعة دينية في البداية، قبل أن تتّجه نحو الأصولية، وتبدأ في استخدام العنف ضدّ هؤلاء الذين رفضوا تبني تأويلها المفرط في التطرّف للإسلام، وبعد إعدام يوسف على الملأ من جانب الشرطة النيجيرية، عام 2009، دخل أتباعه في مرحلة دموية أفرزت فظائع وحشية وضعت الجماعة تحت أنظار المجتمع الدولي.

اقرأ أيضاً: نيجيريا تخفق في هزيمة بوكو حرام .. وهذه هي الأسباب
واشتهر أبو بكر شيكاو، خليفة يوسف، بالمذابح الجماعية في شمال نيجيريا والدول المجاورة، واستخدام الأطفال في الاعتداءات الانتحارية، واختطاف القصّر من مدارسهم، واتجه للتفكير في الانضمام إلى تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، بل ووصل الأمر لدرجة إرسال بعض أعضاء "بوكو حرام" إلى الجزائر، من أجل الحصول على التدريب، بيد أنّ هذه المبادرة لم تثمر، وفي 2015؛ أعلن شيكاو الولاء لتنظيم داعش، وغيّر اسم جماعته إلى ولاية غرب إفريقيا، التابعة لـداعش، إلا أنّ قيادات الأخير انتبهوا سريعاً إلى أنّ النيجيري لم يكن يسعى سوى إلى بثّ الإرهاب بغرض الإرهاب، لا السيطرة على الأراضي.

سرخيو ألتونا: رقعة التهديد تتسع، ويحظى تنظيم القاعدة حالياً بعدد من المقاتلين، يفوق أيّ وقت مضى داخل إفريقيا

لذلك، قرّر تنظيم داعش، في 2016 تعيين قيادي آخر لتمثيل بوكو حرام في هذه المنطقة من إفريقيا، ووقع الاختيار على "أبو مصعب البرناوي" ابن محمد يوسف، ما أدّى لوجود حركتين؛ الأولى هي (ولاية غرب إفريقيا) بزعامة البرناوي؛ الذي يعتقد أنّ تحت إمرته ثلاثة آلاف و500 مقاتل، ما يجعلها أكبر فصيل تابع لـداعش، على مستوى العالم، وقد أصبح فرعاً رسمياً من التنظيم الجهادي في شمال غرب القارة، بينما يطلق الجميع على الحركة التي يقودها شيكاو، والذي ما يزال تحت قيادته ألف و500 رجل، الاسم القديم (بوكو حرام)، ورغم اتجاه الأخيرة للعنف العشوائي واسع النطاق، إلا أنّ (ولاية غرب إفريقيا) استفاد بصورة كبيرة من خبرة الجهاديين المخضرمين من دول أخرى، الذين درّبوا عناصره على تكتيكات مثل زرع القنابل منزلية الصنع على الطرقات.
ونظراً إلى موقعها الإستراتيجي؛ تعدّ نيجيريا أكثر مناطق النزاع سخونة على مستوى القارة، ويؤكّد جنرال سابق، كان قائداً للقوات الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)؛ أنّه "إذا سقطت نيجيريا، فإنّ هذا من شأنه أن يخلق ثقباً هائلاً، قد يبتلع ستّ أو سبع دول أخرى"، في تصريحات أوردتها صحيفة "إيكونوميست"، لكنّ نيجيريا ليست البؤرة الوحيدة التي تبعث على القلق.

اشتهر شيكاو بالمذابح الجماعية بشمال نيجيريا والدول المجاورة واستخدام الأطفال في الاعتداءات الانتحارية، واختطاف القصّر من مدارسهم

ويتابع الخبراء، بقلق، كيفية اتجاه الكثير من هذه الجماعات نحو عقد تحالفات جهادية، تكبر بمرور الوقت، وبشكل مستمر، كما حدث على سبيل المثال في الصحراء الكبرى؛ حيث ظهرت بنهاية الشتاء الماضي، ما يطلق عليه اسم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"؛ عن طريق اندماج عدة حركات سلفية جهادية هي "أنصار الدين" الطوارقية، و"جبهة تحرير ماسينا"، و"المرابطون"، التي ولدت بدورها إثر الاتحاد بين "جماعة التوحيد والجهاد، غرب إفريقيا، وفرع القاعدة في المغرب الإسلامي بالصحراء الكبرى، ورغم أنّ التركيبة الداخلية في هذا الاندماج موضع تساؤلات، إلا أنّ تنظيم القاعدة يعدّه فرعاً له في الساحل، بعد مبايعة أيمن الظواهري، خليفة مؤسس وزعيم القاعدة الراحل، أسامة بن لادن، خاصة أنّ التنظيم الجديد يسيطر على مساحات لا بأس بها من الأراضي.

هيمنة "الشباب"
هناك سيناريوهات أخرى قائمة، من بينها التفتّت؛ وهو ما ينطبق، على سبيل المثال، في حالة مصر؛ حيث أدّى ظهور فرع لتنظيم داعش، إلى أن تُطل عدة حركات، مختلفة ومتقاتلة فيما بينها، برأسها، خلافاً لما هو حادث في منطقة القرن الإفريقي؛ حيث تتوارى الجماعات حديثة العهد أمام هيمنة جماعة "الشباب".

اقرأ أيضاً: وزير مغربي يكشف عدد إرهابيي داعش والقاعدة في إفريقيا
وأورد التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية ما يلي: "نجحت جماعة الشباب في الاحتفاظ بقاعدة انطلاق آمنة، فضلاً عن عمليات التجنيد والسيطرة على الموارد والهيمنة الفعلية على مناطق شاسعة من الصومال؛ حيث تتحرّك بحريّة تامّة"، لكنّ العامل الأكثر مدعاة للقلق هو امتداد الجماعة إلى دول الجوار، مثل: أوغندا وكينيا، وبلدان أخرى إلى الجنوب من الصومال، ويذكر تقرير "المجموعة العالمية للأزمة"، حول هذه المنظمة: أنّه "رغم خسارتها أراضيَ في الصومال وتراجع قدرتها على التجنيد في كينيا، تحت وطأة ضغط السلطات، إلّا أنّ "الشباب" أدركت كيف تتأقلم، عن طريق إيجاد مناطق عمليات جديدة، علاوة على إجراء اتصالات مع عسكريين في جنوب تنزانيا وشمال موزمبيق"، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هناك علاقة بين "الشباب"، وظهور حركة جديدة في موزمبيق، تحمل اسم "أنصار السنّة" أو "سنة سواحيلي" التي تقارع سلطات موزمبيق حيث لا وجود يذكر للمسلمين.

اقرأ أيضاً: القاعدة تهدد باستهداف المصالح الغربية في إفريقيا
ويقارن الجنرال، مارك هيكس، قائد القوات الخاصة الأمريكية في إفريقيا، الوضع الراهن بصعود حركة طالبان بأفغانستان، خلال حقبة التسعينيات؛ حيث قال: "ما يزال في طور البدء، ويمكن التعامل معه مقابل ثمن غير فادح من حيث الدماء والأموال"، وذلك أثناء مقابلة أجرتها معه صحيفة "إيكونوميست"، وأوضح خلالها؛ أنّ الوضع قد لا يستمر على الأرجح بهذه الحالة لوقت طويل، وقد أعدّت "أفريكوم" بالفعل، تقريراً في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، حلّلت فيه ما الذي قد يحدث إذا امتدّ نفوذ هذه الجماعات إلى ليبيا، وإقليم الساحل، وبحيرة تشاد، أو حتى إن اتّجهت لإبرام التحالفات فيما بينها.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تحذّر: داعش يتمركز في إفريقيا
ويتكهّن التحليل بالسيناريوهات المتوقّعة، إذا نشأ تحالف بين الجماعات الجهادية ونجح في السيطرة على الشرق الليبي، الغني بآبار البترول على نحو شبيه بما فعله "تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق" واستفادوا من هذه العائدات في تمويل هجمات إرهابية. ويؤكّد التقرير أن "تنظيم الدولة الإسلامية وأفرعه التابعة له قد يكون بوسعهم وقتها البدء في التخطيط وتنفيذ هجمات واسعة النطاق والتأثير ضد أهداف غربية في شمال أفريقيا وأوروبا".

اقرأ أيضاً: هل هرب الإرهابي أبو بكر البغدادي إلى إفريقيا؟
كما درس التقرير التحالفات المحتملة بين (داعش) وفروع تنظيم القاعدة المختلفة، سواء في ليبيا أو منطقة المغرب العربي، وهو ما يعني السماح لهذه الجماعات بالتغلغل في دول مثل الجزائر ومالي وتونس، وأوضحت دراسة "أفريكوم"؛ أنّه "في غضون خمسة أعوام ستكون هذه الجماعات قد فرضت سيطرتها على الأراضي الواقعة في شمال مالي، وصولاً إلى تومبوكتو، وستقيم علاقات تعاون وثيق مع الجماعات المتمرّدة في مالي، بينما ترسي نظاماً للحكم في الأراضي التي تخضع لنفوذها"، ولفت التقرير الانتباه إلى مدى خطورة توحيد جماعتي بوكو حرام وولاية غرب إفريقيا، موضحاً أنّ "الأراضي التي تخضع لسيطرتهما في نيجيريا، قد تتحوّل في غضون عامين إلى مقصد للجهاديين، ونقطة تجمّع للمقاتلين الأجانب والإقليميين من أجل الحصول على التدريب والتلقين".
أعضاء في موكب الشباب بعد الانتهاء من تدريبهم ، في مقديشو ، في أكتوبر 2010. (رويترز)

إمكانية التحالف
رغم أنّ هذا التحليل يفترض السيناريوهات الأسوأ، لكن خبراء، مثل ألتونا، لا يعتقدون أنّ فرضية التعاون بين الجماعات الإرهابية غير مستبعدة على الإطلاق؛ حيث يرى أنّه "حدث ذلك بالفعل في بعض المناطق، مثل بنغازي، حيث تعاون "مجلس شورى الثوار"؛ الموالي لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، مع فرع تنظيم داعش "ولاية برقة"، أثناء الحصار الذي فرضه المشير خليفة حفتر على المدينة، شهدت بعض البلدان انقسامات ثم إعادة توحيد، التعاون هو احتمال قائم، لا اعتقد أنّ الأمور ستتحوّل إلى تحالف بين ليلة وضحاها، لكن بمرور الوقت، فهذا ممكن بالتأكيد".
وأضاف "خاصة أنّ عدداً كبيراً من زعماء فصائل داعش في إفريقيا، سبق لهم الانخراط من قبل في صفوف تنظيم القاعدة، لذا فإنّهم يحظون بصلات وعلاقات، وينعكس ذلك حالياً في صورة عدم تقاتل هذه الجماعات فيما بينها، ومن الواضح بشدّة أنّ ثمة علاقات بينها".

تعدّ نيجيريا نظراً إلى موقعها الإستراتيجي أكثر مناطق النزاع سخونة وخطورة على مستوى القارة كلها

بيد أنّ بعض المراقبين يرون أنّ توقّعات "أفريكوم"، ربما لا تعدو سوى كونها محاولة من أجل جمع الأموال، في الوقت الذي تفكّر فيه إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بتقليص موازنة وقوام القوات الأمريكية المنتشرة في القارة، علاوة على أنّ بعض النشطاء الأفارقة يؤكّدون أنّ تواجد القوات الأجنبية لا يسهم في تسوية المشكلة، بل تعقيدها وزيادتها سوءاً.
ويبرز ألتونا "لا يمكن إنكار أنّه بدون عملية "سرفال"، التي استمرت باسم عملية "برخان"، التي تقرّر بموجبها نشر آلاف العسكريين الفرنسيين في الأراضي المالية، قبل أن ينضمّ إليهم عسكريون من دول أخرى، لكان الشطر الشمالي من مالي قد سقط، وامتدت سيطرة الجهاديين إلى مناطق، ربما قد لا تكون ذات كثافات سكانية عالية، لكنّها مترامية الأطراف، والأهمّ من كل ذلك؛ هو الحيلولة دون تحوّل المنطقة إلى نقطة تجمع خطرة للمقاتلين"، مشدداً في الوقت ذاته أنّ "التواجد الغربي، وما يثيره من الشعور بالاعتماد على الغرب، وليس روح التعاون، يعيد إلى الأذهان فكرة الكولونيالية الجديدة والتدخل الأجنبي، وهذا واضح للغاية بالنسبة إليّ".

اقرأ أيضاً: الصراعات الدينية تتأجج في إفريقيا
ويستطرد الخبير قائلاً: "لكن إفريقيا كبيرة جداً، وكذلك منطقة الساحل، الوجود الغربي ليس متماثلاً بالضبط، فالعمل الذي يقوم به ليس نفسه في جميع الدول، وكذلك النتائج ليست ذاتها، إلا أنّني، في المقابل، أعتقد أنّه يتعيّن على الغرب تغيير فكرة المساعدة التي يقدّمها؛ حيث يولي مزيداً من الاهتمام والتعاون في مجال الأمن، وتمكين السلطات والشعوب المحلية، وليس مجرّد انتشار لتنفيذ مهمات نوعية فحسب"، مشيراً أيضاً إلى مدى تعقيد الوضع على الساحة الإفريقية بتأكيده "كما أنّه صحيح في بعض الدول، حيث لا يكفي العمل الذي تقوم به قوات الأمن المحلية منفردة في احتواء التهديد على جميع أراضي البلاد".


المصدر: مقال للصحفي دانييل إيرارتي، نشر في صحيفة "الكونفدنثيال" الإسبانية، بتاريخ 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



العدوان التركي على سوريا: النتائج المتوقعة وأبرز الخاسرين

2019-10-22

ترجمة: علي نوار


بعد ثلاثة أيام بالضبط من إعلان رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، انسحاب القوات الأمريكية المنتشرة في شمال سوريا، شرعت القوات التركية في شنّ عملية عسكرية بالمنطقة.

يعاني الأكراد من معاداة السلطات التركية حيث اتخذت بحقهم إجراءات مثيرة للجدل مثل حظر الأسماء الكردية ومنع استخدام اللغة الكردية

ويُعدّ هذا التدخّل هو الثالث الذي ينفّذه الجيش التركي في سوريا منذ عام 2016، وقد أدّى منذ الأسبوع الأول من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري إلى نزوح 60 ألف شخص، بحسب تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وتستهدف أنقرة، على المستوى العسكري، ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية التي تقود تحالف قوات سوريا الديمقراطية، وهو تحالف كردي-عربي تعاونت معه الولايات المتحدة من أجل القضاء على تنظيم داعش.

وتصنّف تركيا وحدات حماية الشعب التركي كمنظّمة إرهابية بسبب صلاتها بحزب العمال الكردستاني الذي ينشط على الأراضي التركية والذي دخلت معه أنقرة في حرب عصابات دموية منذ 1984. لكن القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تدعم وحدات حماية الشعب وتثني على الدور البارز الذي لعبته هذه الميليشيات في دحر "داعش" عسكرياً في الفترة الأخيرة.

من هم الأكراد؟

يُعتبر الشعب الكردي هو أكبر أقلّية عرقية بلا دولة في إقليم الشرق الأوسط. ويُقدّر تعداد الأكراد بما يتراوح بين 25 و35 مليون شخص يعيشون في المنطقة الجبلية الموزّعة بين أربع دول هي؛ تركيا والعراق وإيران وسوريا، وإقليم صغير في أرمينيا. ويمتلك الأكراد لغة وثقافة خاصة بهم. ويعتنق أغلبهم المذهب السُنّي من الإسلام، رغم أنّ جزءاً منهم يؤمن بأديان ومُعتقدات أُخرى.

اقرأ أيضاً: ما الذي يخبئه الاتفاق التركي- الأمريكي على وقف "نبع السلام"؟

ويحلم الأكراد منذ مطلع القرن الـ20 بإنشاء دولة لهم هي كردستان. بيد أنّ اتفاقية لوزان، في سويسرا، التي وُقّعت عام 1923 التي رسمت حدود تركيا الحالية، لم تأخذ بعين الاعتبار إنشاء دولة كردية، ومنذ ذلك الحين تبوء أي محاولة لإقامة دولة كردية مستقلّة بالفشل.

بين عامي 1920 و 1930 تم نقل العديد من الأكراد إلى أجزاء أخرى من تركيا

ما هي وحدات حماية الشعب؟

هي الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي أسّسه القوميون الأكراد في شمال سوريا. وتسعى وحدات حماية الشعب من أجل استقلال الأكراد بسوريا ولديها بعض الروابط بحزب العمال الكردستاني في تركيا، وهو الفصيل الذي يناضل بدوره من أجل إقليم ذاتي الحكم في تركيا.

يضع التدخل العسكري التركي ضد الأكراد واشنطن في مفترق طرق فتركيا وقوات حماية الشعب الكردي حليفان مهمّان بالنسبة للإدارة الأمريكية

ودخل حزب العمال الكردستاني في نزاع مسلّح ضد الجيش التركي منذ 1984 وتنظر له أنقرة باعتباره تهديداً لوحدة أراضيها. بالتالي قرّرت تركيا حظر الحزب وتصنيفه منظّمة إرهابية من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

أما وحدات حماية الشعب في سوريا فقد كانت حليفاً أساسياً للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب الجهادي بالمنطقة، وكانت الميليشيا التي قرّرت واشنطن دعمها من أجل إسقاط "داعش" بعد محاولات غير ناجحة للتعاون مع ميليشيات أخرى محلّية، وفقاً لما كشفه الخبير الأمني جوناثان ماركوس لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). وأوضح ماركوس في تحليله "قرار واشنطن بدعم الأكراد بالتدريب والمعدّات (العسكرية) أتى بثماره. أظهروا ولاءهم وقدراتهم كذلك ويعود تفكيك خلافة "داعش" بصورة كبيرة إلى إسهاماتهم".

لماذا ترى تركيا الأكراد تهديداً لها؟

هناك خلاف عميق بين الحكومة التركية والأكراد في تركيا؛ حيث يمثّل الأكراد ما يتراوح بين 15% إلى 20% من الشعب. وعلى مدار أجيال، يعاني الأكراد من معاداة السلطات التركية. ففي الفترة بين 1920 و1930، نُقل عدد كبير من الأكراد إلى مناطق أخرى من البلاد، واتّخذت السلطات إجراءات مثيرة للجدل مثل حظر الأسماء الكردية، فضلًا عن منع استخدام اللغة الكردية، ورفضت الاعتراف بوجود هوية عرقية كردية.

مسؤول كردي: لم تنته المعركة ضد داعش بعد، هناك المئات من الخلايا النائمة في المناطق المُحرّرة حديثاً

وفي العام 1978، أسّس السياسي الكردي عبد الله أوجلان حزب العمال الكردستاني، الحزب الذي كان يطالب في البداية بإنشاء دولة كردية مستقلة في تركيا، لكن بعدها بسبعة أعوام فقط، رفع الحزب السلاح، ومنذ ذلك الحين لقى 40 ألف شخص، على الأقل، مصرعهم، واضطر مئات الآلاف للنزوح عن منازلهم.

وفي عقد التسعينيات، تخلّى حزب العمال الكردستاني عن تطلّعاته نحو الاستقلال، ورأى الاكتفاء بالمطالبة بقدر أكبر من الاستقلالية الثقافية والسياسية، لكن النزاع المسلّح لم يتوقّف.

لكن بحلول 2013، توصّل حزب العمال الكردستاني لاتفاق هدنة مع الحكومة، رغم أنّه سقط إثر الهجمات الانتحارية المنسوبة لتنظيم داعش والتي وقعت في 2015 وراح ضحيتها 33 شاباً بمدينة سروج الكردية القريبة من الحدود مع سوريا.

ووجّه حزب العمال الكردستاني أصابع الاتهام لأنقرة بالضلوع في هذه الهجمات، ليقرّر استهداف جنود الجيش والشرطة الأتراك، ومنذ ذلك التوقيت أعلنت تركيا الحرب ضد الإرهاب مستهدفة كلّا من حزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش.

وترى أنقرة أنّ وحدات حماية الشعب هي امتداد لحزب العمال، ورغم أنّهما يتشاركان نفس الأيدولوجيا، لكنّهما يؤكّدان كونهما جهات منفصلة.

على مدى أجيال تلقى الشعب الكردي معاملة معادية من السلطات التركية

ماذا يقول أردوغان؟

يؤكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّ الحملة، التي بدأت بغارات جوية مستهل الشهر الجاري، تستهدف القضاء على القوات الكردية بالمنطقة الحدودية وفرض "منطقة آمنة" بحيث يتمكّن ملايين اللاجئين السوريين من العودة. فقد غرّد أردوغان "مهمّتنا هي الحيلولة دون ظهور ممرّ للإرهابيين بطول حدودنا الجنوبية وإحلال السلام بالمنطقة".

اقرأ أيضاً: هل يمكن تجميد عضوية تركيا بـ"الناتو"؟

وأضاف رئيس تركيا "عملية (نبع السلام) ستحيّد التهديدات الإرهابية ضد تركيا وتسهم في إنشاء منطقة آمنة، تعمل على إعادة اللاجئين السوريين إلى منازلهم. سنحافظ على وحدة الأراضي السورية ونحرّر المحلّيين من الإرهابيين".

على الجانب الآخر، تؤكّد قوات سوريا الديمقراطية أنها ستدافع عن أراضيها "بأي ثمن"، وحذّرت قبل بدء الهجوم التركي أنّ شمال شرق سوريا على شفا "كارثة إنسانية محتملة"، معتبرة أنّ العملية التركية من شأنها منح قبلة الحياة لـ"داعش" وهي مخاوف تنتاب الكثير من المراقبين الدوليين.

ما طبيعة الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة؟

يضع التدخل العسكري التركي ضد الأكراد واشنطن في مفترق طرق، فتركيا، العضو في حلف الناتو، ووحدات حماية الشعب الكردي حليفان مهمّان بالنسبة للإدارة الأمريكية.

فقد بدأت الولايات المتحدة في العمل مع القوات الكردية عام 2015 كي تساهم الأخيرة مع التحالف الغربي في وقف تقدّم تنظيم داعش، ولم تكن مخطئة في قرارها. لكن هذا التحالف تضرّر جراء إعلان دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا، في خطوة يرى بعض المراقبين أنّها "خيانة" للشعب الكردي وتغيير جذري في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة.

اقرأ أيضاً: بعد العدوان التركي: سوريا تربح من الباب الخلفي.. كيف؟

وخرج ترامب ليدافع عن نفسه إزاء هذه الاتهامات عبر موقع (تويتر) حيث غرّد "ربما نغادر سوريا، لكنّنا لم نتخلّ بأي حال عن الأكراد، وهم شعب مميّز ومقاتلون رائعون"، رغم أنّه قلّل فيما بعد من حجم الدعم الذي قدّمه الأكراد لواشنطن، بيد أنّه حذّر أنقرة لاحقاً من مغبّة استخدام القوة "غير الضرورية"، مهدّداً بـ "تدمير" اقتصاد تركيا إذا "تجاوزت تركيا الحدود" أثناء تدخّلها.

ما هي تبعات الهجوم التركي على سوريا؟

يتعرّض الهجوم التركي على شمال سوريا لانتقادات عنيفة من الحكومات العربية، لكن تركيا لا تلقي لها بالاً، بل وخرج نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي ليصرّح بأنّ العملية تجري كما كان مخطّطاً لها، لكن ما هي التبعات المحتملة لهذه العملية؟

يصعب التكهّن بنتائج (نبع السلام)، لكن وفقاً لصحيفة (إيلاف) البريطانية فإنّ الأكراد لن يكونوا الخاسر الوحيد جراء هذه العملية التي قد تؤثّر سلباً وبدرجة كبيرة على النجاح الذي تحقّق في الحرب ضد الإرهاب الدولي، فربّما يستغل مقاتلو تنظيم داعش الأسرى بالمناطق الكردية حالة الفوضى للهرب والانتشار بجميع أرجاء المنطقة.

كما أنّ هذا التدخّل من شأنه أن يضرّ بتركيا نفسها أيضاً، خاصة وأنّ الحكومة مجبرة على شنّ "حرب لا نهاية له" مع الأكراد، لا سيما وأنّ واشنطن زوّدت الأكراد بأسلحة وعتاد، فضلاً عن التدريب العسكري، لذا فإنّ المعارك بين الطرفين ستكون دائمة. الأمر الذي قد يعني نوعاً ما "فيتنام" بالنسبة لتركيا، أو على أفضل تقدير نصر بخسائر فادحة.

لعبت وحدات حماية الشعب دوراً مهماً في الهزيمة الأخيرة التي عانت منها داعش في سوريا

عودة "داعش" للحياة من جديد؟

يعتقد الكثير من المحلّلين أنّ العملية العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا ربما ينتج عنها عودة ظهور تنظيم داعش، رغم تأكيدات تركيا بالتزامها بمنع حدوث ذلك الأمر، بعد القضاء على آخر معاقل التنظيم على الأراضي السورية في آذار (مارس) الماضي.

خبير في معهد الشرق الأوسط: ترامب منح تنظيم داعش قبلة العودة للحياة

فرغم القضاء على "داعش" إلّا أنّ التنظيم أصبح منظمة سرية لديها خلايا نائمة لا تزال تنفّذ هجمات واعتداءات دموية، ويوضّح المحلّل سام هيلر من (مجموعة الأزمة العالمية) لوكالة الأنباء الفرنسية "ما زال "داعش" يشكّل خطراً قابلاً للانتشار مرة أخرى إذا تشتّت موارد واهتمام قوات سوريا الديمقراطية نحو معركة دفاعية أمام تركيا".

ويؤكّد عبد الكريم عمر مسؤول الشؤون الخارجية في الإدارة الكردية "لم تنته المعركة ضد "داعش" بعد. هناك المئات من الخلايا النائمة في المناطق المُحرّرة حديثاً".

