الدعاية الجهادية: تنظيم الخطاب الأصولي للإرهاب

الدعاية الجهادية: تنظيم الخطاب الأصولي للإرهاب

مشاهدة

22/07/2021

ترجمة: علي نوار

تعُدّ الدعاية جزءاً أصيلاً من ظاهرة الإرهاب، وتحتاج المنظّمات للدعاية، ليس فقط لنشر خطابها، بل أيضاً لاكتساب سُمعة وتجنيد أتباع، ويعتمد الإرهاب ويستند دوماً إلى خطاب فكري بالأساس؛ ليكون المحتوى الرئيس للدعاية نشر هذا الخطاب وإسباغ شرعية عليه مع إقامة صلات هويّاتية متينة بين مُتلقّي هذه الدعاية وظاهرة الإرهاب.

ومن الضروري في حالة الخطاب الإسلاموي تسليط الضوء على أبعاد عدّة لظاهرة الدعاية جديرة بالدراسة:

1- الدعاية كوثيقة تعارف:

يوجد مُحتوى دعائي تنتجه المنظّمات الإرهابية؛ بشكل مباشر (سواء من هذه التنظيمات نفسها أو أذرع إعلامية مُخصّصة لذلك الهدف)، أو غير مباشر يتمثّل في التعاقد مع منتجين أو مروّجين من منظّمات أخرى مشابهة أو متحالفة، بل وحتى من أفراد لا علاقة لهم بالتنظيم، لنشر رسائله ومطالبه وأهدافه وحملات التجنيد التي يطلقها، ...إلخ.

2- دعاية الخوف:

على الجانب الآخر، هناك الدعاية التي تنفّذها المنظّمات بنفسها، ونجد هنا مُحتوى موُجّه للضحايا وأهداف العنف، سواء كانوا أفراداً أو دولاً أو مُنظّمات، وتتّخذ شكل تهديدات أو إعلان المسؤولية عن أعمال إرهابية، وغالباً ما تركّز على إحداث أكبر قدر ممكن من الصدى الإعلامي في البلدان المستقبلة لهذه الدعاية، وتكون بالأساس في العالم الغربي.

3- الدعاية عبر "العدو":

هناك كذلك الدعاية غير المباشرة التي تقوم بها وسائل الإعلام والطّبقات السياسية لصالح المنظّمات الإرهابية؛ فنشر رسائلها وتهديداتها، وحتى إعادة تداول المحتوى الخاص بها (مقاطع فيديو، صور، خطابات، رسائل، بيانات)، هو في حدّ ذاته نوع من الدعاية تستفيد منه هذه المنظّمات، نتيجة لقوّة تأثير الخوف من الإرهاب في المجتمع الغربي الذي ينزلق في فخّ النقاش والجدل.

المحتوى الدعائي: ما هي أدوات نشر الخوف؟

يركّز جزء كبير من المُحتوى الدّعائي، الذي تمكّن خبراء الإرهاب الجهادي من تحليله باستفاضة، على المُحتوى الذي تنتجه المنظّمات لتوجيهه ضدّ الدول أو المؤسّسات الحكومية والدعاية غير المباشرة التي حدثت في هذه البلدان أو عبر المنظّمات الحكومية نفسها كردّة فعل على ممارسات التنظيمات، لكن نظراً لصعوبة الوصول إلى بعض مصادر الدعاية الداخلية في المنظّمات الإرهابية أو القنوات التي تستخدمها بغرض التجنيد، جرت العادة على عدم التطرّق بالتفصيل لهذه النقاط، ورُغم أنّ أيّة صورة للدعاية تنطوي بداخلها، في الكثير من الحالات، على أهداف ورسائل متباينة في المُحتوى الواحد، لكنّ اللهجة والصورة تختلف في حالات كثيرة بشكل كبير.

