الدب السوري يعود والناس تهاجر: الوحوش تكتب سيرة العتمة

سوريا

الدب السوري يعود والناس تهاجر: الوحوش تكتب سيرة العتمة

مشاهدة

20/11/2017

بعد ستين عاماً من السبات أو الانقراض، ومرورِ ستة أعوامٍ على ربيع الأفكار التي تم هدم وتجريف كل شيءٍ تقريباً في سبيلها، يعود الدب السوري للظهور في منطقة بين سوريا ولبنان، لتتم مشاهدته في شتاء ديسمبر 2016 قرب سلسلة الجبال الشرقية بلبنان، في ما يبدو أنه رحلة عبر الحدود، حيث رأى مجموعة من الرجال أنثى الدب السوري التي لم تظهر لعقود، وهي تجري على الثلج بين التلال وبرفقتها صغيرها.

مدنٌ تسكنها الأشباح
الذين انتظروا قِيم الحرية، المساواة أو العدالة، غادروا في معظمهم، منهم من هرب أو لجأ، أو وصل كرسولٍ للموت؛ جثةً هامدة على شواطئ بعيدة، ومنهم من انتقل من سطح الأرض إلى أسفلها، وبقيت القيم وحدها، تدور في المدن التي تحررت أو تدمرت، مثل أشباح، لا تجد جسداً لتسكنه.
ومن الأعلى، تبدو المدن السورية التي تداولها المقاتلون من أي طرفٍ كان، مجرد حطام، فلم يوفر تنظيم داعش الإرهابي أي جهدٍ لنبش جذور مدينة تدمر الضاربة في التاريخ وتفجيرها بعد أن احتلها عام 2015، معتدياً على ما بناه الإنسان لأجل الحياة والفن منذ قرون، وقام بسفك الدماء على خشبة مسرح "التترابليون" في المدينة، ثم انتقل إلى ممارسة "مسرح الشارع"، حين قتل عالم الآثار السوري خالد الأسعد في آب (أغسطس) 2015، وعلق جثته بميدانٍ عام في تدمر، ممثلاً أبشع مسرحية في التاريخ الحديث.

الذين انتظروا قِيم الحرية غادروا، منهم من هرب أو لجأ، أو وصل كرسولٍ للموت؛ جثةً هامدة

وغير بعيدٍ عن تدمر، إذ لا مسافة ولا بُعدَ بين مدنٍ تقاسمها الخراب، تقبع مدينة حلب السورية التي يعود  تاريخها إلى 7 آلاف عامٍ قبل الميلاد وتعد واحدةً من أقدم مدن الدنيا التي شهدت خلال السنوات الأربع الماضية، تدميراً لمعظم ما حملته طوال عمرها من آثارٍ للتاريخ الإنساني، فالبلدة القديمة وسط حلب، كانت ومنذ "الربيع العربي" مسرحاً للعمليات القتالية بين أنصار "الثورة" و "النظام" وأفراد التنظيمات الإسلامية المختلفة.
عام 2012، تمكن المخرج السوري عيسى توما من تصوير فيلم قصيرٍ عن المعارك التي دارت وسط الحلب القديمة، حيث شهد بنفسه ومن نافذة بيته، حرباً مصغرة في الحي الأثري الضيق، وتمكن من تصوير ما يمكن تسميته بـ "اليوم الأول الذي انقسمت فيه البلاد" إذ قام شباب صغار من الحي وبكل بساطة، بوضع المتاريس ليقسموا الحي إلى قسمين، وليظهر مسلحون ملثمون بعد يوم أو اثنين، ولا تتمكن الكاميرا من زاوية نافذة تطل على حيٍ قديمٍ وضيق إلا من التقاط أسلحتهم.


وتمر أيامٌ قليلة، يدخل فيها الجيش السوري الحي وسواه من أحياء، فتُزال المتاريس، ويعود ذات من وضعوها ليتعاونوا مع الجيش، وتكاد الحياة تعود إلى طبيعتها، فيما تركز كاميرا توما ما معناه: "أن الناس يساعدون أياً كان، الأقوى أو الذي يحمل السلاح، بفعل خوفهم ربما، لا لأجل قضية مسبقة أو واضحة".
وبعد تسعة أيامٍ بالضبط، تعود الحياة لتنتكس في الحي، ويدخل "مسلحون غرباء هذه المرة، ملثمون، ويبدو أنهم من "حركاتٍ إسلامية"، ولا تستطيع الكاميرا بعدها التقاط أية صورة للسماء المزروعة بالطائرات والقذائف، ولا للأرض التي امتلأت بالمسلحين، ينتهي الفيلم الذي يصف تسعة أيامٍ بتسع دقائق، سوف تتكرر مشاهدها في حلب وسوريا حتى يومنا هذا، أطرافُ تتبادل القتل والتدمير، الدفاع والهجوم، الاتهامات، وتختلف في كل شيء، إلا إنّ ضحاياها، من بشرٍ وشجرٍ وحجرٍ وتاريخ، هم أنفسهم، ولكن كل طرف، يتهم الآخرين أنهم القتلة!
المدينة الثالثة، هي الرقة، التي تبدو لمن لا يعرف أي شيء عن الحرب في سوريا، أنها لم تكن. ولأنها من أواخر المدن التي "تحررت"، فقد كشفت الرقة بعد تدمر وحلب، عن مدى ابتعاد "الثورة" والـ "النظام" عن أهدافهم، حيث لا يوجد على أرض الواقع سوى "تنظيم داعش الإرهابي"، الذي احتل المدينة التي يعود تاريخها للعام 242 قبل الميلاد.
الفوضى، الموت، الإعدامات المجانية، القصف، استرداد مدن، واحتلال أخرى، وما يقرب من 500 ألف قتيل سوري وفق إحصائية نشرها المركز السوري لأبحاث السياسات عام 2016، إضافة لمليوني جريح، وآلاف المفقودين، ملايين المهجرين، كل هذا، لم يمنع تنظيم داعش الإرهابي من تسمية أي مدينة أو محافظةٍ سورية يحتلها باسم "الولاية"، وربما كانت "ولاية الرقة" آخرها، إلا إنّ المدن التي تشرد أهلها أو ماتوا أو هجروا، لا فرق لديهم بين كلمة ولاية أو "مدينة محررة".
فالمفارقة تكمن في عمليات الإجلاء، وإخراج الناجين، ونقلهم من مدينة إلى أخرى، ويكونون مصحوبين أحياناً بنسائهم وأطفالهم، هذه العمليات، كانت أولوياتها للمقاتلين من تنظيم داعش الإرهابي وتنظيماتٍ أخرى كجبهة النصرة الإرهابية، هؤلاء دون غيرهم، ينجون من المدن، ويتم أخذهم كعينةٍ من قلب الدمار، ليتم نقلهم إلى مكانٍ آخر.

شارك أو كن متهماً
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا يظهر الدب البني السوري بعد أن شارف على الانقراض؟ وبعد ما عاث الأسد والذئب والمسلح والإسلاموي واليساري والطائفي في سوريا؟
ويبدو الجواب صعباً، إذ إنّ الدب عاد ربما، لمجرد حاجة الطبيعة لكائناتها، ولمجرد رغبته في الحياة كمخلوقٍ من حقه العيش، وتحدي الانقراض، وربما إنّ مبدأه قام على توفير الحياة أولاً، له ولصغاره، كنقطة بداية أساسية، قبل أن يطالب بمساحة أوسع من الأرض، أو يضطر لأن يكون إما قاتلاً أو قتيلاً، باقتحامه مساحاتٍ كانت ممنوعة عليه من قبل.

 


لكنّ أحداً على الأغلب لم يقنع الحيوان الذي اختفى لعقود بالظهور، ظهر بفعل نداء الحياة الخفي ربما، دون أن يستمع إلى خطابٍ مسبق، دون أن تقوم جهاتٌ ودول بتوجيهه، أو تقوم وسائل إعلامية بتضليله، بدفعه للموت من أجل فكرة، يحتاج أن يكون حر القرار والقدرة من أجل تحقيقها، لا أن تقوم مؤسساتٌ لا يقلقها أن تنشر خطاب الإرهاب "لم تجرؤ مرة على وصف تنظيم داعش بالإرهاب" أو أن تتهم كل من يحاول إيقاف النزيف أنه ينتمي إلى العدو "الذي تحدده هي".

أشد ما يلفت هو مشهد الهجرة العكسية لحيوانٍ عاد رغم الحواجز  الداخلية والخارجية ونقاط التفتيش الطائفية

منذ 2011، بدت فكرة الثورةِ حالةً جذابة، لشعوبٍ لا يمكن إنكار أنها تعرضت للقمع، أياً كان شكله، مادياً ومعنوياً وفكرياً، إلا أنّ فكرة تصنيع الثورة في القرن الحادي والعشرين، جعلت من بلادٍ مثل سوريا، مساحةً خصبة للتجريف والتجارب، موت، تهجير، إتجار بالبشر، تدريب دولي على المواقف السياسية المتناقضة، تدخل دولٍ مصدرةٍ للإرهاب مثل إيران، وأخرى متهمة بدعم الإرهاب لم تتوقف يوماً من خلال وسائل إعلامها من إذكاء نار الحرب، رغم ما أنتجته من دمار.
الوقود، الذي استهلكته هذه الحرب، شمل بشراً وأمكنة وتاريخاً ومثقفين ودولاً، حيث وجدوا انفسهم بدايةً أمام طرفين لا بد من اتخاذ أحدهما، وجعل وسائل إعلامٍ تتغذى من طاعون الحرب، وتشجع الإرهاب، ولا تقلق كون "الثائر" أصبح في النهاية على شاكلة من ثار ضده إن صح التعبير، والأرقام، والشواهد والمواقف السياسية في هذا، ذُكرت كثيراً من قبل، وربما لم يعد من داعٍ لذكرها.
ما علق في الذاكرة من الأيام الأخيرة في 2016 المنصرم، هو مشهد الهجرة العكسية لحيوانٍ عاد رغم كل ما ذكر في هذا التقرير، ولعل سوريا كلها، ولبنان، بيته الواسع، دون حواجز داخلية أو حدود خارجية، ولا نقاط تفتيش طائفية أو خاضعة لأي طرف كان، لا تلك الموجودة على أرض الواقع، ولا تلك التي صورها إعلام الرأي والرأي الآخر على إنها آخر معاقل الحرية، رغم إنّ كل من احتلها في تلك الحرب، دمرها، ولم يتجاوزها دون أي تفكير، سوى الدب السوري.

الصفحة الرئيسية