الحوثيون.. مفتاح التغلغل الإيراني في اليمن

الحوثيون.. مفتاح التغلغل الإيراني في اليمن
صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
29170
عدد القراءات

2018-09-17

خلال أربعة عقود تلت قيام ثورة 26 أيلول (سبتمبر) 1962 التي أطاحت بسلطة بيت حميد الدين، آخر تَمَظْهُرات الإمامة الهادوية، مرّت اليمن بمتغيّرات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، نتجت عنها تحوُّلات عميقة في الخريطة المذهبية للمجتمع اليمني، لا يُمْكن مِن دون العودة إليها فهْمُ السّياق الذي أسفر عن ظهور "جماعة الحوثي" بمحافظة "صعدة" في أوّل عامين مِن القرن الجاري؛ فقد تعاقبت بُطون الأُسرة العلوية على زعامة مناطق الشمال اليمني قرابة ألف عام، حتى أطاح الجمهوريون بنظام الإمامة الزيدية، رافضين ادعاءات التفوُّق الأسري العلوي، ومزاعم الحق الحصري للعلويين بالحكم والولاية.

أفرزت الوحدة اليمنية وضعاً جديداً مكَّن أتباع المذهب الزيدي من تأسيس تيارات سياسية وثقافية

وفي الشطر الجنوبي من اليمن نجحت ثورة 14 تشرين الأول (أكتوبر) في تحقيق الهدف الأسمى، وهو انتزاع الاستقلال في 30  تشرين الثاني (نوفمبر) 1967، وأخفقت عدة محاولات في توحيد شطري اليمن بعد ذلك، إلى أنْ تظافرت عوامل ومتغيرات خارجية وداخلية عدة، لتسهم في تحقيق الوحدة اليمنية العام 1990.

أفرزت الوحدة اليمنية وضعاً جديداً تمكَّن أتباع المذهب الزيدي في ضوئه من تأسيس تيارات سياسية وثقافية، لاستعادة دورهم والحفاظ على هويتهم، منها:

-  تأسيس حزب "الحق" الذي ضمّ في هيئته علماء دين ومثقفين وسياسيين، وشارك في أول انتخابات برلمانية بمقعدين، شغل أحدهما: حسين بدرالدين الحوثي؛ مؤسِّس الحركة الحوثية لاحقاً،

-  تأسيس "منتدى الشباب المؤمن" الذي افتتح برامجه الثّقافية في عام الوحدة، وكان كلّ عام يشهد تطوّراً حتى نجح في فرض وجوده كتيّار ثقافي توعوي يهتم بفئة الشباب.

اقرأ أيضاً: المشروع الإيراني الحوثي في اليمن يلفظ أنفاسه الأخيرة

وَجَدَ حسين بدر الدين الحوثي في هذه المؤسسات أرضية مناسبة، وبنية تحتية متهيئة، ليبدأ دعوته بين شباب الزيدية في صَعْدة، وأيقظت حركةُ الحوثي الطّموحَ السّياسي لدى حُكّام الأمس، بعد مخاض عسير لنشأة وتطوُّر الحركة، تخلَّلته عدّة مواجهات عسكرية، حتى تمكَّنت من بَسْط نفوذها في الشمال اليمني، وسيطرت على العاصمة صنعاء، مستفيدةً من حالة الفوضى والارتباك التي أصابت الدولة اليمنية نتيجة المسار المتعثر الذي مرَّت به العمليَّة الانتقالية بعد "الربيع العربي"، وبدعم وإسناد من قادة الثورة الإسلامية في إيران. وباتت الوحدة بين شطري اليمن مُهدَّدة في ظل تراجع كبير لسيادة الدولة، وانقسام حادّ بين فرقاء العملية الانتقالية، وانتشار واسع للسلاح.

انتشار واسع للسلاح

من الفقه إلى السياسة

دفعت الحركة الحوثية الطائفة الزيدية في اليمن من بُعدها الفقهي والاجتماعي التقليدي بعد سقوط نظام الإمامة في اليمن، إلى شكل من أشكال العمل السياسي المدعوم بقوة السلاح، والمحمّل بفِكْرٍ رساليٍّ عابر للحدود، يلتقي سياسياً مع المشروع الإيراني في المنطقة، على الرغم من الخلاف الفقهي والعقدي العميق بين الزيدية والتشيع الإثني عشري، وهو خلافٌ يمكن له أن يتطوّر في حال امتلاك الحركة الحوثية من عناصر القوة والانتشار ما يضعها في موقف التنافس مع المشروع الإيراني، وهو أمرٌ مستبعدٌ في المدى المنظور، أمّا ما هو قائمٌ الآن، فهو التقاءٌ بين المدرستين (الزيدية والجعفرية) على قاعدة الاعتقاد بالإمامة، و"ولاية أهل البيت".

تفرّغ حسين الحوثي للحديث مع أنصاره في الشّأن الفكري السّياسي منذ العام 2001

تفرّغ حسين الحوثي للحديث مع أنصاره في الشّأن الفكري السّياسي منذ العام 2001، ومزج فيه بين الجانب العقدي، والعاطفة التّاريخية، واستحضر آلام الحاضر؛ ليَخلُص إلى أنّه لا بد من البحث عن مُنقذ. وتدرج في توصيف المُنقذ؛ فبعد أن كان في الماضي هو النبي الكريم، ثم الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، جاء الدور بعدهما على أهل البيت، ثم انتقى منهم أشخاصاً معيّنين ليجعل منهم نموذجاً لمن يجب التّمسك بهم والمضي على منهجهم، وأخيراً تحدث عن الوضع الراهن، وما يشهد من تمزق واختلاف وضعفٍ لأهل الحق، وأنه لابُدَّ من إصلاح الوضع حسب الطريقة التي يراها، وبهذا شكّل خريطة الطريق إلى ما يريد؛ ما دفع بالعديد من المراقبين إلى النّظر إليه مِن زاوية الفعل السياسي لا الثّقافي البحت. وتنبّه البعض إلى أنّ نشاط الحركة الحوثية مجرد حلقة في سلسلة تحركات تهدف إلى إعادة حكم الإمامة إلى اليمن، أو استنساخ النموذج الإيراني، أو نموذج حزب الله اللبناني.

لم تتجاوز رؤية الحوثي المؤسس في الشأن السياسي فكرة إحياء مبدأ "ولاية أهل البيت"، تاركاً لـ "أهل البيت" -عند تمكُّنهم- جميع تفاصيل إدارة الشأن العامّ؛ لأنّهم في نَظَره مؤيَّدين من عند الله، وبالتالي لن يحتاجوا إلى كثير من التنظيرات التي يُطلقها السياسيون اليوم، والناس لن يحتاجوا إلى أكثر من التمسك بولاية الإمام علي وأهل بيته، والانقياد لهم.

اقرأ أيضاً: الحوثيون يجنّدون الأطفال والتحالف العربي يؤهلهم

حتى الديمقراطية يرى الحوثي المؤسس أنها فكرة أعداء الإسلام، جاؤوا بها ليمسحوا -على حد تعبيره- النظام الإسلاميّ في ولاية الأمر من أذهان الناس. وخَلُص إلى أنّ الله سخّر أعداء الإسلام ليهيئوا بهذه الديمقراطية لأوليائه فرصة الحرية حتى يحققوا مرادهم.

بينما تقوم حركة الحوثي على أساس فكرة "القائد القدوة"، الذي يرون أنه يحظى بتأييد سماوي وتسديد إلهيّ، وبالتالي فالأمر والقرار بيده وطاعة الأتباع المطلقة لا تكون إلا له، وما تشهده الحركة من تطور في تشكيل بعض المجالس والهيئات، فإنما تأتي في إطار إدارة وتنفيذ القرارات المتخذة من "القائد القدوة".

اقرأ أيضاً: بعد مناورة الحوثيين... ما مصير "مشاورات جنيف"؟

وأكثر الحوثي المؤسس الكلامَ حول مسألة "القائد القدوة" بالذات، وربطها ببعض النصوص الدينية، وحتى القصص والأمثال الشعبية، ثمّ ورثها عنه الأتباع، لذلك لا تجد عندهم صوتاً يعلو على صوت القائد، وإن كان أكثر علماً وحكمة وتجربة. وهذا السلوك بقدر ما فيه من سيئات، وما يبدو عليه من جفاءِ روحِ الاستبداد، فإنه يُمكّن من ضبط إيقاع الحركة من جهة، وينظم عملية تحوِّلها والتأثير عليها من جهة أخرى.

 نحَت الحركة الحوثية جانب العنف في التعاطي مع الآخَر

التّسلّح وعسكرة الحركة

يعدُّ التمسُّك بعسكرة الحركة، بل والمضيّ في عملية التزوُّد بالسلاح ومراكمته، ركناً أساسياً في المنظومة العقائدية للحركة الحوثية، على أساس أنّ "التمكين" الذي تنشده وتسعى إليه يستوجب امتلاكها عناصر القوة، المادية منها والمعنوية. وفوق ذلك، على افتراض أنّ القيادة الحوثية قد تُبْدِي تساهلاً في موضوع السلاح بدافعٍ ذاتيّ وهو غير وارد- فإنّ وضْعَها سيكون حرجاً أمام أتباعها الذين ظلّت توهمهم بأنّ التسلُّح خيارهم الحتمي؛ لأنّهم في مواجهة دائمة مع العدوّ (أمريكا وإسرائيل وأذنابهما في الداخل والخارج)، وبالتالي ستخسرهم وتفقد شرعيتها لديهم.

تنبّه البعض إلى أنّ نشاط الحركة الحوثية مجرد حلقة في سلسلة تحركات تهدف لإعادة حكم الإمامة إلى اليمن

وقد نحَت الحركة الحوثية جانب العنف اللفظي في التعاطي مع الآخَر المختلف عنها مِن أيامها الأولى، وشَهَرتْ في وجه مَن لا ينضوي تحت لوائها تُهمة العمالة للأمريكيين، وتدريجياً دخلت الحركة في جدل مع مخالفيها، تحوَّلَ إلى مواجهات وحربٍ طاحنة مع السّلطات الحاكمة عبر عدّة جولات، انطلقت شرارة جولتها الأولى في حزيران (يونيو) 2004، وفيها قُتِل حسين بدرالدين، وتوقّفت الجولة السادسة في شباط (فبراير) 2010، وهذه الأخيرة دخلت فيها المملكة العربيّة السّعودية على الخط، ووقع بين الطرفين قتال عنيف، إلى أن انتهى الأمر باستيلاء الحركة على صنعاء، وإعلانها الانقلاب في 6 شباط (فبراير) 2015. كان عدد الحوثيين في الجولة الأولى مِن الحرب محدوداً جداً، لاسيما الذين شاركوا في القتال، وكان انتشارهم لا يتجاوز قرى معدودة في محافظة صعدة، معظمها في "مران" إحدى أطراف مديرية "حيدان".

اقرأ أيضاً: ما حقيقة طلب الحوثيين من بوتين تدخلاً روسيّاً في اليمن؟

وبعد مقتل مؤسّسها انخفضت نسبة الملتحقين بالحركة، وانتقل أكثر أفراد أسرته إلى صنعاء، وكاد الملف أن يُطوى، لولا اشتعال المواجهات الثّانية في منطقة "نشور" شمال شرق مدينة صعدة التي كان المستهدَف فيها (بدر الدين الحوثي) والد حسين الحوثي، عندما عاد إلى صعدة بعد مُقابلة صحفية أُجْرِيَتْ معه تحدّث فيها عن حق "أهل البيت" في ولاية الأمر.

وهكذا تلتْ تلك الجولة، جولاتٌ ثالثة فرابعة وخامسة، ثمّ سادسة توقّفتْ حرب القوات الحكوميّة والحوثيين عندها، ومع ذلك لم يُسهم التوقف عن القتال في طيّ صفحة التوتر والعنف في صعدة، ولكن استمرت المواجهات المسلّحة بشكل متقطِّع بين الحركة الحوثية وجماعات محليّة تشكَّلتْ مِن أبناء القبائل الرافضين سيطرة الحوثيين على مناطقهم. وفي حزيران (يونيو) 2010، تداعتْ بعض الزّعامات القبليّة إلى تشكيل ما عُرف بـ "التحالف القبلي لأبناء صعدة" الذي حظِيَ في تلك المرحلة بدعم بعض أطراف النِّظام الحاكم.