علاوة على ذلك، فمن شأن عملية تركية تهديد السجون والمخيمات التي يديرها الأكراد والتي تؤوي عدداً من الجهاديين وعائلاتهم، الأمر الذي دفع قوات سوريا الديمقراطية للتعبير عن تخوّفها من فقدان السيطرة على هذه المنشآت. ففي مخيم الهول وحده، بشمال شرقي سوريا، يوجد 70 ألف نازح، بينهم ثلاثة آلاف أسرة لجهاديين، طبقاً للإدارة الكردية.

وأضاف عمر "قد يهرب هؤلاء المجرمون"، لافتًا النظر إلى أنّ مراكز الاحتجاز هي أماكن غير حصينة، وعلى رأسها مخيم الهول الذي وصفه بـ "قنبلة موقوتة" حيث يُحتجز به "أشخاص خطرون للغاية مثل آلاف من مقاتلي داعش" ومن بينهم أجانب وغربيون، وتقع به يومياً اعتداءات بأسلحة بيضاء وجرائم قتل ومحاولات هرب.

وكل ذلك بعد دعوة زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي في أيلول (سبتمبر) الماضي أتباعه، في تسجيل صوتي، لـ "إنقاذ" الجهاديين وعائلاتهم الذين يعيشون في هذه المراكز والسجون. ووفقاً لـ(معهد دراسات الحرب)، فإنّ التنظيم الإرهابي يدفع رشاوى لحرّاس هذه المراكز مقابل تهريب النساء سراً. ويعدّ الآن على الأرجح لعمليات أكثر تنظيماً ودقّة من أجل تحرير أفراده المحتجزين".

وصرّح المحلّل صامويل راماني لوكالة الأنباء الفرنسية أنّ "تركيا ربما لا تهاجم عمداً المخيمات والسجون، لكنّها قد تقصفها عن طريق الخطأ"، واتّفق معه هيلر مؤكّداً على "هشاشة" وضع هذه المخيمات إذا اضطرّت القوات الكردية لإعادة الانتشار واتّخاذ مواقع دفاعية، موضّحاً "إذا نجح قياديو "داعش" في الفرار منتهزين حالة الفوضى، فربّما يؤدّي ذلك لحدوث عمليات محلّية للتنظيم. أو إن نجحوا في الهرب وغادروا الأراضي السورية فقد ينضّمون لجماعات إرهابية تنشط على المستوى العالمي".
ويقول تشارلز ليستر الخبير في (معهد الشرق الأوسط) أنّ ترامب منح "تنظيم داعش قبلة العودة للحياة".


مصدر الترجمة عن الإسبانية:
https://bbc.in/33j9Sdl
https://bit.ly/32oIwSM
https://bit.ly/2OGh4Mx

للمشاركة:

التطهير العرقي... إمبريالية أردوغان الجديدة

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-10-21

ترجمة: مدني قصري


إنّ الهجوم التركي الذي بدأ، في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، ضدّ وحدات حماية الشعب الكردي (YPG)، والقوات الديمقراطية السورية العربية الكردية (SDF)، أسفرت بالفعل عن مقتل أكثر من 150 شخصاً، ونزوح 200000 مدني، معظمهم من الأكراد، وراء أمر المهمة الرسمية هذه، نجد هدف أردوغان إنشاء "منطقة آمنة" لاستيعاب اللاجئين السوريين في تركيا، في نهاية المطاف.

تهدف خطة أردوغان وجنرالاته للاستفادة من القضاء على القوات الكردية وهجرة مئات الآلاف من المدنيين الأكراد لتوسيع "عمقه الإستراتيجي"

في حين أعلن قائد البنتاغون، مارك إسبير، مؤخراً، سحب 1000 جندي أمريكي من شمال سوريا، وفق قرار دونالد ترامب، أعلن الجيش التركي أنّه استولى على تل أبيض، وحتى على رأس العين، رغم أنّ القوات الكردية تواصل الدفاع عن مواقعها، ويدّعي الجيش التركي أنّه استولى على "ساري كاني"، التي تطالب بها القوات الديمقراطية السورية العربية الكردية، التي تقول إنّ المعركة من أجل السيطرة على المدينة ما تزال مشتعلة، في المجموع؛ استولت القوات الموالية لتركيا بالفعل على 40 قرية منذ يوم الهجوم.
وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ إذا أضفنا إلى الـ 40 مدنياً الذين قُتلوا منذ بداية الهجوم، فإنّ 90 مقاتلاً كردياً قُتلوا بالفعل في الاشتباكات، حيث ارتفع عدد القتلى على الجانب الكردي إلى 130 قتيلاً، أما عن جيش أنقرة فقد اعترف بأنّه فقد 4 مقاتلين في سوريا، و18 مدنياً قتلوا جراء الصواريخ الكردية التي أطلقت على البلدات الحدودية التركية، ومن أهداف الإسلاميين السُنّة المفضّلة 8، فقد تم إخلاء 8 قرى إيزيدية على الحدود مع روجافا السورية الكردية. في المجموع، منذ 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، فرّ 200000 مدني من هجمات الميليشيات الموالية لتركيا التابعة للجيش الوطني السوري.
يؤكد السلطان الجديد، الخليفة أردوغان في كل مكان، أنه في بيته، حيث حَكم الباب العالي

قنبلة حقيقية في يد سلطة أنقرة
على المدى البعيد؛ إذا حدث وتكثفت عملية "نبع السلام"، واستمرت لفترة طويلة، وإذا استمر الغربيون في التخلي عن الأكراد، خاصة أمريكا، حاميتهم السابقة، فإنّ دراما إنسانية حقيقية سوف تلوح في الأفق لستة ملايين مدني؛ أكراد، وعرب، وأرمن، وآشوريين، وإيزيديين، ...إلخ، يعيشون في شمال شرق سوريا.

يدرك أردوغان أنّ شركاءه بالناتو مستعدّون لمنحه الأكراد شريطة أن يظلّ في المحيط الأطلسي ولا يذهب بعيداً بمغازلة موسكو

في المجموع؛ منذ يوم الهجوم، فقد الأكراد ما يقرب من 25 قرية، وفق ما ذكرته قناة "Ronahi TV" الإعلامية الكردية، فإنّ أنقرة حاولت إنقاذ وإطلاق سراح سجناء داعش المحتجزين في مخيم عين عيسى، الأحد، بقصف المنطقة المحيطة بالمخيم، وقد تمكّن جزء من المعتقلين من الفرار مع العديد من عائلات الجهاديين، والرقم الذي أعلنته عدة مصادر هو حوالي 800 جهادي، وأقارب الجهاديين الأجانب الذين ينتمون إلى داعش، وتجدر الإشارة إلى أنّ 12000 من مقاتلي داعش، هم سوريون وعراقيون، و3000 أجنبي من 54 دولة، بما في ذلك 2000 أوروبي، محتجزون الآن في سجون يسيطر عليها الأكراد، إنّها قنبلة حقيقية في يد سلطة أنقرة، عندما نعلم أنّ واشنطن منحت الأتراك "مراقبة" الجهاديين.
أهداف حرب أردوغان والجيش التركي
يتمثل هدف سلطة أنقرة، منذ بداية الأزمة السورية، في أن توطّن في هذه "المنطقة الآمنة" المستقبلية في شمال سوريا، جزءاً من 3.6 مليون لاجئ سوري، تستضيفهم تركيا، ولم يعد يتحمّلهم الشعب التركي، حتى ناخبو أردوغان أنفسهم.
ويجدر التذكير بأنّه، بين عامَي 2016 و2018، قادت تركيا أردوغان هجومَين في الشمال السوري، كما تهدف خطة الرئيس التركي وجنرالاته، بالطبع، إلى الاستفادة من القضاء على قوات حماية الشعب الكردية/ قوات الدفاع والأمن الكردية، وهجرة مئات الآلاف من المدنيين الأكراد، لتوسيع "عمقها الإستراتيجي" في شمال سوريا، وتتوافق إستراتيجية التوسع هذه مع رؤية توحيدية حقيقية للعثمانيين الجدد، الواضحة أيضاً في العراق، أو في قبرص، أو في الجزر اليونانية في بحر إيجه، أو في البلقان؛ حيث يؤكد السلطان الجديد، الخليفة أردوغان في كلّ مكان، أنّه في بيته، حيث حكم الباب العالي.

اقرأ أيضاً: "التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا
هجوم أنقرة يستهدف في البداية التركيز على منطقة حدودية بين بلدتي تل أبيض ورأس العين، اللتين تفصلهما مسافة 120 كم، على المدى البعيد، يخطط أردوغان للسيطرة على قطاع شاسع من شمال سوريا، على عمق 32 كم، ومن الفرات (الغرب) إلى حدود العراق، وهكذا؛ فإنّ إستراتيجية أنقرة و"أهدافها الحربية" في سوريا، تجمع بين الدوافع الإثنية القومية والأمنية والإمبريالية الجديدة، والاقتصادية (النفط)، وحتى الدينية، ناهيك عن الدوافع "القومية الإسلامية"، ويتكون المساعدون السوريون العرب الذين يقاتلون إلى جانب الجيش التركي، وهم جزء من الجيش الوطني السوري، من متمردين إسلاميين سابقين قاتلوا النظام السوري، ولجؤوا إلى الشمال الغربي، تحت الحماية التركية، بعد الاضطرار إلى مغادرة مناطق المتمردين التي سيطرت عليها دمشق وحلفاؤها الروس والإيرانيون، منذ عام 2016 في الغرب، وفي جنوب البلاد على وجه الخصوص.
الانسحاب الامريكي من سوريا..ترامب يتخلى عن الأكراد ويمنح تركيا حرية التصرف

الحرب التركية ضدّ "الإرهابيين"... من هو الإرهابي؟
من الناحية الرسمية، تقول أنقرة؛ إنّها لا تحارب الأكراد كأكراد، ولكنّها تحارب "إرهابيي" حزب العمال الكردستاني وفروعه السورية: (PYD) (YPG) (YPJ)، وفاءً منه لموقفه المعلن منذ بداية الحرب الأهلية السورية، أكّد رجب طيب أردوغان أنّ بلاده "لن تسمح بإنشاء دولة إرهابية في شمال سوريا"، أما بالنسبة إلى الرئيس الفرنسي، فقد قال: "الهجوم التركي في سوريا في صميم اهتماماتنا"، و"يجب أن يتوقف"، بعد تبادل (دون جدوى)، وقتها، مع الرئيسَين، ترامب وأردوغان، ومن باب الضغط؛ أعلنت باريس "تعليق تصدير المواد الحربية المحتمل استخدامها في تركيا" إلى سوريا، أما بالنسبة إلى نظيرتها الألمانية؛ فقد التقت أنجيلا ميركل، أيضاً، بالرئيس التركي، لإبلاغه (دون جدوى) بقلقها، بشأن "تهديد داعش الذي ما يزال قوياً للغاية"، معلنة أيضاً قرارها تعليق مبيعات الأسلحة إلى تركيا.
أردوغان مصمّم على نيل إعجاب ناخبيه الإسلاميين
كما حذت السويد وإيطاليا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى حذو ألمانيا وفرنسا، وهكذا، أدرج مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، الذي اجتمع في لوكسمبورغ، في 14 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، في جدول أعماله: تنسيق "النهج الأوروبي لتحقيق هذه الغاية"، الذي من المرجح أن يكون، كالعادة، ضدّ السلطان التركي، منقسماً وقليل الفعالية، في مواجهة الضغوط الغربية والأطلسية والفرنسية، وقال الرئيس التركي، أردوغان، الذي لم يتأثر بموقف الغربيين، والمصمِّم على أن ينال إعجاب ناخبيه الإسلاميين، في خطاب ألقاه في إسطنبول: "لا شيء يوقف عمليتنا، لا الحظر ولا وقف مبيعات الأسلحة، ولا إعلان دمشق إرسال قوات لمواجهة الهجوم التركي"، ووفق مصادرنا؛ فإنّ المواقع الكردية التي كانت تتمركز فيها القوات الأمريكية والفرنسية كانت مستهدفة أيضاً بقصف الطيران التركي.

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
تتمثل الفكرة في جعل آخر القوات الغربية تغادر حتى يصبح المجال متاحاً للقوات التركية؛ حيث يدرك أردوغان أنّ شركاءه في حلف الناتو مستعدّون لمنحه الأكراد، شريطة أن يظلّ في المحيط الأطلسي، وألّا يذهب بعيداً في مغازلة موسكو، ناهيك عن مسألة المهاجرين والجهاديين المفرَج عنهم من السجون الكردية؛ إذ يعرف أردوغان جيداً قدرته على الإزعاج المقرون بالانقسامات ما بين الغربيين.