اقرأ أيضاً: الإستراتيجية الأمريكية في مواجهة الإرهاب.. "القاعدة" و"طالبان" نموذجاً

ويتشابه المُحتوى الدعائي الجهادي الذي يستهدف مناطق مُختلفة من أوروبا، مع مُراعاة الخصائص التاريخية والهويّاتية لكلّ دولة على حدة، وفي إسبانيا، على سبيل المثال، يقوم جزء من الخطاب الأصولي على رسائل الغزو والسيطرة على الأراضي واسترداد ما سُلب في الماضي، في إشارة إلى دخول المسلمين شبه جزيرة إيبيريا واستيطانهم لها قبل طردهم منها في العصور الوسطى.

وينقسم هذا المحتوى إلى:

1- انتقاد الغرب على أعمال العنف وتسبّبه في المعاناة والأذى للدول الإسلامية، باستغلال الحروب والنزاعات الجيوسياسية وربط كلّ ذلك ببعضه، مما يولّد شعوراً بالكراهية.

2- الدفاع والدعوة للجهاد.

3- تحريف مفاهيم وأفكار الإسلام ذاته، مثل واجبات المُسلم الحقيقي (المُجاهد)، بالتالي، تحويل الهويّة الدينية إلى أداة، تمهيداً لاستغلالها.

4- الدعاية الصريحة لمُنظّمات وجماعات إرهابية بعينها.

الوسط المحيط كطريق للأصولية والدعاية

هناك عنصر آخر بارز ينبغي أخذه في الاعتبار عند التطرّق إلى الدعاية، غير قابل للقياس، ألا وهو تلك الدعاية التي تجري في الوسط القريب؛ الاجتماعي والأسري، فإذا كانت الدعاية المُعدّة أو المتلقفة تتمّ عبر أحد الأقارب أو الأصدقاء تسهم بشكل كبير في تفشّي الأصولية الإسلاموية كذلك.

 يُعزى الوجود الجهادي على المنصّات الرقمية إلى سهولة الوصول له وسرعة الانتشار، فضلاً عن غياب الرقابة الحكومية، وبالطبع إمكانية الحفاظ على الهويّة طيّ السرية

ومن شأن المُمارسات الترويجية هذه أن تحدث أضراراً وآثاراً أضخم؛ لأنّها تأتي من مصادر قريبة للغاية، وتُكسب هذه الرسائل نقاط ثقل على غرار ديناميكيات الجماعة أو الضّغط المجتمعي أو الانحياز للمقبول اجتماعياً أو التشوّهات النفسية الناجمة عن تكرار التعرّض للرسائل الدعائية، وينعكس استغلال الإسلام اجتماعياً ودينياً في التجنيد الذي يحدث داخل دور العبادة من قبل أشخاص متطرّفين يستترون وراء أفكار المجتمع.

الدعاية الرقمية

بغضّ النظر عن نوع الدعاية التي تستخدمها الجماعات الجهادية أو الهدف الأساسي وراءها، من الواضح أنّ هذه المنظّمات أثبتت قدرتها على الوصول والتغلغل في الوسط الإعلامي.

ويُعتقد أنّ انتشار الدعاية الجهادية عبر شبكات التواصل الاجتماعي وإنشاء مجتمعات مفتوحة على الإنترنت، ووجود مجلّات ومواقع وصفحات يسهل الوصول إليها، ما هو إلّا قمّة جبل الجليد، ويتمّ عبر كلّ ذلك بثّ قدر هائل من الرسائل ومقاطع الفيديو والصور والوثائق والمعلومات الدعائية، فضلاً عن اتصالات وشبكات استقطاب وتجنيد.

اقرأ أيضاً: السجل الإرهابي للإخوان في أوروبا.. جرائم قادت إلى "الحظر"

لذلك من المهم عند تحليل الدعاية عدم الاكتفاء بالقشرة السطحية ومعالجة المادة الإعلامية في حد ذاتها، بل ينبغي التعمّق في المكوّنات الجاذبة والتي ينطلي تأثيرها على الناس، لا سيما الشباب منهم.

ومن هذا العدد الهائل من صور وقنوات وخطابات الدعاية الجهادية، يسهل استنتاج أنّ هذه الظاهرة لا يمكن احتواؤها وتحجيمها واستئصالها بالقدر نفسه من اليُسر.