تقوم حركة الحوثي على أساس فكرة "القائد القدوة" الذي يرون أنه يحظى بتأييد سماوي

وفي آذار (مارس) 2011، وبالتزامن مع حركة الاحتجاجات المتنامية ضد نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، دخلت المجاميع القبليّة المسّلحة في مواجهاتٍ مباشرة وعلنية مع الحركة الحوثية، غير أنّ مسلحي الحركة -بما تهيّأ لهم مِن انتشار في معظم المناطق المحيطة بمدينة صعدة (عاصمة المحافظة) وسيطرتهم على الطُّرق المؤدِّية إليها بما فيها الطّريق التي يصلها بصنعاء- استطاعوا أنْ يفرضوا حصاراً منظَّماً على مدينة صعدة؛ الأمر الذي مكَّنهم، في نهاية المطاف، من الدّخول إليها والسّيطرة عليها.

جرى كل ذلك والنِّظام الحاكم منشغلٌ بموجة الاحتجاجات واضطراب الوضع في صنعاء، وبقيّة المحافظات اليمنية، وفي ظلّ انقسام الجيش جرّاء الأزمة التي شلّت القرار السِّياسي والسِّيادي للدّولة، وحالت دون اتخاذ أيّ إجراء يمنع سيطرة الحوثيين على صعدة، ومِن بين ما تجدر الإشارة إليه في سياق العوامل التي أدّت إلى سقوط صعدة بيد الحركة، أنّ معسكرات الجيش في المناطق الشمالية -بما فيها تلك المستقرة في محافظة صعدة- كانت تابعة لقيادة المنطقة الشمالية الغربية، والتي انضم قائدها الجنرال علي محسن صالح إلى "الثورة"، وبذلك ضَمِن الحوثيون موقفَ الجيش تجاههم، حيث انضموا هم أيضاً إلى "الثورة".

اقرأ أيضاً: مآلات التصعيد الحوثي والرد المتوقع للتحالف العربي

تمكّن الحوثيون مِن القضاء على مَن بقي من خصومهم، فهاجموا القبائل في ضواحي صعدة، وفتكوا بهم، ما أثار الرّعب في قلوب ساكني صعدة المخالفين للحوثيين، ونزح أكثر المناوئين للحركة من صعدة إلى مناطق مختلفة من اليمن، واضطرّ النظامُ في صنعاء، على إثْر تخلِّي الجيش عن دوره في حماية مؤسّسات الدولة في صعدة، إلى سحب محافظ المحافظة بما يُمثّل من رمزية لوجود الدولة؛ فانهارت جميع المؤسّسات إثر ذلك، وأخَذَ الحوثيون يمارسون دور الدّولة ويديرون المحافظة بطريقتهم، وفي ظلّ تصفيق بعض شباب ساحات الاعتصام والأطراف السّياسية المؤيدة لهم، وأدرجَوا ما جرى يومها في سياق الشّرعية الثّورية، واصفين صعدة بأولى المحافظات المُحَرَّرة مِن نظام علي عبد الله صالح.

قُتِل مؤسّس الحركة الحوثية حسين بدرالدين خلال أولى المواجهات مع السلطات الحاكمة في حزيران العام 2004

تعود بدايات اعتماد الحركة على خبراء مِن الخارج (إيران وحزب الله) في تدريب بعض عناصرها، ووحداتها القتالية إلى ما قبل توقُّف جولة الحرب السادسة، إلا أنّ اشتغال الحركة في هذا الاتجاه تضاعف خلال عامي (2011 – 2013) بشكلٍ كبير، بحيث أصبح عدد مسلحيها المدرَّبين، الذين يتلقون تدريبهم على أيدي خبراء في الداخل والخارج في ازدياد، ولم يعد سِراً أنّ للحركة، حتى في العاصمة صنعاء ذاتها، مناطق مغلقة يتلقّى فيها عناصرها التدريب، وقد أثبتت أحداث أيلول (سبتمبر) 2014 وما تلاها من أحداث، وجود عناصر تدريب وخبرة واستشارة من "حزب الله" اللبناني و"الحرس الثوري الإيراني" يعملون مع حركة الحوثي خارج اليمن وداخله.

وبخصوص التّسلُّح، فعدا عن كون عناصر الحركة يملكون قطعاً مِن السلاح قبل الانضمام إلى الحوثي، فإنّ توافر السّوق المحلية على أنواع مختلفة مِن الأسلحة، بما فيها المتوسطة وبكميات كبيرة، كان إحدى سُبُل تسليح الحوثيين، وإلى جانب ذلك، مثَّلتْ أعوام الحرب فرصة مواتية لتجّار السلاح، فوجدت أسلحة الجيش اليمني طريقها إلى حركة الحوثي، وفي نفس الوقت مثّلت الحروب الستّ سبيلاً مهماً لتسليح الحوثيين مِن خلال ما غنموه فيها مِن آليات عسكرية وأسلحة ثقيلة.

اقرأ أيضاً: مصرع صالح الصماد يثخن جراح الحوثيين في اليمن

لكنّ المصدرين الرئيسين لتسليح الحركة بالأسلحة النوعية والثقيلة يتمثلان في إيران، ومخازن الجيش اليمني التي سطا الحوثيون على معظمها بعد انقلابهم السلطة الشرعية في شباط (فبراير) 2015. ولم يحُل ما تبقّى مِن الحضور الرمزي للدولة في اليمن من قيامهم بذلك.

ومع دخول المتمردين الحوثيين إلى عدن، أدرك الجميع، بما في ذلك دول الجوار اليمني، والقوى الإقليمية والدولية، بأنّ عتاد الحوثيين الحربي، وقوام مسلحيهم قادِرَينِ على منحهم التفوُّق في ميدان المواجهة ضدّ السلطة الشرعية، وضد الجماعات اليمنية المحلية المناوئة لهم؛ إذ صار سلاح الدولة في يدهم.

اقرأ أيضاً: يمنيون يناقشون في عمّان انتهاكات الحوثيين لحقوق الإنسان

وهو ما كان يعني تقويض كل منجزات الحوار الوطني اليمني، والذهاب باتجاه صراعٍ طائفي، وبالتالي بات أمام دول الجوار اليمني الاختيار بين أحد أمرين؛ إما التسليم بالواقع الجديد، وترك اليمن يغرق في أتون صراعٍ طائفي طويل الأمد، قد يمتدّ إلى عشرات السنين، أو المبادرة إلى دعم السلطة الشرعية، وإعادة التوازن إلى خريطة توزيع القوة الداخلية، وبما يفضي إلى إعادة القوى اليمنية إلى طاولة المفاوضات.

 مثَّلتْ أعوام الحرب فرصة مواتية لتجّار السلاح

الحوثية باعتبارها بوابة إيران إلى اليمن

جاء الدّور الإيراني رسمياً وشعبياً في السّاحة اليمنية مِن البوابة الزيدية تحديداً، والحوثية بشكل أخص، وهو الذي أعطى للمستوى الذي وصلت إليه الحركة الحوثية عسكرياً وسياسياً واجتماعياً أهمّيته في الحسابات السّعودية، كسلاحٍ ترى الرّياض أنَّ نظام طهران هو المستفيد مِن توجيهه نحو خاصرتها.

أسفرت الاتصالات المبكرة بين طهران وبعض الأوساط الزيدية، وبخاصة بعض رموز المذهب الزيدي وطلائعه في صعدة وغيرها، عن مشاركة وفد ضمّ عدداً من شباب وعلماء المذهب الزيدي في احتفالات إيران بذكرى الثّورة في عام 1986، وجاءت هذه المشاركة تلبية لدعوة وجهتها لهم سفارة طهران في صنعاء.

تعد إيران ومخازن الجيش اليمني التي سطا عليها الحوثيون مصدرين رئيسين لتزويد الحركة الحوثية بالأسلحة

وقد عكست الأنشطة الزّيدية في صعدة في أعقاب تلك الزيارة تأثُّراً واضحاً بآليات ووسائل الاشتغال الديني في إيران، حيث لم يُخْفِ العائدون مِن تلك الزيارة إعجابَهم بما شهدوا من النّشاط الدّيني والثّقافي الموجّه لإنعاش التّشيع، من خلال إقامة المدارس والمراكز البحثيّة المتخصّصة، فضلاً عن إقامة الشّعائر والمناسبات الدّينية التي تجتمع فيها الجماهير، ويسهل فيها شدُّهم عاطفياً نحو الخصوصيّة المذهبيّة، والتّفكير في كيفية نقل ما أمكن من شكل التّجربة إلى اليمن، مع استبعاد المحتوى الفكري والثّقافي المخالف لما عند الزّيدية، والإبقاء على ما يبدو أنه مشترك في الجملة.

وعلى رأس هذه الأنشطة الدّينيّة والثّقافية التي أسست للحركة الحوثية تجدر الإشارة إلى ظهور "اتحاد الشباب المؤمن" مطلع العام 1987 في مدينه صعدة، وهو العمل الذي أقدمت السّلطات المحليّة على إيقافه قبل أن يكمل عامه الأول، كما لاحقت مؤسّسيه، وأودعتْ بعضهم السِّجن.

ومع أنّ الاهتمام الإيراني باليمن، وسعيها للحصول على مواقع نفوذ فيها عبر البوابة الزّيدية ومنافذ أخرى، أمرٌ يتعلق بمنظومة أهداف إستراتيجية كبرى، يتقاطع فيها السياسي مع الاقتصادي والأمني، إلا أنّ للبعد الدّيني/المذهبي حضوره أيضاً؛ فمن عقيدة الشيعة الإثني عشرية -التي تقوم عليها الدولة في إيران- سيخرج من اليمن راية تنصر الإمام المهدي المنتظر، وأنها ستكون أهمّ الرايات وأهداها. وذلك مقابل راية الخراساني التي ستخرج من إيران، وبحسب الرواية الشيعية ستتّحد الرايتان لتهزما السفياني، الأمر الذي سيُمهِّد لخروج المهدي المنتظر، ويحتلّ هذا الإيمان الغيبي زاوية هامّة في الفكر الشيعي، ويوجِّه إلى حدٍّ كبير مقتضيات السّياسة الإقليمية.

اقرأ أيضاً: كيف ردّ التحالف العربي على تقرير الأمم المتحدة وانتهاكات الحوثيين؟

تمكنت إيران من التأثير على الحوثيين ضمن إطار التشيُّع السياسي، وهو الأهم؛ فالجوانب العقَدية والفقهية ليست ذات أولوية في المشروع الجيوسياسي الإيراني، وما يؤكّد ذلك هو تمكّنها من نشر طقوس عاشوراء الشيعية (المآتم الحسينية) في اليمن لأوَّل مرة في تاريخه في العام الماضي 2014، والتي تخلَّلها انتشار واسع لشعارات ورموز وصور التشيُّع السياسي المعروفة، مثل صور ومقولات الخميني، وحسن نصر الله، وخامنئي، وغيرهم.

وقد أظهرت إيران مقدرة على تجاوز الخلافات مع مختلف الفرق الشيعيّة التي تنطوي في إطار الاعتقاد بالإمامة، وقد برز ذلك في علاقتهم مع العلويين في سوريا وتركيا؛ حيث انخرط هؤلاء في التشيُّع السياسي الذي توجِّهه إيران رغم الفوارق الكبيرة في العقيدة والخلافات الفقهية بين الجانبين.

عبد الملك الحوثي يُقدِّم نفسَه لأتباعه بوصفه وليّ أمر الأمة

فرص الاندماج السياسي

يتطلّب الاندماج السّياسي في الدّولة والمجتمع، وكذلك الاضطلاع بمسؤولية إدارة الشأن العامّ في الدولة، مِن جماعة الحوثي الخروج عن هيئتها المسلّحة، وصبغتها المذهبية، إلى أحد أشكال التّمظهر السّياسي كالأحزاب والتّنظيمات المدنية.