ما يفعله أردوغان للأكراد تطهير عرقي

جرائم حرب الميليشيات الموالية لتركيا ضدّ الأكراد
في سياق القتال الأخير، في نهاية الأسبوع الماضي، والذي خسر فيه الأكراد 10 جنود إضافيين، ومدنيين، قال أنصار الميليشيات الإسلامية الموالية لتركيا إنّهم "أعدموا"، جنوب مدينة تل أبيض الحدودية، في كمين ضدّ قافلة من المدنيين بالقرب من جيري سيبو (تل أبيض)، هيفرين خلف، السكرتيرة العامة لحزب المستقبل في سوريا، المرتبط بالحزب الكردي السوري (PYD)؛ حيث تمّ إيقاف سيارتها على الطريق السريع من قبل أعضاء الميليشيا الموالية لتركيا الذين قتلوها وسائقها وثمانية أشخاص آخرين، ووفاءً منهم لـ "التقليد" الجهادي؛ قام المهاجمون الإسلاميون المؤيدون للأتراك بتصوير عمليات إعدام المدنيين، ثم قاموا ببثّ مقاطع فيديو لمقتل هيفرين خلف على شبكة الإنترنت، فضلاً عن صور نزع أسلحة العديد من المدنيين والمقاتلين وإعدامهم بوحشية، هذه صورة "المنطقة" الأمنية التي تريد تركيا أن تبنيها لاستيعاب المعارضين الإسلاميين السوريين والمدنيين المنفيين في تركيا، كما بدت أنقرة محرَجة من تصرفات القوات العربية الإسلامية الموالية لتركيا، وطلبت من قيادة الجيش الوطني السوري (الذي يوحّد الميليشيات العربية والتركمانية الموالية لأنقرة) أن تأمر مقاتليها بالتوقف عن نشر فيديوهات المواجهة والقتل في الميدان.
تركيا.. شوكة في حلق الناتو
الولايات المتحدة، التي تريد أن تبقي تركيا كحليف في الناتو "كخاصرة جنوبية"، والمستعدة لتقديم تنازلات شديدة لأردوغان لمحاولة ثنيه عن تعزيز تحالفه مع روسيا، هل "تخلت" حقاً عن الأكراد، الذين تمّت التضحية بهم على مذبح وحدة الناتو وسياسة دونالد ترامب غير التدخلية؟ كلّ شيء يؤدي إلى التفكير في ذلك، ومع ذلك؛ ففي يوم الجمعة الماضي، بدأ دونالد ترامب، الذي تعرّض للنقد بشدة داخل معسكره الجمهوري لـ "خيانته" للحليف الكردي ضدّ داعش، يبدو كأنّه قال كلّ شيء ولم يقل شيئاً، بتوقيعه مرسوماً يتيح في أيّة لحظة إطلاق عقوبات ضدّ تركيا، التي هدّدها حتى "بتدميرها اقتصادياً"، إذا ذبح أردوغان الحلفاء الأكراد.

اقرأ أيضاً: أكراد إيران.. قصة مئة عام من البحث عن استقلال
كلمات لا يبدو أنّها أرعبت، في الوقت الحالي، السلطان، الرئيس أردوغان وجيشه، من وجهة نظر غربية، تشكّل قضية التخلي عن الأكراد، حلفاء التحالف، إشكالية معقدة، سواء بالنسبة إلى وحدة الناتو، أو إلى ردود الفعل من الرأي العام الغربي، السياسي والإعلامي، ومن وجهة نظر الأمن على السواء (ماذا عن الجهاديين الذين أطلقتهم الميليشيات الموالية للأكراد؟).
مصداقية الغرب على المحك
لقد تضرّرت مصداقية الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، أكثر من أيّ وقت مضى، ومن جانبه؛ أكّد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في مقابلة عبر الهاتف مع نظيره الأمريكي، دونالد ترامب، على ضرورة التوقف في أسرع وقت ممكن عن الهجوم التركي على شمال شرق سوريا، وهي أمنية بلا طائل، ما دام أردوغان، سيد الابتزاز الجيوسياسي، يعلم أنّ الغربيين سوف يسمحون له بمواصلة عمله في "تطهير" الأكراد السوريين، الذي بدأ في اللامبالاة العامة منذ عام 2018 غرب الفرات (عفرين)، ويستمر الآن إلى الشرق.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
هذا هو في الواقع الثمن الذي يجب دفعه مقابل ألا تذهب تركيا نهائياً إلى المعسكر الموالي لروسيا والمؤيد للصين وإيران، كابوس إستراتيجي جغرافي حقيقي يواجهه الغربيون، الذين وقعوا في فخّ "الاحتواء الجديد" (néo-containment) لفترة ما بعد الحرب الباردة، وأطلسيتهم التي عفا عنها الزمن تجاه روسيا، التي تمكنت جزئياً من العودة كواحدة من أعضائهم.
الاستنتاج: العودة الضرورية إلى السياسة الواقعية
النتيجة المتوقعة للتخلي عن القوات الكردية السورية من قبل حليفها الأمريكي، والتدخل التركي في الشمال السوري، هي: أن يرسل جيش نظام دمشق قوات إلى شمال البلاد لمواجهة عدوان أنقرة وميليشياتها العربية الموالية، التي تتألف من المتمردين الجهاديين المعادين للأسد، وتجدر الإشارة إلى أنّه، سبق أن انتشر، في الماضي، الجيش السوري بالفعل في بعض المناطق الكردية لتجنب هجوم تركي محتمل، في هذا السياق، وفي مواجهة تركيا العدو الحقيقي؛ يُجري المسؤولون الأكراد بالفعل "مفاوضات" لمواجهة الهجوم التركي معاً، في نهاية عام 2018، عندما كان نظام أردوغان التركي يهدّد بشنّ عملية ضد القوات الكردية في سوريا، دعت وحدات حماية الشعب، جيشَ الأسد السوري إلى الانتشار في منطقة منبج (الشمال)، مع الموافقة على انسحابها هي نفسها من القطاع.

أكّد الرئيس الفرنسي على ضرورة التوقف في أسرع وقت ممكن عن الهجوم التركي على شمال شرق سوريا

النظام السوري يرحّب بأبنائه التائهين

أعلن أكراد سوريا، الأحد، عقد اتفاق مماثل مع دمشق لنشر الجيش السوري في شمال البلاد لمعارضة التقدم السريع للقوات التركية وحلفائها العرب الإسلاميين، ولتبرير الاتفاق بين الأكراد ودمشق، صرّح القائد الأعلى لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، للشرطة الخارجية؛ بأنّ النظام السوري وحليفته الروسية "تقدّما بمقترحات يمكن أن تنقذ أرواح ملايين الناس"، "نحن نعلم أنّه سيتعين علينا تقديم تنازلات مؤلمة، لكن بين التسويات والإبادة الجماعية لشعبنا، سنختار الحياة"، و"نعلم أيضاً أنّه قبل الهجوم التركي بفترة وجيزة، دعا الأكراد روسيا إلى لعب دور "الضامن" في عملية الحوار مع النظام الذي وافق بعد ذلك على الترحيب بأبنائه التائهين".
هل سيقلص الأكراد مطالبهم في سوريا؟ 
من الواضح أنّ النظام الوطني في دمشق والسلطات الكردية (بحكم الأمر الواقع) في شمال البلاد لديهما نزاع جيوسياسي كبير، وما يزال الوصول إلى اتفاق بشأن مستقبل سوريا بعيداً، لكنّ التخلي الأمريكي قد يدفع الأكراد لتقليص مطالبهم بالحكم الذاتي والتعامل مع دمشق أكثر بقليل.

اقرأ أيضاً: الأكراد.. أين يتواجدون؟ وهل حصلوا على حقوقهم السياسية والثقافية؟
لم تثمر المحادثات الكردية السورية حول مستقبل المناطق، خلال العامَين الماضيَين، لكن هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّه إذا استمرت الولايات المتحدة في السماح للقوات الموالية لتركيا بالتقدم إلى إقطاعيات الأكراد في شمال شرق سوريا، فإنّ ذلك قد يغري دمشق وحليفتها الروسية بالاستفادة من ذلك لدفع الأكراد لقبول عودة السلطة السورية، بشكل شكلي على الأقل، إلى المنطقة الكردية المتنازع عليها من قبل الأتراك، والعرب، والأكراد.
ليس لتركيا مكان في حلف الناتو
أما بالنسبة إلى الأوروبيين، الذين يتعيّن عليهم أن يواجهوا تهديداً إرهابياً مستمراً، والذي من المحتمل أن ينمو مع تحرير مئات الجهاديين الأوروبيين، أو فرارهم، أو إعادتهم إلى أوطانهم، منذ عام 2018، فقد حان الوقت لأن يخضعوا لقانون الإستراتيجية الجيوسياسية والسياسة: اختيار وتعريف العدو الرئيس، ليس وفق أخلاق حقوق الإنسان، ولكن وفق مصالح شعوبهم ودولهم، لكنّ هذا العدو، في هذه المنطقة من العالم، ليس الدول العلمانية الدكتاتورية الموالية لروسيا، مثل الدولة السورية اليوم، أو دولة صدام حسين بالأمس، التي زعزع استقرارها خطأ، لكنّه القوى المتطرفة، سواء تعلّق الأمر بجهاديي داعش والقاعدة، الذين يجب تقليص معقلهم في إدلب، ولكن أيضاً الدول التي تدعمهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، بدءاً من قطر، الراعي لجماعة الإخوان المسلمين والجهاديين الصوماليين والليبيين، أو السوريين، وتركيا أردوغان، الراعي المشارك لجماعة الإخوان المسلمين، وحركة حماس، والعديد من الجماعات الجهادية العاملة في شمال غرب سوريا، والتي جُنِّدت وأُطلِقت لمهاجمة الأكراد.
إنّ مكاناً مثل هذا البلد، تركيا، التي تنتهك الآن سيادة اليونان (تهديدات لجزر إيجه والانتهاكات اليومية للمجال الجوي والبحري)، ثم قبرص (حالة القوارب العسكرية التي تمنع الشركات القبرصية والأوروبية من حفر الغاز والنفط اللذين تم اكتشافهما قبالة قبرص)، بالتأكيد ليس له مكان في حلف الناتو.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

valeursactuelles.com
 

للمشاركة:

كيف تتحالف الجماعات الإرهابية والإجرامية في العالم؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-10-20

ترجمة: مدني قصري


"إنّ تجارة السلاح أسهل هنا من أي مكان آخر في العالم. يمكننا الاعتماد على حدود إشكالية والفساد - لا يمكنكم أن تتخيلوا عدد الأبواب التي يمكن فتحها ببضعة آلاف يورو". الرجل الذي صرح بهذا يشير إلى تجارة الأسلحة في البلقان وفي جنوب أوروبا. ماضيه دليل على ما يقوله؛ حيث عمل لفترة طويلة في مهنة الإجرام دون أن يكتشف. والسبب في كون هذه الشبكات الإجرامية ليست تحت المجهر هو أنّ مسألة تهريب الأسلحة إلى أوروبا قضية أكثر تعقيداً وأكثر خصوصية وصعوبة بالنسبة إلى السلطات المحلية.

تسبب صعود ونشاط تنظيم داعش في انفجار التقارير والمقالات والتحقيقات حول كيفية وقوع الأسلحة في أيدي مجموعات أخرى

في السنوات الأخيرة، قيل وكُتب الكثير عن تهريب الأسلحة من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. لقد تسبب صعود ونشاط تنظيم داعش في انفجار التقارير والمقالات والتحقيقات حول كيفية وقوع الأسلحة في أيدي مجموعة أو أخرى. وقد تم العثور على الأسلحة الكرواتية والبلغارية والروسية والغربية في الأسواق السوداء في الشرق الأوسط؛ حيث إنّ الأسلحة التي تباع رسمياً من قبل مختلف البلدان تسقط بسهولة في القطاع الرمادي، بسبب الفساد أو الهجمات العسكرية ذات النهاية السيئة. لكن، ماذا عن تهريب الأسلحة إلى أوروبا؟
للإرهاب علاقة وثيقة بالجريمة المنظمة

عولمة الحاضر كعوملة الماضي 
إنّ عدد المقالات والبحوث حول هذه المسألة أقل بكثير. تبيّن الاتصالات مع العديد من المصادر حول هذا الموضوع أنّ الشبكات الإجرامية في أوروبا تتطور باستمرار. تشكل هذه الجماعات تحالفات ونقابات مع جماعات إجرامية خارج الاتحاد الأوروبي (EU) وأحياناً تتواصل من خلال وسطاء، مع منظمات إرهابية في الساحل، وآسيا الوسطى وغرب أفريقيا. فالعولمة في شكلها الحديث اليوم لا تختلف عن نسخة القرون الوسطى أو القديمة. واليوم كما كان الأمر بالأمس، تعمل المجموعات الدولية معًا باسم الربح. فاتصالات اليوم وأدوات تبادل المعلومات الجديدة تجعل إنشاء مثل هذه النقابات أكثر ربحية وأكثر صعوبة في توقيفها. ويوجد اليوم ما يمكن تسميته بـ "جريمة دولية" تشير إلى مجموعات في أنحاء مختلفة من العالم، تخلق صلات فيما بينها للتحايل على مختلف العقبات، بما في ذلك القواني التي قد تعيق أعمالها.
عدوانية في الدفاع عن المصالح
من صفات هذه التحالفات الإجرامية الدولية عدوانيتها في الدفاع عن مصالحها؛ فهي تحاول غزو الأراضي والسيطرة على المدن، وفرض الضرائب عندما ترى ذلك ضرورياً. فهذا ملحوظ بشكل خاص في أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، لكن توجد أمثلة مماثلة حتى في جنوب وشرق أوروبا؛ حيث تفرض هياكل المافيا سياساتها، مما يجبر السلطات المحلية على إقامة علاقة تعاونية وفاسدة. هذه التحالفات الإجرامية، بدورها، تشكل أحد مصادر إيرادات الجماعات الإرهابية والعقد الرئيسية في بنيتها التحتية اللوجستية، في نقل العملاء والمال. "لا يهمني إن كان أي شخص عربياً أو كردياً أو فلمنكياً. لقد عملنا مع جميع المجموعات". هكذا يقول عضو بلغاري سابق في هيكل المافيا، "الشيء الوحيد المهم هو احترام القواعد. من المحتمل أن يكون أشخاص مشبوهون قد عبروا طرقنا، لكن هذه ليست مشكلتنا".

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
منذ التسعينيات، تنشر المؤسسات الأوروبية تقارير دورية حول الاتصالات المحتملة بين الجماعات الإرهابية وجماعات المافيا الأوروبية. في عام 2004 ، عندما حدث هجوم مدريد بالقنابل، كان من الواضح أنّه كان بالتحديد بفضل تحالف من هذا النوع، بين المافيا والخلايا الإرهابية؛ حيث تم دفع ما يقرب من 50000 يورو للمنظمي الهجوم. مرة أخرى، فبفضل هذه التحالفات، تُسهم الجريمة المنظمة في البحث عن الأسلحة، والخدمات اللوجستية وفرص السفر. وبهذه الطريقة، تعوّل الجماعات الإرهابية على الهياكل الإجرامية المحلية في أوروبا، للعمل بحرية في القارة. كما قدم هؤلاء المجرمون وثائق مزورة وأسلحة ولوجستيات لخلايا داعش المسؤولة عن الهجمات في باريس وبروكسل في عامي 2015 و2016.
طرق حماية قنوات مرور الأسلحة 
يعود امتزاج الهياكل الإرهابية والمافيا في أوروبا إلى التسعينيات على الأقل. وتشمل هذه الهياكل متطرفين يساريين، مثل حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي جمع الموارد من خلال شبكات إجرامية في أوروبا لحربه ضد تركيا، ومن جماعات اليمين المتطرف، مثل الميليشيات الأرثوذكسية في البوسنة، والتي استفادت جميعها من الوصول إلى السوق السوداء. في كثير من الحالات، يكون التواصل بين الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية، صارماً، وقائماً على قواعده الخاصة. بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، أصبحت هذه القواعد تحظى باحترام أكبر من أجل تجنب اكتشافها من قبل الوزارات العامة. ولعل أحد أهم جوانب هذا التعاون هو إنشاء قنوات مرور، التي تشكل بنداً رئيسياً في الميزانية لجميع هذه المجموعات، وحماية القنوات. حماية القنوات بالتالي موضوع يحظى باهتمام خاص.

دور القاعدة في انتقال المخدرات والأسلحة
على سبيل المثال، شاركت القاعدة بشكل جاد في تأمين دوائر الكارتل الكولومبية التي تنقل الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى البلقان وأوروبا عبر غرب إفريقيا. وتُظهر التقارير الأوروبية أنّ تنظيم القاعدة متورط في تهريب المخدرات والبنادق والأحجار الكريمة، وأنّ له اتصالات في داخل جماعات البلقان والمافيا الإيطالية. فالعمال التنفيذيون للجماعة الإرهابية تحت الأنظار، من ألبانيا والبوسنة إلى هولندا، عبر سويسرا وألمانيا. تحتفظ حركة الشباب، الفرع الصومالي لتنظيم القاعدة، بشبكة واسعة في الدول الاسكندنافية؛ حيث يوجد شتات صومالي كبير، وتتمتع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي باتصالات في إسبانيا؛ بسبب قربها من المناطق التي تعمل فيها المجموعة. من المافيا الإيطالية إلى الجماعات الفوضوية الشيوعية المتطرفة اليونانية، مروراً بحزب العمال الكردستاني، تقيم الجماعات في جميع أنحاء العالم ولاءات وتحالفات تتجاوز الحدود الوطنية، وتوفر قنوات مرور وفرص تمويل. وغالباً ما يتعلق هذا بالاتجار بالمخدرات والأسلحة، سواء كان ذلك بغرض الاغتيالات وفقاً لعقود، أو بالأعمال الإرهابية.

اقرأ أيضاً: جرائم جديدة لميليشيات الحوثي الإرهابية..
"السياسيون يستفيدون من أعمالنا. لقد قدمنا هدايا في العديد من المناسبات"، هكذا قال عضو سابق آخر في المافيا في صربيا. تعمل مجموعته في بلغاريا ومقدونيا وألبانيا وإيطاليا. وهو نفسه كثيراً ما يتجنب الاعتقال بسبب مشاكل إدارية. في الواقع، الإدارة واحدة من المشاكل التي تعيق التحقيقات؛ فالأخطاء في المستندات، أو حتى عدم تبادل المعلومات بين الدول الأوروبية، تسمح لهذه المجموعات بتطوير أنشطتها دون قلق.
نوعان من التحالفات
في هذا السياق، يجب تحديد نوعين من التحالفات التي لها تأثير مباشر على الاتحاد الأوروبي. النوع الأول من التحالف هو التحالفات التي تم إنشاؤها داخل الحدود الأوروبية. لهذا النوع تأثير على أمن الدول الأعضاء، بما في ذلك التآمر لارتكاب أعمال إرهابية. النوع الثاني من التحالفات أنشئ خارج الاتحاد الأوروبي أو على الهامش - البلقان واليونان وصقلية وإسبانيا - وهو أيضاً تهديد لاستقرار الاتحاد الأوروبي. وإذا تحدثنا أكثر عن أوروبا الغربية، فمن الجيد أن نولي اهتماماً لمنطقة لها دور مهم جداً تلعبه في مجال الأمن، ولكن من باب المصلحة الإعلامية: البلقان.
يوغوسلافيا السابقة وبلغاريا شريان رئيسي
وفقاً لتقارير فرونتكس FRONTEX  ويوروبول Europol ، فإنّ دول يوغوسلافيا السابقة وبلغاريا تشكل الشريان الرئيسي الذي تمر عبره كمية كبيرة من المخدرات والأسلحة إلى الدول الاسكندنافية. تعد الحدود اليونانية التركية والحدود الصربية مع رومانيا من بين أكثر النقاط حساسية. على هذه الطرق، التي أنشأتها الجماعات الإجرامية المحلية، يمر أيضاً الإسلاميون من الشرق الأوسط. المشكلة الرئيسية هي أنّه بمجرد دخولهم إلى منطقة شنغن - التي فككت الحدود بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي - يمكن لهؤلاء الأشخاص الوصول إلى أي جزء من أوروبا دون الحاجة إلى القلق من تقديم جواز سفر مزور. فللتحايل والالتفاف على العقبات، تقيم الجماعات الإرهابية اتصالات مع الجماعات الإجرامية في جنوب شرق أوروبا. ولا صلة لهذه الطرق بتدفقات الهجرة أو الاتجار باللاجئين - تستخدم الجماعات الإجرامية أساليبها الخاصة، بما في ذلك رشوة عملاء الحدود.
المافيا خطر أكبر من الإرهاب
بالنسبة ليوروبول Europol ، تطورت هذه المجموعات في ظل الهجمات.

من صفات التحالفات الإجرامية الدولية عدوانيتها بالدفاع عن مصالحها فهي تحاول غزو الأراضي وفرض الضرائب عندما ترى ذلك ضرورياً

أفادت يوروبول، الوكالة الأوروبية للتعاون بين الشرطة الجنائية، مؤخراً أنّ العنف المتزايد من جراء الجريمة المنظمة هو أكبر تهديد لأمن أوروبا؛ حيث يتجاوز الإرهاب والهجرة.
وقال مسؤولون في مؤتمر نظمته مؤخراً الوكالة الإيطالية لمكافحة الاتجار بالبشر ويوروبول ومقرها في لاهاي، إنّ جماعات المافيا من إيطاليا وألبانيا وأوروبا الشرقية، وكذلك عصابات الدراجات النارية، هي الجهات الفاعلة الرئيسية في هذا العنف.
بدأت المجموعات الآسيوية والأفريقية وأمريكا الجنوبية أيضاً في الجريمة المنظمة في أوروبا؛ حيث يتم جمع 110 مليارات يورو في هذا المجال كل عام. وأشارت الوكالات الأوروبية إلى أنّ المزيد والمزيد من هذه المجموعات تعمل معاً.

اقرأ أيضاً: المسماري يحذر: أردوغان سينقل آلاف الإرهابيين إلى ليبيا
وقال جاري ليوكو، رئيس المركز الأوروبي للجريمة المنظمة في يوروبول: "تمثل الجريمة المنظمة حالياً أكبر خطر على الأمن الداخلي للاتحاد الأوروبي".
وفقاً لمتحدثين في المؤتمر المذكور، كانت الجريمة المنظمة "في الظل" في السنوات الأخيرة بسبب موجة من الهجمات الإرهابية وأزمة هجرة كبرى في أوروبا. ومع ذلك، فإنهم يعتقدون أنّ التعاون عبر الحدود يجب الآن أن يعالج هذه المشكلة المتزايدة. في  كانون الأول (ديسمبر)، أعلنت السلطات الأوروبية عن اعتقال حوالي 90 مشتبهاً بهم في المافيا الكالابرية (منظمة إجرامية في إيطاليا تتركز في كالابريا)، في ست دول في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
ثمار التحالفات بين المافيا والإرهاب
هذه التحالفات تؤتي ثمارها. تشير التقارير الأوروبية إلى مشكلة متنامية، وإلى روابط تتوثق أكثر فأكثر مع الهياكل الإجرامية للجيل الثالث من الشتات في منطقة البلقان، وخاصة في الدول الاسكندنافية. في عام 2013 ، كشفت الشرطة البلغارية عن قناة لتهريب الأسلحة من بلغاريا إلى السويد وألمانيا. غادرت أسلحة الكلاشنيكوف والذخيرة الآلية مقاطعة ستارا زاغورا، في وسط بلغاريا، عبر نقطة كالوتينا الحدودية، على الحدود الغربية مع صربيا. لم يكن المجرمون خائفين من استخدام حافلة ركاب. لكن على الرغم من عدم وجود دليل على أنّ هذه الأسلحة كانت موجهة للجماعات الإرهابية، إلا أنّ عملية الشرطة أظهرت مدى شبكة تهريب الأسلحة، وهي الأسلحة التي، كما تأكد ذلك في باريس وبروكسل في 2015-2016 ، وفي مدريد قبل خمسة عشر عاماً، يتم استغلالها بسهولة من قبل الإرهابيين.
الشرطة الإسبانيا تكسر قناة للتهريب
هناك دليل إضافي على حجم المشكلة جاء في عام 2017 بفضل أنشطة الشرطة في إسبانيا التي كسرت قناة لتهريب الأسلحة إلى إحدى عشرة دولة أوروبية. حيث تم ضبط 664 قطعة سلاح. وتم القبض على أكثر من 240 شخصاً. وكان بعض المحتجزين من المواطنين الرومانيين والبلغاريين الذين اشتروا تقليد الأسلحة التي حوّلوها إلى أسلحة نارية في المصانع في إسبانيا. فبمجرد أن تصبح جاهزة، تعرض هذه الأسلحة في أوروبا في السوق السوداء. لقد تم ضبط أكثر من 34000 رصاصة وقنبلة يدوية وكاتم للصوت خلال الحملة.
قلق القادة الأوروبيين من تصاعد داعش
أصبحت مشكلة الاتجار بالأسلحة مصدر قلق لدرجة أنّه في نيسان (أبريل) 2018 تم تنظيم اجتماع بين ممثلي الشرطة الأوروبية في العاصمة البلغارية، صوفيا، لمناقشة الخيارات المتاحة لإحباط الاتجار بالأسلحة الصغيرة، والذخيرة إلى أوروبا.

اقرأ أيضاً: "يوم المسجد المفتوح" في ألمانيا لمواجهة دعاة التشدّد والإرهاب
لقد جعل صعود داعش، القادة الأوروبيين يركزون إلى حد ما، على الصلة بين الجريمة المنظمة والإرهاب. لقد اتخذ داعش خطوات مهمة لتنويع موارده المالية. بالإضافة إلى تجارة النفط المتواضعة بالتعاون مع الحكومة السورية، وسعى التنظيم بدوره في بيع المخدرات والأسلحة. لقد أنشأ الجهاديون شبكة من خلال قناة اتصال. كما أقام الجهاديون شبكة من خلال قنوات تمتد من أفريقيا مع وحداتهم في ليبيا ونيجيريا، إلى آسيا، مع فرعهم الأفغاني عبر وحداتهم في اليمن.
أرباح داعش من تهريب الأدوية والأصول المالية
أقامت شبكات داعش على الكتلة القارية لمنطقة أوراسيا، صلات مع نظام توزيع الأدوية الدولي الأوسع نطاقاً، مع عملائها العاملين في نصف الكرة الغربي، في ترينيداد وتوباغو، وفي المكسيك، ومع الكارتلات في كولومبيا، لتأمين عبور المنتجات الصيدلانية عبر المحيط الأطلسي، إلى الصحراء الغربية. بالإضافة إلى تهريب الكوكايين والهيروين، يواصل داعش المشاركة بنشاط في تصدير الآثار من جميع البلدان التي يتواجد فيها، سواء كان معترفاً به فيها أم لا - أفغانستان، سوريا، العراق ، لبنان، مصر، الصومال، اليمن، ليبيا، نيجيريا، الفلبين، الهند.

أقامت شبكات داعش صلات مع نظام توزيع الأدوية الدولي الأوسع نطاقاً مع عملائها العاملين في نصف الكرة الغربي

علينا أن نضيف اتجاهاً جديداً إلى قائمة الأنشطة غير القانونية هذه. فمنذ عام 2017، قام تنظيم داعش بتصدير أصول مالية من العراق وسوريا بقيمة 400 مليون دولار على الأقل. تم سداد حوالي نصف هذه الأموال في شكل استثمارات تجارية قانونية من خلال وسطاء المجموعة الذين ليسوا جزءاً رسمياً من المنظمة نفسها.
في مقابل تحقيق ربح كبير، يلتزم الأفراد والشركات المعنية بإنفاق نسبة مئوية كبيرة من مبيعاتها لملء خزائن  التنظيم. فالجانب الأكثر شيوعاً هو مكاتب الصرافة، ومطاعم الوجبات السريعة التي تحصل على نصيب الأسد من الاستثمارات الجهادية. بالطبع، هذا التكتيك معروف منذ زمن طويل من قبل المنظمات الإرهابية التي طبقته منذ الحرب الباردة في بلدان الشرق والغرب. هذا النشاط بدأ ينتشر منذ عام 1990 وهو جزء من تمويل لجميع المنظمات الرئيسية، بما في ذلك حزب الله والقاعدة.
ناشد الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء بمراقبة تورط حزب الله في القارة في قلب الجريمة المنظمة

صلات داعش والقاعدة بالمافيا
إنّ خلاصة ما تم الاتفاق على تسميته بـ "الاتفاقيات الرمادية" لا يحدث فقط في الشرق الأوسط. فما بين عامي 2015 و2017 ، أظهرت سلسلة من تقارير أجهزة الأمن الأوروبية أنّ داعش والقاعدة قد عززا وبشكل كبير صلاتهم مع المافيا المحلية والهياكل غير القانونية في أوروبا باستقطابهم إلى شبكتهم الاقتصادية العالمية. في حين أنّ استيراد المخدرات والأسلحة إلى أوروبا هو عمل أكثر تعقيداً وخطورة مما هو عليه في الشرق الأوسط. يستطيع تنظيم داعش، وفقاً لهذا الخيار، أن يمثل خطراً نسبياً، وقد فعل. يحتاج الاتحاد الأوروبي، وخاصة البلدان المجاورة - إيطاليا واليونان وفرنسا وإسبانيا وبلغاريا - إلى تعزيز مراقبة هياكلهم الإجرامية الداخلية وروابطها الدولية، من أجل تقليل نجاح الجهاديين في هذه المنطقة.
تورط حزب الله
ناشد الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء بمراقبة تورط حزب الله في القارة في قلب الجريمة المنظمة. "أشاهد التلفاز وأقرأ الأخبار - أرى الإجراءات ضد نشاط المنظمة. يمكنني أن أقول لكم إنّ إدراج المنظمة في قائمة الإرهابيين لن يوقف قنوات النشاط والاتجار - فالمنظمة أكثر نشاطاً في أمريكا الجنوبية ومنطقة البلقان، هكذا أكد اتصالٌ لحزب الله في بلغاريا، الذي ساعد المنظمة على بناء شبكات محلية في البلقان في الماضي. في الآونة الأخيرة، انضمت بريطانيا والأرجنتين إلى الدول التي أضافت الجناح العسكري لحزب الله إلى قائمة الجماعات الإرهابية، لكن لا يوجد دليل على أنّ أعضاء المنظمة أصبحوا الآن أقل فعالية.
مسؤولية قطر حول صاروخ  Matra
من بين الأسلحة التي اكتُشفت في حيازة متشددين يمينيين متطرفين، هناك صاروخ جو/جو من طراز Matra ، من صنع فرنسا، وتمتلكه القوات المسلحة القطرية، مما يطرح تساؤلات حول مسؤولية الدوحة في التعامل مع الأسلحة المحصل عليها، واستعمالاتها خلال بيع الأسلحة. يميل الخبراء إلى الاتفاق على أنه من غير المرجح أن تكون قطر قد قدمت الصواريخ مباشرة للنازيين الجدد. ربما انتهى الصاروخ في السوق السوداء التي أتاحت للمجموعة الحصول عليه. على أي حال، فإنّ القضية تؤكد على الفرص المتاحة للمجموعات التي تمتلك الكثير من المال. فالصواريخ وحتى المواد السامة هي في متناول يدها.

شاركت القاعدة في تأمين دوائر الكارتل الكولومبية التي تنقل الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى البلقان وأوروبا عبر غرب أفريقيا

تجدر الإشارة إلى أنّ إمكانية قيام الجماعات المتطرفة المحلية في أوروبا بتطوير شبكات إيصال الأسلحة، تتزايد باستمرار. لقد أظهر استطلاع نشر في بيلينغكات، أجري في أيار (مايو) 2019 ، أنّ هناك بعض الروابط بين الجماعات اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية والقوميين في البلقان والميليشيات المؤيدة لروسيا في بلغاريا. هذه المجموعات تقيم مراسلات نشطة، بل وتجري تدريبات عسكرية مشتركة. تتمثل إحدى نتائج هذا التعاون في العمل الإرهابي في كرايستشيرش، بنيوزيلندا؛ حيث قتل ناشط يميني خمسين شخصاً في مسجدين محليين. ويمكن رؤية السلاح المستخدم في الهجوم على مقاطع الفيديو الترويجية لمجموعة BNO Shipka القومية البلغارية. باستخدام AR-15s ، التي يتم تصنيعها أيضاً في بلغاريا، تجري التدريبات العسكرية في جبل Strandzha على الحدود بين بلغاريا وتركيا. كل هذا يشير إلى وجود الكثير من النشاط، وشبكة أكبر بكثير مما تخيلته السلطات المحلية.

تحالف المافيا والإرهاب في تجارة الأسلحة

كل هذا يدل على وجود اتجاه مشؤوم. فاليوم، يمكن لأي منظمة أو حكومة قلة تملك المال الكافي، شراء أسلحة، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة والذخيرة العسكرية. لن يكون هذا ممكناً دون وجود تحالفات دولية بين الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية والأوليغارشيين في البلدان الاستبدادية. في أمريكا الجنوبية، استخدمت الكارتلات غواصات سوفييتية تباع من قبل عصابات القوقاز والروس. ويحمي تنظيم القاعدة تدفق الكوكايين من البرازيل وكولومبيا في اتجاه غرب أفريقيا. تساعد مجموعات البلقان الإرهابيين على الاستقرار في أوروبا الغربية. ويستخدم داعش العصابات البلجيكية لتوصيل الأموال والأسلحة لمؤيديها. ويزوَّد اليمين المتطرف الإيطالي بالأسلحة من قبل شبكات إجرامية تعمل في الشرق الأوسط وروسيا عبر أوروبا. ويقتل الألبان والصرب منافسيهم في السويد باستخدام بنادق AK-47 المصنوعة في البلقان. الأمثلة على هذا النوع كثيرة.
عجز أجهزة الاستخبارات أمام ابتكارات الجريمة المنظمة
من الصعب مواجهة هذا التهديد. فمن الشروط الأساسية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هو تحسين تبادل البيانات بين أجهزة الاستخبارات التابعة لها، من أجل الحصول على رؤية أفضل حول الشبكات الإجرامية المنظمة التي تجعل العمليات الإرهابية ممكنة. ومع ذلك، ما فتئت سلاسل التحديات تتزايد مع التقدم التكنولوجي. لقد استخدمت القدرات الإلكترونية المتاحة للجهات الفاعلة غير الحكومية لتحييد المؤسسات الحكومية والمالية. فالطائرات بدون طيار التي تم شراؤها على الإنترنت هي اليوم في أيدي جميع الكارتلات والمجموعات الإرهابية تقريباً، مما يمنحها قدرات مراقبة (وربما الهجوم) تفتقر إليها بعض الجيوش. من الواضح أنّ قوات الأمن والاستخبارات في الاتحاد الأوروبي يجب أن تعيد التفكير في أساليب عملها لمنع هذه المجموعة من التهديدات. في الوقت الحالي، تُظهر الجريمة المنظمة مزيداً من الابتكار وأفقاً أوسع، فيما يبدو أنّ الخبراء وأجهزة الاستخبارات لا يزالون عالقين في أساليب التسعينيات.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

eeradicalization.com/fr و lalibre.be/international/

للمشاركة:



تركيا تواصل مناكفة الولايات المتحدة.. بهذا القرار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تصرّ تركيا على الاستمرار بنهجها الداعم لإيران، ومساعدتها في الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عليها؛ حيث أعادت أنقرة إلى الواجهة المدعوّ محمد هاكان أتيلا، عرّاب خرق العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية.

وأصدر وزير الخزانة والمالية التركي، بيرات ألبيرق، قراراً بتعيين نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، أتيلا، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، بعد ثلاثة أشهر من قضائه عقوبة السجن في الولايات المتحدة الأمريكية، بتهمة خرق العقوبات المفروضة على إيران، وفق صحيفة "زمان".

صهر أردوغان يعيّن أتيلا، المتهم بخرق العقوبات المفروضة على إيران، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول

القرار أعلنه صهر رئيس الجمهورية ووزير الخزانة والمالية، بيرات ألبيرق، عبر تويتر؛ إذ قال: "انتهت فترة الاستراحة والاسترخاء لهاكان أتيلا، الذي عاد إلى أسرته وبلده، عقب محاكمته الظالمة".

واعتقل محمد هاكان أتيلا، نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، بالولايات المتحدة الأمريكية، في 7 آذار (مارس) 2017، مع رجل الأعمال الإيراني رضا ضراب، بتهمة خرق العقوبات الأممية والأمريكية المفروضة على إيران، عن طريق استغلال النظام المصرفي للبنك.

وفي شهر تموز (يوليو) الماضي؛ خرج المدان الرئيس في القضية من سجن FCI"  Schuylkill " بولاية بنسلفانيا، وعاد إلى تركيا بعد قضاء فترة عقوبته، ليغيب عن الأنظار، إلى أن أعلن ألبيرق، أمس، قرار تعيينه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول.

وأضاف ألبيرق في تغريدته: "ها هو يبدأ مهامه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، أتمنى أن يكون هذا المنصب خيراً له ولبورصة إسطنبول".

ومن جانبها، قالت بورصة إسطنبول: "لقد أصبح محمد هاكان أتيلا مديراً عاماً لبورصة إسطنبول".

وتابعت البورصة في بيان: "تمّ اختيار محمد هاكان أتيلا لمنصب المدير العام، خلال اجتماع مجلس الإدارة، المنعقد بتاريخ 21 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وسيقوم أتيلا بمهام المدير العام وعضو مجلس الإدارة، وقد تمّ اختيار أتيلا بعد قرار تعيين مراد تشاتين كايا نائباً لمحافظ البنك المركزي".

وبحسب ملف القضية؛ فقد طالبت النيابة العامة بالحكم على هاكان أتيلا بالسجن لمدة 188 شهراً، وغرامة مالية تتراوح بين 50 إلى 500 ألف دولار أمريكي، وفي 16 أيار (مايو) 2018؛ أصدرت المحكمة قراراً بسجن محمد هاكان أتيلا 32 شهراً، مع إسقاط الفترة التي قضاها في السجن 14 شهراً، وتوقيع غرامة مالية 500 ألف دولار أمريكي.

 

للمشاركة:

الحوثيون يرتكبون 20 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في يوم واحد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية انتهاكاتها لوقف إطلاق النار في الحديدة؛ حيث ارتكبت، أمس، أكثر من 20 خرقاً، من ضمنها استهداف نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة، غرب اليمن، ما أدّى إلى مقتل جندي وإصابة ضابط وجندي آخر، من القوات الحكومية.

ورأى الإعلام العسكري للقوات المشتركة، في بيان؛ أنّ الخروقات الحوثية لقرار وقف إطلاق النار في الحديدة "تحدٍّ صارخ لجهود فريق المراقبين الأممين وضباط الارتباط، المبذولة لوقف إطلاق النار في الحديدة"، وفق ما أوردت "العربية".

الحوثيون يستهدفون نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة

وأكّد أنّ ميليشيات الحوثي تقابل جهود الفريق الأممي بشأن نشر نقاط ضباط الارتباط لمراقبة وقف إطلاق النار، بالتصعيد الميداني واستهداف المواطنين وممتلكاتهم في محاولة لنسف هذه الجهود.

وذكر الإعلام العسكري؛ أنّ ميليشيات الحوثي ارتكبت خلال الـ 24 ساعة 20 خرقاً في الحديدة، نتج عنها مقتل وجرح ثلاثة من منتسبي القوات المشتركة، وإلحاق أضرار في ممتلكات المواطنين، مشيراً إلى أنّ الميليشيات استخدمت في هذه الاعتداءات المدفعية الثقيلة وقذائف "آر بي جي"، وعيارات "14.5" و"12.7"، ومعدلات "البيكا"، وأسلحة القناصة.

كما شملت الخروقات مدينة الحديدة، بما في ذلك المناطق التي تمّ فيها تثبيت نقاط مراقبة وقف إطلاق النار.

وأوضح البيان؛ أنّ تثبيت نقطة المراقبة الثالثة اليوم في منطقة كيلو 16، تزامن مع استهداف الميليشيات الحوثية لمواقع القوات المشتركة القريبة من ذات المكان، وقد أسفر ذلك الاعتداء الإجرامي عن مقتل وجرح ثلاثة من المقاومة برصاص قناصة الميليشيات.

 

للمشاركة:

مصر: القبض على 22 إخوانياً.. هذا ما ارتكبوه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

ألقت قوات الأمن المصرية القبض على 22 شخصاً، من عناصر جماعة الإخوان، المصنَّفة في كثير من الدول، من ضمنها مصر، على أنّها تنظيم إرهابي، بتهمة إثارة الرأي العام.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها اليوم؛ أنّها "عثرت بحوزة المتهمين على ملصقات إثارية وأسلحة بيضاء، ومسدسَي صوت، لاستغلالها في قطع الطريق أمام إحدى المحاكم"، وفق ما نقلت "سبوتنيك".

22 إخوانياً يحاولون استغلال قضية محمود البنا لإثارة الرأي العام والتحريض ضدّ الدولة

وذكر البيان؛ أنّ جماعة الإخوان تحاول استغلال الأحداث المختلفة لإثارة الرأي العام، وتأجيج المشاعر لدى المواطنين، والتحريض ضدّ الدولة، من خلال نشر العديد من الأخبار المغلوطة والشائعات الكاذبة، ومن بينها حادث الاعتداء على الطالب محمود البنا، بمحافظة المنوفية، الذي أدّى إلى وفاته".

وكانت محكمة شبين الكوم قد أجّلت أولى جلسات محاكمة المتهم محمد راجح و3 آخرين، بعد اتهامهم بقتل الطالب محمود البنا، نتيجة دفاعه عن فتاة في الشارع، كان المتهمون يتحرّشون بها، لجلسة الـ 27 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

وانشغلت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام السابقة، بجريمة قتل الشاب محمود البنا، على يد محمد راجح، طالب الثانوية العامة، واثنين من أصدقائه، بطريقة تحاكي الحبكات السينمائية التي يقدمها عادة الفنان محمد رمضان؛ باستخدام الأسلحة البيضاء والبلطجة والخروج على القانون.

 

للمشاركة:



هل تدرك حماس حقاً أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع يوماً؟‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

فايز رشيد

كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة «الإخوان المسلمين».
بداية، كنا نتمنى أن تنطلق مواقف حركة حماس السياسية الفلسطينية والعربية من خصوصيتها الفلسطينية وانتمائها العربي أولاً وأخيراً، بعيداً عن تجاذبات وآراء التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي أكّدت حماس قبلاً أنها منفصلة تماماً عنه بالمعنيين التنظيمي والسياسي، ليتبين أن هذا بعيد عن الحقيقة تماماً، كما ثبت مؤخراً من موقف الحركة الذي أعلنته من الغزو التركي الأخير «نبع السلام» للشمال العربي السوري.
في الوقت الذي أدان فيه كلّ العالم تقريباً، بما في ذلك أغلبية الدول العربية، واعتبرته عدواناً على بلد عربي وتهديداً للأمن القومي العربي برمته، أصدرت حماس بياناً قالت فيه: «تتفهم الحركة حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها، وإزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي أمام عبث جهاز الموساد «الإسرائيلي» في المنطقة، والذي يسعى إلى ضرب الأمن القومي العربي والإسلامي». بصراحة نقول لحماس، إن البيان يحاول تحوير اتجاه الغزو العدواني التركي وهو الحدث المعني للاتكاء على العدو الصهيوني المعروف أنه عدو لحماس والفلسطينيين وللأمة العربية بأسرها. ومعروف تماماً كم من غارة عسكرية شنّها هذا العدو المجرم على البلد العربي المعني مستغلاً ظروف الصراع الدائر فيه.
كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة الإخوان المسلمين الذين سبق أن تآمروا على ثورة يوليو/تموز وزعيمها الخالد جمال عبدالناصر وحاولوا اغتياله، وكان لهم يد فيما جرى في سوريا وفي أكثر من بلد عربي شهد خراباً ودماراً. بدلاً من هذا الموقف المفترض أن تتخذه الحركة، طلع علينا ناطقها الرسمي سامي أبو زهري ليصرّح «بأن تركيا كانت وستظل مهوى قلوب المسلمين في العالم»! لقد تناسى أبو زهري احتلال تركيا للواء الأسكندرون وغزوتي تركيا السابقتين «غصن الزيتون» و «درع الفرات» لسوريا، وتصريحات أردوغان منذ سنوات بأن «ولايتي حلب والموصل هما ولايتان عثمانيتان». كما تناسى تأييد حماس للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، ومخاطبته لبيريز في رسالة بعثها إليه ب «صديقي العزيز»!.. إلخ. لقد جعل أبو زهري من نفسه ناطقاً باسم القصر الرئاسي التركي للسلطان الطوراني أردوغان، وجاء بيان حماس ليؤكد انتماءها للإخوان المسلمين. هذه الجماعة التي لم تتوقف يوماً عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وطرح مشروعات تفتيتية، وتُبدي ازدراء بكل طموحات الشعوب العربية، فإذا بحماس في بيانها تؤكد أنها تتفَهّم «حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسِها وإزالة التهديدات التي تمَسّ أمنها القومي. بل ذهب البيان بعيداً في مَنح أنقرة الحقّ في إزالة التهديدات المزعومة لأمنها القومي أي اجتثاث وتدمير البنى التحتية للمنطقة التي يسعى أردوغان وجيشه لاحتلالها تحت مسمى «المنطقة الآمنة» التي يَتوهّم أنه قادر على إقامتها بعمق 35 كم وبعرض يزيد على 460 كم، ما يعني احتلال منطقة تزيد مساحتها على مساحة لبنان مرّة ونصف المرّة. وربما نسيت حماس أن سوريا دولة عربية، وأن الغزو التركي هو انتهاك لسيادتها وحرمة حدودها ووحدة أراضيها.
ولعلم حركة حماس، فإن العلاقات التركية -«الإسرائيلية» لم تنقطع يوماً في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، إنما تتعمد المتاجرة بالقضية الفلسطينية في مسعى لكسب الشعبية بين الجماهير التركية والعربية والإسلامية، ومن دون المساس بالتحالف القوي مع دولة الاحتلال. كما أن هناك مستشارين عسكريين صهاينة في القوات المسلحة التركية. ورغم التوترات التي تسود العلاقات إلا أنه لم تلغَ حتى اليوم اتفاقية قيمتها 190 مليون دولار لشراء طائرات من دون طيار من «إسرائيل». كما لم تلغَ التعاملات التجارية المدنية بين أنقرة وتل ابيب امتداداً من قطاع المنسوجات ووصولاً إلى نظم الري التي كانت تمثل نحو ثلاثة مليارات دولار خلال العام الماضي 2018 وفقاً لما قاله محللون تجاريون. وتقول مصادر عسكرية تركية إن التجارة العسكرية بين أنقرة وتل أبيب بلغت في مجملها نحو 2.8 مليار دولار عام 2017. وتزور دولة الكيان وفود حكومية وعسكرية تركية بين فترة وأخرى. هذا غيض من فيض العلاقات بين تركيا (مهوى أفئدة حماس) وبين العدو الصهيوني.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

بالصور.. أفريقيا كما لم نرها من قبل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أدورا مبا

كتب أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية المستقلة في عام 1960: "سيأتي يوم يسطر فيه الأفارقة تاريخهم بأيديهم". وقد ظهر جيل جديد من المصورين الفوتوغرافيين الأفارقة الذي يكشفون، بكاميراتهم وليس بالكلمات، القضايا الحقيقية التي تؤثر على مجتمعاتهم، مثل تغير معالم الأحياء الفقيرة بقدوم أبناء الطبقة المتوسطة والتمييز على أساس الجنس والأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين والعولمة.

وفي ضوء التطورات التي طرأت في السنوات القليلة الماضية على القطاع الإبداعي بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يستخدم مصورون فوتوغرافيون من زيمبابوي والمغرب وإثيوبيا ونيجيريا وغانا هواتفهم وكاميراتهم لالتقاط صور تجسد التنوع والطاقة وتوثق التغيرات التي تتلاحق على القارة السمراء بسرعة غير مسبوقة.

وفي زيمبابوي، يعرض كل من زاش وشيدزا شينهارا لقطات لتصاميم أزياء مميزة في شوارع العاصمة هراري. ويستخدم زاش، الذي يعمل كمصور، وشيدزا، التي تعمل كمصممة أزياء، حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لإبراز جمال العاصمة هراري.

ويختار الاثنان مناطق أكثرها قديمة ومتهالكة لتصوير العارضات بملابسهن العصرية والمفعمة بالألوان. لكن القاسم المشترك بين الصور اللافتة التي تمتلئ بها حساباتهما على انستغرام هو التركيز على المدينة نفسها بقدر التركيز على العارضات والأزياء.

لقطة لعارضة أزياء بمدينة هراري عاصمة زيمبابوي

وتتخذ شيتزا وزاش من منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للتمرد على المعايير التقليدية في زيمبابوي، حيث يتوقع من النساء أن ترتدي زيا معينا يعد رسميا وملائما. وترى شيدزا، ذات الشعر الكثيف المجعد، التي ترتدي أقراطا عديدة وقميصا قصيرا، أن هيئتها تشجع الشابات على التعبير عن الحرية في اختيار الملبس والميول الجنسية دون خوف.

وتقول شيتزا: "لا تزال نظرات الآخرين تلاحقني ويحكم الآخرون على شخصيتي من خلال ملبسي. لكنني أعتقد أن التحرر الفكري في زيمبابوي أصبح وشيكا. إذ يوجد آخرون غيري ينادون بحرية اختيار الملبس".

ويرى زاش أن الشباب الأفريقي ينبغي عليهم رصد وتوثيق مظاهر الحياة في بلادهم بأنفسهم، لأن السياق الثقافي أحيانا يكون خادعا.

ويقول إن الأجانب عندما يأتون ويرون الأطفال يلعبون بالحجارة قد يظنون أنهم لا يمتلكون مالا لشراء الدمى والألعاب، لكن هؤلاء الأطفال في الحقيقة يلعبون لعبة شهيرة في زيمبابوي تستخدم فيها الحجارة. والمشكلة أن الصورة التي يعرضها هذا الشخص ستكون مغلفة بالشفقة.

ويقول زاش: "إن أفريقيا مكان متشابك، وقد دأب الكثيرون على التركيز على الصراعات فقط على مر السنين. ولا ننكر أن هناك الكثير من المشكلات والتحديات، لكن هناك أيضا حياة مفعمة بالحيوية والنشاط. ونتطلع إلى رسم صورة مكتملة المعالم لأفريقيا".

وأتقن مصورون معاصرون في غانا، مثل نانا كوفي أكواه، وفرانسيس كوكوروكو وبرينس جياسي، استخدام المنصات الرقمية لعرض أعمالهم وصورهم للمتابعين في أنحاء العالم.

ويتابع أكواه 94.9 ألف شخص على حسابه على موقع إنستغرام، بينما يتابع كوكوروكو 16.2 ألف شخص، أما برينس جياسي فلديه 79.2 ألف متابع. ويلتقط كل منهم صورا للمناطق التي نشأوا فيها ومجتمعاتهم المحلية، ليعرضوا أجزاء من غانا لم يرها الكثيرون من قبل، مثل مجتمعات الصيادين والمدن الكبرى والغابات والشواطئ التي تطل على الأطلسي..

صورة لعارضة أزياء في حي الأقمشة القديم بهراري عاصمة زيمبابوي

ويواظب أكواه على نشر صوره على صفحة "أفريقيا يوميا"، وهي صفحة شهيرة على موقع إنستغرام يتابعها 400 ألف شخص، وتعرض الجانب الذي لا يراه العالم من أفريقيا. وألهمت الصفحة حركة لمشروعات مشابهة تكشف عن مظاهر الحياة اليومية في أجزاء أخرى من العالم لتحدي الصور النمطية الراسخة عن المدن.