ما الذي ننتظره عقب الجائحة؟

يميل الإرهاب إلى الاستفادة من الظروف الاجتماعية والفردية كي يبثّ دعايته وينشر أفكاره. وخلال العام الماضي، ركّزت وسائل الإعلام العالمية تغطيتها على الجائحة لتصرف أنظارها عن الإرهاب وخطره، رُغم أنّ ذلك لا يعني أنّ المنظّمات الإرهابية دخلت في حالة من السُبات أو أنّ شبكاتها الإعلامية والدعائية نائمة، لكنّ فكرة عدم الحصول على الزخم الإعلامي هي في حدّ ذاتها نوع من الدعاية.

اقرأ أيضاً: لماذا يستهدف الإرهاب مصر؟

ويتضمّن الإطار السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يقترب نتيجة الأزمة التي أحدثتها الجائحة، كافّة المقوّمات والعوامل التي تصبّ في صالح الأصولية، وأبرز هذه العناصر هو انتشار وتقبّل الدعاية.

ولا بديل عن الشروع في دراسة ما إذا كانت تبعات الجائحة على المستوى العالمي قد أسهمت في حدوث زيادة في أعداد المنضمّين أو المتعاطفين مع الأوساط الأصولية وعودة الحملات الدّعائية للمنظّمات الإرهابية عبر الشبكات الاجتماعية، كإجراء وقائي.

الخطاب الجهادي في المجتمعات الغربية الديمقراطية

يجدر التفكير بشكل عام مبدئياً في مسألة نسب تيارات الإرهاب الجهادي إلى الفكر الإسلاموي بسبب ذرائعه الرجعية، والتي تُعدّ أساس فكر الإرهاب العنيف، لكنّ صراع البقاء بالنسبة لهذه الظاهرة، كما هو الحال في ظواهر أخرى، بات مرهوناً بالقدرة على التكيّف مع العالم الرقمي، وقد أحدث هذا التحوّل نوعاً من التخبّط فيما نعرفه حتى الآن حول الكيفية التي تدير بها منظّمات إرهابية مثل "داعش" و"القاعدة" أذرعها الدعائية والعملياتية.

إنّ الخطاب الجهادي عبر شبكة الإنترنت يعتمد على إمكانية إحداث تأثير في المجتمعات المختلفة، والسهولة التي يجرى بها استهلاك الدعاية، وانتشار المُحتوى على أوسع نطاق ممكن، والبقاء في أروقة الشبكة العنكبوتية، بهدف تجنيد الأفراد واستقطابهم نحو الانتماء لإحدى الجماعات، ليس بالضرورة للانخراط في أعمال قتالية، لكن فكرياً على الأقل.

خلافاً لتنظيم القاعدة، دأب داعش على تكييف خطابه وفق متطلّبات الأجيال الرقمية الجديدة في الغرب، بهدف إتاحة تغطية أوسع لذرائعه والحصول على تعاطف الشباب

ولعلّ النزوع نحو الدعاية الرقمية منذ إعلان ظهور داعش رسمياً، عام 2014، هو ما يفسّر زيادة العمليات التي ينفّذها أشخاص بالاعتماد على أنفسهم، فيما تُعرف باسم "الذئاب المنفردة"، وهي العمليات التي يُعلن التنظيم الإرهابي مسؤوليته عنها لاحقاً، حتى لو لم يكن على علم مُسبق بالتّخطيط لها.

ويُعزى ذلك إلى لا مركزية التنظيم، وتشجيعه للمتعاطفين معه على التحرّك بشكل منفرد، رغم ضعف الموارد والتمويل، في الدول الغربية التي يعيش بها هؤلاء الأفراد الذين ينتقلون من مرحلة الخمول إلى النشاط بعد سقوطهم ضحيّة للدعاية والأفكار الإرهابية العنيفة التي لا تمتّ للإسلام بصلة.

بالمثل، تجدر الإشارة في سياق ما سبق إلى أنّ حرّية التعبير التي تكفلها الأنظمة الدستورية والديمقراطية تُستغلّ من قبل الجماعات الجهادية عبر الإنترنت، كي تنشر أفكارها خاصّة في الشبكة العميقة، لينشأ نتيجة لذلك الجدل حول "أين تقف حدود حريّة التعبير" عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

على الجانب الآخر، من المهم أن نشير إلى حالة الاستقطاب التي تنتج عن المحتوى الدعائي الجهادي الذي يدّعي تمثيله للمسلمين، الأمر الذي يخلق ردود أفعال مُعادية للإسلام وتقسيم المجتمع العالمي إلى طرفين متواجهين، وبالطبّع تستفيد التنظيمات الإرهابية من موقف الضّحية هذا وتضيفه إلى خطابها الذي يأخذ منحى "نحن" المسلمين أمام "هم" أعداء الإسلام، وتبرير أفعال هذه المنُظّمات بأنّها دفاعية بحتة.

حملات ووسائل الدعاية الرقمية الجهادية

يُعدّ نشر الفكر الجهادي عبر الإنترنت أحد الأعمدة الأساسية التي يستند إليها تنظيم داعش لتعويض خسارة آخر معاقله عام 2019 في سوريا والعراق، بالتالي أصبح التنظيم تهديداً يتحوّر ويتحوّل كي يحافظ على حضوره زمانياً ومكانياً.

وخلافاً لتنظيم القاعدة، دأب داعش على تكييف خطابه وفق متطلّبات الأجيال الرقمية الجديدة في الغرب، بهدف إتاحة تغطية أوسع لذرائعه والحصول على تعاطف الشباب، وقد أوضح فيليب كوتلر في كتابه "ماركتنج"؛ أنّ الأمر يتعلّق باكتساب التأييد من جانب وإثبات الحضور في وسائل الإعلام الرقمية من جانب آخر.

وقد استأثر داعش بالخطاب الجهادي العالمي، وأرسى ديناميكيات فعّالة للغاية تعتمد بالأساس على وسائل الإعلام الرقمية، وتصبح جدلية داعش في الفضاء السيبراني أكثر إنفاذية، نظراً لأنّها، وللوهلة الأولى، تبدو أقل عنفاً وأكثر مكراً مقارنة بها على أرض الواقع، وفي وجود عناصر مدرّبة على استقطاب الأعضاء الجدد.

أمّا نموذج التجنيد التقليدي (في السجون أو المساجد أو الأوساط العائلية أو الأصدقاء، ...إلخ) فقد أصبح أقلّ استخداماً، رغم أنّه يخلق شعوراً أقوى بالانتماء إلى التّنظيم الإرهابي.

اقرأ أيضاً: هل ترفع الولايات المتحدة حماس من قائمة المنظمات الإرهابية؟

وأثناء الاتصال الأول عبر الإنترنت يتمّ عرض المشكلة التي يكون حلّها الوحيد هو الفكر الجهادي بهدف الدفاع عن الإسلام. ثم تبدأ عملية ربط الفرد بصورة أكثر عقلانية وفكرية بالجهاد الإسلاموي العنيف.

وفي يومنا هذا، يستخدم الجهاديون عدّة قنوات عبر الإنترنت وباتت المنظّمات الإرهابية تمتلك أذرعاً إعلامية تبثّ محتوى نصّياً ومصوّراً وصوتياً وتسجيلات، وكلّ ذلك مُترجم إلى أكثر من لغة، بغية الوصول لأوسع مدى انتشار ممكن.

ويُعزى الوجود الجهادي على المنصّات الرقمية إلى سهولة الوصول له وسرعة الانتشار، فضلاً عن غياب الرقابة الحكومية، وبالطبع إمكانية الحفاظ على الهويّة طيّ السرية، سواء بالنسبة لمصدر الخطاب أو متلقّيه.

ختاماً، ينبغي في المجتمعات أن يتمّ التنسيق بين الأطراف المعنيّة والمهتمّة بهذا التحدّي الاجتماعي والعمل على جانب الاستباق الإستراتيجي، وتحديد الفراغ الذي يحاول الجهاديون ملأه عن طريق عدم التقبّل والاستقطاب، واللجوء إلى ترياق الاندماج الاجتماعي.

المصدر عن الإسبانية:

ttps://bit.ly/3r1JnWE

الصفحة الرئيسية