إنّ اشتراطاً كهذا يبدو مِن حيث المبدأ ضرورياً ومنطقياً، خاصة مع توجُّه قيادة الحركة إلى تولّي الحكم في البلاد، فأيّ دولة أو مجتمعٍ في وضعٍ طبيعي، لا يمكن أن يقبلا بالخضوع إلى هيمنةِ جماعةٍ مسلحةٍ تنتمي لأقلية مذهبية في البلاد، وتقودها تحت هذا العنوان المذهبي، حتى وإن جاء ذلك عن طريق الغَلَبة، فموازين القوى متغيرة.

تمكنت إيران من التأثير على الحوثيين ضمن إطار التشيُّع السياسي

لكن ثمة ما يجعل مِن تحوُّل الحركة الحوثية، كلياً، إلى حزبٍ سياسي أمراً غير وارد في المستقبل المنظور، ليس لأنها لا تريد أن تفقد "هويتها وطبيعتها كفعل دعوي وخطاب ديني" كما هو تعليل أحد ناشطيها، وإنما لأسبابٍ تتعلق بطبيعة موقع قائد الحركة في منظومتها الفكرية والعقدية، فالزعيم الحالي عبد الملك الحوثي، جرياً على تأصيل أخيه حسين، يُقدِّم نفسَه لأتباعه بوصفه "وليّ أمر الأمة"، وبالتّالي فإنّ تحوُّل الجماعة إلى حزبٍ سياسي تقزيمٌ لزعيمها الذي لا يريد التنازل عن سلطته الدينية والدنيوية ليتحول إلى رئيس حزبٍ سياسي مُجرَّد مِن السلطة الدينية.

اقرأ أيضاً: الرسائل الإيرانية في الصواريخ الحوثية على السعودية

في المقابل يظلّ في حكم الممكن حدوث تحوُّل جزئي في مسار الحركة، قد يتجلّى في تشكيل حزبٍ، يعملُ كجناحٍ سياسي للحركة، وتكون له قيادة سياسية (زمنية) تخضع للقيادة الدينية (المطلقة) المتمثلة في شخص زعيم الحوثيين. ولن يكون إجراءٌ مِن هذا القبيل -في حال حدوثه طبعاً- أكثر مِن مسارٍ رديفٍ، أو بالأصح خاضعٍ لبُعديّ التسلّح والتمذهُب في بنية الحركة؛ ما يعني أنّه مِن غير المتوقع حدوث تحوُّل جذري في مسار الحركة، تتخلى فيه قريباً عن هيئتها المسلّحة، وطابعها الديني المذهبي؛ نظراً لما يُمثّله هذان الجانبان مِن أهمّية للحركة تفقد بتخليها عنهما أهمّ مقوماتها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل تسعى قطر لإعادة الإخوان إلى السلطة في السودان؟

2020-01-29

لا يزال اللواء عبد الهادي عبد الباسط، الذي تقدّمه قناة الجزيرة القطريّة على أنّه خبير استراتيجي، ينثر الأكاذيب ويُحرّض العسكر على الانقضاض على الديمقراطية الوليدة في السودان والإجهاز عليها، فيما يسخر من حديثه الشعب السوداني، الذي يعرف سيرته، وقرأ مقاله الوحيد المنشور عام 2012 في صحيفة الإخوان المسلمين (الانتباهة)، والتي كان يملكها خال الرئيس المعزول عمر البشير، المعروف أيضاً. كما يعرف السودانيون جولات عبدالباسط في أحياء الخرطوم الجنوبيّة على ظهر دراجته النارية من أجل رصد المعارضين وتخويفهم وكتابة التقارير الأمنيّة عنهم.

اقرأ أيضاً: قطر والثورة السودانية.. كيف يقاوم السودان الجديد محاولات الدوحة زعزعة استقراره؟
كان ذلك قبل أن تضع جماعة الإخوان المسلمين على كتفيه رتبة لواء، وتُسمِّيهِ مديراً للأمن الاقتصادي، الذي تردّى إبان تولّيه المنصب إلى أسوأ حالاته، فشاع الاتجار بالعملات الصعبة على قوارع الطرق الرئيسية والفرعية في العاصمة الخرطوم والمدن الأخرى، وعمّ الفساد وانهار الجنيه، نتيجة سوء إدارة هذا الرجل كما أوردت تقارير إخبارية محلية.
رئيس الأركان القطري يحل ضيفاً على الخرطوم

الدعم القطري لجماعة الإخوان السودانية
يعتقد السواد الأعظم من السودانيين أنّ الحكومة القطرّية تسعى عبر مسارات مختلفة وحيل مُبتكرة لإعادة الإخوان المسلمين إلى السلطة في السودان مرةً أخرى، وهذا أمر بالغ الصعوبة بالنسبة للسودانيين، الذين عانوا 3 عقود متواصلة من حكم هذه الفئة، حولت فيها بلادهم إلى مزرعة لتنظيم الجماعة الدولي، وسخّرت كافة مواردها لتمويل أنشطتها الدعوية - السياسية في كافة أرجاء العالم، فيما رزح المواطنون تحت الفقر والفاقة والجهل، لذلك يتوجسون خوفاً من أي تقارب بين الحكومة الانتقالية والدوحة؛ إذ يعتقدون أنّها لن تتورع في إحداث بلبلة وقلاقل لضرب التوجّه نحو تأسيس دولة مدنية ديمقراطية على أنقاض دولة الإخوان المسلمين.
القو ة الناعمة – الاستثمار القطري
يقول الخبير الاستراتيجي؛ أحمد ميرغني لـ "حفريات"؛ إنّ التحركات القطريّة في التعامل مع الملف السوداني لا تنظر أبداً إلى المصلحة العليا للدولتين، بل تُصوّب دائماً نحو مصلحة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، لذلك فإنّ "المواطنين والسياسيين وأجهزة الأمن، تنظر بريبة وشك وتوجّس إلى أي تحرك قطري نحو دعم الحكومة السودانية الانتقالية القائمة، خاصة وأنّ السودانيين لن يسمحوا بوضعهم رهائن لتنظيم الإخوان مجدداً، فقد عانوا منه بما فيه الكفاية".

يعتقد السواد الأعظم من السودانيين أنّ الحكومة القطرّية تسعى إلى إعادة الإخوان إلى السلطة في السودان مرة أخرى

ويضيف ميرغني: إنّ الأسباب الحقيقية لزيارة الفريق غانم بن شاهين، رئيس أركان القوات المسلحة القطرية إلى السودان، لم تُعرف حتى الآن، عدا ما قيل عن جلسة المباحثات المشتركة بين رئيس هيئة الأركان السوداني ونظيره القطري، والتي تناولت أوجه التعاون العسكري في المجالات المختلفة وسبل تعزيزها، ولم يرشح للإعلام شيء آخر، بيد أنّ اجتماعاً مثل هذا لا يستحق زيارة ليومين، بل لساعات فقط، فلماذا مكث رئيس هيئة الأركان القطري 48 ساعة، وماذا فعل خلالها، ومن التقى؟ كلها أسئلة تحتاج إلى إجابات، خاصة عندما نعلم أنّ كثيراً من قيادات الجيش السوداني الحالي لهم علاقة ما بجماعة الإخوان المسلمين.

اقرأ أيضاً: هل لقطر أذرع خفيّة في السودان؟
ويشير ميرغني إلى ما يسميه "خفايا الزيارة"، فيقول لـ "حفريات": إنّه بالتزامن مع زيارة الفريق غانم بن شاهين، شنّت الكتائب الإلكترونية التابعة للحزب البائد، وهي معروفة بالدجاج الإلكتروني في السودان، حملة شعواء على حكومة عبد الله حمدوك وطالبت الشارع بالتحرك ضدها، مبررة ذلك بالغلاء الفاحش في أسعار السلع الرئيسية وشح الخبز والوقود، وهي مشاكل موروثة من النظام السابق، فيما لم يتجاوز عمر الحكومة الانتقالية الراهنة، التي تعمل بجد وقوة لمعالجة خراب 30 عاماً، سوى 3 أشهر.

ليس ذلك فحسب، وإنما الأخطر منه، وفق ميرغني، هو التدخل عبر ما يُسمى بالقوة الناعمة، فلقاء السفير القطري بالخرطوم؛ عبد الرحمن الكبيسي، بوزير المعادن السوداني عادل إبراهيم في مكتبه، وإبداء الأول رغبة بلاده تفعيل الاتفاقيات التي أبرمت مع حكومة الإخوان المسلمين المنصرفة، والمتعلقة بالتنقيب عن المعادن وتصديرها عبر القطاعين؛ العام والخاص القطريين، ودعوة اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، والتي شُكّلت في ظل النظام البائد، للانعقاد في الدوحة، بعد أن التأم شملها في الخرطوم، وتأكيد السفير القطري على أنّ شركة قطر للمعادن (حكومية) لديها مشاريع كبيرة في مجال الطاقة والكهرباء بالسودان، كلها أمور تدعو للشك والريبة والتعامل معها بحذر شديد، خاصة وأنّ قطر هي المركز الثاني عالمياً في احتضان جماعة الإخوان المسلمين، بعد تركيا.
من دواء شافٍ إلى سلاح فتاك
تصدّر هاشتاق "قطر تخدع السودان"، هذه الأيام، قائمة أكثر الهاشتاقات تداولاً على تويتر، حيث ندد مغردون سودانيون وآخرون، بما أسموه "التدخل القطري السافر في الشؤون السودانية"، ومحاولة إعادة حليفتهم؛ جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة مرةً أخرى، عبر شركاتهم الاستثمارية تارة، والدعايات المسمومة التي تبثها كتائب الظل الإلكترونية التابعة لهم تارة أخرى، وعبر الأخبار المفبركة التي تبثها قناة الجزيرة في معظم الأحيان.

خبير استراتيجي: التدخل  القطري عبر ما يُسمى بالقوة الناعمة الأكثر خطورة خاصة عبر الاتفاقيات التي أبرمت مع حكومة الإخوان السابقة

ويُشار إلى أنّ قطر كانت قد أرسلت طائرة محمّلة بأدوية ومعدات طبية كمساعدة إلى (إقليم دارفور) في السودان، الأسبوع المنصرم، وبالتزامن مع ذلك، قالت السلطات السودانية، ممثلة في قوات الدعم السريع إنّها ضبطت شحنة أسلحة مهربة إلى أحد أطراف النزاع في ليبيا، وقال مغردون سودانيون إنّ الشحنة القطرية مهرّبة عبر السودان لدعم ميليشيات حكومة الوفاق الإخوانية بطرابلس، وإنّ ذلك تم بإيعاز من تركيا، الأمر الذي يعتبره السودانيون انتهاكاً صارخاً لسيادة بلادهم وتدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية، ومحاولة بائسة لتقويض الديمقراطية الناشئة وإطاحة حكومة حمدوك والعودة بنظام الفساد والاستبداد الإخواني مُجدداً.

رصد تحركات أذرع قطر
يتوجس السودانيون خيفة من الدور القطري، المدعوم من تركيا؛ لأنهم أكثر شعوب المنطقة اكتواءً بنار الإخوان، بحسب تعبير موسى عبد الغفار؛ أستاذ العلاقات الدولية، في حديثة لـ "حفريات"، ويضيف عبد الغفار؛ "بطبيعة الحال فإنّ قطر تقدّم الدعم للطرف المتشدّد في جماعة الإخوان المسلمين، بقيادة الشيخ عبد الحي يوسف، كما أنّها تفرض نفوذها على بعض قادة الحركات الدارفورية المسلّحة، التي وقعت اتفاقية مع حكومة النظام البائد، تحت رعاية ودعم قطري، على رأسهم قادة حركة التحرير والعدالة، التي كانت جزءاً من النظام السابق، ويمكنها فرض أجندتها عليهم ودعمهم مالياً للعمل على تقويض التوجه الديمقراطي وإعادة الجماعة الإخوانية إلى السلطة، إلا أنّ الحكومة بجناحيها؛ المدني والعسكري، خاصة قائد الدعم السريع، شديدة الانتباه والمتابعة والرصد لهذا الملف، والدليل على هذا ضبط قوات الدعم السريع للطائرة القطرية المحملة بالسلاح إلى ميليشيات طرابلس الإخوانية، فيما ادعت أنّها أدوية لمساعدة السودانيين".

للمشاركة:

ما الفصائل المتمردة على تحالف السلطة في العراق؟

2020-01-29

تتعرض السلطة في العراق، حكومةً وبرلماناً ورئاسة جمهورية، لحرجٍ سياسي ودولي كبيرَين، جراء الاستهداف المتكرر الذي تتعرض له سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد، من قبل ميليشيات محسوبة على تحالف الفتح، الراعي السياسي للسلطة، وعدم الفرز بين دور السلطة والمعارضة (المقاومة) هو الذي لا تدركهُ فصائل التحالف المقرب من إيران.

خبير إستراتيجي: كثير من عمليات استهداف البعثات الدولية التي تناكفها طهران، تقوم بها الفصائل العسكرية الموالية لها

استنكارات القيادات السياسية العراقية الشديدة، والمطالب بعدم رهن البلاد بيد من "يستخف بمصلحتهِ الوطنية"، دفعت هادي العامري، زعيم تحالف الفتح، إلى رفضهِ للضربة المجهولة التي تعرضت لها سفارة واشنطن مؤخراً، فيما أكدت ميليشيات عصائب أهل الحق، المنضوية في الحكومة، أنّ انطلاق الصواريخ كان من مناطق جنوب العاصمة، في إشارة منها إلى الهوية المذهبية لسكان تلك المناطق، التي تقطنها غالبية من العشائر السنّية.

وتعرّضت السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء (مقار السلطة العراقية والبعثات الدولية)، وسط العاصمة بغداد، الى هجوم بصواريخ الكاتيوشا، صباح الأحد الماضي، ما أسفر عن إصابة شخص واحدٍ فقط، فيما تعرضت المباني الأخرى داخل المنطقة لأضرار جسيمة.

مقر السفارة الأمريكية داخل المنطقة الرئاسية الخضراء وسط العاصمة بغداد

الفصائل المتمردة على سلطتها
تنضوي أغلب الفصائل المسلّحة التي واجهت التواجد الأمريكي في العراق، وقاتلت فيما بعد عناصر تنظيم داعش الإرهابي، الذي احتل ثلث البلاد خلال عام 2014، تحت مظلة تحالف الفتح السياسية، الذي خاض الانتخابات الأخيرة ونال نحو 48 مقعداً في البرلمان، وجاء في المرتبة الثانية بعد قائمة "سائرون"، التابعة لزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر.

اقرأ أيضاً: كيف أوقعت إيران العراقيين في حبائل المخدرات؟‎‎

ولأغلب تلك الفصائل المدعومة من إيران أجنحة سياسية، لها ثقل نيابي ووزاري في السلطة الحالية، باستثناء فصيلَين أكّدا التزامهما بدورهما العسكري، رافضَين العمل السياسي، وهما: كتائب حزب الله في العراق (قائدها مجهول الهوية)، وكتائب سيد الشهداء (بقيادة "أبو آلاء الولائي").

وزير الخارجية الأمريكي بومبيو يهاتف عبد المهدي بعد استهداف السفارة الأمريكية: حكومتكم فشلت في كبح جماح الميليشيات الخطيرة

ويعزو خبراء إستراتيجيون عراقيون عدم دخول الفصيلَين في العملية السياسية إلى سياسة إيران، التي تحاول مسك السلطة ونقيضها في العراق، والعمل وفق ثنائية "راديكالية ودبلوماسية" في آنٍ واحد.

ويقول الخبير الإستراتيجي قاسم فكري، لـ "حفريات": "الإيرانيون يفتحون أبواب المواجهة من عدة أطراف، تارة عن طريق الدبلوماسية الرسمية والخفية، وتارةً أخرى عن خيارها العسكري الذي يكمن في فصائلها المتواجدة بمناطق نفوذها".

ويؤكد أنّ "كثيراً من عمليات استهداف البعثات الدولية التي تناكفها طهران، تقوم بها الفصائل العسكرية الموالية حرفياً لها"، مضيفاً: "ما جرى أمس في بغداد، وغيره في السابق، يؤكد ذلك".  

مواقع انطلاق الصواريخ على الخضراء
تعدّ مناطق شرق العاصمة بغداد (ذات الأغلبية الشيعية والكثافة السكانية الهائلة)، أبرز معاقل قوى الإسلام السياسي الشيعي، والفصائل المسلحة في بغداد، وفي تلك المناطق تنتفي سيادة القانون ويستبدل بالفتاوى الشرعية والأعراف العشائرية.

عدم التزام الفصائل المسلحة بالقانون يضع تحالف الفتح وزعيمه في موقف محرج

"في أواخر مناطق مدينة الصدر، تتواجد مخازن الأسلحة بكافة أنواعها وأصنافها، ومن ثم ينطلق بها عناصر الجماعات المسلحة إلى جسر القناة القريب على المنطقة الخضراء على نحو بضعة كيلومترات، لإطلاقها نحو الهدف المحدد"، هذا ما قاله مصدر أمني مطّلع لـ "حفريات".

وبحسب المصدر نفسه؛ فإنّ "تلك الجماعات المسلّحة تقوم بنقل الصواريخ، ومختلف الأسلحة، بحرية تامة، من مناطق شرق العاصمة إلى المنطقة القريبة من وسطها"، عازياً ذلك إلى "غياب الدولة وهيمنة تلك الجماعات على القرار الأمني في تلك المناطق، بل تعدّ هي السلطة الآمرة الناهية".

اقرأ أيضاً: بعد قرار الانسحاب.. هل خان مقتدى الصدر المحتجين العراقيين لصالح إيران؟

ويؤكد أنّ "عمليات كثيرة من الاختطاف والمتاجرة بالسلاح تتمّ ضمن تلك الجغرافيا"، لافتاً إلى أنّ "أبرز حدث قامت به هذه الفصائل مؤخراً، هو استهداف السفارة الأمريكية بالمنطقة الرئاسية الخضراء، من خلال استهدافها بالكاتيوشا، وقبلها ضربت أيضاً أماكن محددة للتواجد الأمريكي في بغداد".
بومبيو لعبد المهدي: فشلتم بكبح جماح الميليشيات
إلى ذلك، حمّلت الخارجية الأمريكية حكومة المستقيل عادل عبد المهدي، مسؤولية تكرار الهجمات على منشآتها في العراق، مؤكدة أنّ الحكومة الحالية "فشلت في كبح جماح الجماعات المسلّحة الخطيرة" بحسب تعبيرها.
وقالت الخارجية في بيان: "الوزير مايك بومبيو أجرى اتصالاً مع رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، عبّر خلاله عن غضبه الشديد من الهجمات المستمرة التي تشنّها الجماعات المسلحة الإيرانية على المنشآت الأمريكية في العراق، بما في ذلك الهجمات الصاروخية التي وقعت أمس على سفارتنا، والتي أسفرت عن إصابة واحدة".  

قائد كتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي مع قائد فيلق القدس الجديد إسماعيل قاآني

وشدّد بومبيو، وفق البيان، على أنّ "هذه الهجمات تُظهر تجاهلًا متعمداً للسيادة العراقية، وفشلاً في كبح جماح هذه الجماعات المسلحة الخطيرة"، معرباً عن "تقديره لالتزام رئيس الوزراء، عبد المهدي، بتعزيز الأمن لحماية الأفراد والمرافق الدبلوماسية الأمريكية".

اقرأ أيضاً: حالة مرضية في العراق

وأشار، بحسب البيان، "إننا نعدّ هجوم الليلة الماضية على السفارة محاولة لصرف الانتباه العراقي والدولي عن القمع الوحشي للمتظاهرين العراقيين المسالمين من قبل إيران وعملائها"، مؤكداً استعداد واشنطن "لمناقشة نطاق قواتنا في العراق بمرور الوقت".
نوّاب يحذّرون من تصاعد "دور الميليشيات المنفلتة"
من جهتهم، اتهم نواب في البرلمان العراقي، ما أسموه بـ "الميليشيات المنفلتة" بقصف السفارة الأمريكية، والعمل على وضع البلاد ضمن دائرة الرفض الدولي.

نواب عراقيون: هناك أيادٍ تعمل على رهن المصلحة الوطنية ونطالب الحكومة بفرض القانون ومحاسبة الخارجين عنه

النائب أحمد المساري، وهو نائب سنّي، قال لـ "حفريات": "الميليشيات المنفلتة، تحاول، كلّ مرة، أن تعرّض مصلحة العراق وسيادته وسمعته الدولية إلى إساءة بالغة عبر استهداف السفارة الأمريكية في بغداد بصواريخ الكاتيوشا"، معرباً عن إدانتهِ لـ "هذا العمل الاجرامي، وأطالب الحكومة العراقية باتخاذ الإجراءات التي تضمن تقديم المجرمين إلى القضاء، والسيطرة على السلاح".
وأكّد أنّ "استهداف البعثات الدولية في بلادنا، عمل تقوم به فئة ضالة تعمل ضدّ مصلحة العراق، وتحاول بكل قوة أن تجعل من البلد ساحة للصراع الدولي، نحن في غنى عنه".

ورأى النائب عن ائتلاف الوطنية، قاسم الجنابي، أنّ استمرار هذه الاستهدافات "إضرار بالمصالح العليا للعراق وبعلاقاته الدبلوماسية مع أصدقائه، وتحمّله تداعيات خطيرة لا بدّ من تجنّبها في هذه الظروف"، وأكّد لـ "حفريات"؛ أنّ "الاعتداء على الممثليات الأجنبية بمثابة تحدٍّ واضح وصريح، على الدولة العراقية، المضيفة لها".
بومبيو يهاتف عبدالمهدي ويبدي انزعاج واشنطن من تمادي الجماعات في العراق وفشل الحكومة في تحجيمها

العامري يستنكر... والعصائب تلمح لطائفية الفاعلين
بدوره، استنكر رئيس تحالف "الفتح"، هادي العامري، الهجوم الصاروخي على سفارة واشنطن في بغداد، معتبراً أنّ قصف السفارة سيؤخر رحيل القوات الأجنبية عن بلاده.
وقال العامري، في بيان صحفي: "هذه الأعمال التخريبية هدفها خلق الفتنة وإعاقة مشروع السيادة، ورحيل القوات الأجنبية عن العراق"، مؤكداً رفضه "الاعتداء على البعثات والمقرات الدبلوماسية الأجنبية".
وطالب العامري حكومة عبد المهدي بـ "العمل الجاد على حماية تلك البعثات وكشف المتورطين باستهدافها".

اقرأ أيضاً: هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟
من جهتها، حدّدت ميليشيات "عصائب أهل الحق"، بقيادة قيس الخزعلي، مكان انطلاق الصواريخ الكاتيوشا، مبينة أنّ "الانطلاقة كانت من مناطق جنوب بغداد (ذات الغالبية السنّية)".
وقال الناطق باسم العصائب، محمود الربيعي: إنّ "مصدر الضربة التي استهدفت السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، كان من منطقة عرب جبور، جنوب العاصمة، وهذه المنطقة لا توجد فيها فصائل مقاومة".
وأضاف في تصريح صحفي: "فصائل المقاومة غير محتاجة إلى أسلوب الضرب الخفي"، لافتاً إلى أنّ "موقف فصائل المقاومة أكبر من أن يضرب سفارة أمريكا بهذا الشكل".

للمشاركة:

صفقة القرن: يوم أسود في التاريخ الفلسطيني‎

2020-01-29

وسط ترحيب إسرائيلي شديد، ورفض فلسطيني قاطع، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن خطته لـ "عملية السلام" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعد مرور أكثر من عامين من حديثه عنها. وبرغم الحدث الاستثنائي فقد بدا أنّه لا مفاجآت كبرى في إعلان ترامب، فقد تمّ تسريب الكثير من مضامين خطته، التي عرفت بـ"صفقة القرن"، للإعلام من قبل، لكنّ ترامب ثبّت، حسب خطته، إعلان سيادة إسرائيلية كاملة على قدس موحدة غير مجزّأة، وفرض إسرائيل سيطرتها على غور الأردن ليكون حدود إسرائيل الشرقية، مع سيطرة إسرائيلية كاملة على الضفة الغربية وعلى المستوطنات فيها.

