"الخوف".. هل يغدو ترامب بطل "ووتر غيت" الجديدة؟

27606
عدد القراءات

2018-09-13

يعرف جمهور السياسية والإعلام في الوطن العربي، الصحافي الأمريكي الشهير، بوب ووروارد، الذي كان أحد اثنين كشفا ما عرفت بـ "فضيحة ووتر غيت"، التي أدّت إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيسكون، في 8 أيلول (سبتمبر) 1974.

وطوال ما يقارب نصف قرن، كان وودوارد، وعبر صحيفة "واشنطن بوست"، يكتب عن الرؤساء والسلطة، وآخر ما كتب "الخوف: ترامب في البيت الأبيض"، الذي سيطبع منه مليون نسخة!

الصحافي الأمريكي بوب ووروارد مؤلف كتاب "الخوف"

قبل ذلك، وضع وودوارد 18 كتاباً، معظمها عن الرؤساء الأمريكيين، وهي عادة ما تقدّم وجهة نظر مفعمة بالأحاسيس للعالم، وتقييماً نقدياً للزعماء السياسيين الأمريكيين.

رئيس طائش!

لكنّ كتاب "الخوف" ينتمي إلى فئة جديدة، فكثيرٌ من القرّاء سيجدون تصوير وودوارد للرئيس ترامب وإدارته، لا يمكن وصفه إلا بأنّه اتهام؛ فهو يصوّر سيّد البيت الأبيض الحالي، بكونه "غير مهذّب، وغير جاهز للخدمة العامة وغير مستعدّ لمطالب مكتبه".

وعلاوة على ذلك؛ يبدو (الرئيس) مقتنعاً بأنّ شخصيته، المتبجّحة، التي جعلته غنياً، ومن ثمَّ رئيساً، ستجعل العالم يتفق مع وجهات نظره الخاصة به حول مختلف القضايا.

بوب ووروارد صحافي أمريكي مشهور وأحد اثنين كشفا فضيحة ووتر غيت التي أدّت إلى استقالة نيسكون     

ومنذ وقت مبكر من الأسبوع الماضي؛ أمطر الرئيس ترامب متابعيه وجمهوره على تويتر، بسلسلة من التغريدات، التي تحمل على المؤلّف المشهور، وتعدّ كتابه نوعاً من الخيال الأدبي، ولا علاقة له بالحقيقة.

من الحقائق التي وردت في الكتاب، ويريد الرئيس التشويش عليها؛ قصة المستشار الاقتصادي للرئيس، غاري كوهين، وهو يخفي الوثائق بعيداً عن مكتب ترامب، لمنعه من التوقيع عليها. إحدى هذه الوثائق، كما كشفت الصحافة الأمريكية؛ "كان سينهي العلاقة المميزة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية"، فضلاً عن تفاصيل مثيرة تتعلق بانسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد من اتفاقياتها التجارية مع كندا والمكسيك "نافتا"، وكان مبرّر المستشار في ذلك: "حماية البلاد من طيش الرئيس"، كما أخبر كوهين أحد زملائه في البيت الأبيض، الذي بدوره أخبر المؤلف.

وهذه ليست سوى قصة/ حقيقة واحدة في حرب البيت الأبيض الكبرى حول المهاجرين والحروب في أفغانستان وسوريا، والمفاوضات مع الصين واليابان، والانتخابات التي أوصلت ترامب للرئاسة عام 2016.

ضرب كوريا الشمالية وقتل الأسد!

لكنّ حكاية "كوهين، تقدّم انطباعاً حول ترامب لجهة كونه؛ غير مسؤول، ومشتّتاً، ومستبداً برأيه، وأحمق كمراهق، وسريع الغضب"، وبالكاد يتم ضبط انفعالاته التي لا يتردد عن ترجمتها إلى أوامر، لدرجة أنّ مسؤولي الأمن القومي جاهدوا كثيراً لثنيه عن قصف كوريا الشمالية، أو اغتيال الرئيس السوري.

يصور الكتاب ترامب بكونه غير مهذب وغير جاهز للخدمة العامة وغير مستعد لمطالب مكتبه     

ليس هذا وحسب، بل إنّ المحامي الشخصي لترامب، جون دود، استقال لأنّ موكّله كانت لديه مثل هذه العادة: الكذب، وبالتالي؛ فمثول الرئيس أمام المحققين الفيدراليين سيؤدي حتماً إلى اتهامات بالحنث باليمين.

ورداً على ما نشر من مقتطفات من كتاب "الخوف"، نفى الرئيس ترامب أنه استخدم مصطلحات نابية حول شخصيات أمريكية بارزة، لها علاقة بالتحقيق في قضية الاختراق الروسي للانتخابات الأمريكية.

بل إنّه لم يترك حتى محاميه الشخصي الحالي، رودي جولياني، الذي كان عمدة نيويورك السابق، وظلّ متوتراً للدفاع عن الرئيس، فقال له: "أنت مثل طفل صغير يحتاج إلى تغيير، متى ستصبح رجلاً؟".

يحبّونه لحماقاته!

ويعتمد المؤلف وودوارد، في كتابه، على "قيمة أخلاقية"، حتى بين دهاليز "السياسة القذرة" في واشنطن، لكنّها تبدو مختلفة تماماً عن مؤيدي الرئيس الأكثر حماساً، فهم يحبونه بسبب المواقف والتصريحات ذاتها، التي يجدها وودوارد، وغيره من مراقبي واشنطن التقليديين، الأكثر إثارة للقلق.

غلاف كتاب "الخوف: ترامب في البيت الأبيض"

وجاء وصف الرئيس لكتاب "الخوف": بأنّه "عمل أدبي خيالي"، منبثق من تصوير وودوارد للرئيس، وكأنه مثل "الملك" الشكسبيري، الذي يبدو قد فرّط بوعيه حيال الأهوال التي تواجهه، وهذا ما قد يعرض الكتاب لنقد أوساط أمريكية واسعة، تتعاطى مع ترامب، بكونه صاحب النجاح الأكثر أهميةً بالنسبة لها: الاقتصاد.

ومن هنا، يبدو وودوارد، بعد أكثر من اثني عشر كتاباً من بين أكثر الكتب مبيعاً، وبعد جائزتين من جوائز "بوليتزر"، معرَّضاً لكثير من النقد، حتى إن كانت القصص التي دوّنها عبر محادثات مع معظم الأشخاص المذكورين في الكتاب (فضلاً عن ترامب وربما أفراد عائلته)، موثقةً عبر مئات الساعات من التسجيلات الخاصة بمقابلاته.

مصادر واستقالات

ويبدو أنّ أجزاءً كبيرةً من الكتاب قد جاءت من كبير الموظفين السابق في البيت الأبيض، راينس بريبوس، وكبير "إستراتيجيّي" الرئيس، ستيف بانون؛ كلاهما حاضران في اقتباسات مباشرة في بعض الأحيان، وبدونها في أخرى، وقد تكون بعض المعلومات والقصص وصلت إلى وودوارد من مقربين من الرئيس.

تنظر الأوساط الصحافية والسياسية بواشنطن إلى كتابه كنقطة مرجعية أخرى عن البيت الأبيض الآن    

وليس من قبيل المصادفة أنّ كلاً من بانون وبريبوس قد غادرا البيت الأبيض فجأة، بعد مرور بضعة أشهر من رئاسة ترامب، وليس هناك شكّ في أنّ كلاً منهما يملك عشرات الأسباب لتسوية الصراع مع خصومه ومناهضيه، وبعضهم ما يزال ضمن الدائرة الداخلية لترامب.

وقد يكون من قبيل الصدفة، أو عدمها، أنّ أول ظهور لمقتطفات من "الخوف" سبق بيوم واحد نشر صحيفة "نيويورك تايمز" مقالة رأي، منسوبة إلى مسؤول كبير في الإدارة، لم يذكر اسمه، يدّعي أنّه جزء من شبكة داخلية تعمل بنشاط "لإحباط دوافع الرئيس السيئة"، في إشارة إلى انفعالات الغضب التي يحوّلها ترامب إلى قرارات، وهو ما أشار إليه الكتاب بوضوح.

مقالة الرأي "المجهولة" الكاتب، أدانها الرئيس وموظفوه وأصدقاؤه في وسائل الإعلام وخارجها، بل أراد الرئيس اليوم مقاضاة الصحيفة قانونياً، بذريعة تهديدها الأمن القومي!

ترامب وفق الكتاب غير مسؤول ومشتت ومستبد برأيه وأحمق وسريع الغضب     

على أيّة حال؛ لا يمكن للمؤلف وودوارد إلا أن يكون قد راعى مكانته الرمزية الكبيرة، و"هو دقيق وواعٍ في متابعة أسلوبه، ولا يمكنه إلا أن يخدم هنا الوظيفة التي عمل بها لعقود".

كتاب "الخوف: ترامب في البيت الأبيض"، يمنح وودوارد سبباً آخر لاستمراره في منهجه، والحفاظ على سمعته التي رسّخها عبر مقابلات مع أشخاص أصحاب نفوذ قوي، أكثر مما أنجزه أيّ كاتب ومراسل صحافي أمريكي آخر؛ لذا تنظر الأوساط الصحافية والسياسية في واشنطن إلى كتابه، بوصفه جزءاً من عمل وودوارد الطويل، و"نقطة مرجعية" أخرى، لجهة تقديمه أفضل لمحة عن البيت الأبيض الآن، وقد تبدو لا مثيل لها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: