الحركة الإسلامية السودانية وضريبة الانفصال عن الواقع

1846
عدد القراءات

2019-01-23

استطاعت الحركة الإسلامية السودانية؛ وهي تحالف شكّله تنظيم الإخوان المسلمين، ينضوي تحته بعض السلفيين، وقليل من شيوخ الطرق الصوفية، الاستيلاء على السلطة، عبر انقلاب عسكري، في حزيران (يونيو) 1989؛ حيث أخفى الانقلابيون وقتها انتماءهم الإخواني، بإيعاز وتدبير من زعيمهم الروحي الراحل، حسن الترابي، ولمزيد من التمويه، أمر الضابط الذي اختير لتنفيذ الانقلاب، عمر البشير، بإيداعه السجن، برفقة قادة الأحزاب الأخرى، مُطلقاً عبارته المشهورة والذائعة: "اذهب إلى القصر رئيساً، وسأذهب إلى السِجن حبيساً"، وهذا ما حدث بالفعل.

اقرأ أيضاً: السودان: الكشف عن عدد قتلى الاحتجاجات
لكنّ الحركة شهدت الكثير من الانقسامات عقب وصولها للسلطة؛ حيث عكف قادتها على الانشغال بإقصاء بعضهم بعضاً في سبيل الاستئثار بالثروة والسلطة، فابتكروا طرائق وسبلاً عديدة يتوسلون بها إلى الاستحواذ على (الكرسي)، دون إخوانهم الآخرين، فضلاً عن معارضيهم السياسيين والمسلحين.

حسن الترابي
ومضت الحركة الإسلامية، بقيادة الإخوان المسلمين، يوماً  بعد يوم في هذا الطريق، إلى أن أوصلت البلاد إلى هذه الحالة الماثلة اليوم؛ من انفصال للجنوب، وحروب داخلية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وانقسام السودان بعد انفصال الجنوب، وأزمة اقتصادية مستفحلة وفساد، ومعدلات تضخم غير مسبوقة، وشحّ في المحروقات والخبز والمواد الغذائية الأساسية، وتدهور في التعليم والصحة، وانقطاع مستمر لإمدادات الماء والكهرباء وغاز الطبخ.
تشظٍّ وانقسام

شهد الإخوان الكثير من الانقسامات عقب وصولهم للسلطة بالسودان وانشغل قادتهم بإقصاء بعضهم بعضاً

يقول المحلل السياسي حامد نورين لـ "حفريات": خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، وعقب انتفاضة أيلول (سبتمبر) 2013، التي قتل خلالها ما يزيد على 200 متظاهر سلمي، من الذين خرجوا ضدّ الغلاء والأزمات المتلاحقة في مناحي الحياة كافة، وإلى الاحتجاجات الجارية الآن، لم تتمكن الحركة الإسلامية الحاكمة، ليس فقط من إدارة شؤون البلاد؛ بل حتى من حماية نفسها، وتحصينها ضدّ الانقسامات، فكان أن أطاح البشير، في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2013، بعلي عثمان طه، ونافع علي نافع، أبرز مساعديه الذين ساندوه في إزاحة الترابي، محتجاً بسعيه إلى إعطاء الفرصة للشباب، لكن ذلك لم يحدث إلا في  نطاق ضيق جداً، فأبقى على الجنرال بكري حسن صالح، نائباً أولاً له ورئيساً لمجلس الوزراء القومي، وسرعان ما أطاحه عن المنصب الثاني، ليأتي بمعتز موسى من وزارة الكهرباء والموارد المائية.

انتفاضة أيلول (سبتمبر) 2013 قتل خلالها ما يزيد على 200 متظاهر سلمي

وأشار نورين إلى أنّ مقربين من الحكومة، ومنسوبين لحزب المؤتمر الوطني، عزوا حينها إطاحة البشير بنائبه الأول، علي عثمان طه، إلى أنّه "غير مطمئن له ويخشى مكائده وحيله، ولربما يفعل به ما فعله بزعيمه الروحي حسن الترابي"، إلاّ أنّ الرجل عاد مجدداً إلى الواجهة، مع اقتراب نهاية الدورة الرئاسية الحالية للبشير، التي ينصّ الدستور على أنّها الأخيرة له، بقيادته، من خلف الكواليس، حملة تحت اسم "الدستور ليس قرآناً"،  تدعو إلى تعديل الدستور؛ حيث يسمح بإعادة انتخاب البشير العام  2020، بحجة  أن أوضاع البلاد لا  تسمح بتغيير الرئيس.

نورين: لم تتمكن الحركة الإسلامية الحاكمة ليس فقط من إدارة شؤون البلاد بل حتى من حماية نفسها

ويتابع نورين حديثه: في مقابل هذه المجموعة التي يقودها علي عثمان طه لترشيح البشير وتعديل الدستور، تظهر مجموعة أخرى مناوئة وصمت البشير، بسبب الدعوة إلى إعادة ترشيحه، بخرق لوعده بألّا يترشح في انتخابات العام 2020؛ بل بأنّ ذلك خرق للدستور نفسه، وأبرز قادة هذه المجموعة القياديان الإسلاميان؛ نافع علي نافع، وأمين حسن عمر. 
وكشف نورين أنّ إعادة رئيس جهاز الأمن السابق، صلاح عبد الله (قوش) إلى منصبه، بعد عشرة أعوام من إطاحته عنه، بعد اتهامه بـ"التخطيط لانقلاب على البشير"، وإيداعه السجن، ثم الإفراج عنه بعد محاكمة صورية تشي بأنّ الرئيس كان يخطط لأمر ما، ربما هو تعديل الدستور وإعادة ترشيحه في انتخابات 2020.
تربّص وترقّب
من جهته، يقول المحلل  السياسي إبراهيم سيد أحمد إنّ "حزب المؤتمر الوطني الحاكم أصبح ضعيفاً حدّ الهشاشة، وإنّ المجموعات المتصارعة داخله وداخل الحركة الإسلامية التابعة له، أو التابع لها، لا فرق، تتربص ببعضها، بما هو أكبر من تربّص المعارضة بها".

اقرأ أيضاً: احتجاجات السودان.. محض غيمة عابرة أم إرادة حقيقية للتغيير؟
وعدّ سيد أحمد قضية ترشيح البشير لانتخابات 2020 القشة التي قصمت ظهر بعير الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني؛ بل وظهر التحالف القائم بينها وبين العسكريين، وأنّ "خطاب البشير أمام مفرزة من الجيش في مدينة عطبرة، الأسبوع قبل الماضي؛ حيث كانت الاحتجاجات ما تزال مستمرة، وإشارته إلى أنّ لا مانع لديه في تسليم السلطة إلى الجيش، كان موجهاً إلى رهطه من الإسلاميين في المقام الأول، وليس إلى المتظاهرين والمعارضة".

يعوّل البشير ورفاقه على الأمن ومليشيات الدعم السريع لحسم المعركة
وأشار سيد أحمد، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّه يتوقّع أن تتسارع الاحتجاجات إلى مفاصلة أخرى أكثر حدة، ربما تصل، وفق رأيه، إلى مرحلة الصدام بين الإسلاميين أنفسهم، كونهم يملكون مليشيات مسلحة، أو بينهم وبين حلفائهم العسكريين، الذين يعتقدون أنّ أزمة الخبز والسيولة النقدية، وانهيار النظام المصرفي، وندرة المحروقات، وشحّ الخبز، وغلاء السلع الأساسية إلى حدّ غير مسبوق، أمور مفتعلة من قبل الإسلاميين المعارضين لترشح البشير وهيمنة العسكر؛ سعياً إلى إفشالهم والإطاحة بهم، فيما يعوّل البشير ورفاقه على الأمن ومليشيات الدعم السريع لحسم المعركة إذا ما تفاقمت، والقضاء على الإسلاميين بقوة السلاح.   
انقلاب القواعد والنُخب
من جانبها، أرجعت الباحثة في التاريخ السياسي للأحزاب السودانية، هدى عبد اللطيف ساتي، ما يحدث من انقسامات داخل الحركة الإسلامية السودانية الحاكمة، وذراعها جماعة الإخوان المسلمين، وبعض العسكريين المتحالفين معها، إلى ما أسمتها "حالة الانعزال والانفصال عن الواقع"، التي تعيشها الحركة جراء مكثوها في السلطة زهاء ثلاثين عاماً، "أسست خلالها لنظام حكم شمولي قاسٍ، أفضى إلى دولة فاشلة ومجتمع منقسم على نفسه، على أسس عرقية وقبلية، ومليشيات مسلحة، وكتائب ظلّ حزبية، ذات عقائد قتالية ضيقة الأفق وغير وطنية، سرقت بها دور المؤسسة العسكرية (الجيش)، الذي تمّت إزاحة قيادته المهنية، لتحلّ محلّها قيادة ذات توجه عقدي إسلاموي داعم لحكم الفرد والشمولية، فوضعت بذلك السودان كله في (كفّ عفريت)"، بحسب تعبيرها.

ساتي: ما يحدث من انقسامات داخل الحركة الإسلامية السودانية الحاكمة بسبب حالة الانعزال والانفصال عن الواقع

وأشارت ساتي، في حديثها لـ "حفريات" إلى أنّه، "وفق النظريات السياسية الحديثة؛ فإنّ الأفراد (القواعد) الذين يسارعون إلى تأييد الحركة الشمولية، هم في الغالب ممن يعانون الانعزال والوحدة والبعد عن السياسة، أما بالنسبة إلى النخب المثقفة التي تتحالف مع الشموليات وتؤيدها؛ فإنهم أنصار عميان ليس إلا، ولا يملكون خلفيات فكرية أو محتوى سياسي، يمكنهم من تحليل مآلات تأييدهم لهذه الأنظمة الاستبدادية، فقط يدعمونها باعتبارها حركات وطنية تعمل لتحقيق مصالح الشعب".
وتتابع أنّه بذلك "يحدث نوع من التحالف ما بين القواعد الجماهيرية من العامة من جهة، والنخب من جهة أخرى، لتأييد ومساندة الشمولية، ويبقى ذلك التحالف قائماً حتى يبدأ الشموليون في تنفيذ جرائمهم وإرهابهم، عندئذ ينفصل النخبويين عن هذا التحالف، وتتخلى عنهم السلطة"، مؤكدة أنّ هذا ما حدث بالضبط داخل الحركة الإسلامية السودانية، "وأفضى إلى تلك الانقسامات والضعف والهشاشة، فيما انسحب الأفراد من العامة إلى الشارع، يدعمون توجهاته بإطاحة النظام الذي كانوا يدعمونه منذ وقت قليل،  فما عاد يمثل أحلامهم وطموحاتهم؛ بل أصبح وبالاً عليهم".

اقرأ المزيد...

الوسوم:



الحركة الإسلامية السودانية وضريبة الانفصال عن الواقع

عدد القراءات

2019-01-23

استطاعت الحركة الإسلامية السودانية؛ وهي تحالف شكّله تنظيم الإخوان المسلمين، ينضوي تحته بعض السلفيين، وقليل من شيوخ الطرق الصوفية، الاستيلاء على السلطة، عبر انقلاب عسكري، في حزيران (يونيو) 1989؛ حيث أخفى الانقلابيون وقتها انتماءهم الإخواني، بإيعاز وتدبير من زعيمهم الروحي الراحل، حسن الترابي، ولمزيد من التمويه، أمر الضابط الذي اختير لتنفيذ الانقلاب، عمر البشير، بإيداعه السجن، برفقة قادة الأحزاب الأخرى، مُطلقاً عبارته المشهورة والذائعة: "اذهب إلى القصر رئيساً، وسأذهب إلى السِجن حبيساً"، وهذا ما حدث بالفعل.

اقرأ أيضاً: السودان: الكشف عن عدد قتلى الاحتجاجات
لكنّ الحركة شهدت الكثير من الانقسامات عقب وصولها للسلطة؛ حيث عكف قادتها على الانشغال بإقصاء بعضهم بعضاً في سبيل الاستئثار بالثروة والسلطة، فابتكروا طرائق وسبلاً عديدة يتوسلون بها إلى الاستحواذ على (الكرسي)، دون إخوانهم الآخرين، فضلاً عن معارضيهم السياسيين والمسلحين.

حسن الترابي
ومضت الحركة الإسلامية، بقيادة الإخوان المسلمين، يوماً  بعد يوم في هذا الطريق، إلى أن أوصلت البلاد إلى هذه الحالة الماثلة اليوم؛ من انفصال للجنوب، وحروب داخلية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وانقسام السودان بعد انفصال الجنوب، وأزمة اقتصادية مستفحلة وفساد، ومعدلات تضخم غير مسبوقة، وشحّ في المحروقات والخبز والمواد الغذائية الأساسية، وتدهور في التعليم والصحة، وانقطاع مستمر لإمدادات الماء والكهرباء وغاز الطبخ.
تشظٍّ وانقسام

شهد الإخوان الكثير من الانقسامات عقب وصولهم للسلطة بالسودان وانشغل قادتهم بإقصاء بعضهم بعضاً

يقول المحلل السياسي حامد نورين لـ "حفريات": خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، وعقب انتفاضة أيلول (سبتمبر) 2013، التي قتل خلالها ما يزيد على 200 متظاهر سلمي، من الذين خرجوا ضدّ الغلاء والأزمات المتلاحقة في مناحي الحياة كافة، وإلى الاحتجاجات الجارية الآن، لم تتمكن الحركة الإسلامية الحاكمة، ليس فقط من إدارة شؤون البلاد؛ بل حتى من حماية نفسها، وتحصينها ضدّ الانقسامات، فكان أن أطاح البشير، في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2013، بعلي عثمان طه، ونافع علي نافع، أبرز مساعديه الذين ساندوه في إزاحة الترابي، محتجاً بسعيه إلى إعطاء الفرصة للشباب، لكن ذلك لم يحدث إلا في  نطاق ضيق جداً، فأبقى على الجنرال بكري حسن صالح، نائباً أولاً له ورئيساً لمجلس الوزراء القومي، وسرعان ما أطاحه عن المنصب الثاني، ليأتي بمعتز موسى من وزارة الكهرباء والموارد المائية.

انتفاضة أيلول (سبتمبر) 2013 قتل خلالها ما يزيد على 200 متظاهر سلمي

وأشار نورين إلى أنّ مقربين من الحكومة، ومنسوبين لحزب المؤتمر الوطني، عزوا حينها إطاحة البشير بنائبه الأول، علي عثمان طه، إلى أنّه "غير مطمئن له ويخشى مكائده وحيله، ولربما يفعل به ما فعله بزعيمه الروحي حسن الترابي"، إلاّ أنّ الرجل عاد مجدداً إلى الواجهة، مع اقتراب نهاية الدورة الرئاسية الحالية للبشير، التي ينصّ الدستور على أنّها الأخيرة له، بقيادته، من خلف الكواليس، حملة تحت اسم "الدستور ليس قرآناً"،  تدعو إلى تعديل الدستور؛ حيث يسمح بإعادة انتخاب البشير العام  2020، بحجة  أن أوضاع البلاد لا  تسمح بتغيير الرئيس.

نورين: لم تتمكن الحركة الإسلامية الحاكمة ليس فقط من إدارة شؤون البلاد بل حتى من حماية نفسها

ويتابع نورين حديثه: في مقابل هذه المجموعة التي يقودها علي عثمان طه لترشيح البشير وتعديل الدستور، تظهر مجموعة أخرى مناوئة وصمت البشير، بسبب الدعوة إلى إعادة ترشيحه، بخرق لوعده بألّا يترشح في انتخابات العام 2020؛ بل بأنّ ذلك خرق للدستور نفسه، وأبرز قادة هذه المجموعة القياديان الإسلاميان؛ نافع علي نافع، وأمين حسن عمر. 
وكشف نورين أنّ إعادة رئيس جهاز الأمن السابق، صلاح عبد الله (قوش) إلى منصبه، بعد عشرة أعوام من إطاحته عنه، بعد اتهامه بـ"التخطيط لانقلاب على البشير"، وإيداعه السجن، ثم الإفراج عنه بعد محاكمة صورية تشي بأنّ الرئيس كان يخطط لأمر ما، ربما هو تعديل الدستور وإعادة ترشيحه في انتخابات 2020.
تربّص وترقّب
من جهته، يقول المحلل  السياسي إبراهيم سيد أحمد إنّ "حزب المؤتمر الوطني الحاكم أصبح ضعيفاً حدّ الهشاشة، وإنّ المجموعات المتصارعة داخله وداخل الحركة الإسلامية التابعة له، أو التابع لها، لا فرق، تتربص ببعضها، بما هو أكبر من تربّص المعارضة بها".

اقرأ أيضاً: احتجاجات السودان.. محض غيمة عابرة أم إرادة حقيقية للتغيير؟
وعدّ سيد أحمد قضية ترشيح البشير لانتخابات 2020 القشة التي قصمت ظهر بعير الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني؛ بل وظهر التحالف القائم بينها وبين العسكريين، وأنّ "خطاب البشير أمام مفرزة من الجيش في مدينة عطبرة، الأسبوع قبل الماضي؛ حيث كانت الاحتجاجات ما تزال مستمرة، وإشارته إلى أنّ لا مانع لديه في تسليم السلطة إلى الجيش، كان موجهاً إلى رهطه من الإسلاميين في المقام الأول، وليس إلى المتظاهرين والمعارضة".

يعوّل البشير ورفاقه على الأمن ومليشيات الدعم السريع لحسم المعركة
وأشار سيد أحمد، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّه يتوقّع أن تتسارع الاحتجاجات إلى مفاصلة أخرى أكثر حدة، ربما تصل، وفق رأيه، إلى مرحلة الصدام بين الإسلاميين أنفسهم، كونهم يملكون مليشيات مسلحة، أو بينهم وبين حلفائهم العسكريين، الذين يعتقدون أنّ أزمة الخبز والسيولة النقدية، وانهيار النظام المصرفي، وندرة المحروقات، وشحّ الخبز، وغلاء السلع الأساسية إلى حدّ غير مسبوق، أمور مفتعلة من قبل الإسلاميين المعارضين لترشح البشير وهيمنة العسكر؛ سعياً إلى إفشالهم والإطاحة بهم، فيما يعوّل البشير ورفاقه على الأمن ومليشيات الدعم السريع لحسم المعركة إذا ما تفاقمت، والقضاء على الإسلاميين بقوة السلاح.   
انقلاب القواعد والنُخب
من جانبها، أرجعت الباحثة في التاريخ السياسي للأحزاب السودانية، هدى عبد اللطيف ساتي، ما يحدث من انقسامات داخل الحركة الإسلامية السودانية الحاكمة، وذراعها جماعة الإخوان المسلمين، وبعض العسكريين المتحالفين معها، إلى ما أسمتها "حالة الانعزال والانفصال عن الواقع"، التي تعيشها الحركة جراء مكثوها في السلطة زهاء ثلاثين عاماً، "أسست خلالها لنظام حكم شمولي قاسٍ، أفضى إلى دولة فاشلة ومجتمع منقسم على نفسه، على أسس عرقية وقبلية، ومليشيات مسلحة، وكتائب ظلّ حزبية، ذات عقائد قتالية ضيقة الأفق وغير وطنية، سرقت بها دور المؤسسة العسكرية (الجيش)، الذي تمّت إزاحة قيادته المهنية، لتحلّ محلّها قيادة ذات توجه عقدي إسلاموي داعم لحكم الفرد والشمولية، فوضعت بذلك السودان كله في (كفّ عفريت)"، بحسب تعبيرها.

ساتي: ما يحدث من انقسامات داخل الحركة الإسلامية السودانية الحاكمة بسبب حالة الانعزال والانفصال عن الواقع

وأشارت ساتي، في حديثها لـ "حفريات" إلى أنّه، "وفق النظريات السياسية الحديثة؛ فإنّ الأفراد (القواعد) الذين يسارعون إلى تأييد الحركة الشمولية، هم في الغالب ممن يعانون الانعزال والوحدة والبعد عن السياسة، أما بالنسبة إلى النخب المثقفة التي تتحالف مع الشموليات وتؤيدها؛ فإنهم أنصار عميان ليس إلا، ولا يملكون خلفيات فكرية أو محتوى سياسي، يمكنهم من تحليل مآلات تأييدهم لهذه الأنظمة الاستبدادية، فقط يدعمونها باعتبارها حركات وطنية تعمل لتحقيق مصالح الشعب".
وتتابع أنّه بذلك "يحدث نوع من التحالف ما بين القواعد الجماهيرية من العامة من جهة، والنخب من جهة أخرى، لتأييد ومساندة الشمولية، ويبقى ذلك التحالف قائماً حتى يبدأ الشموليون في تنفيذ جرائمهم وإرهابهم، عندئذ ينفصل النخبويين عن هذا التحالف، وتتخلى عنهم السلطة"، مؤكدة أنّ هذا ما حدث بالضبط داخل الحركة الإسلامية السودانية، "وأفضى إلى تلك الانقسامات والضعف والهشاشة، فيما انسحب الأفراد من العامة إلى الشارع، يدعمون توجهاته بإطاحة النظام الذي كانوا يدعمونه منذ وقت قليل،  فما عاد يمثل أحلامهم وطموحاتهم؛ بل أصبح وبالاً عليهم".