الحسابات الجزائرية على هامش المصالحة الفلسطينية.. تساؤلات عن توقيت الدعوة وأهدافها

الحسابات الجزائرية على هامش المصالحة الفلسطينية.. تساؤلات عن توقيت الدعوة وأهدافها

مشاهدة

30/01/2022

 بدعوة من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، للرئيس الفلسطيني محمود عباس لرعاية الجزائر حوار مصالحة بين الفصائل الفلسطينية، بدأت في الجزائر لقاءات تحضيرية لممثلي الفصائل الفلسطينية، في ظل تأكيدات أوّلية تشير إلى أنّ ما ستشهده الجزائر حوارات مفتوحة؛ أي إنّها بلا سقف زمني محدّد للإعلان عمّا يتم التوصل إليه من اتفاقات، غير أنّ سياقات الدعوة الجزائرية من منظور جزائري وفلسطيني، إضافة إلى العقبات التي تواجه المصالحة الفلسطينية، ارتباطاً بمصالحات سابقة شهدتها عواصم عربية وإسلامية، تطرح جملة من التساؤلات عن توقيت الدعوة الجزائرية وأهدافها من جهة، ومدى استعداد الفصائل الفلسطينية لاجتراح مقاربات وتنازلات تفضي إلى قواسم "وطنية" جديدة تتجاوز "الفصائلية" والفجوات العميقة بين فتح وحماس من جهة أخرى.

حسابات الدور والتأثير للقيادة الجزائرية

تعكس "الالتفاتة" الجزائرية للقضية الفلسطينية حسابات مرتبطة بالاتجاهات السياسية للقيادة الجزائرية، بما فيها من تصاعد لخلافاتها مع المملكة المغربية، على خلفية قضية الصحراء المغربية والبحث عن دور عربي وإقليمي، وتموضع القيادة الجزائرية في إطار انقسام عربي بين مطبّعين مع إسرائيل، من بينهم المملكة المغربية، ومقاومين لهذا التطبيع تتطلع الجزائر لأن تكون في طليعتهم، لا سيّما أنّ القضية الفلسطينية تُشكّل مكوّناً من مكوّنات الثقافة السياسية والعروبية للجزائريين.

تعكس "الالتفاتة" الجزائرية للقضية الفلسطينية حسابات مرتبطة بالاتجاهات السياسية للقيادة الجزائرية

وبالتزامن، فإنّ رهانات جزائرية على أنّ تحقيق أيّ إنجاز يُذكر في المصالحة الفلسطينية سيكون ورقة قوة لديها في القمّة العربية القادمة التي ستُعقد بالجزائر في آذار (مارس) المقبل، في ظل خلافات عربية- عربية حول ملفات عديدة؛ من بينها التطبيع مع إسرائيل ومشاركة القيادة السورية فيها، وهو ما يفسّر لقاء الرئيس تبون مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ارتباطاً بدور على صعيد القمّة العربية، ودورها في الملف الفلسطيني، بما في ذلك علاقاتها مع طرفي المصالحة "فتح وحماس"، والذي لا يستبعد معه أنّ الرئيس تبون أراد التأكيد للقيادة المصرية أنّ الجزائر تبني على مواقف جمهورية مصر في جهودها بالمصالحة الفلسطينية، لا سيما أنّ مواقف القاهرة والجزائر تتقاطع في ملفات دعوة الرئيس بشار الأسد للقمّة العربية القادمة، بالإضافة إلى الموقف من الأزمة الليبية باتجاه تحقيق تسوية سياسية فيها لمواجهة تداعيات الإرهاب من فصائل جهادية ليبية على الأمنين المصري والجزائري.

 رهانات جزائرية على أنّ تحقيق أيّ إنجاز يُذكر في المصالحة الفلسطينية سيكون ورقة قوة لديها في القمّة العربية القادمة التي ستُعقد بالجزائر في آذار (مارس) المقبل

ومع ذلك، فإنّ عدم تحقيق سقف زمني لحوارات المصالحة، ومن ثمّ عدم وجود مبادرة جزائرية تتضمن مقترحات أو خطة عمل، تُشكّل نقطة ضعف ومقدمة لتأكيد أهداف الجزائر من المصالحة، فوفقاً لتسريبات فلسطينية تدير القيادة الجزائرية جلسات المصالحة على غرار المفاوضات الإيرانية في فيينا ومفاوضات أستانا؛ إذ تعقد لقاءات منفصلة مع كلّ فصيل فلسطيني، وتستمع لمقارباته تجاه القضايا الخلافية، في الوقت الذي التقت فيه وفود حماس وفتح في القاهرة وأنقرة وعواصم أخرى.

حسابات فلسطينية دبلوماسية

بالرغم من الترحيب الذي أعلنته الفصائل الفلسطينية، بما فيها فتح وحماس، للمبادرة الجزائرية، إلّا أنّ هناك إدراكاً من قبل تلك الفصائل لما ستكون عليه نتائج حوارات الجزائر، وأنّ أهداف الجزائر من هذه الدعوة بهذا التوقيت تأتي في إطار حسابات جزائرية خاصة، لا سيّما أنّ عواصم أكثر تأثيراً بالملف الفلسطيني كالقاهرة وأنقرة وبعض العواصم الخليجية لم تتمكن من تحقيق إنجازات تُذكر على هذا الصعيد، ويشار هنا إلى أنّه رغم أنّ الجزائر تتطلع لدور ريادي في مقاومة التطبيع إلّا أنّ هذا يتطلب منها أن تكون أكثر قرباً وميلاً لحركة حماس، وهو ما يتعارض مع ثوابت القيادة الجزائرية الحالية التي تستلهم إرثاً تاريخياً لفضاءات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، وبانحيازات واضحة ضد "الإسلاموية"، أكدها الرئيس الجزائري بالتبرع للسلطة الفلسطينية بمبلغ (100) مليون  دولار، بوصفها العنوان الشرعي للشعب الفلسطيني، وهو ما يطرح شكوكاً عميقة حول أفق المصالحة الفلسطينية عبر بوابة الجزائر.

وعلى الصعيد الفلسطيني، فمن الواضح أنّه لا جديد يمكن أن تطرحه لا حماس ومعها الجهاد الإسلامي، ولا حركة فتح، في لقاءات الجزائر، فالقضايا الخلافية ما تزال قائمة حول إعادة تشكيل منظمة التحرير، والانتخابات الفلسطينية، بالإضافة إلى تشكيل حكومة فلسطينية، وهي خلافات من المؤكد أنّ الحلول الوسط فيها والتي كان يمكن الوصول إليها أصبحت بعيدة، في ظلّ انخراط فتح من جهة، وحماس والجهاد الإسلامي من جهة أخرى، في لعبة المحاور العربية والإسلامية، وآخرها ما شهده قطاع غزة من تأكيد على انقسام فلسطيني، عبر مسيرات الجهاد الإسلامي وحماس وفصائل أخرى تأييداً للصواريخ الحوثية التي أطلقت على أبو ظبي، و"الشتائم" التي وُجّهت لقيادات خليجية، أكدت مجدداً ذهاب حماس والجهاد الإسلامي بعيداً في العلاقة مع إيران.

سيناريوهات نتائج المبادرة الجزائرية

من المرجح ألّا يتم التوصل إلى اتفاق بخصوص المصالحة الفلسطينية، فقد بدأت حملات الاتهامات المتبادلة بين الفصائل الفلسطينية، خاصة بين فتح وحماس، حول تحميل كلّ طرف للطرف الآخر مسؤولية إفشال الحوار بوضع شروط "تعجيزية"، وهي صورة مكرّرة لما جرى في مؤتمرات المصالحة الأخرى، بما فيها التي أنجزت اتفاقات لم ترَ النور مثل اتفاقات القاهرة التي وقعت عام 2017، ويبدو أنّ مطالب فصائل أخرى كالجهاد الإسلامي لا تختلف كثيراً عن مطالب حماس بإجراء الانتخابات المتزامنة وإعادة تشكيل منظمة التحرير، بالإضافة إلى مبادرات "توفيقية" حملتها الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، وهو ما يرجّح أن تكتفي الفصائل الفلسطينية بإصدار بيانات تثمّن جهود القيادة الجزائرية لتحقيق الوحدة الفلسطينية ودعم القضية الفلسطينية.

اقرأ أيضاً: وسط موجة من الجدل.. افتتاح معرض "فلسطين وياسر عرفات" بمشاركة 43 دولة

وإذا كان متوقعاً ألّا تحقق فتح وحماس مصالحة فلسطينية برعاية جزائرية، فإنّ انعكاسات "الفشل" في تحقيق هذه المصالحة على الجزائر ستكون أكبر منها على الصعيد الفلسطيني، خاصة مع تسريبات من داخل اللقاءات تشير إلى أنّ أهداف الجزائر من المصالحة انتزاع موقف فلسطيني يتضمن إدانة المغرب على خلفية التطبيع مع إسرائيل، وهو ما لا يتوقع أن تحققه الجزائر؛ لأنّ موضوع التطبيع أحد موضوعات الخلاف بين طرفي المصالحة "فتح وحماس"، فيما كان زعيم حماس في غزة، إسماعيل هنية، قد قام بزيارة المغرب بعد توقيعه اتفاق السلام مع إسرائيل، وهو ما أثار تساؤلات حول موقف حماس من التطبيع، وترتبط حماس بعلاقات وثيقة مع دول مطبّعة مع إسرائيل، بما في ذلك تركيا التي يستعدّ رئيسها أردوغان لاستقبال الرئيس الإسرائيلي واستئناف التعاون بين أنقرة وتل أبيب على كافة المستويات، بما فيها الأمنية والعسكرية.

الصفحة الرئيسية