الحضارات لا يصنعها الحزانى

10246
عدد القراءات

2018-10-01

قد يبدو هذا السؤال مستفزاً للكثيرين، لكن دعونا نفكر بهدوء حتى نعرف أين كنّا وإلى أين سنمضي؟ وهل نحن نعيش بالفعل على مراد الله من خلقه؟ أم أنّ حياتنا في العديد من وجوهها هي تناقض حقيقي مع الشكل الطبيعي لحياة كل البشر على الأرض؟

قد يعتبر البعض السؤال شكلاً من أشكال الترف، يتجاهل مآسي العرب الكبرى التي جعلت الضمير العربي مهموماً، يمضي كاسف البال يحمل هموماً كالجبال في كل عواصمنا العربية، حتى تندّر البعض على انخراط بعض الحكومات الواعية في تدشين وزارات للسعادة، معنية باكتشاف طريق السعادة لمواطنيها عبر رفع واقع المجتمع والتحديد الصحيح للأولويات والفعل.

الحزن نتاج طبيعي لأفكار ومعتقدات سلبية وسلوك لا يقل سلبية عنهما

قديماً سمعت أحد مفكري العرب يقول "الحضارات لا يصنعها الحزانى"، وما أبلغها من كلمة، لقد تعاقدنا مع الحزن ليكون الرفيق الأكثر مكوثاً في حياتنا، عبر إدمان العديد من السلوكيات البائسة التي لا أعرف كيف تورطنا فيها وتواطأنا معاً على أن تكون حاضرة على هذا النحو.

هل الحزن فريضة دينية؟ حفظت لنا بعض المرويات الغريبة التي تقدمت حتى احتلت بؤرة وعي وشعور البعض، ما يؤكد أنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان متواصل الأحزان في سياق حديث طويل منسوب للطبراني وابن أبي حاتم في صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه أنه "كان كثير الصمت، دائم الفكر، متواصل الأحزان"، هذا الحديث قال عنه ابن القيم في مدارج السالكين "إنه حديث لا يثبت وفي إسناده من لا يُعرف".

اقرأ أيضاً: هكذا ستنهار الحضارة الغربية داخلياً

كيف يحزن رسول الرحمة، وقد حصّنه ربه من هذا الشعور بمعية متصلة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- دائم البشر ضحوك السن، لين الجانب، سهل الخلق، ولا يقول إلا صدقاً.

من سرّب لنا هذا الشعور وجعله فرضاً دينياً؟ أنا لا أتصوره سوى شخص مأزوم العقل والنفس لم يجد ما يسوق به سخائم صدره ونظرته السوداوية للعالم، إلا بالاختباء خلف أثر منحول أو ادعاء كهذا.

شتّان بين المسرح الغربي ومسرحنا العربي الذي لم يعرف بعد أدواره ولا الفرق بين الفن المسرحي والعرض التجاري

لكن هذا الشعور الدائم بالحزن والإحباط والقعود تجده أقرب إلى حالة عامة في كثير من المجتمعات، تتجاوز في تقديري هذا الأثر المرتبط بنصوص دينية تحث على الحزن وتدعو إليه اقتداء بالنبي الكريم، وقد ثبت أن ذلك غير صحيح بنصوص القرآن والسنة وسلوك الصحابة والتابعين.

جودة الحياة لا ترتبط فقط بمستوى الدخل الذي قد لا ينعكس انعكاساً مباشراً على الشعور بالسعادة أو بالحياة

أتصور أن الأمر له علاقة بمخاصمة فنون الحياة والشعور بها، ومن ثم إذا لازم الشخص العربي شعور بالحزن أو الاكتئاب فهو عرض لمرض مخاصمة فنون الاستمتاع بالحياة بل بالحياة نفسها.

الأرقام لا تكذب

فتش عن عدد من يمارسون الرياضة في العالم العربي؟ فتش عن عدد من يرتادون دور السينما أو المسرح؟ وقارن بينهم وبين أبناء مجتمعات أخرى متقدمة، ستكتشف أن جودة الحياة لا ترتبط فقط بمستوى الدخل الذي قد لا ينعكس انعكاساً مباشراً على الشعور بالسعادة أو بالحياة.

هل تتخيل عدد دور العرض السينمائي في دولة كمصر قدمت أكثر من 4000 فيلم منذ معرفة هذا الفن قبل أكثر من مائة عام؛ حيث انطلقت البداية الأولى للسينما في العام 1908، وإن عرفت أول عرض سينمائي تجاري قبل ذلك في العام 1896 .

كان صلى الله عليه وسلم دائم البشر ضحوك السن ليّن الجانب سهل الخلق

فكم يبلغ عدد دور السينما في مصر اليوم؟، الأرقام تقول إن مصر كان بها 450 دار عرض تقلصت إلى 82 داراً فقط، بما يعني أن نصيب كل مليون ومائتي ألف مواطن دار عرض سينمائي واحدة.

يتضح عمق المأساة حين نقارن هذا الرقم بعدد دور العرض السينمائي في الولايات المتحدة الأمريكية، التي بلغت 40.759، وحين نعرف أن عدد سكان الولايات المتحدة 323 مليون نسمة فإن ذلك يعني أن كل ثمانية آلاف أمريكي تقريباً نصيبهم منها دار سينما واحدة.

هذا بطبيعة الحال غير دور المسرح وأماكن الترفيه المتعددة الأخرى، وهذا موضوع آخر يحتاج إلى مقال منفصل حول أبي الفنون وأدواره، فشتّان بين المسرح الغربي ومسرحنا العربي الذي لم يعرف بعد أدواره، ولا الفرق بين الفن المسرحي والعرض التجاري، ولم ينجح في الاحتفاظ بجمهور متجدد يجتذبه عبر روايات مختلفة وعناصر إنتاج مناسبة بعيداً عن نصوص ساذجة وأداء سطحي يستهدف الإضحاك بالدرجة الأولى.

اقرأ أيضاً: النبي الشاكّ والإله المتسامح

ننتقل إلى مستوى آخر قد يصلح مؤشراً لما نريد أن نقوله، وهو عدد من يمارسون الرياضة في عالمنا العربي، مقارنة بدول أخرى يشعر مواطنوها بالسعادة وقد تعرفوا على فنون الحياة؛ كشف استطلاع ميداني أُجري في فرنسا قبل خمسة أعوام، أن نسبة الفرنسيين المقيمين في باريس الذين يمارسون مختلف الرياضات على الأقل مرة في الشهر وصلت إلى 56%، بينما كشف تقرير اللجنة الأوروبية الذي صدر في وقت لاحق أن الأوروبيين في الشمال يعطون أهمية أكبر لممارسة الأنشطة البدنية والرياضية بالمقارنة بالجنوب والشرق، حيث وصلت نسبة ممارسي النشاط البدني أو الرياضي مرة واحدة على الأقل في الأسبوع وليس في الشهر؛ في السويد 70%، الدنمارك 68% فنلندة 66% هولندا 58% لكسمبورج 54%

هل فهمنا لماذا تحتل تلك الدول المراكز العشرة الأولى في مؤشر السعادة؟

لا يغيب عنا بطبيعة الحال تلك العلاقة المباشرة بين عدم ممارسة الرياضة والإصابة بالأمراض المختلفة كأمراض القلب والأوعية الدموية، والاضطرابات الناتجة عن الإجهاد المرتبط بإفراز هرمونات الأدرينالين والنورادرينالين، وتحفيز إنتاج هرمون الأندروفين (وهو الهرمون المسؤول عن الشعور بالسعادة)، وما يرتبط بذلك من تراجع القدرة على التركيز وضعف الذاكرة، حيث الارتباط الوثيق بين النشاط البدني والذهني وفقدان الجسم قدرته على امتصاص الأكسجين وغيرها من العوارض العضوية والنفسية.

الأرقام تقول إن مصر كان بها 450 دار عرض تقلصت الى 82 داراً فقط

كيف لا نحزن وقد تحوّلت أجسادنا إلى مستودعات لإنتاج هرمونات الإجهاد، وقد أدرنا ظهرنا لكل الفنون واحتضنا الاكتئاب والإحباط، عبر أجساد عليلة صامتة قد لا تقوى عن الإعلان عن الألم عبر صيحات زاعقة أو حتى مكتومة.

الحزن هو نتاج طبيعي لأفكار ومعتقدات سلبية، وسلوك لا يقل سلبية عنهما، يحجب معه الإنسان العربي نفسه عما سُمّي في ديننا بالطيبات التي لم يحرّمها الله بل حرّمها بعض عباده، وتحتل فيها الفنون المكان الأهم.

عزيزي الإنسان العربي مارس الرياضة، شاهد المسرح والسينما، وارقص مع العالم، قبل أن يرقص الآخرون على جسدك المكدود.. الحضارات لا يصنعها الحزانى؛ بل الأحياء والسعداء.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



الحضارات لا يصنعها الحزانى

عدد القراءات

2018-10-01

قد يبدو هذا السؤال مستفزاً للكثيرين، لكن دعونا نفكر بهدوء حتى نعرف أين كنّا وإلى أين سنمضي؟ وهل نحن نعيش بالفعل على مراد الله من خلقه؟ أم أنّ حياتنا في العديد من وجوهها هي تناقض حقيقي مع الشكل الطبيعي لحياة كل البشر على الأرض؟

قد يعتبر البعض السؤال شكلاً من أشكال الترف، يتجاهل مآسي العرب الكبرى التي جعلت الضمير العربي مهموماً، يمضي كاسف البال يحمل هموماً كالجبال في كل عواصمنا العربية، حتى تندّر البعض على انخراط بعض الحكومات الواعية في تدشين وزارات للسعادة، معنية باكتشاف طريق السعادة لمواطنيها عبر رفع واقع المجتمع والتحديد الصحيح للأولويات والفعل.

الحزن نتاج طبيعي لأفكار ومعتقدات سلبية وسلوك لا يقل سلبية عنهما

قديماً سمعت أحد مفكري العرب يقول "الحضارات لا يصنعها الحزانى"، وما أبلغها من كلمة، لقد تعاقدنا مع الحزن ليكون الرفيق الأكثر مكوثاً في حياتنا، عبر إدمان العديد من السلوكيات البائسة التي لا أعرف كيف تورطنا فيها وتواطأنا معاً على أن تكون حاضرة على هذا النحو.

هل الحزن فريضة دينية؟ حفظت لنا بعض المرويات الغريبة التي تقدمت حتى احتلت بؤرة وعي وشعور البعض، ما يؤكد أنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان متواصل الأحزان في سياق حديث طويل منسوب للطبراني وابن أبي حاتم في صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه أنه "كان كثير الصمت، دائم الفكر، متواصل الأحزان"، هذا الحديث قال عنه ابن القيم في مدارج السالكين "إنه حديث لا يثبت وفي إسناده من لا يُعرف".

اقرأ أيضاً: هكذا ستنهار الحضارة الغربية داخلياً

كيف يحزن رسول الرحمة، وقد حصّنه ربه من هذا الشعور بمعية متصلة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- دائم البشر ضحوك السن، لين الجانب، سهل الخلق، ولا يقول إلا صدقاً.

من سرّب لنا هذا الشعور وجعله فرضاً دينياً؟ أنا لا أتصوره سوى شخص مأزوم العقل والنفس لم يجد ما يسوق به سخائم صدره ونظرته السوداوية للعالم، إلا بالاختباء خلف أثر منحول أو ادعاء كهذا.

شتّان بين المسرح الغربي ومسرحنا العربي الذي لم يعرف بعد أدواره ولا الفرق بين الفن المسرحي والعرض التجاري

لكن هذا الشعور الدائم بالحزن والإحباط والقعود تجده أقرب إلى حالة عامة في كثير من المجتمعات، تتجاوز في تقديري هذا الأثر المرتبط بنصوص دينية تحث على الحزن وتدعو إليه اقتداء بالنبي الكريم، وقد ثبت أن ذلك غير صحيح بنصوص القرآن والسنة وسلوك الصحابة والتابعين.

جودة الحياة لا ترتبط فقط بمستوى الدخل الذي قد لا ينعكس انعكاساً مباشراً على الشعور بالسعادة أو بالحياة

أتصور أن الأمر له علاقة بمخاصمة فنون الحياة والشعور بها، ومن ثم إذا لازم الشخص العربي شعور بالحزن أو الاكتئاب فهو عرض لمرض مخاصمة فنون الاستمتاع بالحياة بل بالحياة نفسها.

الأرقام لا تكذب

فتش عن عدد من يمارسون الرياضة في العالم العربي؟ فتش عن عدد من يرتادون دور السينما أو المسرح؟ وقارن بينهم وبين أبناء مجتمعات أخرى متقدمة، ستكتشف أن جودة الحياة لا ترتبط فقط بمستوى الدخل الذي قد لا ينعكس انعكاساً مباشراً على الشعور بالسعادة أو بالحياة.

هل تتخيل عدد دور العرض السينمائي في دولة كمصر قدمت أكثر من 4000 فيلم منذ معرفة هذا الفن قبل أكثر من مائة عام؛ حيث انطلقت البداية الأولى للسينما في العام 1908، وإن عرفت أول عرض سينمائي تجاري قبل ذلك في العام 1896 .

كان صلى الله عليه وسلم دائم البشر ضحوك السن ليّن الجانب سهل الخلق

فكم يبلغ عدد دور السينما في مصر اليوم؟، الأرقام تقول إن مصر كان بها 450 دار عرض تقلصت إلى 82 داراً فقط، بما يعني أن نصيب كل مليون ومائتي ألف مواطن دار عرض سينمائي واحدة.

يتضح عمق المأساة حين نقارن هذا الرقم بعدد دور العرض السينمائي في الولايات المتحدة الأمريكية، التي بلغت 40.759، وحين نعرف أن عدد سكان الولايات المتحدة 323 مليون نسمة فإن ذلك يعني أن كل ثمانية آلاف أمريكي تقريباً نصيبهم منها دار سينما واحدة.

هذا بطبيعة الحال غير دور المسرح وأماكن الترفيه المتعددة الأخرى، وهذا موضوع آخر يحتاج إلى مقال منفصل حول أبي الفنون وأدواره، فشتّان بين المسرح الغربي ومسرحنا العربي الذي لم يعرف بعد أدواره، ولا الفرق بين الفن المسرحي والعرض التجاري، ولم ينجح في الاحتفاظ بجمهور متجدد يجتذبه عبر روايات مختلفة وعناصر إنتاج مناسبة بعيداً عن نصوص ساذجة وأداء سطحي يستهدف الإضحاك بالدرجة الأولى.

اقرأ أيضاً: النبي الشاكّ والإله المتسامح

ننتقل إلى مستوى آخر قد يصلح مؤشراً لما نريد أن نقوله، وهو عدد من يمارسون الرياضة في عالمنا العربي، مقارنة بدول أخرى يشعر مواطنوها بالسعادة وقد تعرفوا على فنون الحياة؛ كشف استطلاع ميداني أُجري في فرنسا قبل خمسة أعوام، أن نسبة الفرنسيين المقيمين في باريس الذين يمارسون مختلف الرياضات على الأقل مرة في الشهر وصلت إلى 56%، بينما كشف تقرير اللجنة الأوروبية الذي صدر في وقت لاحق أن الأوروبيين في الشمال يعطون أهمية أكبر لممارسة الأنشطة البدنية والرياضية بالمقارنة بالجنوب والشرق، حيث وصلت نسبة ممارسي النشاط البدني أو الرياضي مرة واحدة على الأقل في الأسبوع وليس في الشهر؛ في السويد 70%، الدنمارك 68% فنلندة 66% هولندا 58% لكسمبورج 54%

هل فهمنا لماذا تحتل تلك الدول المراكز العشرة الأولى في مؤشر السعادة؟

لا يغيب عنا بطبيعة الحال تلك العلاقة المباشرة بين عدم ممارسة الرياضة والإصابة بالأمراض المختلفة كأمراض القلب والأوعية الدموية، والاضطرابات الناتجة عن الإجهاد المرتبط بإفراز هرمونات الأدرينالين والنورادرينالين، وتحفيز إنتاج هرمون الأندروفين (وهو الهرمون المسؤول عن الشعور بالسعادة)، وما يرتبط بذلك من تراجع القدرة على التركيز وضعف الذاكرة، حيث الارتباط الوثيق بين النشاط البدني والذهني وفقدان الجسم قدرته على امتصاص الأكسجين وغيرها من العوارض العضوية والنفسية.

الأرقام تقول إن مصر كان بها 450 دار عرض تقلصت الى 82 داراً فقط

كيف لا نحزن وقد تحوّلت أجسادنا إلى مستودعات لإنتاج هرمونات الإجهاد، وقد أدرنا ظهرنا لكل الفنون واحتضنا الاكتئاب والإحباط، عبر أجساد عليلة صامتة قد لا تقوى عن الإعلان عن الألم عبر صيحات زاعقة أو حتى مكتومة.

الحزن هو نتاج طبيعي لأفكار ومعتقدات سلبية، وسلوك لا يقل سلبية عنهما، يحجب معه الإنسان العربي نفسه عما سُمّي في ديننا بالطيبات التي لم يحرّمها الله بل حرّمها بعض عباده، وتحتل فيها الفنون المكان الأهم.

عزيزي الإنسان العربي مارس الرياضة، شاهد المسرح والسينما، وارقص مع العالم، قبل أن يرقص الآخرون على جسدك المكدود.. الحضارات لا يصنعها الحزانى؛ بل الأحياء والسعداء.