الدور العربي المطلوب في سوريا.. الإمارات نموذجا‬ً

الدور العربي المطلوب في سوريا.. الإمارات نموذجا‬ً


15/09/2019

عبد الحميد توفيق
يطرح مستقبل سوريا، دولة ومجتمعا، أسئلة عميقة وملحة في جميع الاتجاهات، لكن السؤال الأكثر عمقا بات متعلقا بمستقبلها في محيطها العربي، وأي دور عربي، مجتمعا أو منفردا، يمكن أن يؤسس خارطة طريق تنقذها من براثن الأطماع الإقليمية والدولية التي استحكمت بمفاصلها السيادية على الأرض وبمقدراتها راهنا ومستقبلا؟ وهل العرب يمتلكون خيارات تنسم هذه المسؤولية بمنغصاتها وعقباتها الكبيرة؟ وما هو المطلوب من دمشق حيال توجه محتمل كهذا؟ وإلى أي مدى تمتلك دمشق القدرة والقرار السياسي في ظل وضعها الراهن للقيام باستدارة نحو حاضنتها العربية تبعا لمصالحها الحيوية والوجودية؟ أم أن الأوان قد فات على الجميع في فعل ما يجب أن يفعلوه؟

في شهر نوفمبر/تشرين الثاني عام 2011 أي بعد ثمانية أشهر على اندلاع الأزمة، اتخذت الجامعة العربية قرارا بتعليق عضوية سوريا فيها، وبدا حينها أن جزءا من العرب تعامل مع سوريا انطلاقا من شخصنة الأزمة، والجزء الآخر منهم آثر النأي بالنفس كما اصطلح على تسمية مواقف البعض، وآخرون لم تكن لهم مواقفهم المعلنة سلبا أو إيجابا، من نافل القول إن دور الجامعة لم يكن في أي أزمة عربية فاعلا ولا حتى مؤثرا حتى نترقب تأثيره في الوضع السوري، ومع غياب الجامعة كمؤسسة وحاضنة عربية عن الفعل في سوريا مباشرة انسحب ذلك على دورها الإقليمي والدولي فغابت عن جميع سياقات العمل السياسي والدبلوماسي المعني بسوريا إلا في حالات أشبه ما تكون فيه شاهدا صامتا.

مع تدحرج الأزمة السورية نحو آتون العنف والقتال، راحت أطراف الصراع تبحث عن حواضن لها وصولا إلى تدخلات خارجية أجنبية انتهكت سيادتها ووحدة أراضيها؛ شمالا تركيا وجنوبا إسرائيل وشرقا إيران وغربا روسيا، كل ذلك يحصل ويحدث في ظل غياب النظام الرسمي العربي غيابا يكاد يكون مدويا، بعض الدعوات العربية في معظمها كانت استهلاكية اقتصرت على التأكيد على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وبعضها الآخر بدا بصيغة مطالب في لحظة كانت فيها سوريا أشبه بالغريق الذي يلاطم موجا عاتيا.

بارقة الأمل الوحيدة جاءت من دولة الإمارات العربية المتحدة، وكانت أولى الدول العربية التي تنبهت للمخاطر المتعاظمة ضد سوريا الدولة وسوريا المجتمع وحذرت منها ومن تبعاتها على العرب جميعا، فاتخذت قرارها السيادي العملي بإعادة المسار الدبلوماسي مع دمشق والبناء على هذه المنهجية السياسية بروح الأخوة والتفاهم والتعاون للحد من المخاطر المتربصة بسوريا، وتجنيبها ما أمكن الانزلاق نحو هاوية لا رجعة عنها، وهو ما لخصه وزير خارجية دولة الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان في آذار من العام الجاري بقوله إن الإمارات حريصة على دور عربي في سوريا، وإن غياب هذا الدور ليس من الحكمة في ظل زيادة النفوذ التركي والإيراني فيها، مشيرا إلى أن نجاح احتواء الأزمة السورية يحتاج إلى دور من الأطراف العربية ودور أيضا من دمشق.

بهذه العقلانية السياسية التي طرحها الشيخ عبدالله بن زايد يمكن فقط لملمة جراح سوريا وشعبها وتجاوز جميع الانحرافات من كل الأطراف والبناء على قاعدة الأخوة بمنطق المصالح المشتركة ووحدة الرؤى والتوجهات للتصدي لما هو أخطر على الجميع، ما يطرح سؤالا جوهريا حول ما على دمشق انتهاجه لطمأنة الطرف العربي الذي يبسط يده إليها؟

ليس خافيا أن الغياب العربي المؤثر في سوريا خلال الأزمة كان محكوما بعوامل موضوعية مختلفة ومتعارضة منها الموقف السوري ذاته إذ أعاق في كثير من الأحيان سعي كتلة من الطرف العربي الرسمي لبلورة تفاهمات ممكنة ومتاحة داخليا وإقليميا ودوليا، فنتج عن ذلك انزياح كبير في علاقات دمشق منذ بداية الأزمة حتى الآن عن المحيط العربي باتجاه أطراف غير عربية.

الأحداث في سوريا كبلتها دون شك بخيارات تبدو بعضها قاهرة؛ بين تحالف هنا وعداوة هناك، لكن ذلك لا يعني ترك السفينة السورية تهيم أكثر بلا ضفاف عربية، ولعل محور السلوك السوري المطلوب يكمن بداية في إفساح المجال للمبادرات العربية الملموسة بأن تأخذ طريقها العملي تفاعلا وممارسة، والبناء على القواسم المشتركة بينها وبين تلك المبادرات واستثمارها بما يخدم مصالح جميع الأطراف، والأخذ بعين الاعتبار هواجس الأطراف العربية ومصالحها، ويمكن حينها توظيف العلاقات العربية مع العالم على قاعدة تبادل المصالح لتعود بالنفع على دمشق.

في مراحل عديدة تجلت المشكلة في طبيعة الدور العربي الذي ترغبه دمشق مقابل ما يريده العرب منها وإلى جانب أي طرف سيكون الوقوف.. مستقبل سوريا بات يفرض اليوم ضرورة تجاوز هذه المعضلة من خلال العمل على بلورة محور عربي يضع المقاربة الإماراتية عنوانا له بحيث يحمي ويحافظ على سوريا العربية دولة ومجتمعا، ويحمي مصالح العرب العليا في ظل مستجدات وتطورات داهمة وخطيرة.

عن "العين" الإخبارية

الصفحة الرئيسية