ومن بين الصور الرائجة التي نشرها أكواه على الموقع، صورة لأطفاله وهم يلعبون على الكمبيوتر اللوحي. وتظهر التعليقات أن انتشار الأجهزة الإلكترونية الحديثة بين الأطفال في أفريقيا، ولا سيما في مجتمع الصيادين في غانا، لا يزال يثير الاستغراب والدهشة.

ويقول أكواه إن الصور تثير الكثير من التساؤلات لدى المعلقين، فإذا لم نتحدث إلى الآخرين لن تتغير الصور النمطية الراسخة في أذهانهم. وأشعر أن مهمتي كمصور هي أن أحض الناس على طرح الأسئلة وأجيب عليها.

وعندما بدأ فرانسيس كوكوروكو مهنة التصوير، لفتت انتباهه أوضاع التصوير والخلفيات المختارة بعناية في صور الأوروبيين على الإنترنت، ولم يجد لها مثيلا بين الصور التي التقطها بني جلدته في غانا. ثم شرع كوكوروكو في نشر صورة يوميا للغانيين الذين يصادفهم في الشارع بأوضاع تحاكي أوضاع التصوير في الصور الأوروبية باستخدام كاميرا هاتفه المحمول، وكان يضع على كل صورة وسم #غانا.

وأخذ يلتقط صورا للعاصمة أكرا التي استقطبت أبناء الطبقة الوسطى الذين جلبوا معهم تطلعات جديدة وتغيرات في أنماط الحياة وساهموا في الارتقاء بالأحياء وتطويرها.

ويقول كوكوروكو إن التصوير يجعلك حاضرا وأكثر إلماما بما يحدث من حولك، وقد يجعلك تلاحظ أشياء لم تنتبه لها من قبل.

وبدأ برينس جياسي أيضا بنشر صور لقلب العاصمة أكرا، ومجتمع الصيادين بالمدينة على إنستغرام، والآن علقت صوره على جدران أحد المعارض الفنية بباريس.

واشتهر جياسي بين مجتمع المصورين بسبب مؤسسته الخيرية لتعليم الأطفال "بوكسيد كيدز"، ويرى أنه يتحمل مسؤولية تعريف الناس بطبيعة حياة شعبه في بلده غانا. ويشير جياسي إلى مقولة رئيس الوزراء الأول كوامي نكروما: "إن الغانيين ينبغي أن يسردوا قصصهم بأنفسهم ولا يدعون الآخرين يتحدثون بلسانهم".

بلدة كوكروبايت في غانا

ويقول جياسي: "لن أنتظر حتى يوثق الآخرون طبيعة الحياة في غانا، بل علينا أن نصحح الأفكار الخاطئة التي نشروها عن بلدنا. وأعتقد أنه من المهم أن نستخدم فننا لإطلاع الناس على الحقيقة".

وعُرضت أعمال مصورين، مثل حسن حجاج ولكين أوغونبانو وعمر فيكتور ديوب، في مجلات الموضة الغربية الراقية والمعارض والمهرجانات الأفريقية مثل معرض "لاغوس للصور"، ومهرجان "أديس فوتو" وبينالي داكار، وغيرها من المعارض التي تعرض الآن أعمال مصورين من القارة.

لكن فكرة التصوير غير التجاري لا تزال حديثة نسبيا في قارة أفريقيا. ويقول جياسي إنه من الصعب أن تكون مصورا مبدعا في غانا لأن المصورين التجاريين هم الذين يحظون بالاحترام".

أتاحت تكنولوجيا الهاتف والمنصات الرقمية طرقا جديدة ومبتكرة لالتقاط الصور. وساهم استخدام كاميرات الهواتف المحمولة في تذليل العقبات أمام الكثير من المصورين الذين لم يكن لديهم المال الكافي لشراء معدات التصوير والكاميرات الباهظة في الكثير من الدول داخل القارة.

فضلا عن أن مواقع التواصل الاجتماعي عبّدت الطريق لهؤلاء المصورين بالقارة للوصول إلى جمهور لم يتسن لهم الوصول إليه من قبل، وأيضا لتغيير صورة أفريقيا أمام العالم من خلال التقاط صور تعكس حياة الشعب الأفريقي في الشوارع ونشرها على الإنترنت. فإذا كتب أي شخص وسم أفريقيا في خانة البحث، لن يرى صورا للفقر أو المجاعات.

لاعبو كرة قدم في بلدة نيما بمنطقة أكرا الكبرى، غانا

وفي أديس أبابا، تتمتع المصورة الفوتوغرافية إييروسالم جيريغنا بموهبة استثنائية في هذه المدينة التي لا توجد فيها مدارس لتعليم التصوير وقلما تمسك النساء بالكاميرات بسبب الأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين.

وهذا ما دفعها إلى التقاط صور لنساء يؤدين أعمالا غير تقليدية، مثل عاملات البناء. وتقول جيريغنا إن الأوضاع الاقتصادية أجبرت البعض على تأدية وظائف رغم إرادتهم، لأن الكثيرين هنا يعانون الفقر والعوز وقد يفعلون أي شيء من أجل البقاء.

ولاقت صور جيريغنا لنساء مدينة هرر، المدينة المسلمة شرقي إثيوبيا، انتشارا واسعا. إذ ترتدي نساء هرر ملابس تقليدية زاهية الألوان وآخاذة، تتعارض مع الصور التقليدية للنساء المسلمات اللائي يرتدين أغطية الرأس السوداء أو النقاب.

وتتميز المدينة نفسها بألوانها المتنوعة، إذ طليت جدارنها باللون الأزرق الزاهي، وأبوابها باللون الأرجواني وألواح النوافذ باللون الأصفر، وتغطي بعض الجدران الحمراء علامة كوكاكولا.

وتقول جيريغنا إن صور المسلمات السمراوات اللائي يرتدين أغطية رأس ملونة أثارت دهشة البعض، الذين لم يتوقعوا وجود مسلمات في هذا البلد ذي الأغلبية المسيحية. وأرسل الكثيرون رسائل للاستفسار عن المكان لزيارته يوما ما.

وترى جيريغنا أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي ساعدتها في تبديد التصورات الشائعة عن بلدها. وتقول إن هناك الكثير من الجوانب الإيجابية في بلادها غير المجاعات والمرض التي يركز عليها الآخرون، وأريد أن يتعرف الناس على التطورات التي تمر بها في البلاد.

ويساعد هؤلاء المصورون المعاصرون في القارة في التصدي للصور النمطية ونشر معلومات لتعريف الناس بالعالم الذي نعيش فيه. إذ يكشف هؤلاء المصورون عن حقيقة القارة الأفريقية بتشابكها وتنوعها، وحيويتها وإبداعها لعدد متزايد من الجمهور، للتعرف على أفريقيا الحقيقية التي لم يعرفها العالم من قبل.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

لماذا اختصم محمد الطاهر بن عاشور مع الرئيس بورقيبة؟

2019-10-22

يوصف بأنّه "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقْرَأ، وأفادَ، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي".

اتبع بن عاشور الآلية المقصدية في تحليل الخطاب القرآني وبيّن أهمية أسباب النزول ودلالاتها وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن

ولم يكن محمد الطاهر بن عاشور ليستحق هذا الذي أسبغه عليه العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لو لم يكن جديراً بما قاله عنه وبحقه وزاد عليه صديقه الأثير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، فقد امتدحه وأطرى عليه، فله "فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف، إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة. كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وهمَّةً طمَّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
ولد بن عاشور، بتونس في العام 1879م في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلى بلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش التي تعرض لها مسلمو الأندلس.

اقرأ أيضاً: لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟
حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، على ما تورده المصادر التاريخية، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، فدرس علوم الزيتونة ونبغ فيها، وأظهر همة عالية في التحصيل، وساعده على ذلك ذكاؤه النادر والبيئة العلمية الدينية التي نشأ فيها، وشيوخه العظام في الزيتونة الذين كان لهم باع كبير في النهضة العلمية والفكرية في تونس، وملك هاجسُ الإصلاح نفوسَهم وعقولهم، فبثوا هذه الروح الخلاقة التجديدية في نفس الطاهر، وكان منهجهم أنّ الإسلام دين فكر وحضارة وعلم ومدنية.

 محمد البشير الإبراهيمي
وبوحي من هذه التنشئة والظروف المحيطة بابن عاشور، وبدافع من إحساسه بأنّ تقدّم المسلمين لا يكون إلا من طريق إصلاح عقولهم، وتوفير البيئة الفكرية لكي يتفهموا أمور دينهم، راح الفقيه التونسي يبحث عن سبل للنظر في جوانب إصلاح المنهجية التي عُرض فيها الدين، وللطريقة التي يُفهم فيها الدين، رابطاً على نحو خلّاق بين الفكر والعمل، فلا يمكن إصلاح جانب وترك الآخر؛ "لأنهما كجناحي الطائر لا يمكن تجديد ما رثّ في أحدهما وترك الجانب الآخر".
وكان ابن عاشور، وهو يسعى إلى إصلاح الفكر، يرنو إلى إصلاح التفكير بربط ذلك بإصلاح العلوم التي يُراد إدخالها في مخزن الأفكار (العقل البشري)، فإصلاح عقل الإنسان هو إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغالُ بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلامي"، كما جاء في كتابه "أصول النظام الاجتماعي".

مرّ بن عاشور باختبار صعب في عهد الحبيب بورقيبة، حين دعا الرئيسُ العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج

وانطوى التوجه المقاصدي لدى ابن عاشور على وعي نقدي للأسس التي انبنى عليها العقل الفقهي القديم، وعلى هاجس تطوير البناء الفكري للمنظومة التشريعية الإسلامية على النحو الذي يجعل من التشريع عامل تنشيط للحركة الحضارية، وعنصر تغذية لتقدم المجتمع الإنساني، لتجنيب المسلم عوارض الصدام بين النص والواقع، سعياً نحو تحقيق التوازن المطلوب بين موجبات الولاء لتعاليم الدين من ناحية، والاستجابة لمقتضيات التواصل الواعي مع متغيرات الزمان والمكان من ناحية ثانية، بما يتيح تحرير العقل الفقهي من أسر الأطر المغلقة للثقافة التقليدية، والرفع من قيمة أدائه بمدّه بالآلات المنهجية والمعرفية التي تمكّنه من امتلاك القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة والانخراط القويم في مسار الحركة الحضارية التي لا تعرف التوقف ولا تعترف بالجمود والقعود، حسبما ورد في دراسة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
وتنوّه الدراسة إلى جهود ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، حيث اتبع العلامة التونسي منهجاً يعتمد على تكوين علاقة مركبة من القارئ والنص؛ لأنّ النص القرآني في كثير من التفاسير وإن بدا حاضراً، فإنّ حضوره شكلي يتضاءل أمام حضور القارئ وأهدافه، وقد لوحظ إلمام ابن عاشور بمراتب الدلالة اللغوية، وتحليله قضاياها وفق المنهج التداولي، كما لوحظ اتباعه للآلية المقصدية، وتنسيبها في تحليل الخطاب القرآني وعنايته بها، وقد بيّن ابن عاشور أهمية أسباب النزول ودلالاتها، وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن الكريم.

الحبيب بورقيبة
وفيما اتصل بلباس المرأة، كان لابن عاشور موقفه في هذه القضية الجدلية التي ما تزال تشغل اهتمامات المسلمين، حيث ذكر شيخ علماء جامع الزيتونة أنّ "الذي يجب ستره من المرأة الحرة هو ما بين السرّة والركبة عن عين الزوج، وماعدا الوجه والأطراف عن المحارم، والمراد بالأطراف الذراع والشعر وما فوق النحر أي أعلى الصدر، ويجوز لها أن تظهر لأبيها ما لا تظهره لغيره ماعدا العورة المغلظة، وكذلك لابنها، ولا يجب عليها ستر وجهها ولا كفيها عن أحد من الناس".
وتعرّض ابن عاشور لمحن سياسية كثيرة سواء من الاستعمار الفرنسي لبلاده، أو من السلطة التي جاءت في أعقاب إزاحة الاستعمار. وقد مرّ في عهد الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، وبالتحديد في عام 1961م  بفتنة كبيرة واختبارٍ صعب، حيث إنّ الرئيس التونسي دعا العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج، وطلب من ابن عاشور أن يفتي في الإذاعة بما يوافق ذلك، حيث ترقّب النّاس ظهوره من خلال البثّ الإذاعيّ، ليرَوا ماذا يقول، فصرّح بما يوافق شرع الله في هذه القضية، وذكر أنّ كلّ مفطرٍ بدون عذرٍ شرعيّ، كالمرض والسفر وما إلى ذلك من الأعذار التي حددها الشرع، يجب عليه فيها القضاء، وذكر شهود أنّه قرأ آية الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ثمّ قال بعدها: "صدق الله، وكذب بورقيبة"!

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية