الحشد الشعبي في العراق.. مأسسة الطائفية وتفتيت الدولة الوطنية

العراق

الحشد الشعبي في العراق.. مأسسة الطائفية وتفتيت الدولة الوطنية

مشاهدة

11/06/2019

ظلّ ظهور الحشد الشعبي في العراق إبان سقوط مدينة الموصل، تحديداً، وبقية المحافظات ذات الكتل السنّية، يحوي غموضاً والتباسات شديدة، وهو الأمر الذي يرافق مستقبلها بنفس القدر، وينعكس كذلك حول مآلات أدوارها التي تقوم بها بعد تقنينها.

اقرأ أيضاً: "الحشد" و"الحزب": ذَوَبان في المحبوب
فقبل خمسة أعوام، شهدت الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، سقوطها في قبضة ما يعرف بـتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، في ظل ضعف قوات الجيش العراقي، ونقص إمكانياته العسكرية، التي وصفت من قبل مراقبين بـ"الملغز"، خاصة، مع عدم استجابة الحكومة في بغداد، ممثلة في رئيس الوزراء حينها، نوري المالكي، الذي بدا متردداً أمام صد الهجوم، لنداءات القوات العسكرية المرابطة حول المدينة ومدّها بأية تعزيزات.
جاءت بدايات التأسيس، من خلال الفتوى التي أصدرها المرجع الشيعي، آية الله علي السيستاني

انبعاث الطائفية
دشّن هذا الانهيار، الذي أصاب بنية المؤسسة العسكرية والأمنية في الموصل، الملامح الأولى لتشكيل ما عرف بـ "الحشد الشعبي"، خلال أربعة شهور من سقوطها المدوّي، واستطاعت بعدها من استعادة المدنية، وتصفية وجود "داعش"، لتملأ بذلك فراغ التنظيم الإرهابي، ومعه وجود الدولة الهش، ومن ثم، تفرض نفسها كلاعب سياسي وإقليمي.

اقرأ أيضاً: ميليشيات في "الحشد" باتت "مافيا خارج السيطرة"
وقد جاءت بدايات التأسيس، من خلال الفتوى التي أصدرها المرجع الشيعي، آية الله علي السيستاني، التي تدعو كل من يستطيع حمل السلاح إلى التطوع في القوات الأمنية، بغية قتال مسلحي تنظيم داعش، وتجيز التعبئة الشعبية لدرء خطر تنظيم الدولة، وهو ما وصف فقهياً بـ "الجهاد الكفائي".
وعلى إثر ذلك، تكونت تنظيمياً "وحدات الحشد الشعبي"، التي جاءت من خلال مكتب رئيس الوزراء، نوري المالكي، الذي سبق وكان الطرف الرئيس، والمسؤول المباشر سياسياً، في عدم وصول التعزيزات العسكرية، نحو القوات المرابطة بالموصل أثناء مواجهتها "داعش".
بيد أنّ خروج هذه القوات من مكتب رئاسة الوزراء، جاء بدعوى العمل بشكل رسمي ومؤسساتي، بالشراكة مع القوات الأمنية الرسمية للدولة، قبل أن تنفرد بالعمل ويجري تقنينها رسمياً من خلال مجلس النواب لاحقاً، في مخالفة للقانون والدستور، الذي لا يسمح بتشكيلات عسكرية طائفية.
تطوع الآلاف من العراقيين في قوات الحشد، بعد فتوى السيستاني

فتوى السيستاني وبداية التأسيس
تطوع الآلاف من العراقيين في قوات الحشد، بعد فتوى السيستاني، والذين جرى حشدهم وتعبئتهم في الميلشيات المسلحة، والتي تكونت من عناصر كانت موجودة من قبل، كمثل كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، ومنظمة بدر؛ إذ جرى توحيد العديد من تلك الميلشيات، وجميعها يرتبط إقليمياً بإيران، وتنضوي تحت لواء الحرس الثوري الإيراني، لتأسيس "وحدات الحشد الشعبي"، بدعم وتدريب من نظام الملالي، ويقدر أعدادهم، وفقاً لمصادر صحفية، بنحو أكثر من 140 ألف، بين مجموعات عسكرية قتالية، وأخرى لوجيستية.

د. أحمد إدريس: فُتحت أبواب التطوع لمقاتلة داعش عبر شعارات طائفية وهي الدفاع عن المقدس الشيعي في العراق

ويعد العام 2016، بمثابة لحظة التأسيس، والميلاد الثاني للحشد الشعبي، من ناحية، ونقطة التحول والتطور، تنظيمياً وسياسياً، من ناحية أخرى؛ إذ مرر البرلمان العراقي قانوناً، أدى إلى تقنين وضع "الحشد الشعبي"، فتحولت من فصيل عسكري غير نظامي، إلى مكون سياسي وعسكري رسمي، مثله كمثل القوات الأمنية الخاضعة للدولة، وهو ما يبعث بأسئلة عديدة، تتجدد باستمرار، لتعقب مستقبل هذه القوات، وماهية دورها، ناهيك عن التشكيك في طريقة التصويت على القانون، خاصة، وأنّ ثمة اتهامات "طائفية"، لحقت بعناصر تلك القوات، ارتكبتها ضد مواطنيين عراقيين، في المدن ذات الأغلبية السنّية، ووثقتها جهات حقوقية.
وقد أوصت منظمة العفو الدولية، الدول التي تزود العراق بالأسلحة، بأن تضع ضوابط صارمة لمنع وصول الأسلحة لميليشيات الحشد الشعبي، بهدف تفادي وقوع جرائم حرب في حق المدنيين، ووصفت في تقريرها تلك الميليشيات بأنّها "ارتكبت جرائم قتل وعذبت واختطفت آلاف الرجال والصبيان".

اقرأ أيضاً: ثارات وتصفية حسابات داخل الحشد الشعبي

وأوضحت المنظمة الدولية أنّ قوات الحشد، قامت بعمليات إعدام خارج نطاق القضاء، وتعذيب واختطاف آلاف الرجال والفتيان، دونما خشية من أي عقاب، بينما كشف التقرير الصادر عن المنظمة، أنّ امتلاك الحشد الشعبي لأسلحة مصنعة، في 16 بلداً على الأقل، وتتراوح بين "أسلحة صغيرة وأخرى خفيفة، بالإضافة إلى صواريخ، وأنظمة مدفعية، ومركبات مصفحة، صينية وأوروبية وعراقية وإيرانية وروسية وأمريكية".
 الحشد الشعبي العراقي، يعد من أخطر الظواهر التي تهدد الدولة العراقية

الميليشيا الطائفية إذ تتحول لقوة نظامية
ورغم ذلك، يوصف القانون الذي قنن أوضاع ميليشيا الحشد الشعبي باعتبارها "فصائل وتشكيلات قانونية تتمتع بالحقوق، وتلتزم بالواجبات، باعتبارها قوة رديفة ومساندة للقوات الأمنية العراقية، ولها الحق في الحفاظ على هويتها وخصوصيتها، ما دام لا يشكل ذلك تهديداً للأمن الوطني العراقي".

اقرأ أيضاً: الحشد الشعبي يعيد الدواعش بزيّ جديد
وفي دراسة منشورة للباحث العراقي، الدكتور عبد الناصر مهداوي، يشير إلى أنّ الحشد الشعبي العراقي، يعد من أخطر الظواهر التي تهدد الدولة العراقية، وتضعها على المحك؛ لأنه حتى بعد التشريع والتقنين الذي حظي بهما ذلك التنظيم الميليشياوي، إلا أنّه يمثل تهديداً كبيراً، خاصة، بعد انتهاء مهامه القتالية، وانتهاء مبرر وسبب وجوده بعد تحرير المحافظات العربية السنّية من سيطرة داعش، وطرد التنظيم الإرهابي إلى الصحارى والقفار، بعيداً عن حواضر المدن العراقية.
ويوضح المهداوي، أنّ من بين أبرز موطن التهديد، يكمن في محاولة بعض القادة السياسيين من أصحاب التأثير، توظيف هذا التشكيل لخدمة أغراضهم السياسية وتمكين مشروعهم، التابع لولاية الفقية على العراق، وذلك على المدى البعيد.

صراع المرجعيات
ويخلص في دراسته، إلى أنّ وجود الحشد الشعبي على شاكلة الحرس الثوري الإيراني، هو بمثابة تمكين وتمديد هيمنة الجمهورية الإسلامية في إيران على العراق، ومقدراته. لذا، أوصى بـ"تقليم أظافر إيران، وتحجيم وجودها في العراق، بحيث يكون ذلك في صالح التوجه الوطني العراقي، حتى لا يخدم شيئاً آخر، سيما الإستراتيجة الأمريكية في المنطقة ككل، وتغيير الخريطة السياسية. وبمعنى آخر، بات الحشد الشعبي يمثل "حصان طروادة" بالنسبة للمشروع الطائفي الإقصائي في العراق، ووجوده وتكريسه وتقويته، بهذا الشكل، يعني تكريس قوة الإستراتيجية الإيرانية في العراق، وحله ودمج أفراده في المؤسسات المدنية والعسكرية، كما هو واقع الحال، يعني نجاح الإستراتيجية الأمريكية في العراق".

اقرأ أيضاً: ما هي الأهداف الخفية وراء تعبئة "الحشد الشعبي"؟
ويرى الصحفي العراقي، الدكتور أحمد إدريس، أنّه بعد اجتياح داعش مدينة الموصل، ووصولها على أعتاب بغداد، وتهديدها للمراقد الشيعية المقدسة، في محافظتي النجف وكربلاء، بالهدم والإبادة، ترتب على ذلك تهيئة الأجواء السياسية والطائفية، بهدف الاستثمار في تلك الأوضاع المتأزمة، وعلى الفور، أصدر المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، فتواه الشهيرة المسماة بـ"الجهاد الكفائي"، وتوظيفها في حشد وتعبئة المواطنين، لمواجهة خطر الإرهاب الداعشي؛ إذ حثّ الناس على التطوع، في صفوف القوات الأمنية العراقية، لمساندتها في مواجهة التنظيم المتطرف، فهب العديد من الشباب الشيعة العراقيين للتطوع.

دشن الانهيار المدوّي الذي أصاب بنية المؤسسة العسكرية والأمنية في الموصل الملامح الأولى لتشكيل ما عرف بالحشد الشعبي

بيد أنّ المفارقة، بحسب الصحفي العراقي، كانت في استثمار فتوى المرجع السيستاني، من الفصائل المسلحة، المدعومة من إيران، والتي كانت تزعم مقاومة الوجود الأمريكي في العراق.
ويضيف إدريس لـ "حفريات": "فتحت أبواب التطوع لمقاتلة داعش، عبر شعارات طائفية؛ وهي الدفاع عن المقدس الشيعي في العراق، في حين أنّ دعوى السيستاني كانت واضحة ومحددة، تتمثل في الدفاع عن الوطن العراقي، ومن ثم، المقدسات، وتطورت الأوضاع إلى أن أضحى الوجود العسكري للمتطوعين له شرعية قانونية، حيث عملت الحكومة العراقية على إعطائه تسمية "نظامية"؛ وشرعت القوى السياسية الشيعية على تشريع قانون له داخل البرلمان، وتشكيل هيئة مستقلة، مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس الوزراء، عرفت بـ"هيئة الحشد الشعبي".
وحول مدى التجانس التنظيمي داخل صفوف تشكيلات الحشد الشعبي، وتبعيتهم السياسية والأيديولوجية، بالإضافة إلى ارتباطاتهم الإقليمية، يوضح المصدر ذاته، أنّه في داخل الحشد الشعبي، ثمة تناحر بين الفصائل المسلحة؛ حيث يوالي ويتبع الكثير منها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، وهؤلاء لهم رعاية جيدة داخل المؤسسة العسكرية العراقية الجديدة، من حيث تزويدهم بالرواتب، والعتاد العسكري، والاهتمام المعنوي، في حين تعاني فصائل أخرى من تهميش داخل الحشد، لكونها تتبع المرجع الشيعي الأعلى، صاحب الفتوى، في النجف، السيد السيستاني، لكنها تخضع لأوامر رئيس الوزراء، وتعليماته، كما طالبت المرجعية النجفية بذلك.

اقرأ أيضاً: الآشوريون في العراق: من جحيم "داعش" إلى رمضاء الحكومة والحشد الشعبي
ويتابع: "هذه الفصائل شكلت توجهاً جديداً لدى الشباب الشيعة؛ حيث تتولى إدارة وتأمين العتبات المقدسة، في محافظتي النجف وكربلاء، عبر تشكيل فصائل مسلحة، عرفت لاحقاً بألوية (علي الأكبر، والعباس، والكرار)، وجميع أفرادها "سيستانيون"، يتبعون أوامر القائد العام للقوات المسلحة العراقية، بينما الفصائل الموالية لطهران، فتتبع أوامر أبي مهدي المهندس، الذي تم وضعه في منصب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي (بدرجة وكيل وزير)، والأخير، يتعاطى بصورة متفاوتة، مع رئيس الوزراء، تتحدد حسب موقف الإدارة الإيرانية من نظيرتها العراقية.

الصفحة الرئيسية