الديمقراطية تخسر المعركة في تركيا

6844
عدد القراءات

2019-05-08

ترجمة: محمد الدخاخني


بالنّسبة إلى الرّئيس التّركيّ، رجب طيّب أردوغان، تُعدّ الهزائم أمراً غير وارد. خاصّة عندما يتعلّق الأمر بإسطنبول، الّتي قال عنها ذات مرّة: "من يربح إسطنبول، يربح تركيا. من يخسر إسطنبول، يخسر تركيا".

أردوغان وحزبه قاما بكلّ ما في حوزتهما حتّى لا يخسرا في مدينة بها أكثر من 15 مليون نسمة

كانت الانتخابات البلديّة قد أجريت في كافّة أنحاء البلاد في 31 آذار (مارس) الماضي، وبالرّغم من اعتراضات الرّئيس القويّ وإعادة فرز الأصوات على مدار أسبوعين، فقد ذهبت إسطنبول إلى المعارضة. ومع ذلك، كان من الواضح أنّ النّتائج الرّسميّة لن تضع نهايةً لقصّة مدينة البوسفور.

وبالرّغم من أنّ الفائز بمنصب العمدة، أكرم إمام أوغلو الّذي ينتمي إلى حزب الاشتراكيّين الدّيمقراطيّين المُعارِض، قد حصل بالفعل على شهادة تنصيبه، فإنّ أردوغان وحزبه المُحافِظ، العدالة والتّنمية، قاما بكلّ ما في حوزتهما حتّى لا يخسرا في مدينةٍ بها أكثر من 15 مليون نسمة.

والآن، بعد أن ادّعى حزب الرّئيس أنّ بعض الدّوائر كانت ضيّقة للغاية بحيث لا يمكن أن تكون حاسمة، فإنّه من المقرّر إجراء انتخابات جديدة لضمان عدم وجود تباينات مزعومة في الاقتراع. ولكن هنا تصير الأمور مثيرة للاهتمام: هذه المرّة، لن يكون القائمون على مراقبة الانتخابات مسؤولين حكوميّين. بل ما هو أكثر إثارة للاهتمام: معظم هؤلاء المراقبين هم أعضاء في حزب العدالة والتّنمية التّابع لأردوغان.

بالنّسبة إلى الرّئيس التّركيّ، رجب طيّب أردوغان، تُعدّ الهزائم أمراً غير وارد

أسئلة كثيرة دون إجابات

بالرّغم من وجود أكثر من مجرّد تباينات في الاقتراع في الانتخابات الماضية، فإنّ المجلس الانتخابيّ الأعلى قد رفض دائماً كافّة الشّكاوى الّتي تقدّمت بها المعارضة. لكن ردّ الفعل، هذه المرّة، مختلف - وهذا وحده يدلّ على حالة الدّيمقراطيّة في تركيا.

اقرأ أيضاً: الانتخابات التركية: لماذا يقاتل أردوغان لإبقاء اسطنبول في قبضة حزبه؟

لماذا أقرّ المجلس الانتخابيّ الأعلى شكوى حزب العدالة والتّنمية؟ لماذا تمّ تأجيل القرار ثلاث مرّات؟ كيف تتفاعل البورصة مع الإعلان؟ لا توجد إجابات! هناك فقط تكهّنات. لا تستطيع أعلى سلطة انتخابيّة في البلاد تحمّل ضغوط الرّئيس. وبالمناسبة، فإنّ قرار المجلس الانتخابيّ الأعلى نهائيّ ولا يمكن الطّعن فيه.

استغلال عامل الوقت

إنّ الإعلان عن القرار اليوم لم يكن مصادفة - بل كان مقصوداً بشكل واضح، وحكيماً من النّاحية التّكتيكيّة. ففي اليوم الأوّل من رمضان، ما من حشودٍ في الشّوارع للاحتجاج. وعلاوة على ذلك، فإنّ تقديم القرار في المساء، بعد إغلاق البورصة، يشير إلى أنّ السّلطات تأمل في أن تتمكّن من تجنّب ردّ فعل هائل من شأنه أن يؤدّي إلى تفاقم الوضع الاقتصاديّ المتردّي بالفعل في البلاد.

اقرأ أيضاً: أردوغان يهدد باللجوء للناتو ومصر ترد.. ماذا يحدث في منطقة "المتوسط"؟

وبعيداً عن ذلك، لقد تكهّن الخبراء الاقتصاديّون بالفعل في الأيّام الأخيرة بأنّ الّليرة التركية ستنخفض بشكل كبير في القيمة مقارنةً باليورو والدّولار في حالة تكرار الانتخابات.

وفي خضم كلّ هذا الغموض، هناك شيء واحد واضح: بغض النّظر عمّن سيقع عليه الاختيار في 23 حزيران (يونيو) المقبل، فقد خسرت الدّيمقراطية المعركة بالفعل في تركيا.


المصدر: أركان أريكان، دويتشه فيله

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا نصوّت لليمين المتشدد؟

84
عدد القراءات

2019-06-19

ترجمة: علي نوار


يتطرق كتاب "وباء التشدد" للصحفي أندريو جيريز، وأستاذ العلوم السياسية، فرانكو ديللي دوني، إلى تصاعد ظاهرة الأحزاب القومية المتشددة والمناهضة لأوروبا والمعادية للأجانب التي تشهدها أوروبا، عن طريق تحليل نماذج من 12 دولة في القارة العجوز، ونقدم هنا الفصل الأخير من العمل الذي يستعرض الأدوات النفسية التي تدفع ملايين الأوروبيين اليوم إلى التصويت لصالح هذه التيارات.

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

"يمنحوننا أصواتهم لأنهم أشخاص عاديون للغاية يعانون مشكلات عادية للغاية". تخص هذه العبارة القيادية رفيعة المستوى في حزب "بديل لأجل ألمانيا" اليميني المتشدد في ألمانيا، بياتريكس فون شتورش، وهي ليست كأي جملة، فهي مفتاحية للبدء في فهم التأثير الناجح للخطاب الذي تتبنّاه حركات اليمين المتشدد الجديدة في أوروبا.

يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول

ليس ثمة مقترحات ولا خطط ولا حتى أيديولوجيا، الأمر كله عبارة عن قيم ومشاعر، وفي نفس الوقت بتوصيف زخم ما وغريزة وتطلّع لشيء مختلف، نشعر جميعاً بأنّنا "عاديون" ونقتنع تماماً بأنّ مشكلاتنا واهتماماتنا ومخاوفنا "عادية". ولا يعرّف خطاب اليمين المتشدد ماهية هذا "العادي"، بل يتركه لرغبات المواطن كي يملأه بما يبدو له مناسباً، ويطلق على عملية الملء هذه مصطلح "الشعور العام"، ولا يوجد خلف هذا الشعور سوى القيم الخاصة بنا، والمفاهيم التي تسمح لنا بالتمييز بين ما نريد وما لا نريد، وما هو خير وشرّ، ما نؤيّده وما نرفضه، وعلى أساس كل ذلك نمنح أصواتنا.

زعيم الحزب المتطرف الإسباني فوكس
نجح اليمين المتشدد في إعداد سرديات تختلف من دولة إلى أخرى، تبلور القيم الأساسية بالنسبة لقطاعات بعينها، ربما تكون هذه القيم غائبة أو مشوّهة في خطاب الأحزاب الأخرى. قيم لا مكان لها بالضرورة في خطط الحكومة، عن طريق مقترحات قوانين أو مشروعات محدّدة. ومن منظور اليمين المتشدد، فإنّ الشيء الأهم هو صياغة منطق أعمق ألا وهو ذلك الذي يحرّكنا: الخوف من المجهول وكراهية المختلف والإحباط الناجم عن عدم تحقّق توقّعاتنا.

اقرأ أيضاً: بعد فلندا.. هل يصعد اليمين المتطرف في إسبانيا؟
هذا هو بالضبط ما تغفل عنه الأغلبية الساحقة من المراقبين ومنافسي أحزاب اليمين المتشدد، الذين لا يدركون السبب وراء قدرة حزب يفتقر لأي محتوى على حشد ملايين الناخبين. يعجز الكثير من ساسة اليسار واليمين على حدٍ سواء في إيجاد منطق ما خلف تنامي نفوذ اليمين المتشدد، وربما لن ينجحوا في ذلك مطلقاً.

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر

فهم لا يعرفون سوى المنطق كأداة ومحفّز ودافع للشعبية الانتخابية، يظنّون أنّ عملية التصويت تخضع لمعايير ذات أساس منطقي بالضرورة، ويعيشون على أوهام القرن الـ19 والـ20، والتنوير، وقدرتنا على التفكير المنطقي العقلاني بوصفه مرشداً لأفعالنا. لكن الحقيقة أنّ عقلنا أعقد بكثير من مجرّد آلية التفكير في المميزات والعيوب؛ فالقرارات تخضع للدوافع والتي بدورها، في أغلب الأحوال، لا تكون ناتجة عن التمحيص، وربما لا نكون على دراية من الأساس بهذه الدوافع، ومن بين أبرز دوافعنا تظهر المشاعر.

تعزّز ظاهرة اليمين المتشدد هذه الفكرة؛ فالدعم الانتخابي الذي يحصل عليه هذا التيار منبعه في حالات قليلة جداً القرار المنطقي، بالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح. وعلى الجانب الآخر، سيكون من المستحيل استيعاب لماذا -على سبيل المثال- يلجأ عامل بسيط ربما يعاني البطالة إلى التصويت لصالح حزب يميني متشدد يخطّط لإضفاء قدر أكبر من المرونة وإفقار سوق العمل، هل يمكن للمشاعر أن تعطينا إجابة في هذه الحالة؟

المشاعر وراء الخطاب

يوجد في أوروبا عدد هائل من أحزب اليمين المتشدد التي لم تنجح فحسب في دخول البرلمان بجميع دول القارة، بل تمكّنت أيضاً من المساهمة في تشكيل بعض الحكومات أو حتى قيادتها. وفي منطقة يغلب عليها نظام الحكم البرلماني، تكتسب النقطة الأخيرة أهمية بالغة لا يمكن التقليل منها؛ فاليمين المتشدد في حقبة ما بعد الحرب ليس ظاهرة هامشية أو محلّية أو مؤقّتة.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟
والواقع أنّ القدرة على جمع مشاعر الاستياء وتقنين الإحباط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية، أدّى إلى تحوّل هذه الظاهرة لنتيجة تلقائية للإطار السياسي. وبتعبير آخر؛ فإنّ الكثيرين يرون أنّ اليمين المتشدد كان مستفيداً عارضاً من التصويت العقابي الذي يستهدف إنزال الهزيمة بأحزاب الأغلبية لحين إعادة ترتيب الأخيرة لأوراقها والعودة للاستماع إلى مطالب المجتمع.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين ولم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً

بيد أنّ هذه الرؤية، التي استُخدمت وأعيد تدويرها مع كل مرة يظهر فيها حزب سياسي يميني متشدد في أي دولة بأوروبا على مدار الأعوام الـ20 المنصرمة، لم تعد صالحة. فهي تتعامى عن بعض العناصر المميّزة لقوى اليمين المتشدد. استعانت هذه التيارات بتلك الخصائص في خطابها للّعب على مشاعر بعينها، وبالتالي التأثير على شرائح من الناخبين بحيث تغيّر مواقفها.
فمن جانب، يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول. فالاتهامات ضد السياسة القديمة هي أداة شائعة الاستخدام في الخطاب الشعبوي. وتسمح للمرشحين الشعبويين بإيجاد عدو يعمل بصورة تتعارض مع مصالح من يمثّلونه؛ الشعب، وبالتالي ينصّبون أنفسهم حماة له. رغم أنّ أثر هذا العامل يرتبط بصلة وثيقة بظهور مشاعر الإحباط. بكلمات أخرى، فإنّ هذا العامل في خطاب اليمين المتشدد يركّز على شعور الاحتقار والسخط إزاء الأحزاب السياسية التقليدية وأعضائها.

اقرأ أيضاً: نيوزيلندا.. هل انتهى تهديد اليمين المتطرف؟
ومن جانب آخر، يلعب المكوّن المناهض لأوروبا دوراً محورياً كذلك. فتصوير الاتحاد الأوروبي على أنّه كبش فداء لجميع الشرور يمنح هذه الأحزاب عدواً ملموساً أكثر هذه المرة. وفي الوقت عينه، يمنحها القدرة على تطوير خاصية ثالثة تميّز خطاب اليمين المتشدد؛ القومية. وفي سرديات هذا التيار، يرمز الاتحاد الأوروبي لكل ما هو مضاد للوطن وفخر الانتماء والحفاظ على الملامح الثقافية لكل منطقة. وإجمالاً، فإنّ العامل الأهم في هذا العنصر هو الخوف. رهاب غير واضح الشكل لكن يغلب عليه عامل مشترك: التهديدات على الهوية.

الإحباط، الغضب، الاستياء، الخوف، الكراهية، تهديد الهوية، أدركت قوى اليمين المتشدد في القارة الأوروبية أنّ استعمال كل هذه العوامل كأداة هو أفضل سلاح بوسعها التوفّر عليه، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: لماذا ينجح الأمر؟

نايجل فاجي عند باب أحد مراكز الاقتراع في المملكة المتحدة في الانتخابات الأوروبية

الجدل الخاطئ
إنّ المنطق والمشاعر هما مفهومان يجري تصويرهما على أنّهما متعاكسان، أو هكذا لقّنوننا. فالمنطق هو سبب القرارات الصائبة، على العكس من ذلك فإنّ المشاعر حين تتغلّب علينا، تعوقنا عن حسن الاختيار، والأول هو ما يميّزنا عن الحيوانات، فيما ترمز المشاعر للحيوان الكامن بداخلنا، لكن من الضروري فهم أنّ الطريقة التي يعمل بها عقلنا لا تتّفق مع هذا الفهم.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرّف يتّحد في أوروبا.. هذه أهدافه
إنّ المنطق والمشاعر لا يمكن لأحدهما أن يشغل مكان الآخر، ولا يمكن التبديل بينهما، لكنّهما على النقيض من ذلك يكمّلان بعضهما، ويضطّلع كل منهما بمهام مختلفة. فمهام المنطق تتباين عما نعتقده، وبالفعل فإنّنا نعرّف أنفسنا بكائنات عقلانية تدرس المميّزات والعيوب لحظة اتخاذ القرارات. إلّا أنّه وفقاً لأحدث ما توصل إليه العلم في دراسات المخ، فإنّنا بعيدون كل البعد عن ذلك. ويكشف الباحثان أوجو مورسييه ودان سبريبر في كتابهما "معضلة المنطق"، أنّ المنطق، وبالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح، يشمل وظيفتين أساسيتين: وهما البحث أو صياغة تبريرات منطقية لكل من قراراتنا، وهي عملية تعرف باسم "المنطقة"؛ والثاني، تقييم الأسباب التي يقدّمها الآخرون حين يحاولون تبرير قراراتهم.

من الضروري أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة

والهدف من وراء المنطقة هو الحفاظ على صورتنا الاجتماعية، فعندما نكون بصدد اتخاذ قرار ما، فإنّنا نستدعي مجموعة من الاعتبارات التي ستخضع بشكل تلقائي للتقييم من قبل المحيطين بنا. فإذا قرّر شخص التصويت لصالح اليمين المتشدد وكشف عن ذلك على الملأ، سيصبح مُلزماً بتفسير الأمر، ويبدأ عقله في البحث عن التبريرات اللازمة لإضفاء المنطقية على قراره أمام الآخرين. وفي هذه الحالة، تصبح الوظيفة الرئيسة للمنطقية اجتماعية بحتة.
أما الوظيفة الثانية للمنطق فتتكامل مع الأولى؛ إذ يتعلّق الأمر بالتقييم الذي نجريه تجاه مبرّرات الآخرين. هل هي كافية؟ هل هي مقبولة؟ هل تشارك نفس القيم مع هؤلاء الذين يدّعونها؟ وتدفعنا الوظيفة الثانية هذه إلى مراجعة حُجج المتُكلّم كي نتمكن من تحديد موقفنا في هذا السياق.

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

يرتبط دور المشاعر بإيجاد دوافع للشروع في شيء ما، وبدون هذه الدوافع سنصبح عاجزين عن اتخاذ القرارات، أو على الأقل ستحتاج هذه العملية للكثير من الوقت والطاقة. وبحسب خبيرة علم النفس والباحثة ليزا فيلدمان باريت، فإنّ المشاعر هي بناءات اجتماعية تسمح لنا بقراءة ما يحيط بنا وإعداد جسدنا كي يتعامل معه، فإذا كان شخص ما متواجداً بمفرده خلال الليل في منطقة نائية من مدينة مجهولة بالنسبة له، فمن المحتمل أن يشعر بالخوف من أي جلبة مفاجئة مثل نفير سيارة عالٍ أو نباح كلب أو صافرة إنذار، كل هذه العوامل قد يترجمها مخ هذا الشخص على أنّها خطر محتمل ويبدأ في تجهيز الجسد كي يتعامل معه (ازدياد معدّل خفقان القلب وسريان الدم، على سبيل المثال).

اقرأ أيضاً: ما هي أوجه التشابه بين اليمين المتطرف وتنظيم داعش؟

إنّ الخوف الذي يشعر به هذا الشخص في تلك اللحظة والمكان هو شعور مبني على أساس تصنيف لمحفّزات بعينها في موقف مُحدّد (ضوضاء في محيط غير معلوم وغير آمن). هذا الشعور هو ما يمنح القدرة على اتخاذ قرار ربّما عن غير وعي. بمعنى أنّ الشعور، أو الخوف هنا في هذه الحالة، يعمل كمؤشّر يجمع عدداً لا حصر له من المُحفّزات كي نستطيع تلافي أو الحدّ من خطر محتمل.

ويعرّف أستاذ علم النفس بجامعة إموري في ولاية جورجيا الأمريكية، درو ويستن، المشاعر على أنّها وقود اتخاذ القرارات. وإذا انتقلنا إلى مستوى اتخاذ القرارات السياسية، مثل دعم أو رفض حزب سياسي ما، فسنكتشف أنّ المشاعر تلعب دوراً رئيساً. فبالاعتقاد، على سبيل المثال، أنّ منظومتنا الأخلاقية مُهدّدة، سيظهر الخوف، وهذا الخوف هو ما يدفعنا للتحرّك بطريقة دفاعية.
يقودنا كل ذلك إلى سؤال؛ ما هي الأسباب التي تؤدّي بنا إلى الإحساس بشعور ما مثل الخوف أو الكراهية أو الإحباط، والأهمّ من ذلك كيف لنا الوصول إلى هذه المعلومات أو ما هي احتمالات تعرّضنا للتلاعب دون أن ندرك ذلك؟

مظهر من مظاهر النشطاء اليمينيين ضد سياسة الهجرة التي تتبعها حكومة ميركل الألمانية

النقاش والإطار التفسيري

إنّ تقييم المعلومات وما يتبعه من اتخاذ للقرارات قد يتباين كلية وفقاً لطريقة عرضها. بعبارة أخرى: نفس المعلومات المُقدّمة بطرق مختلفة تؤدّي إلى آثار متباينة، توصّل إلى هذا الاكتشاف خبيرا علم النفس دانييل كانمان وآموس تفيرسكي، اللذان عكفا منذ حقبة السبعينيات على دراسة عملية اتخاذ القرار، وتُعد أبحاثهما حجر الأساس لمفهوم الإطار التفسيري.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف قنبلة العالم الموقوتة

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر، وتقدّم الأُطر تعريفاً لمشكلة تتضمّن بدورها عرضاً ما للمعلومات. لذا فقبول إطار يعني بالتبعية تقبّل فرضيّات أو شروط وفي الوقت ذاته تبعات نقاش ما. على سبيل المثال، الإشارة إلى الاتحاد الأوروبي بوصف (بيروقراطية بروكسل) يحمل بداخله تقييماً لنفس المصطلحات السلبية التي تستدعي انطباعاً على كل فرد منّا، حتى لو كان غير واعٍ لذلك.
واختصاراً، فإنّ الأٌطر تسهم في فهم وتنظيم ما يحدث حولنا، وفي نفس الوقت تحدّد وتنتقي وتهيكل المعلومات، وينتج عن ذلك ليس التأثير على تقييمنا فحسب، بل وأيضاً المشاعر التي نختبرها.
لقد عرفت القوى المختلفة اليمينية المتشددة في أوروبا كيف تهيمن على الاستخدام الاستراتيجي للأُطر، وأدركت أنّ هذه الأُطر هي وسيلة لربط مشاعر مُعيّنة بموضوعات مُعيّنة، ومن هنا تحقيق المكاسب الانتخابية والسياسية، ولعلّ هذا هو السبب وراء حصول كل ملفّ من أجنداتها التي تضعها هذه الأحزاب على أٌطر مختلفة ضمن خطابها، وبصورة ممنهجة.

من الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة: الكراهية والخوف والإحباط، بحيث يتغذّى كل منها على الآخر

على جانب آخر، فإنّ اليمينيين المتشددين ناجحين للغاية في استخدام السرديات، وذلك عن طريق توظيف ونقل الأُطر والقيم التي يدّعون تمثيلها والمشاعر التي يثيرونها، في عملية يصفها الفيلسوف والرياضي نسيم نقولا طالب بـ"سردية المغالطة".
عملية الحصول على المعلومات بالنسبة لعقولنا مُكلّفة، فأولًا يجب استثمار موارد من أجل ذلك، وثانياً نستثمر موارد إضافية للاحتفاظ بها، وأخيراً نبذل استثماراً كي نعيد استخدامها. وتُعتبر القصص هي الأداة المثلى كي يدّخر المخ أكبر قدر ممكن من الموارد. حيث تبدو المعلومات في القصص منظّمة ومتكاملة وتسمح ببناء سببيات بين الأحداث، ولا تتضافر هذه الخواص فقط من أجل إعادة بناء القصة، أو بمصطلح آخر؛ الذاكرة، بل إنّ المعلومات تُخزّن كتجربة حيّة وليس كحزمة من البيانات.
لكن الرواية تتضمّن في الوقت ذاته تبسيطاً للمعلومات، وتزداد احتمالات السقوط نحو التقليص بسبب قدرتها التفسيرية والترابطية، وتبدو القصة قابلة للاعتماد عليها رغم أنّها قد تعرض جانباً واحداً من الموضوع، وبالتالي، تحوي النتائج الناجمة عنها ربما خطر أن تكون مضلّلة أو لا أساس لها من الصحة.

اقرأ أيضاً: لماذا ينشط اليمين المتشدد في ألمانيا الشرقية؟
تجعلنا الروايات عرضة لسلسلة من الانحيازات المعرفية التي قد تستغل للتلاعب بالرؤية التي نطوّرها تجاه جدل بعينه، وبهدف تبسيط ومعالجة المعلومات التي نتلقاها باستمرار بصورة سريعة وفعّالة، فإنّ عقلنا يلجأ للانحيازات المعرفية، أي إنّه يعود للخبرات السابقة كي يتّخذ قرارات دون حتى أن ندرك ذلك، وعموماً، فإنّ هذه وظيفة مفيدة جداً، لكن في بعض الأحيان، تؤدّي هذه الانحيازات إلى انحرافات في التأويل، يطلق عليها الانحيازات المعرفية.

إنّ الميل نحو الاعتقاد بقوة حُجّة لأنها قابلة للتصديق، والتركيز فحسب على المعلومات التي تعضّد الأفكار الموجودة بالفعل، أو حتى تفضيل نتيجة صحيحة حتى لو كانت تنطوي على أضرار، هي بعض أوجه هذا الانحياز المعرفي. وتكمن قوة هذه الانحيازات في تجاهلنا لها، بمعنى أنّها تحدث بصورة طبيعية تتطلّب قدراً هائلاً من الطاقة كي ننتبه لها، وبالتالي إعادة النظر في القرارات الناتجة عنها.

في ضوء الخصائص المذكورة، يصبح خطاب المغالطات أداة مُفضّلة لليمين المتشدد، سواء من أجل نقل أُطره أو ضمان انتشاره عن طريق التكرارية.

يروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها

إطار غياب العدالة: الإحباط الدائم

تاريخياً، لطالما شكّل النقاش حول توزيع الثروة جزءاً من أجندة الأحزاب اليسارية، فالصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال هي العناصر البارزة في هذا الاتجاه. لكن ملكية هذا الملف لم تعد قاصرة على هذا التيار السياسي وحده، فقد تمكّن اليمين المتشدد من انتزاعه، لينجح بذلك في إدخال "إطار" إلى النقاش العام يناطح خطاب اليسار ويسعى لوضع إعادة تصوّر للمشكلة.

إنّ معقولية الرواية تجعلها أحياناً سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة

ويروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها، إلّا أنّه يغير تعريفها، بحيث تصبح المشكلة لا بين الأغنياء والفقراء مثلما يرى اليسار، بل تتّخذ صورة أفقية لتتحّول إلى مشكلة بين الفقراء والأجانب الفقراء، بمعنى أنّه يجري الربط بين مسألة الهجرة والشرائح الأكثر تعرّضاً للتهميش. وبفعل ذلك، يضع اليمين المتشدد تلك الفئات في موضع المنافسة على الموارد العامة وفرص العمل والتعليم لأجل أبنائهم والحصول على المنازل، والقائمة لا تنتهي.

وإذا نظرنا إلى الحالة الألمانية، فسنجد أنّ الإطار يعمل على أكمل وجه بفضل خطاب وصول اللاجئين في 2015. وفي هذا الخطاب يُصوّر اللاجئين على أنّهم زوّار غير مرغوب فيهم و"فتحت لهم الأبواب" المستشارة أنجيلا ميركل.

اقرأ أيضاً: عن اليمين السياسي في المنطقة العربية.. أيّ دور وهُويّة؟

يؤدّي الإحباط الناجم عن هذا الإطار، مُعزّزاً بخطاب اليمين المتشدد، إلى حصوله على أصوات هؤلاء الذين لا تتحقّق تطلّعاتهم ولا يشعرون بالرضى، فلم يعد الكثيرون يثقون في النظام ولا الأحزاب السياسية التقليدية، ويشعرون بالإحباط والتهميش والنسيان، كما يستثار الشعور بالاستياء لدى هذه القطاعات حين تجد ضالّتها في كبش فداء أضعف بكثير من الأغنياء والمصارف والشركات العالمية.
بالتالي يسمح إطار غياب العدالة بتلافي اكتساب المشكلة لطابع معاداة الأجانب، على الأقل ظاهرياً، ويضفي نوعاً من المنطقية على رفض الغاضبين للاجئ أو الإفريقي الذي عانى الأمرّين كي ينجو بحياته في مياه البحر الأبيض المتوسط. لا يتعلّق الأمر بالهجوم عليه، بل بالدفاع عن النفس. وهنا يصبح الانحياز المعرفي جلياً للغاية: التركيز على المعلومات التي تؤكّد المخاوف. لقد خان السياسيون، الذين لا يمكن الوثوق بهم، شعبهم بالسماح بدخول الأجانب واستغلالهم للموارد، ويعمد خطاب اليمين المتشدد على الادعاء بأنّ هؤلاء السياسيين هم مشكلة البلاد وأنّ تغييرهم هو الحل، وهذا ما يقودنا إلى المثال الثاني.

الشعب في مواجهة عدو الشعب

إطار التهديد الكامن: الخوف والكراهية

يتميّز خطاب اليمين المتشدد بالثنائية المنطقية. الشعب في مواجهة عدو الشعب، مفهومان يضطلع اليمين المتشدد بتعريفهما وملئهما وفقاً لما يراه. السياسة القديمة، الاتحاد الأوروبي، البنوك، وسائل الإعلام، قد تكون هي أعداء الشعب، والأخيرة تلعب دور العدو عند عملها بما يتعارض مع مصالح البلاد، مع تقديم هذه المصالح على أنّها التمثيل الجماعي للمواطنين.

إنّ بناء هذا الخطاب عملية بسيطة للغاية، لكن لا تفتقر للفعالية في الوقت ذاته. فمن جانب هناك الشرير، العدو، سبب المشكلات ومعاناة الضحية، وعلى جانب آخر قد يظهر المتواطئ، الذي لا يفعل شيئاً سوى منح الشرعية للشرير والتعاون معه. وأخيراً هناك البطل الذي يأتي لمحاربة الشر، رغم أنّه يتعيّن عليه قبلها تجاوز عدة مصاعب من أجل تحقيق هدفه، وفي هذا البناء الخطابي البسيط، يبثّ اليمين المتشدد إطاره التفسيري الأكثر فعالية: إطار التهديد الكامن.

أما الضحية فهو الشعب، يتعرّض الشعب للخطر، ومن الضروري إبراز أنّ هذه النظرة ليست مادية بحتة، ولا تركّز فحسب على الموارد التي يساء توزيعها، بل على قيم الشعب المُهدّدة. فالضحية هنا يشعر بالخوف من فقدان ثقافته ودينه وأسلوب حياته والخوف من ألّا تعود الأمور لسابق عهدها والخوف من الفوضى، كل هذه القيم تلخّص مسألة الهوية الوطنية.

كان للصحافة دور كبير في استمرار الخطاب اليميني المتشدد فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر

وعلى التوازي مع هذا الخطر، أو الشرير، توجد عدة صور في سرديات اليمين المتشدد. فقد تشير إلى الإسلام كـ"دين غريب لا جذور له في أوروبا.."، كما قد يوصف المهاجرين بجماعة خارجية "لا تريد الاندماج وتمتلك تقاليد غريبة وتتعارض على الأرجح مع القيم المحلية"، وقد يُساق السياسيون والأحزاب التقليدية كذلك إلى لعب دور العدو، وأيضاً "تحرّكاتها المعادية للوطن والأنانية والتي تحطّ من شأن مصالح من يمثّلونهم" ليصبحوا في نظر اليمين المتشدد "الجرثومة المسُبّبة لمرض" النظام.

وفي نفس السياق، من شأن الأشرار أن ينتقلوا إلى خانة المتواطئين، فالسياسة "بفتح الأبواب في وجه الهجرة"، أو وسائل الإعلام "بإخفاء الحقيقة"، مثالان واضحان جداً على ذلك.

وأخيراً، فإنّ البطل هنا ليس سوى الحزب اليميني المتشدد، وزعيمه بشكل عام، الذي يصل "للدفاع عن الشعب" وتحقيق عدة أهداف في نفس الوقت "تحذير الشعب من التهديد الكامن، واتهام المذنبين بشرورهم، واسترداد القيم المُنتهكة، وإعادة النظام إلى البلاد".

يحوي إطار التهديد الكامن بداخله عدة أُطر فرعية منبثقة عنه، تظهر في سرديات اليمين المتشدد. فالخوف من التحوّل إلى "أقلية في بلادنا" نموذج لذلك، وقد استعانت عدة أحزاب وحركات بهذه العبارة للتحذير مما أسمته باستبدال ثقافي، وكذلك انهيار الهويات الوطنية. إنّ المكوّن الوطني أو القومي، الذي يتضمّنه هذا الإطار الفرعي، لا يؤدي لإثارة الخوف فحسب، بل ينشر الكراهية تجاه الثقافات الوافدة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب اليميني: القتل باسم الكراهية

يندرج دور المرأة وهويات الأنواع .. ونقاط أخرى ضمن بعض ملفّات النقاش التي يطبّق فيها اليمين المتشدد نموذج إطار التهديد الكامن، ويجترّ في خطابه عناصر محافظة متشددة يستخدمها اليمين المتشدد كرأس حربة في مواجهة الحدود الناجمة عن الصواب السياسي. وفي هذا السياق، يضحى ما كان يُنظر إليه باعتباره تقليلاً من الاحترام اليوم واقعاً لا يجرؤ أحد على الإشارة له.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين، وبالتالي، لم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً، بل يتحوّل إلى دفاع عن قيم بعينها. ويرتبط العنصر الأخير تحديداً بالخوف من الفوضى وغياب القواعد وضياع الوضع الراهن.

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد

ثلاثية المشاعر

يلعب خطاب اليمين المتشدد عادة على استثارة حزمة من المشاعر التي تترجم في مجتمعاتنا إلى الكراهية والخوف والإحباط، وبعيداً عن النماذج التي سبق وصفها على حدة، فمن الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة بحيث يتغذّى كل منها على الآخر. السخط على السياسة يتحوّل إلى كراهية بسبب تجاهل مخاوف الشعب الذي يشعر في داخله بغياب الأمان والخوف وعدم اليقين.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كما تعود فعالية هذا الخطاب إلى الاستفادة من انحيازاتنا المعرفية. ومثلما ذكرنا آنفاً، فإنّ معقولية الرواية تجعلها في كثير من الأحيان سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها، وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة. وهنا نظنّ أنّ الخلاصة التي توصّلنا إليها هي نتاج عملية عقلانية، بالمفهوم التقليدي، بينما نحن في حقيقة الأمر نحاول إيجاد تبريرات لمواقف مُعيّنة.

لقد تزايد انتشار خطاب اليمين المتشدد وأطره بسبب عوامل خارجية أخرى. فمن جانب، عانت باقي الأحزاب السياسية صعوبات حقيقية لإدراك المنطق الدعائي لليمين المتشدد، ولم تفهم حتى الآن بعض هذه الأحزاب ما يحدث. فمع إغراقها في التحليل المتخصّص، لم تكن الأحزاب التقليدية قادرة على تطوير أُطر بديلة للمنافسة في الساحة العامة. فقد رأت كيف أنّ قوى يمينية متشددة مختلفة كانت قادرة على اكتساب الناخبين إليها، لا سيما في ملفات مثل الهجرة واللاجئين والهوية الوطنية وموضوعات أخرى. بل إنّ قوى اليمين المتشدد سجّلت نقاطاً لصالحها حتى في النقاشات التي غابت عنها الأحزاب التقليدية بشكل رسّخ لأُطرها أكثر.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما أنّ دور الصحافة كان كبيراً فيما يخصّ استمرار الخطاب اليميني المتشدد، فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر، وبالتالي، سرديات القوى اليمينية المتشددة، فقد ساهمت بصورة غير مقصودة إذن في نشر دعاية اليمين المتشدد، وبشكل ما منحه أهمية لم يكن قادراً على اكتسابها بمفرده.

لم ينته بعد الجدل الإعلامي حول تغطية النشاط السياسي لهذه الأحزاب أم تجاهله، لكن خطر تقديم دعاية مجانية للاستفزازات الاستراتيجية التي يشنّها زعماء اليمين المتشدد لا يزال كامناً. هناك مبادرات جديرة بالاهتمام من قبل بعض مجموعات الصحفيين للتثبّت من الحقائق تقدّم أفكاراً جيدة لمكافحة المعلومات الكاذبة المنتشرة، بيد أنّ مداها محدود في مواجهة ملايين الرسائل الخاصة، والمنشورات التي تُبثّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية النشطة يومياً على مدار 24 ساعة.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد. دون أي نوع من الرقابة، وفّرت شبكة الإنترنت لهذه القوى السياسية فرصة كبيرة للوصول إلى قطاعات من الناخبين كانت عاجزة عن الوصول إليها بالوسائل التقليدية، فضلاً عن التمييز بين شرائح الناخبين المختلفة لتزداد بذلك فعالية رسائله ودرجة تعقيدها.

في خضم هذه الأجواء المواتية، تمكّن اليمينيون المتشددون من بث خطابهم، وبالتالي تفعيل ثلاثية الخوف-الكراهية-الإحباط لدى الشعب. وتعدّ هذه العواطف، مضافاً إليها الانحيازات المعرفية ودور العناصر المذكورة بالأعلى، مفاتيح لفهم تنامي نفوذ اليمين المتشدد وبناء قواعد له في أنظمة سياسية محلية.

مسألة انتخابات

تحظى الأحزاب السياسية بفرصة ذهبية لمراجعة مفاهيمها بشأن الناخبين، لكن شريطة تخلّيها عن ثنائية المنطق في مواجهة المشاعر، القديمة والبالية. كما أنّها بصدد فرصة سانحة لإعادة اكتشاف قيمها، وبناء -بالاستناداً إليها- أُطر تتنافس مع تلك الخاصة باليمين المتشدد، وفي حال فعلت ذلك، فستفرض على المواطنين اختيار القيم الأساسية بالنسبة لهم، ممّا يعني عدم الانزلاق وراء الإجابات التلقائية التي يقدّمها المخ.
أمّا في حالة تجاهلها لهذا الوضع وإذا ما قرّرت المضيّ قدماً في نفس نهجها الحالي، فستكون الأحزاب السياسية غير قادرة على عدم الخروج من خندق السياسة القديمة، ما سيعمّق انعدام ثقة الناخبين بها، ما سيؤدّي بالتبعية للاتجاه نحو خيارات أكثر أصولية.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما يمثّل هذا السياق تحدّياً كبيراً بالنسبة للصحافة على مستوى القارة. فدورها رئيس من حيث عدة جوانب، فالمعلومات الكاذبة، على سبيل المثال، هي نقطة محورية تجبر كافة وسائل الإعلام على الارتقاء بمعاييرها للرقابة والتحقّق من صحة المعلومات، والحيلولة دون انتشار معلومات زائفة لن يكون خدمة للمواطنين فحسب، بل سينعكس إيجاباً على جودة الديمقراطية في المنطقة بأسرها.

على جانب آخر، من الضروري أيضاً أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة. ولن يتحقّق ذلك عن طريق التوقّف عن تغطية أنشطة هذه الحركات وتجاهلها، لكن عبر عمل صحفي نقدي دقيق وواع لوجود أُطر هدفها التأثير على الرأي العام.

بوسع المواطنين الاختيار، يمكنهم التفكير في ماهية قيم الخطاب، وتحديد ما إذا كان الاختزال الذي تروّج له حركات اليمين المتشدد يتوافق معهم أم لا. هل معاداة الأجانب إحدى القيم التي يمكن الدفاع عنها؟ هل العنصرية كذلك؟ أم الكراهية أو الأنانية؟

تحليل للكاتب فرانكو ديللي دوني عن أسباب اتجاه قطاع من الناخبين لمنح أصواتهم لليمين المتشدد في أوروبا، نشر بالنسخة الإسبانية من مجلة (فورين بوليسي)


المصدر: https://bit.ly/2HEAOfm

حوار مع الإمام طارق أوبرو حول تحديات الإسلام في فرنسا بين الاندماج والعنف

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
305
عدد القراءات

2019-06-18

ترجمة: مدني قصري


طارق أوبرو؛ كاتب وإمام فرنسي، من أصل مغربي، ولد في تشرين الأول (أكتوبر) 1959، في تارودانت، بالمغرب، ويمثل أوبرو في فرنسا صوتاً، لذلك لتدخّلاته ثقل مؤثّر في النقاش العام.

غالباً ما يتم تقديم أوبرو على أنّه "إمام بوردو"، ظهر في البداية محافظاً، وهو معروف الآن بتصريحاته العلنية لصالح "الإسلام الليبرالي"، وهو يؤكد، على وجه الخصوص، أنّ القرآن الكريم، برأيه، يُساء تفسيره؛ بسبب جهل الناس للنص القرآني، وللتاريخ المعاصر للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم.

غالباً ما يتم تقديم أوبرو على أنّه "إمام بوردو"، ظهر بالبداية محافظاً وهو معروف الآن بتصريحاته لصالح "الإسلام الليبرالي"

هاجسه؛ الحفاظ على مكانة الإسلام في الفضاء الفرنسي، بالنسبة إلى هذا اللاهوتي، الذي مرّ عبر الصوفية والإخوان المسلمين، أصبح الإسلام اليوم في خطر؛ فعلى عكس ما قد يوحي به انتشار النساء المحجبات وتطور الممارسات المجتمعية، فإنّ الكثير من المسلمين المعتدلين يتراجعون عن دين يعدّون تطبيقه بشكل صحيح شبه مستحيل في المجتمع الغربي، صارت ممارسة الدين شاقة للغاية، بسبب التعصب، وعنيفة، أحياناً، هذا ما يقوله في كتابه الجديد "دعوة إلى المصالحة"؛ فكما يوضح في صحيفة "لوبوان" الفرنسية، الأمر "ليس فقط مسألة تصحيح تدين إسلامي ادعائي مطلبي، يتعارض مع القيم الجمهورية، بل الموافقة على تعديل بعض الممارسات الدينية التي لا تحظى ممارساتها بالقبول في المجتمع الفرنسي، وهو تعديل تسمح به النصوص القرآنية"، بحسب قوله، والتي تتيح للمسلمين بأن يكونوا أكثر سعادة، عندما يندمجون بشكل أفضل.

طارق أوبرو؛ كاتب وإمام فرنسي، من أصل مغربي

يقول إمام بوردو: "إصلاح التدين الإسلامي، نعم، ولكن الاعتقاد بأنّه سوف يقضي على تطرف الشباب، اعتقاد قائم على أوهام"، يمكن تفسير التطرف باعتباره عملية تمهيدية للإرهاب، أوّلاً، وقبل كل شيء، بسوء المعاملة التي يعاني منها بعض الأفراد الذين استقروا بشكل سيئ في المجتمع".

اقرأ أيضاً: فرنسا.. هل توقف امتداد يد أردوغان في مساجدها؟!

يريد إمام بوردو، وهو شخصية معترف بها في عالم إسلام فرنسا، إنشاء مجلس وطني للأئمة، وقد نشر، في دار "بلون" (Plon)، كتابه "دعوة إلى المصالحة".

في هذا الحوار، الذي أجرته معه صحيفة "لوبوان" الفرنسية، يدعو إمام بوردو، المسلمين إلى أن يكيّفوا ممارساتهم الدينية، بما في ذلك كيفية تنظيم الصلاة، من أجل اندماج أفضل.

تنصح المسلمين بأن يعتدلوا في ممارستهم للإسلام باسم الاندماج في المجتمع الفرنسي؛ فهل هذا ممكن؟

بالطبع! إنّ ما كان بديهياً بالأمس في مجتمع تقليدي، ليس محتوماً بالضرورة في عصر علم الأعصاب والإنترنت؛ فالرأي والحكم ليسا معزولين عن الإنسان، ليس كل شيء في ممارسات التدين قابلاً للتطبيق، والنص القرآني يوصي مراراً وتكراراً باستخدام العقل والتفكير، هناك ديناميكية في كلمة الله، تمّ نزول القرآن على مدار ثلاثة وعشرين عاماً: لقد تطور وفق الحالات، ونلاحظ أنّ بعض الآيات قد تبدو متعارضة في الظاهر، لأنها تجيب عن مواقف متناقضة في بعض الأحيان، ولكن إذا كان الله، عزّ وجلّ، يراعي أحوال الناس المتغيرة، فماذا نقول عن الإنسان؟ إنّ إجبار المسلم أو المسلمة على اتّباع قواعد معيّنة حرفيًا، مورست قبل عدة قرون، سلوكٌ لا معنى له، والأسوأ من ذلك، أنّ المؤمنين عندما يجدون أنفسهم غير قادرين على التكيف مع متطلبات الحياة الحديثة، يشعرون بالذنب، وقد يدفعهم ذلك نحو اليأس.

ليس كل شيء في ممارسات التدين قابلاً للتطبيق

لكن الإسلام يعتمد على ممارسات محدّدة؛ فليس عبثاً أن أُطلق عليها "أركان الإسلام الخمس"؛ فكيف يمكن تكييفها مع المجتمع المعاصر؟

إنّ "الركائز الخمس" للإسلام، وهي: الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، وحجّ البيت إلى مكة، هي بالفعل طقوس أساسية ... عندما أرى مسلمين يتشبثون بالحلال دون القلق بشأن تعليم أطفالهم الممارسة الجيّدة للصلاة، التي توفر تحوّلاً روحياً وأخلاقياً، أقول لنفسي "إننا نسير على رؤوسنا"، ومع ذلك، لا أعتقد أن عليك أن تترك مكان عملك من أجل أن تصلي، على سبيل المثال؛ يمكننا الجمع بين صلاتين وتأديتهما في المنزل لفترة أطول إذا كانت الوظيفة تتطلب ذلك، إلا أنه بشكل عام، يجب أن يؤخذ في الاعتبار أنّ الأعمال وحدها ليست هي التي تفتح أبواب الجنة أمام المسلم؛ إنه أوّلاً إيمانه بالله تعالى ورحمته العظيمة، الإيمان وتكييف السلوك الأخلاقي بما يتفق مع هذا الإيمان، هو ما يُعرّف المسلم الحقيقي.

أنت نفسك، هل تطوّرت، في قناعاتك وممارساتك؟

بالتأكيد! طارق أوبرو اليوم ليس هو نفسه قبل 30 عاماً، ولو وضعتُهما جنباً إلى جنب، فسوف يدخلان في صراع، لا عجب في ذلك، أي فرد يحترم نفسه لا يقول الشيء نفسه دائماً، لهذا السبب بدأت كتابي بفصلٍ عن الشكّ.

لكن، هل الشكّ ممكن في الإسلام؟

الذين يقولون "لا" لا يعرفون ما الذي يتحدثون عنه؛ الشكّ ليس مسموحاً به وحسب، بل ويُنصح به أيضاً، خذ مثالاً: النبي إبراهيم، عليه السلام، مؤسس التوحيد، خضوعه لله تعالى مشروط وشرطي، إذا أطاع فذاك لأنه عرف السبب، عندما رأى في الحلم أنّ الله تعالى يطلب منه أن يضحي بابنه، فقد شكّ وناقش الأمر مع ابنه المذكور، هل يطيع أمر الله تعالى أم لا؟ على عكس إبراهيم في الكتاب المقدس، فإنّ إبراهيم القرآن الكريم لم يُطع طاعة عمياء بإخفاء الحقيقة عن طفله، الشكّ ملازم لِديننا، علاوة على ذلك، شهدت القرون الثامن والتاسع والعاشر إنتاجاً فقهياً غير عادي، والعديد من المناقشات والجدالات اللاهوتية، ممّا يدل على أنّ الشكّ كان ممكناً وحافزاً على المعرفة، المشكلة أنه بعد أن أصبح الإسلام عظيماً، كحضارة، تراجع حضوره اليوم ... فحتى يطمئنوا صار الناس يفضلون عدم الشكّ، لكنّ هذا السلوك لا علاقة له بالنصوص والدين نفسه.

كل دين يحتاج إلى الهدوء والصفاء لتمكينه من أن يحقق كماله في الروحانية

أنت تصرّ على ضرورة "الظهور الرزين" للإسلام، لماذا؟

كل دين يحتاج إلى الهدوء والصفاء لتمكينه من أن يحقق كماله في الروحانية؛ لذلك يجب أن نعرف كيف نقيم الحلول الوسط، في فرنسا، تسمح العلمانية بالتعبير الديني في القطاعين العام والخاص، ما دامت لا تُخلّ بالنظام العام الذي ينص عليه القانون. للمرأة المسلمة الحقّ في ارتداء الحجاب، لكنه يتعارض مع الثقافة، إلا أنّ الثقافة غالباً ما تكون معيارية أكثر من القانون، المجتمع لا يحب رؤية الرموز الدينية في الأماكن العامة، إذا أراد مسلمو فرنسا الاندماج، فيجب عليهم تبني السلوك الطبيعي للكائن الحذر، فعندما يدخل في عالم لا يعرفه، يقلل من تحركاته، ويقلل من ظهوره بحذرٍ إلى الحدّ الأدنى، حتى لا يعرّض نفسه للخطر.

اقرأ أيضاً: "الإسلام والجمهورية والعالم": هل تعادي فرنسا المسلمين؟

منذ الثمانينيات، دخل الإسلام في فرنسا في مزايدات الممارسات والمطالب، مما تسبّب في ردود أفعال معادية بشكل متزايد. بالنسبة إليّ؛ "الكتمان والرصانة والحشمة والاحتراس" هي الطريقة الوحيدة للحفاظ على الديمقراطية اليوم.

ولكن، أليس هذا مُهيناً للمسلمين الذين يمكن أن يشعروا بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية؟

لماذا؟ لأنّه يحبّ أن تكون مرئيّاً في قلب التواضع، أريد أن يكون المسلمون جديرين، وليسوا فخورين، فخرَ الغرور ... فالتواضع يعني الحياء، الذي هو في صلب تعاليم الإسلام، ارتداءُ وشاح لادّعاء الإسلام دليل على الرغبة في جذب الانتباه وتقديم النفس كشاهد على الإسلام، لكنْ على عكس ادعاءات المدافعين عن الهُوية الذين لا يعرفون النصوص، ليس على المسلم أن يكون داعية، أو حتى شاهداً على عقيدته بمجرد أن تُظهر جهاراً إيمانك، فأنت بذلك تفسده؛ ... والأساس قائم في الحقيقة المدرَكة بالقلب، العلامة السرية، وليس في الظاهرة، لقد أصبح تديننا تديناً استعراضياً، وهذا الاستعراض تشويهٌ له.

هذه المطالبة بالهوية ألا تلبّي حاجة بعينها؟

إنّ الشخص الذي يغرق يتشبّث بأي شيء، أن تكون مسلماً يعني أن يكون لديك شرط أخلاقي؛ هو أن تمارس الصدقة، المغفرة، هو أن تنهض وترقى روحياً، الإسلام ليس درعاً لحماية الهُوية، لكن صحيح أنّه عندما يُختزَل الآخرُ إلى كونه مسلماً فقط، ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد بأنّه مسلم فقط.

اقرأ أيضاً: حزب معارض في فرنسا يدعو ماكرون لتصنيف الإخوان "جماعة إرهابية"

ومع ذلك؛ يجب أن يتكيّف مع الأغلبية غير المسلمة، هذا ما دافع عنه ابن تيمية نفسه، رغم أنّه مرجعية عظيمة للسلفيين، يجب أن نتفهم أخلاقيات الآخر، وأن نفهم أخلاقيات غير المسلمين، حتى لو كانت لا تتوافق مع الإسلام، حسبنا أن نحترم موقف الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذي سمح لمسيحيي نجران بالاحتفال بأداء صلاتهم في مسجده، بإدخال صليبهم.

ما رأيك في جهود الدولة الفرنسية لتنظيم تدريب الأئمة؟

ليس من حقّ الدولة التدخل في شؤون الدين، وبالتالي لا يقع عليها دور تدريب الأئمة. على أيّة حال؛ إنّ تدريب الأئمة مشكلة مزيفة، ما نحتاجه اليوم هو منحهم وضعاً حقيقياً، تحديد وظائفهم، الداعية ليس قسيس سجون، يجب علينا أيضاً طرح الأسئلة الصحيحة، وبالتالي، من الضروري القيام بلاهوت وقائي، من أجل السماح للأئمة بتقدير التأثير السلبي المحتمل لواعظ معين على العقول الهشة، فأنت إذا أثنيتَ على شجاعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالتركيز على مآثره من حيث الأسلحة فقط، بدلاً من مآثر شجاعته الأخلاقية، ففرصك هنا تصبح أكبر في تحريض المؤمنين على المواجهة، وعلى تشجيع الجهاد. القرآن الكريم نصّ متعدّد الأوجه، نحن نعيش مع قانون لاهوتي وُضِع في العصور الوسطى، في أنموذج قائم على الهيمنة، أمّا اليوم؛ فنحن نعيش في مجتمع قائم على المساواة، فمن الأهمية بمكان تغيير النظرية الأخلاقية.

أنت تحذّر مجتمعك من إفراغ المساجد...

بعض المسلمين يتركون الإسلام لأن بعض المتدينين أصبحوا عنيفين للغاية، نرى الفتاة التي ترتدي الحجاب، ولكن لا الفتاة التي تتخلى عنه، يُعتقد أنّ التدين يتطور، لكنها مجرد رؤية انطباعية، وليست حقيقية، التدين الذي نراه ونزعم أنه يزداد ليس سوى واجهة فقط، خاصة بين الشباب؛ فاليوم يتم الانزلاق من موقع سلفي إلى موقع إباحي بسرعة فائقة، إذا كتبتُ هذا الكتاب، فهو أوّلاً للمسلمين، من الملحّ تخفيف السقوط، وإزالة الشعور بالذنب، والتهدئة، والتوجيه، وتحديد ما هو ضروري، التدين الإسلامي اليوم إنزيم يُحفّز تفاعلاً كيميائياً مجتمعياً يتجاوزه كثيراً؛ فهو يُعزّز في الوقت نفسه علمانية مُغلقة ومسيحية متحيّزة لهُويتها.

هل أصولية الوهابية والسلفية أكبر تهديد للإسلام في فرنسا؟

في فرنسا تحديداً، للأسف لا، بل قل إنّه تدخّلُ البلدان الأجنبية، سواء كانت المغرب أو الجزائر أو تركيا، الذي أصبح كارثيّاً، لم تعد السلفية اليوم هي التي يجب أن تُخشى، بقدر الخشية من عودة القوميات ومحاكاة (تقليد) مذاهب العصور الوسطى، مثل المالكية والحنفية والشافعية، وما إلى ذلك، في حين أنّه من الملحّ أن نبني عقيدة نقيّة، تستجيب لأوضاعنا.

أنت تخوض معركة الاندماج منذ أعوام، لدرجة أنك تعدّ "خائناً" في نظر العديد من المتطرفين المسلمين؛ ألست وحيداً جدًا؟ لقد تركت في العام الماضي "مسلمي فرنسا"، (UOIF) سابقًا، أي الجمعية الفرنسية للإخوان المسلمين...

لقد كنت وحيداً دائماً، في الثمانينيات من القرن الماضي، اُستقطِبتُ أوّلاً من قبل جماعة التبليغ، الذين كانوا متواجدين بكثرة بين العمّال، ثم من قِبل الإخوان المسلمين، الذين كانوا، مثلي، أكثر نشاطاً بين الطلاب، لقد استهوتني الصوفية، وفُتِنت لفترة بشخصية حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان، وهو صوفي ملتزم وكان يرتدي ربطة عنق، كان عمري 19 عاماً، وكان بالنسبة إليّ هو الشخص الذي يصالحني مع الحداثة، لكنّ السياسة والعلمنة الوحشية قتلت روحانية هذه المنظمة؛ فنظراً إلى إلحاحها على بناء المساجد وإنشاء جمعيات لم يكن لديها الوقت الكافي لأن تجهّز نفسها بمدونة عقائدية، ولم يكن الإسلام الذي تدافع عنه سوى إسلام مطلبي ادعائي ليس إلا، كان ينبغي على مسلمي فرنسا أن يكوّنوا مؤسسة دينية بحتة، وأن يسمحوا للمسلمين بأن يتدبّروا أمورهم في المجتمع، فإذا كنتُ قد تركت هذا النظام فهذا لعدة أسباب، لكن في الغالب لأنني لا أريد أن أكون لاهوتياً عضوياً.

أوبرو: أن تكون مسلماً يعني أن يكون لديك شرط أخلاقي هو أن تمارس الصدقة، أن تنهض وترقى روحياً

لم يعد من الممكن أن أُضَمِّن أعمالي في منطقٍ مؤسسي؛ فعلى هذا النحو أقوم بتكوين العديد من الطلاب في مدينة بوردو، وفق تصوري للإسلام الذي يتناغم مع العصر، ويشارك العديد من الأئمة في قناعتي بأنّه يجب علينا إعادة التفكير في ديننا من أجل تكييفه مع المجتمع الفرنسي.

ويوجه طارق أوبرو نداءه لفرنسا قائلاً: "تطلبون من الشباب احترام قيم الجمهورية، في حين أنّ القيم ذاتها لا تلقى الاحترام من قبل أولئك الذين هم أولى بالدفاع عنها وتجسيدها"؛ لأنّ فشل اندماج الشباب، واستقالة الآباء وغياب المودة، بسبب تآكل الروابط الأسرية، تفسّر إلى حدّ كبير ظاهرة التطرف المتفشية في المجتمع.

اقرأ أيضاً: فرنسا: ما قصة المسجد المختلط الذي تؤم فيه امرأة الذكور والإناث؟

ويعتقد المفكر المسلم؛ أنّ التركيز على المساجد وحدها وتمويلها، ليس له ما يبرره؛ لأنه في فرنسا، "الديانات الأخرى، مثل الكنيسة الأرثوذكسية، تتلقى تمويلاً من روسيا"، وأنه في الحقيقة، المساجد الكبيرة التي تمولها الدول الأجنبية تصنَّف     كـ "مساجد معتدلة".

كما يشير أوبرو إلى أنّه "لا يكفي بناء مسجد بأموال المؤمنين كي تكون معتدلة، ولا أن يتم تكوين الإمام في فرنسا ليكون بالضرورة إماماً معتدلاً، العديد من الأئمة الأجانب أكثر اعتدالاً بكثير من بعض أئمة الجيل الثاني الفرنسي الذين تلقوا تكوينهم في فرنسا".


المصدر: lepoint.fr

حريق نوتردام: كيف تحول نقاش في العمارة إلى جدل سياسي؟

1,289
عدد القراءات

2019-06-16

ترجمة: محمد الدخاخني


الاستعادة أم الاستحداث؟ منذ قام ذاك الحريق الرّهيب بتدمير كاتدرائيّة نوتردام في نيسان (أبريل) الماضي، انقسمت الأمّة الفرنسيّة بين من يرغبون في رؤية الكاتدرائيّة يجري إعادتها بتأنّ ودقّة إلى مجدها السابق، وأولئك الذين يفضّلون وجهة نظر الرئيس، إيمانويل ماكرون، الذي تعهّد "بإعادة بناء نوتردام حتّى تكون أجمل ممّا كانت عليه".

اقرأ أيضاً: العالم يتضامن مع فرنسا.. كيف احترقت "نوتردام"؟ .. فيديو وصور

أيضاً، أصرّ ماكرون، بأسلوبه القويّ والمُفرِط في الطموح عادةً، على أنّ الكاتدرائيّة ستعود إلى أفضل حالاتها "خلال خمسة أعوام". وكان قد صرّح في اليوم التالي للحريق قائلاً: "إنّنا شعب من البناة. ولدينا الكثير لنعيد بناءه".

كاتب وناشط ينتمي إلى يسار الوسط: إنّ أيّ شيء بخلاف التّرميم الكامل من شأنه أن يدمّر روح نوتردام

ولكن بدلاً من أن يكون مشروعاً مُوحِّداً، أصبح السّؤال الخِلافيّ المتمثّل في استعادة نوتردام استعارةً للمعركة بين رؤية ماكرون التّحديثيّة لفرنسا، "أمّة الشّركات النّاشئة"، وبين عدد كبير من المواطنين الفرنسيّين غير المقتنعين بهذا المنظور. وقد وقّع حوالي 1169 معماريّاً ومُتحفيّاً وجامعيّاً خطاباً مفتوحاً إلى ماكرون، نصحوه فيه بالانتظار والتّفكير في عمليّة إعادة البناء هذه. وجاء في الخطاب: "لنأخذ الوقت الكافي للقيام بتشخيص مناسب. ونستمع إلى الخبراء، ونطّلع على معارفهم، ثمّ، نعم، نحدّد مهلة طموحة لاستعادةٍ مثاليّة".

وتشير الاستطلاعات إلى أنّ أكثر من نصف السّكان يريدون عودة الكاتدرائيّة إلى ما كانت عليه. وفي الشّهر الماضي، أقرّ مجلس الشّيوخ الفرنسيّ مشروع قانون ينصّ على أنّه ينبغي استعادتها إلى مظهرها مباشرةً قبيل الحريق. ومع ذلك، وافق ماكرون على مسابقة دوليّة للتّصميمات المعماريّة المبتكرة.

وافق ماكرون على مسابقة دوليّة للتصميمات المعمارية المبتكرة

وفي وسط الخِلاف التّحديثيّ يأتي برج الكنيسة المتهدّم. وهو البرج الذي صمّمه وشيّده يوجين فيوليت-لو-دوك عام 1859 ويصل ارتفاعه إلى 93 متراً، وكان يُعَدّ تحفةً فنيّةً تنتمي إلى العصر القوطيّ الحديث. وعندما اشتعلت النّيران وتحطّمَ عبر السّقف، اختفى جزء من نوتردام إلى الأبد.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟

وعندما أعلن ماكرون أنّ "لفتة معماريّة معاصرة" ستكون بديلاً مناسباً - بعد إعلان رئيس وزرائه، إدوارد فيليب، عن مسابقة التّصميمات المعماريّة -، ظهر هاشتاغ TouchePasANotreDame (لا تلمس نوتردام) على وسائل التّواصل الاجتماعيّ. ويقول رافائيل غلوكسمان، وهو كاتب وناشط ينتمي إلى يسار الوسط، إنّ أيّ شيء بخلاف التّرميم الكامل من شأنه أن "يدمّر روح نوتردام". وفي لحظة نادرة من الوحدة السّياسيّة بين مُختلف الأطياف، التقت وجهات نظر كلّ من الزّعيمة اليمينيّة المتطرّفة مارين لوبن والنّجم المُحافِظ فرانسوا كزافييه بيلامي.

لكن المقترحات المختلفة لشيء مختلف تماماً تسير على قدم وساق. فقد اقترح المعماريّ ألكساندر تشاسانغ وضْع قمّة مستدقّة مصنوعة من الكسرات الزّجاجيّة، وشارك ذلك عبر تويتر، قائلاً: "لا ينبغي لنا نسخ الماضي عن طريق المحاكاة". ومهما كان القرار، فإنّ الأعمال الّتي ستخضع لها نوتردام ستكون بمثابة ترميم لمعلَم أثريّ مُدرَج ضمن قائمة اليونسكو للتّراث العالميّ، وهو ما يجعلها عمليّة يجب أن تتفق مع قانون عام 1913 بشأن الآثار، وهو القانون الّذي يحدّ من الإضافات الجديدة لهذه الأبنية.

فتح حريق نوتردام نقاشاً أوسع حول حماية المواقع التّاريخيّة

ومن جانبه، لم يختر حفيد المعماريّ الأصليّ، فيوليت-لو دوك، جانباً، لكنّه لاحظ أنّ ما يجري هو "نقاش رائع بين القديم والجديد. ومن المؤسف أنّ فيوليت-لو دوك لم يعد بيننا للمشاركة فيه، فقد كان ليهتمّ للغاية بمثل هذا الأمر"!

العديد من المعالم الأثريّة في فرنسا بحاجة إلى أعمال التّرميم، وفتح حريق نوتردام نقاشاً أوسع حول حماية المواقع التّاريخيّة

لكنّه نقاشٌ يُظهِر، أيضاً، كيف يقوم نهج ماكرون المتحمّس بإزعاج الكثير من الفرنسيّين. كما هو الحال في السّياسة، ماكرون مهووس بالابتكار عندما يتعلّق الأمر بالعِمارة: إنّ أصغر رئيس لفرنسا لا يريد ببساطة إعادة بناء الكاتدرائيّة - وإنّما تحسينها. في السّياسة، يتمتّع ماكرون بسمعة مستحقّة في تحديده لأهداف جريئة (مثل تحرير قطاعات واسعة من الاقتصاد الفرنسيّ) وعدم القلق بشأن التّفاصيل، وهو ما يمكن أن يؤدّي في نهاية الأمر إلى احتجاجات تستمرّ عدّة أشهر، كتلك الّتي قامت بها مجموعات "السّترات الصُّفر". من هنا، يودّ ماكرون أن تُجسّد الكاتدرائيّة الجديدة فرنسا المُحدَّثَة الّتي يتطلّع إليها.

يمكن أن تكون عمليّة إعادة بناء الكاتدرائيّة، بالتّأنّي والحذر، فرصةً لمشروع يأتي مرّة واحدة في الجيل، عبر إعادة بناء الدّاخل والخارج باستخدام خبرات تقليديّة في النّجارة والعِمارة. أيضاً، العديد من المعالم الأثريّة في هذا البلد في حاجة ماسّة إلى أعمال التّرميم، وقد فتح حريق نوتردام نقاشاً أوسع حول حماية المواقع التّاريخيّة الفرنسيّة. ورؤية ماكرون الّتي تقضي بعمل مسابقات كبرى وتحديد مواعيد مستحيلة لإنجاز المخطّط تُبرِز ببساطة القدرات الإداريّة الضّعيفة وراء أدائه الاستعراضيّ.

اقرأ أيضاً: كاتدرائية نوتردام تحيي أول قداس بعد الحريق

لكنّني أعتقد أنّنا يجب أن نكون شاكرين لحسن حظٍّ ضئيل. فعلى الأقلّ، نجت نوتردام من عمليّة تلميع أرادتها العائلات والشّركات الّتي تبرعت بالمبالغ الأكبر من الأموال لنفسها: لن تكون هناك كاتدرائيّة نوتردام تابعة لشركة "لوريال". على الأقلّ، ليس الآن.


المصدر: الغارديان، بولين بوك

 




القطاع النفطي الإيراني يتراجع.. هذا هو موقف أوروبا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
402
عدد القراءات

2019-06-19

أقرّ وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنه، بالصعوبات التي تواجه القطاع النفطي في إيران، مؤكداً أنّ؛ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة على الجمهورية الإسلامية، وفق ما ونقلت وكالة "فارس" للأنباء.

وحجبت وزارة النفط الإيرانية بيانات صادراتها من النفط، خلال نيسان (أبريل) الماضي، للشهر التاسع على التوالي، وسط تدني صادراتها من الخام بفعل العقوبات الأمريكية.

وزير النفط الإيراني يؤكد أنّ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية

ومنذ أيار (مايو) 2018؛ انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية ومالية ونفطية على طهران، اعتباراً من آب (أغسطس) 2018، وتوسعت في تشرين الأول (نوفمبر) من العام ذاته.

وعرقلت العقوبات الأمريكية صادرات طهران من النفط الخام، بعد منع العديد من الشركات العاملة في صناعة النفط والمشتقات البتروكيماوية، وشركات نقل الخام، أبرزها، شركة "ميرسك تانكرز" الدنماركية، المتخصصة في نقل شحنات الخام.

وجاء في تقرير منظمة "أوبك" الشهري؛ أنّ "إنتاج طهران من النفط الخام تراجع بنحو 227 ألف برميل يومياً، في أيار (مايو) الماضي، مقارنة بـشهر نيسان (أبريل) 2019.

وكان وزير النفط الإيراني، بيجان نمدار زنقنة، قد اعترف بأنّ "طهران تستخدم طرقاً "غير تقليدية" للالتفاف على العقوبات الأمريكية، ومواصلة بيع نفطها في السوق السوداء، في مقابلة نشرت الأسبوع الماضي.

وقال الوزير، لوكالة "شانا" الإخبارية الإيرانية: "لدينا مبيعات غير رسمية، أو غير تقليدية، جميعها سرية، لأنّ الولايات المتحدة ستوقفها إن علمت بها".

وامتنع زنقنة عن إعطاء مزيد من التفاصيل بشأن الصادرات النفطية الإيرانية، مؤكداً أنّه لن يكشف أيّة أرقام إلى أن تُرفع العقوبات.

 

وشهد شاهد: مصور سابق في "الجزيرة" يكشف علاقة القناة بالجماعات المسلحة.. هذا ما قاله!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
341
عدد القراءات

2019-06-19

كشف المصور الحربي السابق بقناة "الجزيرة"، محمد فوزي، الأدوار المريبة للقناة وأجندتها العدائية الداعمة للجماعات المسلحة ونشر الفتنة والاضطرابات.

فوزي: مسلحون في "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا يعملون مع قناة "الجزيرة" كموظفين برواتب

وقال المصور، الذي عمل في شبكة "الجزيرة" نحو 12 عاماً، في مقابلة مع موقع "العين" الإخباري: "كنّا نذهب إلى أماكن الأحداث الإرهابية قبل وقوعها، كنت أعتقد حينها أنّنا نقدّم سبقاً صحفياً".

وعبّر فوزي، لـ "العين"، عن ندمه على العمل في "الجزيرة"؛ بسبب الدور التي اضطلعت به ومساهمتها فيما حدث من تخريب ودمار في المنطقة.

وكشف فوزي، في المقابلة، أنّ هناك أعضاء من تنظيمات مسلحة، مثل: "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا، يعملون مع قناة "الجزيرة"، كموظفين، ويحصلون على رواتب لتسهيل مهمات القناة الصحفية.

"ورغم أنّ علاقة الجماعات المسلحة بقناة "الجزيرة" كانت غامضة، وتثير تساؤلات بين بعض العاملين، إلا أننا –كموظفين- لم يكن لنا الحقّ في السؤال"؛ وفق فوزي.

وقال فوزي: إنّ "قناة "الجزيرة" اشترت مجموعة كبيرة من الكاميرات صغيرة الحجم ووزعتها على التنظيمات المسلحة داخل سوريا."

ولفت، في المقابلة، إلى أنّ القناة "كانت تسمح لنا فقط بتصوير المناطق بعد القصف، أو استهدافها من جبهة النصرة، لكن لم يكن مسموح لنا أن نرافقهم في عملياتهم تجاه المدنيين".

فوزي يكشف كواليس مقابلة قناة الجزيرة مع زعيم جبهة النصرة الجولاني في 2015

وكشف فوزي ترتيبات خاصة لفضائية "الجزيرة"، خلال مقابلتها مع "أبو محمد الجولاني"، عام 2015، زعيم جبهة النصرة في سوريا.

وأشار، وفق "العين"، إلى أنّه شارك في صنع الصورة الذهنية لزعيم جبهة النصرة في سوريا؛ حيث إنّ الفضائية طلبت منه تغيير ملابسه، وإضافة لافتة سوداء خلفه، ووضع سلاح بجواره.

وأضاف: "عندما التقيت زعيم جبهة النصرة في منزله، كان يبدو شخصاً عادياً، يرتدي معطفاً، إلّا أنني طلبت منه تغيير ملابسه، وكذلك وضع لافتة خلفه، وحمل سلاح".

ورأى فوزي؛ أنّ تصريحات زعيم جبهة النصرة خلال المقابلة، ومنها جملة مهمة هي: "ندعم تنظيم القاعدة، ونوافق على طلباته"، توضح التعاون بين "الجزيرة" وتنظيم جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، برأيه.

وكشف بعض كواليس اللقاء، وأبرزها، وفق قوله لـ"العين": إنّ "شخصاً جاء خلال المقابلة من الخارج، وأعطى زعيم جبهة النصرة مبلغاً كبيراً من المال وضعه في جيبه".

وأشار فوزي للمصدر ذاته، إلى أنّ أهمّ شيء عند التنظيمات المسلحة هو تصوير العمليات؛ لأنهم يتلقون أموالاً كبيرة مقابل العمليات الإرهابية المصورة.

وقال مصور الحربي السابق في قناة الجزيرة: "فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين، ومع أسر متعاونة مع الإرهابيين، في بيوت مؤمّنة من جبهة النصرة".

فوزي: فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين في بيوت مؤمنة من جبهة النصرة

وكشف فوزي في المقابلة؛ أنّ "صحفياً يعمل في "الجزيرة الإنجليزية"، كان يستخدم عربات الفضائية لتمرير إرهابيين من الحدود التركية إلى داخل سوريا، أثناء وجود فريق عمل "الجزيرة" في منطقة "هاتاي" الحدودية.

وأوضح مصور "الجزيرة" السابق؛ أنّه التقى شخصاً كان معدّاً في قناة "الجزيرة"، وكان يعمل كذلك وسيط سلاح وأموال، في منطقة هاتاي على الحدود مع تركيا وسوريا.

وأضاف فوزي: "هذت الشخص كان له باع طويل جداً في تهريب الأسلحة وشرائها، وهو أيضاً شقيق أحد المعارضين السوريين البارزين، وكان له العديد من الأنشطة الغامضة وسط صفوف العاملين في القناة".

تيسير علوني

ولفت فوزي إلى أنّ "هذا الشخض أصبح مديراً لمكتب قناة "الجزيرة" في لندن، مكافأة له على ما قام به في سوريا لصالح الشبكة".

وقال المصور في المقابلة: "الجزيرة كانت من أوائل المحطات التلفزيونية التي دخلت إلى ليبيا".

وأشار فوزي إلى أنّ التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة؛ حيث "كنا نذهب لأماكن الأحداث أو الهجوم بالأسلحة قبل وقوعها، وكأنها كانت تنفذ بالتنسيق مع "الجزيرة""، وفق قوله لـ"العين".

ونوّه إلى أنّ "الفضائية تملك علاقات قوية جداً مع الجماعات المسلحة في ليبيا، كانت لنا الأفضلية عند التنظيمات الإرهابية المختلفة".

فوزي: التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة حيث كنا نذهب لأماكن الأحداث قبل وقوعها

ولفت إلى أنّ "مكتب قناة "الجزيرة" في مدينة بنغازي (شرق)، كان عبارة عن مركز للشرطة الليبية، على البحر المتوسط، وتم تدميره واستخدمته "الجزيرة" كمكتب لاحقاً، دون تنسيق مع أحد، ولم يعترضها أحد؛ بل وكانت المظاهرات يتم ترتيبها أمام مكتب "الجزيرة"، بتنسيق مع الجماعات المسلحة، حتى يتم تصويرهم"، وفق قوله في المقابلة.

وكشف المراسل الحربي السابق لقناة "الجزيرة"؛ أنّ "المسؤول الإعلامي لتنظيم القاعدة في "شمال مالي" هو نفسه معدّ قناة "الجزيرة"، وهو الشخص الذي يرتب كلّ اللقاءات الصحفية للفضائية مع التنظيمات المسلحة في إفريقيا"، موضحاً: "عندما احتلّ تنظيم أنصار الشريعة في شمال إفريقيا أجزاء من دولة مالي، "ذهبنا نحن طاقم "الجزيرة"، إلى دولة مالي عن طريق النيجر عبر الحدود، بتنسيق مع معدّ "الجزيرة"، الذي هو في نفس الوقت المسؤول الإعلامي لتنظيم أنصار الشريعة".

وأشار إلى أنّه "في هذه الأثناء، دار حديث بين أمير الجماعة المغربي وشخص آخر موريتاني، مسؤول عن تصوير كل عمليات القاعدة، ولديه شركة إنتاج اسمها "صحارى"، ويعمل أيضاً مع "الجزيرة"، وهو منسق الرحلة لقناة للجزيرة".

وأضاف: "مالك شركة "صحارى"؛ التي تصور العمليات الإرهابية للقاعدة في إفريقيا كان مراسل "الجزيرة" في موريتانيا سابقاً".

وكشف فوزي؛ أنّه أثناء حضوره مؤتمراً صحفياً لوزير خارجية طالبان، عام ٢٠٠١، فوجئ بمصور "الجزيرة" لاحقاً، سامي الحاج، بصحبة الوزير".

وأشار إلى أنّ القناة استعانت بسامي الحاج بعد هذه الواقعة في أفغانستان، ضمن خطتها دائماً، حيث كانت تجند أشخاصاً مرتبطين بالجماعات المسلحة، وترسل لهم كاميرات صغيرة يرسلون منها المواد لإذاعتها بعد ذلك.

وكشف مراسل الجزيرة الحربي السابق؛ أنّ "تيسير علوني، مراسل "الجزيرة"، عام 2001، جاء إلى المراسلين العرب في كابول، وقال لهم: "التحالف الشمالي سوف يقتحم المدينة في اليوم التالي، وسوف آتي غداً وأؤمن خروجكم""، مردفاً: "تيسير علوني جاء بصفته عربياً في هذه الأثناء، وليس بصفته مراسل "الجزيرة"".

ولكن، والحديث لـ "فوزي"، علوني جاء فعلاً في اليوم الثاني صباحاً، وأخذ شخصاً واحداً من حركة طالبان، واسمه "أبو جهاد"، وهو سوري الأصل، ويعدّ أحد قيادات القاعدة في حينها.

سامي الحاج

وأكّد أنّ "علوني" كان قريباً جداً من تنظيم القاعدة، ولهذا اصطحب قيادياً منها، وهرب قبل الاجتياح.

وعمل علوني مراسلاً لقناة "الجزيرة" في أفغانستان، تشرين الأول (أكتوبر) 2001، وهرب قبل ساعات قليلة من دخول قوات التحالف إلى العاصمة كابول، بصحبة تنظيم القاعدة، وفق ما ورد على لسان فوزي في مقابلته مع موقع "العين" الإخباري.

 هذا وقد أبدى المراسل الحربي السابق للجزيرة ندمه على عمله بالفضائية، لمدة ١٢ عاماً؛ حيث إنّ أهدافها لم تكن معلومة له، لكن الآن كلّ شيء أصبح واضحاً للعيان، وفق قوله.

وأضاف فوزي في المقابلة: "كنت أحاول أن أكون بعيداً عن قسم الأخبار العربية؛ لأنّها أساس كلّ المشكلات؛ حيث إنّ أغلبهم من الإخوان، فعندما جاء وضاح خنفر (عمل بالجزيرة من 2003-2011) إلى قناة "الجزيرة"، جاء بفريق كبير من الإخوان المسلمين".

 

التحالف يعترض طائرة مسيّرة تحمل متفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
294
عدد القراءات

2019-06-19

اعترضت قوات التحالف العربي، اليوم، طائرة حوثية مسيَّرة، تحمل متفجرات، قبل دخولها الأجواء السعودية.

وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: إنّ "قوات التحالف الجوية تمكّنت، عند الساعة التاسعة من صباح اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار "مسيّرة"، كانت متجهة نحو الأراضي السعودية"، وفق ما ذكرت وكالة "واس".

الطائرة الحوثية المسيَّرة محمّلة بالمتفجرات وأُطلقت باتجاه السعودية من محافظة الحديدة

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "الطائرة المسيّرة، تم رصد إطلاقها من قبل الميليشيا الحوثية من محافظة الحديدة، وتم اعتراضها فوق الأجواء بمحافظة حجة، قبل دخولها المجال الجوي للمملكة".

وأضاف: "الميليشيا الحوثية الإرهابية مستمرة بمخالفة اتفاق ستوكهولم، وخرق وقف إطلاق النار بالحديدة، وتواصل اتخاذ المحافظة مكاناً لانطلاق الأعمال العدائية والعمليات الإرهابية، بإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وكذلك إطلاق هجمات القوارب المفخخة والمسيّرة عن بعد".

وشدّد على أنّ هذه الأعمال تمثّل تهديداً حقيقياً للأمن الإقليمي والدولي، وتقويضاً للجهود السياسية لإنجاح اتفاق (ستوكهولم)، كما تواصل مخالفة القانون الدولي الإنساني، باستهداف المناطق المأهولة بالسكان، واتخاذ المدنيين كدروع بشرية لنشاطاتها الإرهابية المتعلقة بتخزين وإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وتفخيخ وإطلاق القوارب المفخخة والمسيَّرة عن بعد.

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ قيادة القوات المشتركة للتحالف تؤكّد الحقّ المشروع باتخاذ وتنفيذ إجراءات الردع المناسبة للتعامل مع هذه الأعمال العدائية والإرهابية، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني، وقواعده العرفية.

وتحاول الأداة الإجرامية الإرهابية الحوثية، استهداف المنشآت المدنية والمدنيين في المملكة العربية السعودية، في محاولات بائسة ومتكررة، عبر هذه الطائرات المسيرة.

وكان تحالف دعم الشرعية في اليمن قد أعلن، ليل الإثنين-الثلاثاء، عن اعتراض وإسقاط طائرتين مسيَّرتين تحملان متفجرات، أطلقتهما ميليشيات الحوثي باتجاه المملكة.

وأمس الأول، الإثنين، دان مجلس الأمن الدولي بشدة، استهداف الحوثيين مطار أبها الدولي السعودي، قبل أيام، داعياً إلى محاسبة مَن يقف وراء هذا الاعتداء الذي قوبل بموجة إدانات عربية وإقليمية ودولية واسعة.

 




في يوم اللاجئ العالمي.. الحاجة سردانة: ننام ونستيقظ على أمل العودة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
37
عدد القراءات

2019-06-19

ماجدة أبو طير

منذ النكبة الفلسطينية حتى اليوم، لم تجد الحاجة هدى يوسف سردانة، الراحة، فالألم يتنوع والقدرة على تحمله باتت قليلة، ولا يوجد في الذاكرة متّسع لحزن جديد.

من الطفولة إلى الشيخوخة، تشكو سردانة من أن «عمراً بأكمله يتجسّد أمامنا لا فرح به بل هو نكبات متتالية تشبه أوطاننا».

وفي يوم اللاجئ العالمي وفي زقاق مخيم البقعة الذي يعتبر من أكبر وأهم المخيمات الفلسطينية في العاصمة الأردنية عمّان، وصلت «البيان» إلى منزل صغير جداً هو عبارة عن غرفتين، استقبلتنا الحاجة بثوبها الفلسطيني المطرّز مرحّبة بنا بلهجة بلدتها «الفالوجة». للحظات فقط وبلا مقدمات بدأت تحكي عن النكبة والنكسة، وكيف تنقّلت من مخيم إلى آخر وصولاً إلى مخيّم البقعة.

حلم العودة

تقول سردانة وهي تلامس الـ 84 عاماً من عمرها: لا يختلف مخيم عن آخر، واللاجئ يبقى متمسكاً في حلم العودة إلى نهاية حياته، ويُذكّر على الدوام أولاده وأحفاده بوطنه، كيف سُلب في لحظات، على أمل أن يكون الخير القادم في هذه الأجيال.. حياة اللجوء لا يمكن وصفها بكلمتين فقد عشنا الموت والرعب ومع ذلك زاد الإصرار لدينا وتشبثنا بالحياة.

تضيف: المرأة في اللجوء تصبح قوّتها مضاعفة لإثبات حقها في الوجود والوقوف إلى جانب أسرتها. لقد حضرت النكبة وكان عمري 12 عاماً وبدأت أسمع قصص المذابح والقتل والتهجير، وكل ذلك ترك أثراً في شخصيتي، وأصبح الصمود منهجاً في تفاصيل حياتي. اليوم أعيش وحيدة في المخيم.. لم أتزوج ووالدتي توفيت مؤخراً، ورغم ذلك فإنني أقاوم المرض والحزن والذكريات.

لجوء متنقل

في عام 1948 كل القرى الفلسطينية هُجرت إلا بلدة الفالوجة، حيث صمدت في وجه العصابات اليهودية لمدة عام، وبعد ذلك توجه أهلها إلى الخليل ومن ثم إلى أريحا وصولاً إلى منطقة «الكرامة» في الأغوار المحاذية للأردن، وكانت تسمى آنذاك «البيار». وعاشت هنالك الحاجة هدى وعائلتها ما يقارب 20 عاماً، ومن ثم انتقلت إلى مخيم «البقعة».

وشهدت سردانة وعائلتها النكبة والنكسة والعديد من المذابح. تقول الحاجة هدى: بعد حرب 1967 توجهنا إلى مخيم البقعة وسكنا في الخيام لمدة عامين، وفي الثالثة بنينا كرفانات من ألواح الإسبست والزينكو. اللاجئ الفلسطيني مرّ بتجارب مليئة بالقسوة والخوف، والأخطر من ذلك كله أننا لم نكن على دراية بمستقبلنا، وفي كل يوم نستيقظ على أمل العودة للفالوجة.

عن "البيان" الإماراتية

هل يبقى ترامب حتى 2024؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
18
عدد القراءات

2019-06-19

وحيد عبد المجيد

بداية مبكرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستُجرى في نوفمبر 2020. تبدأ هذه الانتخابات رسمياً في فبراير القادم مع الجولة التمهيدية الأولى في ولاية أوهايو، لتتواصل حتى اختيار مرشحيْ الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، منتصفَ العام نفسه.
والمعتاد أنه عندما يكون الرئيس في ولايته الأولى، يُعيد حزبه ترشيحه لفترة ثانية، ولا تُجرى بالتالي انتخابات تمهيدية في داخله. ولذا ستُجرى هذه الانتخابات في الحزب الديمقراطي فقط، لأن الرئيس ترامب سيكون مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات 2020.
لكن مقدمات السباق داخل الحزب الديمقراطي بدأت مبكراً مطلعَ العام الجاري، عندما ظهر عدد متزايد من الطامحين لخوض السباق من أجل الترشح، دون أي مؤشر على إمكان حدوث توافق على أحدهم ليكون معبراً عن الاتجاه الرئيس في الحزب. غير أن الصراع داخل الحزب لم يشتد إلا عندما أعلن نائب الرئيس السابق جو بايدن، في 25 أبريل، خوضه المنافسة.
ولا يمثل انضمام بايدن للسباق حلاً لمشكلة التوافق على مرشح يحظى بدعم الحزب كله، بل ربما يفاقم هذه المشكلة. يمثل بايدن (76 عاماً) اتجاهاً وسطياً ينظر إليه قطاع معتبر في قاعدة الحزب بوصفه يمثل الماضي، وليس المستقبل.
كما أن تقدم عمر بيرني ساندرز (77 عاماً)، اليساري الذي نافس هيلاري كلينتون عام 2016 بشراسة، يجعله غير قادر على إقناع قطاعات تنحو لليسار في قاعدة الحزب، كونها تتحفظ على استمرار الأجيال الأقدم في تصدر المشهد السياسي. ومن أهم هذه القطاعات جماعات شبابية تقدمية يتفاوت حضورها من ولاية إلى أخرى. لا تريد هذه الجماعات مرشحاً ديمقراطياً ذا توجهات يسارية فقط، ولكن صغير السن أيضاً. ولا يبدو أنها تتجه إلى توافق على أي من المتسابقين الشباب الذين تُعد عضو الكونغرس «الكساندريا أوسكايو-كورترز» أصغرهم سناً (30 عاماً).
وتفيد مؤشرات أولية أن الكثير من الشباب التقدميين، وغيرهم ممن يميلون لليسار في قاعدة الحزب، يفضلون ترشيح سيدة مرة أخرى. لكن هذه القاعدة منقسمة بشدة، الأمر الذي قد يؤدي حال استمراره إلى إضعاف فرص المتسابقات، وكذلك المتسابقين الشباب، وربما كل مَن يميلون لليسار، لأنه يُشتت الأصوات، ويُضعف فرص الحصول على تمويل كافٍ، وخاصة أن أغلبهم يعتمدون على تبرعات صغيرة عبر شبكة «الإنترنت».
وفي هذه الحال، ستزداد فرصة بايدن، الذي تلقى تبرعات قيمتها 6.3 مليون دولار خلال 24 ساعة فقط بعد إعلان ترشحه، لأنه قد يكون المستفيد الأول من تشتت أصوات القاعدة التي تسعى إلى تجديد شباب الحزب الديمقراطي وتغيير اتجاهه.
وربما يكون ترشيح بايدن خبراً ساراً للرئيس ترامب، الذي قد لا يجد صعوبة -في هذه الحال- في الفوز بفترة رئاسية ثانية. شبح تجربة باراك أوباما يلاحق نائبه بايدن. فقد فضّل نصف الناخبين تقريباً ترامب، القادم من خارج المؤسسة السياسية في انتخابات نوفمبر 2016 الرئاسية، على هيلاري التي عملت مع أوباما وحظيت بدعمه في تلك الانتخابات. وحدث ذلك قبيل أن يجربوا ترامب، ويلمسوا التحسن الملموس في الاقتصاد الأميركي، والتغيير الإيجابي في بعض اتجاهات السياسة الخارجية. ولذا، فالأرجح أن يحصل ترامب على تأييد أكبر بعد أن انخفضت نسبة البطالة إلى أدنى معدل لها منذ عام 1969، وازدادت فرص العمل بمعدل نحو 200 ألف وظيفة جديدة شهرياً في المتوسط، وارتفعت الأجور بنسبة 3%، وتراجع التضخم إلى نحو 2% وأقل.
ولذا، فالأرجح أن يزداد الميل إلى إعادة انتخاب ترامب إذا صار بايدن منافسه في الانتخابات النهائية، لأنه كان أقرب إلى أوباما من هيلاري. وحتى إذا اختفى أوباما من المشهد، وفق طلب بايدن الذي يدرك أن الرئيس السابق عبء عليه، لن ينسى الناخبون الناقمون على أداء البيت الأبيض في الفترة بين 2009 و2016 العلاقة الوثيقة بينهما. وإذا أضفنا أن بايدن لن يحظى بدعم كامل في حزبه المنقسم بشدة، تبدو فرصة استمرار ترامب في الرئاسة حتى نهاية 2024 كبيرة. والأرجح في هذا الحال أن تزداد تدريجياً شعبيته التي تخطت 45% للمرة الأولى منذ تنصيبه، وفق استطلاع معهد «غالوب»، الذي نُشرت نتائجه في 6 مايو الجاري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

لماذا نصوّت لليمين المتشدد؟

84
عدد القراءات

2019-06-19

ترجمة: علي نوار


يتطرق كتاب "وباء التشدد" للصحفي أندريو جيريز، وأستاذ العلوم السياسية، فرانكو ديللي دوني، إلى تصاعد ظاهرة الأحزاب القومية المتشددة والمناهضة لأوروبا والمعادية للأجانب التي تشهدها أوروبا، عن طريق تحليل نماذج من 12 دولة في القارة العجوز، ونقدم هنا الفصل الأخير من العمل الذي يستعرض الأدوات النفسية التي تدفع ملايين الأوروبيين اليوم إلى التصويت لصالح هذه التيارات.

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

"يمنحوننا أصواتهم لأنهم أشخاص عاديون للغاية يعانون مشكلات عادية للغاية". تخص هذه العبارة القيادية رفيعة المستوى في حزب "بديل لأجل ألمانيا" اليميني المتشدد في ألمانيا، بياتريكس فون شتورش، وهي ليست كأي جملة، فهي مفتاحية للبدء في فهم التأثير الناجح للخطاب الذي تتبنّاه حركات اليمين المتشدد الجديدة في أوروبا.

يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول

ليس ثمة مقترحات ولا خطط ولا حتى أيديولوجيا، الأمر كله عبارة عن قيم ومشاعر، وفي نفس الوقت بتوصيف زخم ما وغريزة وتطلّع لشيء مختلف، نشعر جميعاً بأنّنا "عاديون" ونقتنع تماماً بأنّ مشكلاتنا واهتماماتنا ومخاوفنا "عادية". ولا يعرّف خطاب اليمين المتشدد ماهية هذا "العادي"، بل يتركه لرغبات المواطن كي يملأه بما يبدو له مناسباً، ويطلق على عملية الملء هذه مصطلح "الشعور العام"، ولا يوجد خلف هذا الشعور سوى القيم الخاصة بنا، والمفاهيم التي تسمح لنا بالتمييز بين ما نريد وما لا نريد، وما هو خير وشرّ، ما نؤيّده وما نرفضه، وعلى أساس كل ذلك نمنح أصواتنا.

زعيم الحزب المتطرف الإسباني فوكس
نجح اليمين المتشدد في إعداد سرديات تختلف من دولة إلى أخرى، تبلور القيم الأساسية بالنسبة لقطاعات بعينها، ربما تكون هذه القيم غائبة أو مشوّهة في خطاب الأحزاب الأخرى. قيم لا مكان لها بالضرورة في خطط الحكومة، عن طريق مقترحات قوانين أو مشروعات محدّدة. ومن منظور اليمين المتشدد، فإنّ الشيء الأهم هو صياغة منطق أعمق ألا وهو ذلك الذي يحرّكنا: الخوف من المجهول وكراهية المختلف والإحباط الناجم عن عدم تحقّق توقّعاتنا.

اقرأ أيضاً: بعد فلندا.. هل يصعد اليمين المتطرف في إسبانيا؟
هذا هو بالضبط ما تغفل عنه الأغلبية الساحقة من المراقبين ومنافسي أحزاب اليمين المتشدد، الذين لا يدركون السبب وراء قدرة حزب يفتقر لأي محتوى على حشد ملايين الناخبين. يعجز الكثير من ساسة اليسار واليمين على حدٍ سواء في إيجاد منطق ما خلف تنامي نفوذ اليمين المتشدد، وربما لن ينجحوا في ذلك مطلقاً.

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر

فهم لا يعرفون سوى المنطق كأداة ومحفّز ودافع للشعبية الانتخابية، يظنّون أنّ عملية التصويت تخضع لمعايير ذات أساس منطقي بالضرورة، ويعيشون على أوهام القرن الـ19 والـ20، والتنوير، وقدرتنا على التفكير المنطقي العقلاني بوصفه مرشداً لأفعالنا. لكن الحقيقة أنّ عقلنا أعقد بكثير من مجرّد آلية التفكير في المميزات والعيوب؛ فالقرارات تخضع للدوافع والتي بدورها، في أغلب الأحوال، لا تكون ناتجة عن التمحيص، وربما لا نكون على دراية من الأساس بهذه الدوافع، ومن بين أبرز دوافعنا تظهر المشاعر.

تعزّز ظاهرة اليمين المتشدد هذه الفكرة؛ فالدعم الانتخابي الذي يحصل عليه هذا التيار منبعه في حالات قليلة جداً القرار المنطقي، بالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح. وعلى الجانب الآخر، سيكون من المستحيل استيعاب لماذا -على سبيل المثال- يلجأ عامل بسيط ربما يعاني البطالة إلى التصويت لصالح حزب يميني متشدد يخطّط لإضفاء قدر أكبر من المرونة وإفقار سوق العمل، هل يمكن للمشاعر أن تعطينا إجابة في هذه الحالة؟

المشاعر وراء الخطاب

يوجد في أوروبا عدد هائل من أحزب اليمين المتشدد التي لم تنجح فحسب في دخول البرلمان بجميع دول القارة، بل تمكّنت أيضاً من المساهمة في تشكيل بعض الحكومات أو حتى قيادتها. وفي منطقة يغلب عليها نظام الحكم البرلماني، تكتسب النقطة الأخيرة أهمية بالغة لا يمكن التقليل منها؛ فاليمين المتشدد في حقبة ما بعد الحرب ليس ظاهرة هامشية أو محلّية أو مؤقّتة.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟
والواقع أنّ القدرة على جمع مشاعر الاستياء وتقنين الإحباط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية، أدّى إلى تحوّل هذه الظاهرة لنتيجة تلقائية للإطار السياسي. وبتعبير آخر؛ فإنّ الكثيرين يرون أنّ اليمين المتشدد كان مستفيداً عارضاً من التصويت العقابي الذي يستهدف إنزال الهزيمة بأحزاب الأغلبية لحين إعادة ترتيب الأخيرة لأوراقها والعودة للاستماع إلى مطالب المجتمع.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين ولم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً

بيد أنّ هذه الرؤية، التي استُخدمت وأعيد تدويرها مع كل مرة يظهر فيها حزب سياسي يميني متشدد في أي دولة بأوروبا على مدار الأعوام الـ20 المنصرمة، لم تعد صالحة. فهي تتعامى عن بعض العناصر المميّزة لقوى اليمين المتشدد. استعانت هذه التيارات بتلك الخصائص في خطابها للّعب على مشاعر بعينها، وبالتالي التأثير على شرائح من الناخبين بحيث تغيّر مواقفها.
فمن جانب، يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول. فالاتهامات ضد السياسة القديمة هي أداة شائعة الاستخدام في الخطاب الشعبوي. وتسمح للمرشحين الشعبويين بإيجاد عدو يعمل بصورة تتعارض مع مصالح من يمثّلونه؛ الشعب، وبالتالي ينصّبون أنفسهم حماة له. رغم أنّ أثر هذا العامل يرتبط بصلة وثيقة بظهور مشاعر الإحباط. بكلمات أخرى، فإنّ هذا العامل في خطاب اليمين المتشدد يركّز على شعور الاحتقار والسخط إزاء الأحزاب السياسية التقليدية وأعضائها.

اقرأ أيضاً: نيوزيلندا.. هل انتهى تهديد اليمين المتطرف؟
ومن جانب آخر، يلعب المكوّن المناهض لأوروبا دوراً محورياً كذلك. فتصوير الاتحاد الأوروبي على أنّه كبش فداء لجميع الشرور يمنح هذه الأحزاب عدواً ملموساً أكثر هذه المرة. وفي الوقت عينه، يمنحها القدرة على تطوير خاصية ثالثة تميّز خطاب اليمين المتشدد؛ القومية. وفي سرديات هذا التيار، يرمز الاتحاد الأوروبي لكل ما هو مضاد للوطن وفخر الانتماء والحفاظ على الملامح الثقافية لكل منطقة. وإجمالاً، فإنّ العامل الأهم في هذا العنصر هو الخوف. رهاب غير واضح الشكل لكن يغلب عليه عامل مشترك: التهديدات على الهوية.

الإحباط، الغضب، الاستياء، الخوف، الكراهية، تهديد الهوية، أدركت قوى اليمين المتشدد في القارة الأوروبية أنّ استعمال كل هذه العوامل كأداة هو أفضل سلاح بوسعها التوفّر عليه، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: لماذا ينجح الأمر؟

نايجل فاجي عند باب أحد مراكز الاقتراع في المملكة المتحدة في الانتخابات الأوروبية

الجدل الخاطئ
إنّ المنطق والمشاعر هما مفهومان يجري تصويرهما على أنّهما متعاكسان، أو هكذا لقّنوننا. فالمنطق هو سبب القرارات الصائبة، على العكس من ذلك فإنّ المشاعر حين تتغلّب علينا، تعوقنا عن حسن الاختيار، والأول هو ما يميّزنا عن الحيوانات، فيما ترمز المشاعر للحيوان الكامن بداخلنا، لكن من الضروري فهم أنّ الطريقة التي يعمل بها عقلنا لا تتّفق مع هذا الفهم.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرّف يتّحد في أوروبا.. هذه أهدافه
إنّ المنطق والمشاعر لا يمكن لأحدهما أن يشغل مكان الآخر، ولا يمكن التبديل بينهما، لكنّهما على النقيض من ذلك يكمّلان بعضهما، ويضطّلع كل منهما بمهام مختلفة. فمهام المنطق تتباين عما نعتقده، وبالفعل فإنّنا نعرّف أنفسنا بكائنات عقلانية تدرس المميّزات والعيوب لحظة اتخاذ القرارات. إلّا أنّه وفقاً لأحدث ما توصل إليه العلم في دراسات المخ، فإنّنا بعيدون كل البعد عن ذلك. ويكشف الباحثان أوجو مورسييه ودان سبريبر في كتابهما "معضلة المنطق"، أنّ المنطق، وبالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح، يشمل وظيفتين أساسيتين: وهما البحث أو صياغة تبريرات منطقية لكل من قراراتنا، وهي عملية تعرف باسم "المنطقة"؛ والثاني، تقييم الأسباب التي يقدّمها الآخرون حين يحاولون تبرير قراراتهم.

من الضروري أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة

والهدف من وراء المنطقة هو الحفاظ على صورتنا الاجتماعية، فعندما نكون بصدد اتخاذ قرار ما، فإنّنا نستدعي مجموعة من الاعتبارات التي ستخضع بشكل تلقائي للتقييم من قبل المحيطين بنا. فإذا قرّر شخص التصويت لصالح اليمين المتشدد وكشف عن ذلك على الملأ، سيصبح مُلزماً بتفسير الأمر، ويبدأ عقله في البحث عن التبريرات اللازمة لإضفاء المنطقية على قراره أمام الآخرين. وفي هذه الحالة، تصبح الوظيفة الرئيسة للمنطقية اجتماعية بحتة.
أما الوظيفة الثانية للمنطق فتتكامل مع الأولى؛ إذ يتعلّق الأمر بالتقييم الذي نجريه تجاه مبرّرات الآخرين. هل هي كافية؟ هل هي مقبولة؟ هل تشارك نفس القيم مع هؤلاء الذين يدّعونها؟ وتدفعنا الوظيفة الثانية هذه إلى مراجعة حُجج المتُكلّم كي نتمكن من تحديد موقفنا في هذا السياق.

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

يرتبط دور المشاعر بإيجاد دوافع للشروع في شيء ما، وبدون هذه الدوافع سنصبح عاجزين عن اتخاذ القرارات، أو على الأقل ستحتاج هذه العملية للكثير من الوقت والطاقة. وبحسب خبيرة علم النفس والباحثة ليزا فيلدمان باريت، فإنّ المشاعر هي بناءات اجتماعية تسمح لنا بقراءة ما يحيط بنا وإعداد جسدنا كي يتعامل معه، فإذا كان شخص ما متواجداً بمفرده خلال الليل في منطقة نائية من مدينة مجهولة بالنسبة له، فمن المحتمل أن يشعر بالخوف من أي جلبة مفاجئة مثل نفير سيارة عالٍ أو نباح كلب أو صافرة إنذار، كل هذه العوامل قد يترجمها مخ هذا الشخص على أنّها خطر محتمل ويبدأ في تجهيز الجسد كي يتعامل معه (ازدياد معدّل خفقان القلب وسريان الدم، على سبيل المثال).

اقرأ أيضاً: ما هي أوجه التشابه بين اليمين المتطرف وتنظيم داعش؟

إنّ الخوف الذي يشعر به هذا الشخص في تلك اللحظة والمكان هو شعور مبني على أساس تصنيف لمحفّزات بعينها في موقف مُحدّد (ضوضاء في محيط غير معلوم وغير آمن). هذا الشعور هو ما يمنح القدرة على اتخاذ قرار ربّما عن غير وعي. بمعنى أنّ الشعور، أو الخوف هنا في هذه الحالة، يعمل كمؤشّر يجمع عدداً لا حصر له من المُحفّزات كي نستطيع تلافي أو الحدّ من خطر محتمل.

ويعرّف أستاذ علم النفس بجامعة إموري في ولاية جورجيا الأمريكية، درو ويستن، المشاعر على أنّها وقود اتخاذ القرارات. وإذا انتقلنا إلى مستوى اتخاذ القرارات السياسية، مثل دعم أو رفض حزب سياسي ما، فسنكتشف أنّ المشاعر تلعب دوراً رئيساً. فبالاعتقاد، على سبيل المثال، أنّ منظومتنا الأخلاقية مُهدّدة، سيظهر الخوف، وهذا الخوف هو ما يدفعنا للتحرّك بطريقة دفاعية.
يقودنا كل ذلك إلى سؤال؛ ما هي الأسباب التي تؤدّي بنا إلى الإحساس بشعور ما مثل الخوف أو الكراهية أو الإحباط، والأهمّ من ذلك كيف لنا الوصول إلى هذه المعلومات أو ما هي احتمالات تعرّضنا للتلاعب دون أن ندرك ذلك؟

مظهر من مظاهر النشطاء اليمينيين ضد سياسة الهجرة التي تتبعها حكومة ميركل الألمانية

النقاش والإطار التفسيري

إنّ تقييم المعلومات وما يتبعه من اتخاذ للقرارات قد يتباين كلية وفقاً لطريقة عرضها. بعبارة أخرى: نفس المعلومات المُقدّمة بطرق مختلفة تؤدّي إلى آثار متباينة، توصّل إلى هذا الاكتشاف خبيرا علم النفس دانييل كانمان وآموس تفيرسكي، اللذان عكفا منذ حقبة السبعينيات على دراسة عملية اتخاذ القرار، وتُعد أبحاثهما حجر الأساس لمفهوم الإطار التفسيري.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف قنبلة العالم الموقوتة

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر، وتقدّم الأُطر تعريفاً لمشكلة تتضمّن بدورها عرضاً ما للمعلومات. لذا فقبول إطار يعني بالتبعية تقبّل فرضيّات أو شروط وفي الوقت ذاته تبعات نقاش ما. على سبيل المثال، الإشارة إلى الاتحاد الأوروبي بوصف (بيروقراطية بروكسل) يحمل بداخله تقييماً لنفس المصطلحات السلبية التي تستدعي انطباعاً على كل فرد منّا، حتى لو كان غير واعٍ لذلك.
واختصاراً، فإنّ الأٌطر تسهم في فهم وتنظيم ما يحدث حولنا، وفي نفس الوقت تحدّد وتنتقي وتهيكل المعلومات، وينتج عن ذلك ليس التأثير على تقييمنا فحسب، بل وأيضاً المشاعر التي نختبرها.
لقد عرفت القوى المختلفة اليمينية المتشددة في أوروبا كيف تهيمن على الاستخدام الاستراتيجي للأُطر، وأدركت أنّ هذه الأُطر هي وسيلة لربط مشاعر مُعيّنة بموضوعات مُعيّنة، ومن هنا تحقيق المكاسب الانتخابية والسياسية، ولعلّ هذا هو السبب وراء حصول كل ملفّ من أجنداتها التي تضعها هذه الأحزاب على أٌطر مختلفة ضمن خطابها، وبصورة ممنهجة.

من الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة: الكراهية والخوف والإحباط، بحيث يتغذّى كل منها على الآخر

على جانب آخر، فإنّ اليمينيين المتشددين ناجحين للغاية في استخدام السرديات، وذلك عن طريق توظيف ونقل الأُطر والقيم التي يدّعون تمثيلها والمشاعر التي يثيرونها، في عملية يصفها الفيلسوف والرياضي نسيم نقولا طالب بـ"سردية المغالطة".
عملية الحصول على المعلومات بالنسبة لعقولنا مُكلّفة، فأولًا يجب استثمار موارد من أجل ذلك، وثانياً نستثمر موارد إضافية للاحتفاظ بها، وأخيراً نبذل استثماراً كي نعيد استخدامها. وتُعتبر القصص هي الأداة المثلى كي يدّخر المخ أكبر قدر ممكن من الموارد. حيث تبدو المعلومات في القصص منظّمة ومتكاملة وتسمح ببناء سببيات بين الأحداث، ولا تتضافر هذه الخواص فقط من أجل إعادة بناء القصة، أو بمصطلح آخر؛ الذاكرة، بل إنّ المعلومات تُخزّن كتجربة حيّة وليس كحزمة من البيانات.
لكن الرواية تتضمّن في الوقت ذاته تبسيطاً للمعلومات، وتزداد احتمالات السقوط نحو التقليص بسبب قدرتها التفسيرية والترابطية، وتبدو القصة قابلة للاعتماد عليها رغم أنّها قد تعرض جانباً واحداً من الموضوع، وبالتالي، تحوي النتائج الناجمة عنها ربما خطر أن تكون مضلّلة أو لا أساس لها من الصحة.

اقرأ أيضاً: لماذا ينشط اليمين المتشدد في ألمانيا الشرقية؟
تجعلنا الروايات عرضة لسلسلة من الانحيازات المعرفية التي قد تستغل للتلاعب بالرؤية التي نطوّرها تجاه جدل بعينه، وبهدف تبسيط ومعالجة المعلومات التي نتلقاها باستمرار بصورة سريعة وفعّالة، فإنّ عقلنا يلجأ للانحيازات المعرفية، أي إنّه يعود للخبرات السابقة كي يتّخذ قرارات دون حتى أن ندرك ذلك، وعموماً، فإنّ هذه وظيفة مفيدة جداً، لكن في بعض الأحيان، تؤدّي هذه الانحيازات إلى انحرافات في التأويل، يطلق عليها الانحيازات المعرفية.

إنّ الميل نحو الاعتقاد بقوة حُجّة لأنها قابلة للتصديق، والتركيز فحسب على المعلومات التي تعضّد الأفكار الموجودة بالفعل، أو حتى تفضيل نتيجة صحيحة حتى لو كانت تنطوي على أضرار، هي بعض أوجه هذا الانحياز المعرفي. وتكمن قوة هذه الانحيازات في تجاهلنا لها، بمعنى أنّها تحدث بصورة طبيعية تتطلّب قدراً هائلاً من الطاقة كي ننتبه لها، وبالتالي إعادة النظر في القرارات الناتجة عنها.

في ضوء الخصائص المذكورة، يصبح خطاب المغالطات أداة مُفضّلة لليمين المتشدد، سواء من أجل نقل أُطره أو ضمان انتشاره عن طريق التكرارية.

يروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها

إطار غياب العدالة: الإحباط الدائم

تاريخياً، لطالما شكّل النقاش حول توزيع الثروة جزءاً من أجندة الأحزاب اليسارية، فالصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال هي العناصر البارزة في هذا الاتجاه. لكن ملكية هذا الملف لم تعد قاصرة على هذا التيار السياسي وحده، فقد تمكّن اليمين المتشدد من انتزاعه، لينجح بذلك في إدخال "إطار" إلى النقاش العام يناطح خطاب اليسار ويسعى لوضع إعادة تصوّر للمشكلة.

إنّ معقولية الرواية تجعلها أحياناً سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة

ويروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها، إلّا أنّه يغير تعريفها، بحيث تصبح المشكلة لا بين الأغنياء والفقراء مثلما يرى اليسار، بل تتّخذ صورة أفقية لتتحّول إلى مشكلة بين الفقراء والأجانب الفقراء، بمعنى أنّه يجري الربط بين مسألة الهجرة والشرائح الأكثر تعرّضاً للتهميش. وبفعل ذلك، يضع اليمين المتشدد تلك الفئات في موضع المنافسة على الموارد العامة وفرص العمل والتعليم لأجل أبنائهم والحصول على المنازل، والقائمة لا تنتهي.

وإذا نظرنا إلى الحالة الألمانية، فسنجد أنّ الإطار يعمل على أكمل وجه بفضل خطاب وصول اللاجئين في 2015. وفي هذا الخطاب يُصوّر اللاجئين على أنّهم زوّار غير مرغوب فيهم و"فتحت لهم الأبواب" المستشارة أنجيلا ميركل.

اقرأ أيضاً: عن اليمين السياسي في المنطقة العربية.. أيّ دور وهُويّة؟

يؤدّي الإحباط الناجم عن هذا الإطار، مُعزّزاً بخطاب اليمين المتشدد، إلى حصوله على أصوات هؤلاء الذين لا تتحقّق تطلّعاتهم ولا يشعرون بالرضى، فلم يعد الكثيرون يثقون في النظام ولا الأحزاب السياسية التقليدية، ويشعرون بالإحباط والتهميش والنسيان، كما يستثار الشعور بالاستياء لدى هذه القطاعات حين تجد ضالّتها في كبش فداء أضعف بكثير من الأغنياء والمصارف والشركات العالمية.
بالتالي يسمح إطار غياب العدالة بتلافي اكتساب المشكلة لطابع معاداة الأجانب، على الأقل ظاهرياً، ويضفي نوعاً من المنطقية على رفض الغاضبين للاجئ أو الإفريقي الذي عانى الأمرّين كي ينجو بحياته في مياه البحر الأبيض المتوسط. لا يتعلّق الأمر بالهجوم عليه، بل بالدفاع عن النفس. وهنا يصبح الانحياز المعرفي جلياً للغاية: التركيز على المعلومات التي تؤكّد المخاوف. لقد خان السياسيون، الذين لا يمكن الوثوق بهم، شعبهم بالسماح بدخول الأجانب واستغلالهم للموارد، ويعمد خطاب اليمين المتشدد على الادعاء بأنّ هؤلاء السياسيين هم مشكلة البلاد وأنّ تغييرهم هو الحل، وهذا ما يقودنا إلى المثال الثاني.

الشعب في مواجهة عدو الشعب

إطار التهديد الكامن: الخوف والكراهية

يتميّز خطاب اليمين المتشدد بالثنائية المنطقية. الشعب في مواجهة عدو الشعب، مفهومان يضطلع اليمين المتشدد بتعريفهما وملئهما وفقاً لما يراه. السياسة القديمة، الاتحاد الأوروبي، البنوك، وسائل الإعلام، قد تكون هي أعداء الشعب، والأخيرة تلعب دور العدو عند عملها بما يتعارض مع مصالح البلاد، مع تقديم هذه المصالح على أنّها التمثيل الجماعي للمواطنين.

إنّ بناء هذا الخطاب عملية بسيطة للغاية، لكن لا تفتقر للفعالية في الوقت ذاته. فمن جانب هناك الشرير، العدو، سبب المشكلات ومعاناة الضحية، وعلى جانب آخر قد يظهر المتواطئ، الذي لا يفعل شيئاً سوى منح الشرعية للشرير والتعاون معه. وأخيراً هناك البطل الذي يأتي لمحاربة الشر، رغم أنّه يتعيّن عليه قبلها تجاوز عدة مصاعب من أجل تحقيق هدفه، وفي هذا البناء الخطابي البسيط، يبثّ اليمين المتشدد إطاره التفسيري الأكثر فعالية: إطار التهديد الكامن.

أما الضحية فهو الشعب، يتعرّض الشعب للخطر، ومن الضروري إبراز أنّ هذه النظرة ليست مادية بحتة، ولا تركّز فحسب على الموارد التي يساء توزيعها، بل على قيم الشعب المُهدّدة. فالضحية هنا يشعر بالخوف من فقدان ثقافته ودينه وأسلوب حياته والخوف من ألّا تعود الأمور لسابق عهدها والخوف من الفوضى، كل هذه القيم تلخّص مسألة الهوية الوطنية.

كان للصحافة دور كبير في استمرار الخطاب اليميني المتشدد فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر

وعلى التوازي مع هذا الخطر، أو الشرير، توجد عدة صور في سرديات اليمين المتشدد. فقد تشير إلى الإسلام كـ"دين غريب لا جذور له في أوروبا.."، كما قد يوصف المهاجرين بجماعة خارجية "لا تريد الاندماج وتمتلك تقاليد غريبة وتتعارض على الأرجح مع القيم المحلية"، وقد يُساق السياسيون والأحزاب التقليدية كذلك إلى لعب دور العدو، وأيضاً "تحرّكاتها المعادية للوطن والأنانية والتي تحطّ من شأن مصالح من يمثّلونهم" ليصبحوا في نظر اليمين المتشدد "الجرثومة المسُبّبة لمرض" النظام.

وفي نفس السياق، من شأن الأشرار أن ينتقلوا إلى خانة المتواطئين، فالسياسة "بفتح الأبواب في وجه الهجرة"، أو وسائل الإعلام "بإخفاء الحقيقة"، مثالان واضحان جداً على ذلك.

وأخيراً، فإنّ البطل هنا ليس سوى الحزب اليميني المتشدد، وزعيمه بشكل عام، الذي يصل "للدفاع عن الشعب" وتحقيق عدة أهداف في نفس الوقت "تحذير الشعب من التهديد الكامن، واتهام المذنبين بشرورهم، واسترداد القيم المُنتهكة، وإعادة النظام إلى البلاد".

يحوي إطار التهديد الكامن بداخله عدة أُطر فرعية منبثقة عنه، تظهر في سرديات اليمين المتشدد. فالخوف من التحوّل إلى "أقلية في بلادنا" نموذج لذلك، وقد استعانت عدة أحزاب وحركات بهذه العبارة للتحذير مما أسمته باستبدال ثقافي، وكذلك انهيار الهويات الوطنية. إنّ المكوّن الوطني أو القومي، الذي يتضمّنه هذا الإطار الفرعي، لا يؤدي لإثارة الخوف فحسب، بل ينشر الكراهية تجاه الثقافات الوافدة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب اليميني: القتل باسم الكراهية

يندرج دور المرأة وهويات الأنواع .. ونقاط أخرى ضمن بعض ملفّات النقاش التي يطبّق فيها اليمين المتشدد نموذج إطار التهديد الكامن، ويجترّ في خطابه عناصر محافظة متشددة يستخدمها اليمين المتشدد كرأس حربة في مواجهة الحدود الناجمة عن الصواب السياسي. وفي هذا السياق، يضحى ما كان يُنظر إليه باعتباره تقليلاً من الاحترام اليوم واقعاً لا يجرؤ أحد على الإشارة له.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين، وبالتالي، لم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً، بل يتحوّل إلى دفاع عن قيم بعينها. ويرتبط العنصر الأخير تحديداً بالخوف من الفوضى وغياب القواعد وضياع الوضع الراهن.

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد

ثلاثية المشاعر

يلعب خطاب اليمين المتشدد عادة على استثارة حزمة من المشاعر التي تترجم في مجتمعاتنا إلى الكراهية والخوف والإحباط، وبعيداً عن النماذج التي سبق وصفها على حدة، فمن الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة بحيث يتغذّى كل منها على الآخر. السخط على السياسة يتحوّل إلى كراهية بسبب تجاهل مخاوف الشعب الذي يشعر في داخله بغياب الأمان والخوف وعدم اليقين.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كما تعود فعالية هذا الخطاب إلى الاستفادة من انحيازاتنا المعرفية. ومثلما ذكرنا آنفاً، فإنّ معقولية الرواية تجعلها في كثير من الأحيان سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها، وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة. وهنا نظنّ أنّ الخلاصة التي توصّلنا إليها هي نتاج عملية عقلانية، بالمفهوم التقليدي، بينما نحن في حقيقة الأمر نحاول إيجاد تبريرات لمواقف مُعيّنة.

لقد تزايد انتشار خطاب اليمين المتشدد وأطره بسبب عوامل خارجية أخرى. فمن جانب، عانت باقي الأحزاب السياسية صعوبات حقيقية لإدراك المنطق الدعائي لليمين المتشدد، ولم تفهم حتى الآن بعض هذه الأحزاب ما يحدث. فمع إغراقها في التحليل المتخصّص، لم تكن الأحزاب التقليدية قادرة على تطوير أُطر بديلة للمنافسة في الساحة العامة. فقد رأت كيف أنّ قوى يمينية متشددة مختلفة كانت قادرة على اكتساب الناخبين إليها، لا سيما في ملفات مثل الهجرة واللاجئين والهوية الوطنية وموضوعات أخرى. بل إنّ قوى اليمين المتشدد سجّلت نقاطاً لصالحها حتى في النقاشات التي غابت عنها الأحزاب التقليدية بشكل رسّخ لأُطرها أكثر.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما أنّ دور الصحافة كان كبيراً فيما يخصّ استمرار الخطاب اليميني المتشدد، فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر، وبالتالي، سرديات القوى اليمينية المتشددة، فقد ساهمت بصورة غير مقصودة إذن في نشر دعاية اليمين المتشدد، وبشكل ما منحه أهمية لم يكن قادراً على اكتسابها بمفرده.

لم ينته بعد الجدل الإعلامي حول تغطية النشاط السياسي لهذه الأحزاب أم تجاهله، لكن خطر تقديم دعاية مجانية للاستفزازات الاستراتيجية التي يشنّها زعماء اليمين المتشدد لا يزال كامناً. هناك مبادرات جديرة بالاهتمام من قبل بعض مجموعات الصحفيين للتثبّت من الحقائق تقدّم أفكاراً جيدة لمكافحة المعلومات الكاذبة المنتشرة، بيد أنّ مداها محدود في مواجهة ملايين الرسائل الخاصة، والمنشورات التي تُبثّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية النشطة يومياً على مدار 24 ساعة.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد. دون أي نوع من الرقابة، وفّرت شبكة الإنترنت لهذه القوى السياسية فرصة كبيرة للوصول إلى قطاعات من الناخبين كانت عاجزة عن الوصول إليها بالوسائل التقليدية، فضلاً عن التمييز بين شرائح الناخبين المختلفة لتزداد بذلك فعالية رسائله ودرجة تعقيدها.

في خضم هذه الأجواء المواتية، تمكّن اليمينيون المتشددون من بث خطابهم، وبالتالي تفعيل ثلاثية الخوف-الكراهية-الإحباط لدى الشعب. وتعدّ هذه العواطف، مضافاً إليها الانحيازات المعرفية ودور العناصر المذكورة بالأعلى، مفاتيح لفهم تنامي نفوذ اليمين المتشدد وبناء قواعد له في أنظمة سياسية محلية.

مسألة انتخابات

تحظى الأحزاب السياسية بفرصة ذهبية لمراجعة مفاهيمها بشأن الناخبين، لكن شريطة تخلّيها عن ثنائية المنطق في مواجهة المشاعر، القديمة والبالية. كما أنّها بصدد فرصة سانحة لإعادة اكتشاف قيمها، وبناء -بالاستناداً إليها- أُطر تتنافس مع تلك الخاصة باليمين المتشدد، وفي حال فعلت ذلك، فستفرض على المواطنين اختيار القيم الأساسية بالنسبة لهم، ممّا يعني عدم الانزلاق وراء الإجابات التلقائية التي يقدّمها المخ.
أمّا في حالة تجاهلها لهذا الوضع وإذا ما قرّرت المضيّ قدماً في نفس نهجها الحالي، فستكون الأحزاب السياسية غير قادرة على عدم الخروج من خندق السياسة القديمة، ما سيعمّق انعدام ثقة الناخبين بها، ما سيؤدّي بالتبعية للاتجاه نحو خيارات أكثر أصولية.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما يمثّل هذا السياق تحدّياً كبيراً بالنسبة للصحافة على مستوى القارة. فدورها رئيس من حيث عدة جوانب، فالمعلومات الكاذبة، على سبيل المثال، هي نقطة محورية تجبر كافة وسائل الإعلام على الارتقاء بمعاييرها للرقابة والتحقّق من صحة المعلومات، والحيلولة دون انتشار معلومات زائفة لن يكون خدمة للمواطنين فحسب، بل سينعكس إيجاباً على جودة الديمقراطية في المنطقة بأسرها.

على جانب آخر، من الضروري أيضاً أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة. ولن يتحقّق ذلك عن طريق التوقّف عن تغطية أنشطة هذه الحركات وتجاهلها، لكن عبر عمل صحفي نقدي دقيق وواع لوجود أُطر هدفها التأثير على الرأي العام.

بوسع المواطنين الاختيار، يمكنهم التفكير في ماهية قيم الخطاب، وتحديد ما إذا كان الاختزال الذي تروّج له حركات اليمين المتشدد يتوافق معهم أم لا. هل معاداة الأجانب إحدى القيم التي يمكن الدفاع عنها؟ هل العنصرية كذلك؟ أم الكراهية أو الأنانية؟

تحليل للكاتب فرانكو ديللي دوني عن أسباب اتجاه قطاع من الناخبين لمنح أصواتهم لليمين المتشدد في أوروبا، نشر بالنسخة الإسبانية من مجلة (فورين بوليسي)


المصدر: https://bit.ly/2HEAOfm

الصفحة الرئيسية