 

ولا يُعرف حتى الآن ما هي حدود ومعالم الدولة الفلسطينية الموعودة، التي نشرت قناة "الحرة" خريطة لها، برغم حديث الخطة، المكوّنة من 80 صفحة، عن دولة فلسطينية متصلة، مع اقتراح الرئيس الأمريكي لحل الدولتين من دون تفريط بأمن إسرائيل، وإعلانه أنّه تواصل مع العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، بخصوص الأماكن المقدسة في القدس، مشيراً إلى أنّ الخطة تحافظ على الوضع القائم في المسجد الأقصى، مع تأكيد بسط السيطرة الإسرائيلية على القدس.

 

ترامب ثبّت حسب خطته إعلان سيادة إسرائيلية كاملة على قدس موحدة غير مجزّأة وفرض إسرائيل سيطرتها على غور الأردن

من جانبه، أعلن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، رفضه لخطة السلام التي أعلنها ترامب، قائلاً "إنّ حقوقنا ليست للبيع، وإنّ القدس ليست للبيع، وهذه الصفقة مؤامرة لن نسير فيها". وأكد عباس "لن نقبل بالتفريط في الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني".
وفي تعليقها على "صفقة القرن" قالت القيادية الفلسطينية، حنان عشراوي، إنّ الخطة هي "إعادة مَوْضعةٍ لإسرائيل في المنطقة، وإعادة تعريف للاحتلال؛ بحيث تبقى السيطرة الأمنية وعلى الأجواء لإسرائيل"، وفق ما نقلت عنها "بي بي سي".

اقرأ أيضاً: لماذا صار زمن إشهار الثورة الفلسطينية أقسى الشهور؟

الخريطة المتداولة لحدود ومعالم الدولة الفلسطينية الموعودة
فرصة مثالية لإسرائيل!
"صفقة القرن" هذه تبدو فرصة مثالية لإسرائيل للإسراع بخطوات التنفيذ؛ حيث أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عن أنّ إسرائيل ستفرض قوانينها على غور الأردن والمستوطنات في الضفة الغربية، وصرّح السفير الأمريكي في إسرائيل بأنّه يمكن للحكومة الإسرائيلية ضم مستوطنات الضفة الغربية في أي وقت. وفي كلمته، قال نتنياهو إنّ على الفلسطينيين أن يعترفوا بإسرائيل كدولة يهودية، واصفاً خطة ترامب بـ"الرائعة"، وبأنّها فرصة لن يضيّعها، مؤكداً أنّ حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يتمّ خارج إسرائيل.

حنان عشراوي: الصفقة إعادة مَوْضعة لإسرائيل في المنطقة، وإعادة تعريف للاحتلال؛ بحيث تبقى السيطرة الأمنية وعلى الأجواء لإسرائيل

الجانب الفلسطيني أخذ منذ أمس في الاستعداد لكيفية مواجهة "صفقة" ترامب والردّ عليها. ويبدو أنّ الفلسطينيين في موقف ضعيف على مستوى موازين القوى، لكنهم يملكون ورقة أنّهم سكّان الأرض الأصليون التي قامت عليها دولة الاحتلال، ويقف إلى جانبهم قائمة طويلة من القرارات الدولية التي تدعم حقوقهم الوطنية الشرعية، وفي مقدمتها حقهم في تقرير مصيرهم.
وفي مؤتمره المشترك في البيت الأبيض مع نتنياهو، قال ترامب إنّ الشرق الأوسط يتغير بسرعة، داعياً إلى تعايش سلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووجّه كلامه للرئيس الفلسطيني محمود عباس: " أقول للرئيس عباس...إذا قبلت السلام سندعمك ونساعدك بطرق مختلفة"، مؤكداً أنّ خطته للسلام تتألف من 80 صفحة وهي "الأكثر تفصيلاً" على الإطلاق، وإنّها مختلفة بشكل جوهري عن خطط الإدارات الأمريكية السابقة، وتقدم حلاً "واقعياً بدولتين"، منبهاً إلى أنّ خطته قد تكون "آخر فرصة" للفلسطينيين للحصول على دولة، وأنّ الخطة ستنهي الاعتماد الفلسطيني على الأموال الخيرية والمعونات.

اقرأ أيضاً: المواجهة الفلسطينية المطلوبة لصفقة القرن
وأكد ترامب أنّ الفلسطينيين "يستحقون حياة أفضل بكثير"، وأنّهم "كانوا في مصيدة التشدد والعنف، وحاولتُ أن أجد مساراً قوياً للتحرك للأمام في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي".

 

غور الأردن
وكان الفلسطينيون يقولون إنّ غور الأردن؛ أي ما يقرب من 30 في المئة من الضفة الغربية، سيكون جزءاً حيوياً من دولتهم في المستقبل؛ بوصفه يمثل سلة الخبز للضفة الغربية وحدودها مع الأردن، بحسب "رويترز"، وهذا ما ألغاه ترامب بخطته.

الفلسطينيين في موقف ضعيف على مستوى موازين القوى، لكنهم يملكون ورقة أنّهم سكّان الأرض الأصليون التي قامت عليها دولة الاحتلال

ودشن جاريد كوشنر، صهر ترامب والمهندس الرئيسي للخطة المرحلة الأولى من مقترح السلام في مؤتمر اقتصادي في مملكة البحرين في حزيران (يونيو) الماضي.  ودعا هذا الشق إلى إنشاء صندوق استثماري بقيمة 50 مليار دولار لدعم الاقتصاد الفلسطيني واقتصادات دول الجوار العربية. وندد الفلسطينيون، تضيف "رويترز"، بالمرحلة الأولى من الخطة؛ لأن الخطة لم تتطرق للاحتلال الإسرائيلي.
وأشار تحليل نشرته قناة "بي بي سي"، إلى أنّ صفقة ترامب "قد تبدو وثيقة استسلام أكثر من كونها أي شيء آخر، إذ تمثل فرصة لإسرائيل لتأكيد انتصارها على الفلسطينيين مرة أخرى وإلى الأبد، بعد 7 عقود من قيامها وأكثر من قرن منذ بدء الاستيطان الصهيوني في فلسطين. ويقول المفاوضون الفلسطينيون إنّهم قدموا (في الأعوام الماضية) تنازلات هائلة، على الأقل، فكرة قبول وجود إسرائيل في نحو 78 في المائة من وطنهم التاريخي"، وفقاً للقناة.

 

وفي ما يتعلق بالأردن، بوصفه ثاني أهم المتأثرين بالخطة، أورد تقرير لصحيفة ليبراسيون الفرنسية أنّ هناك مخاوف أردنية من أن يقوم نتنياهو بضم غور الأردن بمجرد إعادة انتخابه في آذار (مارس) المقبل؛ لاسيما أنّ المعارض ومنافسه الجنرال السابق بيني غانتس الذي التقى ترامب في البيت الأبيض لا يعارض ذلك، بل على العكس فإنّ حزبه يفتخر بأنّه أول من طرح الفكرة، لكنه يختلف في طريقة التنفيذ.

 

لا يُعرف حتى الآن ما حدود الدولة الفلسطينية الموعودة برغم حديث الخطة، المكوّنة من 80 صفحة، عن دولة متصلة

وتابعت ليبراسيون أنّ العديد من المحللين يعتقدون أنّ تقديم خطة ترامب وسط الرفض الفلسطيني ستكون في الواقع مجرد ضوء أخضر لضم هذه الأرض على طول الحدود الأردنية إلى إسرائيل؛ حيث تغطي هذه المنطقة تقريباً ثلث مساحة الضفة الغربية المحتلة، وستقطع جميع الاتصالات بين المملكة والدولة الفلسطينية الموعودة، ثم يتم تقليصها إلى عدد قليل من المناطق المتفرقة التي ستكون مرتبطة فيما بينها عن طريق مسالك وأنفاق تتجنب المستوطنات.
وكان وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي قال ليل أمس إنّ إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام الشامل والدائم في الشرق الأوسط.  وقال الصفدي، في بيان صدر بعد إعلان الرئيس ترامب خطة السلام التي اقترحتها إدارته "الأردن يدعم كل جهد حقيقي يستهدف تحقيق السلام العادل والشامل الذي تقبله الشعوب". ودعا الصفدي إلى إجراء مفاوضات جادة ومباشرة تعالج جميع قضايا الوضع النهائي بما في ذلك حماية مصالح الأردن، وحذر من "التبعات الخطيرة لأي إجراءات أحادية إسرائيلية تستهدف فرض حقائق جديدة على الأرض".

للمشاركة:



الإمارات تطمئن المواطنين والمقيمين..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

أعلنت وزارة الصحة الإماراتية، اليوم، تفاصيل جديدة بشأن العائلة التي أصيب أفرادها بفيروس "كورونا" الجديد.

وأوضحت الوزارة، في بيان نشرته وكالة "وام"؛ أنّ "عدد الأشخاص المصابين أربعة، وهم أفراد من عائلة واحدة، وجميعهم في حالةٍ مستقرة؛ حيث تمّ احتواؤهم باتباع أقصى الإجراءات الاحترازية الضرورية المعتمدة عالمياً عند التعامل مع الحالات المصابة".

وزارة الصحة: عدد الأشخاص المصابين هم 4 أفراد من عائلة صينية قدمت من مدينة ووهان وهم الآن في حالةٍ مستقرة

وطمأنت الوزارة الجمهور حول الوضع الصحي العام، وتؤكّد أنّ "المتابعة مستمرة على مدار الساعة، ونصحت المواطنين والمقيمين كافة بالتقيد بالإرشادات الصحية العامة، مشيرة إلى أنّها "تقوم بالتنسيق مع جميع الهيئات والجهات الصحية المعنية في الدولة، التي اتخذت الإجراءات الاحترازية اللازمة، وفق التوصيات العلمية والشروط والمعايير المعتمدة من منظمة الصحة العالمية، وأنّ الجهات الصحية كافة تعمل على مدار الساعة لرصد ومراقبة الوضع الصحي العام".

وفي وقت سابق، الأربعاء؛ أعلنت الوزارة تشخيص حالة إصابة بفيروس "كورونا" الجديد لأشخاص من عائلة واحدة، قادمين من مدينة ووهان، معقل المرض في الصين، مؤكّدة أنّ "الحالة الصحية للمصابين مستقرة وتحت الملاحظة الطبية".

ويواصل فيروس "كورونا" الجديد حصد الأرواح؛ حيث بلغت حصيلة ضحاياه 132، في الوقت الذي تسعى فيه دول العالم جاهدة لإجلاء رعاياها من ووهان، بؤرة تفشي الفيروس.

وسجلت السلطات الصحية في الصين 5974 إصابة بفيروس "كورونا" المستجد، بزيادة قدرها 1400 عن اليوم السابق، حسبما ذكرت "فرانس برس".

 

للمشاركة:

مجلس حقوق الإنسان يراجع الملف التركي.. هذه توصيات الدول

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

وجّهت عدّة دول انتقادات حادة للحكومة التركية بسبب قمع المواطنين، وسلّطت الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، خلال اجتماع عقد أمس بمدينة جنيف، للفحص الدوري الشامل لملف تركيا الحقوقي خلال 5 أعوام، الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها تركيا، وكذلك قدمت منظمات المجتمع المدني في تركيا شكاوى من تدخلات وقمع السلطات، وفق ما أوردت صحيفة "زمان".

وطرحت الاجتماعات عدة أسئلة على تركيا حول وضع 130 شخصاً تمّ فصلهم من العمل بقوانين الطوارئ، وكذلك عمليات التعذيب والاختفاء القسري، التي تزايدت في أعقاب محاولة انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016.

مجلس حقوق الإنسان يسلّط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها تركيا

 

ووردت عدة توصيات من الدول الأعضاء لتركيا بخصوص حقوق الإنسان؛ حيث طالبت ايطاليا تركيا بوقف الحملة القمعية ضدّ الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان، أما بلغاريا فقد حثّت تركيا على احترام حقوق الرأي والتعبير على الفضاء الإلكتروني وعلى أرض الواقع.

بدورها، طالبت لبنان تركيا بضرورة باحترام حقوق الأقليات واللاجئين داخل أراضيها، كما طالبت تركيا بمراجعة التشريعات التي تقيّد حرية الرأي والتعبير.

أما آيسلندا؛ فقد دانت القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي ونشر خطاب الكراهية في تركيا.

من جانبها، أوصت الأوكوادور تركيا بتعديل الصورة النمطية للمرأة التركية في المجتمع التركي مع محاربة الاتّجار بالبشر.

أما الهند؛ فقد أكدت في توصيتها على ضرورة أن تتبنّى تركيا قانوناً لمكافحة الاتجار بالبشر، فيما التزم مندوب ليبيا الصمت أثناء جلسة استعراض حقوق الإنسان في تركيا.

دول تطالب تركيا بوقف الحملات القمعية واحترام حقوق الرأي وبالتحقيق في قضايا التعذيب بالسجون

من جهتها، طالبت مصر تركيا بالتحقيق الفوري في قضايا التعذيب بالسجون، ووقف تدخّل السلطة التنفيذية في أعمال السلطات الأخرى.

كما طالبت بولندا تركيا باحترام حرية الرأي والتعبير وحرية العقيدة، وفق القواعد الدولية، كما تدين العنف والتمييز ضدّ المرأة والأطفال في تركيا.

وطالبت كلّ من كندا وتشيلي تركيا بضرورة الفصل بين جميع السلطات والانضمام إلى اتفاقية الاختفاء القسري.

وتعاني تركيا، منذ تموز (يوليو) 2016، تدهوراً شديداً في حالة حقوق الإنسان، بعد استهداف حكومة العدالة والتنمية للأحزاب والجماعات المعارضة بحملات اعتقال وانتهاكات كثيرة، تصاعدت في ظلّ فرض حالة الطوارئ عقب الانقلاب ولمدة عامين.

وخلال فترة الطوارئ؛ تمّ اعتقال أكثر من 35 ألف شخص، وفصل من العمل أكثر من 130 ألف شخص بتهمة دعم الانقلاب، وفرّ الآلاف إلى خارج البلاد هرباً من الملاحقات القانونية.

 

 

للمشاركة:

إيران تكمّم أفواه أهالي ضحايا الطائرة الأوكرانية.. هذا ما فعلته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

تحاول جمهورية إيران تكميم أفواه عائلات ضحايا الطائرة الأوكرانية، للتهرّب من دفع التعويضات، وإجبارهم على السكوت عن حقوقهم، سواء بالترهيب أو الترغيب.

ومنع مسؤولو مطار طهران الدولي أسر الضحايا من السفر إلى كندا، لحضور الجنازات ومراسم التأبين، رغم إصدار كندا تأشيرات تسمح لهم بدخول أراضيها، وفقاً لموقع "إيران إنترناشونال".

وأكّد حميد إسماعيليون، طبيب أسنان وكاتب إيراني مقيم في كندا، فقد زوجته وابنه في الحادث؛ أنّه لم يسمَح له بالخروج من المطار، وكتب على صفحته في فيسبوك: "أيها الموظف الحقير في مطار طهران، الذي لا يملك ذرّة تعاطف، اسمح لأفراد الأسرة بمغادرة البلاد بسهولة للمشاركة في الجنازة".

السلطات الايرانية تمنع أسر الضحايا من السفر إلى كندا لحضور الجنازات ومراسم التأبين

كما كشف جواد سليماني، الذي فقد زوجته في الحادثة، أنّ أسر الضحايا تلقوا تهديدات من الحكومة الإيرانية، وأكد أنّه تمّ استدعائه من قبل الأجهزة الأمنية ووزارة الاستخبارات، مشيراً إلى أنّه تلقى رسالة يوم تأبين زوجته "أغلق فمك هذا هو التحذير الأول والأخير".

وكانت الحكومة الكندية قد أعلنت، في وقت سابق، أنّها ستصدر تأشيرات لأسر وأقارب ضحايا الطائرة، من مواطني كندا أو المقيمين بها، لمساعدتهم في حضور مراسم الجنازة والتأبين.

يذكر أنّ عدداً من أسر الضحايا رفعوا دعاوى قضائية ضدّ إيران، في محكمة أونتاريو في كندا.

زوج إحدى الضحايا تلقى تهديدات من الحكومة الإيرانية ورسالة تقول "أغلق فمك"

ووجهت الدعاوى الاتهام إلى المرشد الإيراني، علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري، حسين سلامي، ورئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، محمد باقري، وقائد القوات الجوية للحرس الثوري، أمير حاجي زاده، ، تحت عنوان " الإرهابي المسؤول عن إسقاط الطائرة الأوكرانية".

وكانت إيران قد اعترفت بإسقاط الطائرة الأوكرانية، في مطلع الشهر الجاري، بصاروخين أطلقهما الحرس الثوري، مما أسفر عن وفاة 176 راكباً.

 

 

للمشاركة:



تصاعد سخط الأتراك من أردوغان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

ياوز بيدر

تمر تركيا بمرحلة حرجة تاريخياً فيما يتعلق بحاضرها ومستقبلها. يتركز جزء كبير من النقاش على سؤال حاسم: هل يستطيع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعزيز سلطته حول شخصه والكوادر الموالية له أم أنه سيواجه صعوبات متزايدة في ضمان السيطرة على المؤسسات الرئيسة؟

في ظل الافتقار الواضح لاستراتيجية الخروج بالنسبة له وسط تعمق "أزمة النظام" في تركيا، يبدو السؤال مستعصياً على الحل. يكتنف الغموض الوضع بشكل لم يسبق له مثيل بالنسبة لتركيا وطبقتها السياسية.

ما يفاقم المعضلة نوع التوازن بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وشريكه الأصغر حزب الحركة القومية من جهة وبين كتلة المعارضة من جهة أخرى.

وأشار استطلاع للرأي أجرته مؤسسة متروبول التي تتخذ من أنقرة مقراً لها، وهي إحدى مؤسسات استطلاعات الرأي القليلة الموثوقة، إلى أن تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية يحظى بنسبة تأييد تبلغ 51 في المئة في حين لا يحصل حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي العلماني على أكثر من 25 في المئة. وتراجع شريكه المعارض القومي، الحزب الصالح، لأقل من الحد الأدنى البالغ 10 في المئة اللازم لدخول البرلمان وتشير استطلاعات الرأي إلى أن تأييد حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد يزيد قليلاً على 11 في المئة.

وتختمر حالة من السخط وسط الناخبين بسبب المصاعب الاقتصادية. وأولئك الذين يعارضون التحركات لإرسال قوات إلى ليبيا تزيد نسبتهم قليلاً عن 50 في المئة. ويمثل مشروع قناة إسطنبول المثير للجدل قضية أخرى لا يبدو أنها تقنع أعداداً كبيرة من الناخبين في منطقة بلدية إسطنبول الكبرى الضخمة.

ومع ذلك، قال مدير مؤسسة متروبول أوزر سنكار لموقع (أحوال تركية) إن كتلة "الناخبين المعنية" داخل حزب العدالة والتنمية ليست مقتنعة بما تقدمه المعارضة كبديل سياسي.

وهذا يمثل خبراً ساراً لأردوغان. هذا يتيح له الوقت لبناء مستقبل لصالحه، ولكن كما توضح قناة إسطنبول وليبيا وشرق المتوسط، يبدو أن عقلية "تصرف أولاً وفكر لاحقاً"، لا تحفز البيروقراطية في أنقرة ويتزايد الشعور باليأس.

وعبر زعيم المعارضة الرئيسة في تركيا، كمال كليجدار أوغلو، عن "مخاوف مؤسسية عميقة" في اجتماع مع الصحفيين في الآونة الأخيرة. ولدى كليجدار أوغلو خلفية عميقة الجذور كبيروقراطي في أجهزة الدولة التركية وبالتالي تحظى تصريحاته بأهمية بالغة.

وللمرة الأولى، قال كليجدار أوغلو "اعتماد تركيا على روسيا آخذ في الازدياد. نحن نعتمد على روسيا في 60 في المئة من موارد الطاقة. هذا خطأ. الأهم من ذلك، بدأ (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين في صياغة السياسة الخارجية لتركيا. لبوتين القول الفصل في كل من سوريا وليبيا".

في جزء آخر من الاجتماع، ذكرت تقارير أن كليجدار أوغلو قد دق ناقوس الخطر من محاولات أردوغان المستمرة للسيطرة الكاملة على القضاء التركي وإعادة الهيكلة المستمرة للقوات المسلحة التركية.

الجمود في ميزان القوى بين الحكومة وكتل المعارضة في تركيا، إلى جانب برلمان بلا أي صلاحيات، يخلق فراغاً خطيراً قد يؤدي إلى الانهيار ما لم يهتم أردوغان بالدعوات إلى العودة إلى السياسات المسؤولة ويتخلى عن تحركاته العسكرية في المنطقة.

وقد ألقى تقرير صادر عن مؤسسة الأبحاث والتطوير (راند) الضوء على مفترق طرق يشبه حقل الألغام حيث تجد تركيا نفسها. واستند التقرير جزئياً إلى تقييمات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) الداخلية وحذر من أن "تحركات تركيا القوية في السياسة الخارجية تشمل دعم الإسلاميين السياسيين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين - وهي جماعة تعتبرها دول خليجية ومصر منظمة إرهابية - ومحاولتها المطالبة بحصة من ثروة النفط والغاز في شرق البحر المتوسط".

على نفس القدر من الأهمية، يقول التقرير المؤلف من 243 صفحة إن الضباط ذوي الرتب المتوسطة في القوات المسلحة التركية يشعرون "بقلق عميق" من عمليات التطهير التي حدثت منذ الانقلاب الفاشل في عام 2016، وقد يؤدي ذلك إلى محاولة مدمرة أخرى. ويضيف التقرير أن أردوغان على دراية بذلك.

وتحدد مؤسسة راند أربعة سيناريوهات تتراوح بين بقاء تركيا جزءاً من التحالف الغربي إلى "فك الارتباط" على نطاق واسع مع تحالفاتها السابقة والانتقال إلى روسيا والصين ولكنها تترك علامة استفهام على خريطة أردوغان نحو عام 2023 - عام المئوية للجمهورية التركية.

الأمر الواضح هو أن سياساته الحازمة والمغامرة والموجهة نحو الأزمة بدأت في مراكمة الطاقة السلبية تحت خطوط الصدع السياسية لأنقرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

صفقة القرن: الجرح النرجسي لسقوط روما

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

شادي لويس

في منتصف اكتوبر الماضي، ولدى استقباله رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، في البيت الأبيض، أدلى ترامب بتعليق عن العلاقات الممتدة والعميقة بين بلده والإمبراطورية الرومانية. وتلقف معارضو الرئيس الأميركي، كلمته، للسخرية منه في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي، فكيف لبلادهم التي تأسست بعد إنهيار الأمبراطورية بمئات السنين أن تربطها بها علاقات وطيدة؟ لكن من تصدى لهم في الصباح التالي، لم يكونوا مؤيدي ترامب المخلصين كالعادة، بل عدد من المتخصصين في التاريخ وأكاديميين في مجالات في الفلسفة والآداب. فالولايات المتحدة، بحسبهم، تتشارك مع الإمبراطورية الرومانية في الكثير من القضايا، الثقافة والقانون والفنون وغيرها، وهي بالأحرى وريثتها. وفي كل مرجع أساس عن الحضارة الغريبة، لا شك ستكون هناك إشارة واحدة على الأقل لأصولها اليهودية-اليونانية، الصيغة العلمانية الخجولة لقول الأصول المسيحية، الديانة ذات الجذور المتشابكة للإبراهيمية وفلسفة أثينا، تلك التي لم يكن لها أن تنتشر سوى في ظل العالم الروماني، حتى حكمته بعد هذا، وأضحت لغتها المقدسة هي لغته، اللاتينية، وكرسي باباواتها عاصمته.

تقود الإيديولوجيا، ترامب، أكثر من غيره من سابقيه المعاصرين، على العكس مما يمكن ادعاؤه عن براغماتية سياساته. يفعل ذلك بكثير من التشوش والتناقض بلا شك، لكن بإخلاص مثالي. يؤمن الرئيس الأميركي ودائرته المقربة، مثل الأميركيين الأوائل، بأن الولايات المتحدة هي أورشليم الثانية وأثينا الجديدة، وريثة الأمبراطورية، في عظمتها، لكن وفي جرح هزيمتها أيضا، وانهيارها أمام البرابرة.

أمس، أعلن ترامب، وإلى جانبه نتناياهو، "صفقة القرن". في وقوفهما، كانا جريحَين، ويواجهان المحاكمة في بلديهما. الأول على وشك خوض معركة صعبة لإعادة انتخابه، والثاني فشل للمرة الثانية -خلال بضعة شهور- لتشكيل حكومة قابلة للحياة. تذهب وكالات الأنباء وبعض محللي وسائل الإعلام، إلى أن الخطوة جاءت لإنقاذ الرجلَين من الأزمات الداخلية. لعل ذلك يكون صحيحاً بخصوص التوقيت، لكن الخطة والترتيب لحشد الدعم، سابق على هذا كله بالطبع. كان الوعد بإعلان القدس الموحدة عاصمةً أبدية لإسرائيل، واحداً من وعود ترامب الإنتخابية، في الأغلب منذ اليوم الأول لحملته.

يمكن بالطبع ربط الخطة باللوبي الكنسي الايفانجليكي، المؤثر والجماهيري والذي ربح ترامب دورته الأولى بسبب دعمه، ولا تصعب أيضاً مقارنة التاريخ الاستيطاني القائم على الإبادة العرقية التوسعية للولايات المتحدة، مع إسرائيل. فالفلسطينيون هم "هنود إسرائيل"، وهذا كله يبدو منطقياً ومفهوماً. لكن، وفي القلب من هذا كله، يمكن لنا أن نتبين تلك التيمة المشتركة، والواصلة كخيط رفيع بين كل سياسات ترامب، وخطاب اليمين الأبيض إجمالاً، ذلك الشعور المفرط والواقعي تماماً بالقوة المطلقة، مخلوطاً في الوقت ذاته بشعور عميق بالغبن. يدرك ترامب ونتنياهو إن ما أعلناه ليس سوى تحصيل حاصل، ولا يسعيان فيه للبحث عن شركاء، بل هو مجرد إملاء قسري من أعلى، إعلان من طرف واحد، المنتصر المطلق، كما يشير كوشنر لحروب إسرائيل التي انتصرت فيها جميعاً. بحكم الأمر الواقع، والحقائق التي فرضها المنتصر بالفعل، ولعقود. لكن ترامب، مع هذا كله، يطالب الفلسطينيين بالاعتذار عن النكبة.

ما يُلقى جانباً هنا، ويدهس، ليس حقوق الفلسطينيين، فهذا تم سحقه منذ زمن بعيد. ما يلقيه ترامب وراء ظهره، هو كل تلك الخطابات والمؤسسات والعمليات الناعمة والصورية والمتراكمة لتغليف القوة والعنف، لغة القانون الدولي العاجزة وإجراءات التفاوض الطويلة التي لا تخدم سوى ترسيخ الأمر الواقع والتعاون الأمني وتوسيع الاستيطان وعزل غزة وحصارها. هذا كله، لم يعد ضرورياً، طالما أن الهزيمة أصبحت ساحقة، لكن ترامب ويمينه يلقيها أيضاً لأنه يمقتها. يحتقر ترامب ومؤيدوه، تلك المعايير "الليبرالية"، بوصفها لينة ومخنثة وملتوية، من أول الصوابية السياسية، إلى العولمة، تنازل للسود والأقليات والمختلفين جنسياً، على حساب الرجل الأبيض والغيري والأمم الغربية. وهكذا، فإن الشعور العميق بالغبن، مع إيمان قوي بالاستحقاق، يجعل ترامب يكرر، بأن كل اتفاقية للتجارة بين بلده وغيرها هي اتفاقية ظالمة للولايات المتحدة، التي استُغلتْ من قبل شركائها البعيدين بل وحلفائها الأقرب.

كما في حروبه التجارية، لا تأتي "صفقة القرن" لتحقيق ربح ما، فلا يمكن في الحقيقة تحقيق ٍأكثر مما هو قائم بالفعل. فالأمر لا يتعدى استعراضاً لكبرياء مخدوش، تعويض مهانة أن يكون الرئيس السابق رجلاً ملوناً، وأن تُرغم على التظاهر بمعاملة المثليّ كنَدٍّ، أن تتظاهر بأنك تتفاوض مع فلسطيني، بل وبأن المهزوم له حقوق. وفي وسط هذا كله، يكمن الخوف الهوسي والتاريخي الصامت من إنهيار الإمبراطورية، من مثال روما التي سقطت، بعدما فقدت خشونتها وبطشها.

عن "المدن"

للمشاركة:

لماذا يتظاهر الإيرانيون ضد النظام وهل ينجحون في إسقاطه؟

2020-01-29

ترجمة: علي نوار


عادت التظاهرات لتعمّ أرجاء المدن الإيرانية من جديد في 11 كانون الثاني (يناير) الجاري، في أعقاب اعتراف حكومة الجمهورية الإسلامية بإسقاطها "عن طريق الخطأ" لطائرة ركاب.

مستوى الوعي ارتفع بشدّة على مدار الأسابيع الأخيرة، ولم يعد فصيل واحد من النظام الإيراني لم يتلقّ الاتهامات بالقمع الوحشي

تعود الأحداث إلى اغتيال الولايات المتحدة لقائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني يوم الثالث من كانون الثاني (يناير) 2020، وجاءت ردّة الفعل الإيرانية متمثّلة في الهجوم بالصواريخ على ثلاث قواعد عسكرية أمريكية، على الأقل، في الأراضي العراقية. كانت حصيلة هذا الهجوم هي عدم سقوط أي جندي أمريكي قتيلاً. لكن وبعدها بعدّة أيام سقطت طائرة الرحلة رقم 752 التابعة للخطوط الجوية الأوكرانية من قبل قوات الحرس الثوري في عمل غريب بعد الاشتباه في كونها طائرة معادية. كانت حصيلة هذا الاعتداء مصرع جميع ركّاب الطائرة البالغ عددهم 176 شخصاً يحملون جنسيات سبع دول مختلفة.

كانت حصيلة هذا الاعتداء مصرع جميع ركّاب الطائرة البالغ عددهم 176 شخصاً

لقد حاول النظام الإيراني استغلال مقتل سليماني لتعزيز أركانه على المستوى الداخلي. وبالفعل ظهر عدد لا حصر له من اللافتات المطبوعة خصيصاً لهذا الحدث والتي تصف سليماني بـ"شهيد" و"بطل" وظهرت في جميع أنحاء البلاد بعد ساعات قليلة من مصرعه. ونُظّمت المسيرات الجنائزية في عدد من المدن العراقية والإيرانية على حدّ سواء. تحدّثت الصحافة العالمية عن آلاف، بل ملايين المُشيّعين، وأجرت مقابلات مع شباب ونساء يذرفون الدمع داخل ما يشبه نقاط بُكاء جماعية تتّشح بالسواد كلها. أما الأصوات الناقدة للقيادي العسكري والنظام الإيراني بأسره فلم تجد مكاناً لها سوى داخل أبواق النخبة الإعلامية من جانب اليمين تحديداً والمحافظين في جميع الدول الأخرى حيث وصفوا سليماني بـ"إرهابي".

ضرب طائرة الركّاب

وبينما كان شخص يصوّر من ضواحي مدينة برند في تلك الليلة بهاتفه المحمول لحظة اصطدام الصاروخ بطائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، حاول النظام الإيراني وعلى مدار ثلاثة أيام تالية إنكار الأمر. واعتبرت جميع القطاعات سواء المحافظين المتشدّدين أو الإصلاحيين في إيران، ووسائل الإعلام الروسية والباحثون والخبراء "المحايدون" في النسخة الفارسية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أنّ الحادث نجم عن "عطل فنّي" في الطائرة. رغم أنّ الشخص الذي سجّل الواقعة أُلقي القبض عليه.

اقرأ أيضاً: الخلافة الإيرانية وتداعيات مقتل سليماني

وتمسّكت سلطات الطيران المدني الإيرانية بإنكار فكرة أنّ الطائرة الأوكرانية طراز "بوينج 737-800" تعرّضت لهجوم بصاروخ، إلّا أنّ مقاطع الفيديو التي صوّرها سكّان برند بهواتفهم المحمولة والضغط الخارجي من جانب آخر، أجبرا النظام على الاعتراف بحقيقة ما وقع في تلك الليلة.

ووفقاً للقيادة العليا الإيرانية، فإنّ طائرة الركّاب الإيرانية اقتربت من موقع مهم لتجارب الصواريخ يتبع الحرس الثوري، الذي التبس عليه الأمر وظنّ أنّها طائرة مقاتلة معادية. كانت جميع القوات في حالة "تأهّب قصوى" تلك الليلة بسبب الهجمات الإيرانية الانتقامية ضد القوات الأمريكية في العراق. تسبّب هذا الوضع في تعرّض الطائرة للقصف "عن طريق الخطأ ودون قصد".

"اذهب إلى الجحيم أيها الدكتاتور!" أحد أشهر الهتافات الموجّهة ضد القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية

وأخيراً وقبل عدّة أيام، خرج رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف ليعلنا أنّ قوات الحرس الثوري هاجمت "عن طريق الخطأ" الطائرة.

وحتى إقرار النظام الإيراني في النهاية بمسؤوليته عن الحادث الجوي، اتّحد الإصلاحيون والمحافظون في إنكارهم للحقيقة. إلّا أنّه وبعد تكشّف الوقائع عمّا حدث، زادت الفجوة بين المعسكرين بعد لجوء أحدهما لخطّة إقالة روحاني في وقت يعتقد الآخر أنّه ضحية لمؤامرة إصلاحية أو غربية. ويجرى الحديث في الوقت الحالي عن "حرب نفسية من وزارة الدفاع الأمريكية".

وتعبّر ممارسات جناحي النظام عن حالة الازدواجية التي يعاني منها الإصلاحيون على وجه الخصوص. فمن يسمّون أنفسهم بالإصلاحيين كانوا هم نفس الساسة الذين ارتكبوا مذابح بحق آلاف الأشخاص ونفّذوا حملات من القمع والاعتقالات بحق المتظاهرين غير المسلّحين على مرّ الأشهر المنصرمة. لكنّهم وعلى نحو مباغت انضمّوا لمشيّعي المسافرين ضحايا حادث الطائرة. وفي الوقت ذاته، هم أيضاً المسؤولون عن مصرع 1500 شخص في الأسابيع الماضية.

بداية التظاهرات الحاشدة

خرجت الاحتجاجات الجديدة في خمس مدن إيرانية، على الأقل، مؤخّراً هي العاصمة طهران وأصفهان وهمدان ورشت وبابل. كانت بؤرة الحراك هي الجامعات التي تحرّك منها الطلّاب. بعدها امتدّت الاحتجاجات إلى مدن أخرى حيث توجد مقاطع فيديو من سنندج وبانه وأهواز ويزد وسمنان وكرج وتبريز وكرمان وشيراز وآراك وزنجان.

وفي محافظة بلوشستان، التي تناضل من أجل الحكم الذاتي في جنوب شرقي البلاد، لم تخرج أي تظاهرة نظراً للسيول الجارفة التي تشهدها. إلّا أنّها لا تتلقى أي مساعدات من الحكومة المركزية. وبدلاً من ذلك، يجري حالياً استثمار 200 مليون يورو في تشغيل الصواريخ. وقد أعرب الطلّاب عن تضامنهم مع سكّان بلوشستان الذين يعانون القمع.

اقرأ أيضاً: هل سيتقلص نهج إيران في التمدّد الإقليمي بعد مصرع سليماني؟

إنّ التظاهرات تناهض نظام الجمهورية الإسلامية نفسه ويطالب المحتجّون باستقالة الحكومة ورأس السلطة السياسية-الدينية آية الله علي خامنئي في تحوّل جذري خلال أسابيع قليلة حيث كان الناس قبلها يهتفون "لسنا خائفين! نحن متّحدون!"، لكن الهتاف بات الآن موجّهاً ضد أحد أكثر الأجهزة القمعية في إيران "الباسيج" والتي تستقبل شعارات مثل "خافوا منّا لأنّنا متّحدون!" وكذلك "كاذبون!" الذي أصبح يُسمع كثيراً أثناء التظاهرات.

حالة من الشقاق تضرب المجتمع الإيراني من الداخل وتنعكس بعناصر الدولة: السلطتان المُنتخبة والدينية والقوات العسكرية النظامية والحرس الثوري

تحمل الهتافات طابعاً سياسياً لا لبس فيه وهي معارضة للنظام بالكامل. وانتهزت الجموع الغاضبة كارثة الطائرة بوصفها فرصة للتعبير عمّا تشعر به من سخط سياسي واجتماعي ضد نظام الجمهورية الإسلامية بالكامل.

فيما باءت محاولات الإصلاحيين لاحتواء التظاهرات بوعود إجراء استفتاء والإجراءات الإصلاحية بالفشل. وقد قوبل بكاؤهم على ركّاب الطائرة في طهران عبر أكاليل الزهور والشموع بموجة من الانتقادات اللاذعة من قبل المحيطين بهم، وكانت الردود كاسحة مثل "إصلاحيون أو محافظون، انتهى وقتكم" و"يجب تدمير الجمهورية الإسلامية" و"سليماني قاتل". كما ردّد الطلّاب "لا للاستفتاء، لا للإصلاح- إضراب، ثورة" و"من طهران إلى بغداد، بؤس وقمع واستبداد" و"من طهران إلى بغداد نهتف: ثورة!".

اقرأ أيضاً: بعد قرار الانسحاب.. هل خان مقتدى الصدر المحتجين العراقيين لصالح إيران؟

من الواضح تماماً أنّ مستوى الوعي السياسي ارتفع بشدّة على مدار الأسابيع الأخيرة، ولم يعد فصيل واحد من النظام الإيراني لم يتلقّ الاتهامات بالقمع الوحشي والمذابح والمسار النيوليبرالي الذي أدّى لسقوط أعداد كبيرة من الإيرانيين في براثن الفقر. أصبح كل شيء على المحكّ.

الشباب والنساء في الصفوف الأولى

يمكن ملاحظة عبر الكثير من مقاطع الفيديو المتداولة الشباب يهتفون "الموت للكاذبين" و"أنتم حفنة من القتلة" بشجاعة في وجه قوات الأمن. كما تظهر نساء شابات في الصفوف الأولى ولا يتوانين عن قيادة الهتافات والدخول في سجالات محمومة مع أفراد الأمن في الشوارع.

بل إنّ صور سليماني نفسه كما أظهرت مقاطع فيديو أخرى تُضرب بقوّة عارمة من المتظاهرين ثم تُنتزع وتُسقط أرضاً وسط عاصفة من التصفيق.

"اذهب إلى الجحيم أيها الدكتاتور!" هو أحد أشهر الهتافات الموجّهة ضد القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية. ولم يتأخّر ردّ الحكومة طويلاً: قمع على نطاق واسع وعنف مفرط وغاز مسيل للدموع، يحاول النظام مجدّداً حصر الشباب والنساء وجميع المتظاهرين داخل نطاق الخطوط المُحدّدة لهم. ومن جديد يسقط الكثير من المصابين وعدد لا يمكن حصره من المُعتقلين وبينهم الكثير من الطلبة، وتُشاهد في عدد كبير من مقاطع الفيديو كميات مخيفة من الدماء تغطّي الأسفلت.

اقرأ أيضاً: إيران: طريق العودة للواقعية

من الصعب بالتأكيد التكّهن بما إذا كانت الاحتجاجات ستستمر وتتّسع رقعتها كمّاً وكيفاً أم لا، ومستوى القمع الذي قد تصل إليه أجهزة الأمن الإيرانية. لكن الأمر المؤكّد وبكل جلاء هو أنّ هتاف كل متظاهر هو ما يحدّد القدرة على الامتداد والمطالب. ورغم أنّ هذه المظاهرات تقتصر حتى الآن في أغلبها على الطبقة الوسطى، إلّا أنّها تأثّرت باحتجاجات سابقة في الأشهر الماضية. لذا لا ينبغي السماح لأيّ من فصائل النظام السياسي في إيران بامتطائها.

هناك عنصر آخر يشير إلى أنّ الاحتجاجات لن تتوقّف سريعاً مثلما حدث في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي حين قوبلت تلك التظاهرات بالقمع الشديد خاصة وأنّ أغلب المشاركين فيها كانوا من الفقراء والريفيين. بيد أنّ الأمر يختلف كثيراً هذه المرة، فضحايا الطائرة الأوكرانية يحظون بوضع اقتصادي واجتماعي جيّد، فضلاً عن علاقاتهم القوية بالنخبة. لذا فليس من المستبعد أن يطالب ذوو الضحايا بتعويضات ضخمة من الدولة المُنهكة اقتصادياً بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

ومن الواضح أنّ هناك حالة من الشقاق تضرب المجتمع الإيراني من الداخل وتنعكس في عناصر الدولة: السلطة المُنتخبة، السلطة الدينية، القوات العسكرية النظامية، الحرس الثوري. وقد وجّه بعض قادة الحرس الثوري الاتهامات للحكومة والقوات المسلّحة بتجاهل طلباتهم بإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المدنية- قبل ساعات إسقاط الطائرة الأوكرانية- من في اليوم الذي تقرّر فيه طهران الردّ عسكرياً على مقتل سليماني. من جانبها، تدّعي الحكومة والمرشد الأعلى بأنّهم لم يكونوا على دراية بأي شيء يحدث حتى 10 كانون الثاني (يناير).

على أنّ القطاعات الأكثر اعتدالاً يفترض أن تبدأ في كسب أرضية أكبر. وقد كانت النخبة السياسية الإيرانية حتى الآن تبدو متّفقة على فكرة أنّ التفاوض مع الغرب تحت وطأة الضغط لن يجلب شيئاً سوى مزيد من الإذلال. لكن الظروف تغيّرت الآن. ومن شأن تقارب مع واشنطن أن يعيد وحدة الصف داخل مجتمع يترقّب الانفتاح على العالم، ويسكت مطالب هؤلاء الذين يرون في خامنئي العقبة الكبرى في مسار المفاوضات.

اقرأ أيضاً: اهتزاز صورة المرشد في إيران بعد مقتل سليماني

وفيما يتعلّق بواشنطن، يعتقد الخبراء أنّه رغم الوقت العصيب الذي يمرّ به النظام الإيراني، فإنّ السياسة التي ينتهجها ترامب لن تؤدّي بسهولة إلى تغيير النظام الحاكم في طهران. فلا يزال الأخير يحظى بدعم شريحة ليست بالهيّنة من الشعب، فضلاً عن أنّ العقوبات الاقتصادية بالكاد أتت بالنتائج المرجوّة، ويبقى السؤال؛ هل ستكون إيران استثناء؟

ورغم حالة الغليان التي وصل لها المجتمع المدني في إيران، لكن المقارنة مع الثورة التي اندلعت عام 1979 لا تزال غير جائزة، حسبما يرى الصحفي راينر هرمان من جريدة "فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج" الألمانية.

اقرأ أيضاً: شوط جديد مع إيران والاتحاد الأوروبي لم يتعلم الدرس

ولا يزال إعلان وفاة الجمهورية الإسلامية سابقاً لأوانه. حتى مع اعتبار الكثير من الإيرانيين أنّ إقرار الحرس الثوري بمسؤوليته عن ضرب الطائرة الأوكرانية وقتل جميع ركابها، يشبه في فداحته كارثة تشيرنوبل النووية التي وقعت عام 1986. فقد فرضت القيادة السوفييتية وقتها حالة من التعتيم الإعلامي لعدّة أيام. كانت للكارثة وطريقة تعامل القيادة معها تجسيداً رمزياً لفشل الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه بعدها بأعوام قلائل. بيد أنّ هذا الأمر لن يتكرّر بحذافيره في إيران.

كما أنّ عقد المقارنات هو الآخر شيء سابق لأوانه. ففي شباط (فبراير) من العام 1979 لم تكن قوات الأمن تطلق النار على المتظاهرين، بل إنّ أفراد القوات كانوا ينضمّون إلى صفوف الثوار. وكان هؤلاء يحظون بشخصية ذات قدر عال من الجاذبية هي  الخميني.

الظروف ليست مواتية لاندلاع ثورة ناجحة

والواقع أنّ ظروف وشروط قيام ثورة قادرة على تحقيق النجاح غير متوافرة اليوم. فالحرس الثوري، الذي لعب دوراً حاسماً خلال الحرب مع العراق في الفترة بين عامي 1980 و1988، يبدو مصمّماً على المضي قدماً في إطلاق النار صوب المتظاهرين نظراً لولائه غير المحدود للنظام حيث يستفيد منه اقتصادياً بصورة هائلة. على الجانب الآخر، لم يتمكّن المتظاهرون من حشد الكتلة الحرجة التي يمكنهم بواسطتها الوقوف في وجه هذه القوة. كما أنّهم يفتقرون للقيادات التي يلتفّون حولها والقادرة على التنظيم.

من ناحية أخرى، تتسارع وتيرة التظاهرات بشكل كبير في الجمهورية الإسلامية وأصبحت الهتافات أكثر جذرية، واكتسبت الاحتجاجات قدراً أكبر من الدموية. وكانت أول فعالية احتجاجية عام 1999 قد استغرقت أسبوعاً كاملاً. وكان المحتجّون يتظاهرون ضد إغلاق صحيفة إصلاحية. لكن تظاهرتهم في محيط جامعة العاصمة طهران قوبلت بالتنكيل القاسي.

اقرأ أيضاً: حكومة حسان دياب: هل انتصرت إيران على ثورة اللبنانيين؟

بعدها بـ10 أعوام، أثار إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً لولاية ثانية السخط وأفضى لخروج تظاهرة حاشدة ضمّت في أغلبها أبناء الطبقة الوسطى من سكّان المدن وانتهت بحرب شوارع في طهران بين المتظاهرين وميليشيات الباسيج التي تتكوّن من المتطوعين وتخضع لأوامر قادة الحرس الثوري. لاحقاً، تظاهر ثلاثة ملايين شخص بصورة سلمية مطالبين بإلغاء الانتخابات. لكنّهم لم يحقّقوا مرادهم في تقويض أسس الجمهورية الإسلامية بسبب عدم امتلاكهم للكتلة الحرجة المطلوبة.

لقد أسهم إسقاط الطائرة الأوكرانية بلا شك في تسريع وتيرة سحب الثقة تجاه الجمهورية الإسلامية

وبين نهاية 2017 ومطلع 2018 تظاهر عشرات الآلاف من الأشخاص، أغلبهم من الإيرانيين الفقراء، في شوارع جميع مدن البلاد تعبيراً عن استيائهم إزاء ارتفاع معدّل التضخّم والبطالة. بينما كان ارتفاع سعر الوقود- ثلاثة أضعاف الثمن- سبباً مباشراً في اندلاع موجة عنيفة من الاحتجاجات. تظاهر الناس ضد قيادات الجمهورية الإسلامية في جميع المحافظات، وكافة المدن سواء الكبرى أو الصغرى، تعرّضت مباني المصارف الحكومية والجهات الأمنية لإضرام النيران فيها. وكانت النتيجة قمع عنيف للغاية راح ضحيّته ألف قتيل على الأقل.

أسهم إسقاط الطائرة بتسريع وتيرة سحب الثقة تجاه إيران إلّا أنّ خامنئي لا يبدو مستعداً لإجراء أي إصلاحات

لقد أسهم إسقاط الطائرة الأوكرانية بلا شك في تسريع وتيرة سحب الثقة تجاه الجمهورية الإسلامية. إلّا أنّ خامنئي ذي الـ80 عاماً لا يبدو مستعداً لتحمّل أي نتائج أو إجراء أي إصلاحات. بل على العكس من ذلك: تم استبعاد الكثير من المرشحين المتقدّمين لخوض الانتخابات التشريعية المرتقبة في 21 شباط (فبراير) المقبل، وتصل النسبة إلى واحد من كل ثلاثة مرشحين لن يتمكّن من المشاركة. وعلى الأرجح، فإنّ الثوري المخضرم يسعى لاستقدام جيل من النواب الذين يدينون له ولمبادئ ثورته بالولاء.

نعم دخل المجتمع الإيراني مرحلة الغليان، إلّا أنّ سقوط نظام الجمهورية الإسلامية لا يزال مستبعداً.. على الأقل في المستقبل القريب.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bit.ly/2RCiMzL
https://bit.ly/2vrOEy9
https://bit.ly/2Rx4nEQ

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية