الديمقراطية تشهد تراجعاً حاداً في العالم قاطبة

الديمقراطية تشهد تراجعاً حاداً في العالم قاطبة
2016
عدد القراءات

2019-02-05

عبدالإله مجيد

جاء في تقرير المؤسسة الأمريكية للأبحاث بعنوان "الحرية في العالم" أن 2018 كان العام الثالث عشر على التوالي لتردي الحريات في أنحاء العالم، مشيرًا إلى أن 68 بلدًا عانت من تضييق الحريات السياسية والمدنية خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، وأن 50 بلدًا فقط سجلت تقدمًا على هذا الصعيد. 

خنق المعارضات
ورأى التقرير، الذي نُشر في صحيفة "إندبندنت" أن أنظمة حكم سلطوية متزايدة تمنع الآن تنظيمات المعارضة أو تسجن قادتها وتشدد الخناق على المتبقي في بلدانها من إعلام مستقل. 

كما رصد باحثون وجود "أزمة ثقة" في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تناهض قوى شعبوية يمينية متطرفة مبادئ ديمقراطية راسخة، مثل فصل السلطات وحرية الصحافة وحماية المهاجرين بقوة القانون. وأشار تقرير "بيت الحرية" إلى المجر وصربيا على سبيل المثال.

تضمن التقرير كذلك تقييمًا نقديًا شديدًا لحال الديمقراطية في الولايات المتحدة، لافتًا إلى تهجمات الرئيس دونالد ترامب على حكم القانون والصحافة وتضييق إدارته لحقوق طالبي اللجوء واتباع سياسات هجرة بالغة القسوة أو تعسفية. 

تعزيز زعامات السلطويين
ونقلت صحيفة "إندبندنت" عن رئيس "بيت الحرية" مايكل إبراموفيتز قوله إن "للتحديات التي تواجه الديمقراطية في الولايات المتحدة تداعيات تتخطى الحدود الأمريكية، وأن دولًا أخرى تتابع ما يجري في الولايات المتحدة، وتتعلم من سلوك قادتها"، متوقعًا أن يؤدي "تردي الديمقراطية الأمريكية إلى التسريع في تراجع الديمقراطية في أنحاء العالم". 

كما أعرب التقرير عن القلق من إعادة انتخاب زعماء سلطويين في عام 2018، مثل فلاديمير بوتين في روسيا ورجب طيب أردوغان في تركيا، وقرار مؤتمر الشعب الوطني في الصين إلغاء سقف الدورتين لتمكين شي جنبينغ من البقاء على رأس السلطة أجلًا غير مسمى.  

وجد التقرير أن 24 دولة في أنحاء العالم استهدفت في العام الماضي معارضين سياسيين في الخارج بممارسات، مثل طلب تسليمهم إليها أو خطفهم أو اغتيالهم.

تطهير عرقي
لاحظ التقرير أن التطهير العرقي اتجاه متصاعد آخر مع تزايد الأنظمة التي تقوم بمحاولات منسقة لتغيير التركيب السكاني لأقاليمها واستهداف حرية التعبير بأدوات جديدة في الرقابة على الانترنت ومراقبة المواطنين. 

وخلص الباحثون في "بيت الحرية" إلى أن الأزمة الحالية ليست وليدة البارحة، بل إن الديمقراطية الليبرالية تتراجع منذ ما يربو على عشر سنوات. ومنذ عام 2006 شهد 116 بلدًا تراجع الحريات الديمقراطية مقابل 63 بلدًا فقط سجلت تقدمًا في هذا المجال. 

قالت سارة ريبوتشي المديرة في مؤسسة "بيت الحرية" إنه "إذا استمر ميزان القوى يميل لمصلحة الدكتاتورية فإن المجتمعات الحرة المتبقية يمكن أن تجد نفسها معزولة في عالم أخطر وأكثر فوضى".

الخوف من التنوع
ويرى عدد متزايد من علماء السياسة أن هناك تفكيرًا بين الناخبين يذهب أبعد من أفكار اليسار واليمين التقليدية، وهو اتجاه عابر للطبقات والتعليم والدخل والتدين، بل وعابر، حتى لثقافات سياسية مختلفة، وأن فهم مفهوم السلطوية والتفكير السلطوي لدى كثير من الناخبين يفسّر الأزمة الحالية التي تمر بها الديمقراطية الليبرالية.

أكاديميون غربيون يرون أن لدى شريحة واسعة من الناخبين خوفًا من التنوع والتعقيد ورغبة قوية في النظام والوحدة في مجتمعاتهم. 

عن "إيلاف" 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

تركيا والأمن القومي العربي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

عبدالله السويجي
هل باتت تركيا بزعامة رجب طيب أردوغان تشكل خطراً على الأمن القومي العربي، أم أن ما تفعله عبارة عن تحقيق مصالح أمنية ذاتية وداخلية، وأن تدخلاتها فقط عبارة عن ملاحقة لأعدائها وللأحزاب المناوئة لها كما تزعم؟ وهل تستخدم تركيا تدخلاتها في الشأن العربي شرقاً وغرباً كورقة للضغط على أوروبا التي تتسم علاقتها معها بغير الود؟ أم أن تركيا بتحالفها مع «الإخوان المسلمين» باتت تشكل رأس حربة لمناوشة الدول التي لديها خصومات من هذا التنظيم؟
هناك أكثر من هذه الأسئلة يطرحها المحللون السياسيون بشأن التخبّط في السياسة الخارجية التركية، إلا إذا كان هذا الذي نصفه تخبّطاً يصب في سياسة «الفوضى الخلاقة» التي تتزعمها أمريكا في الدول التي تشهد اضطرابات سياسية وعسكرية، لاسيّما أن الولايات المتحدة أعلنت عن دعمها لتركيا إذا ما أرادت محاربة التنظيمات الإرهابية.
وهذا التخبط أو الفوضى المدروسة في حالاته جميعاً ينعكس سلباً على علاقاتها مع أكثر من طرف عربي، إن كان مع جارتها القريبة سوريا أو البلد البعيد عنها ليبيا أو مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية والبحرين.
لم يعد التدخل العسكري التركي في سوريا لملاحقة مقاتلي «حزب العمال الكردستاني»، فهذه الأرتال من العربات العسكرية التي توغلت في شمال سوريا بتشكيلاتها؛ تهدف إلى احتلال جزء من الأراضي السورية؛ بل إن تصريحات السياسيين والعسكريين الأتراك باستهداف الجيش السوري مباشرة إذا ما واصل استهداف الجنود الأتراك، يمهد فتح معركة شاملة بين سوريا وتركيا، ولولا الوجود الروسي هناك لكانت الحرب الشاملة قد استعرت منذ سنوات.
من الواضح أن تركيا تقوم بدور تخريبي للسلام في سوريا، فهي لا تريد لهذا البلد الاستقرار واستعادة أراضيه، والدليل أن تدخلها العسكري جاء بعد سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة كانت تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية المسلحة؛ ومن بينها طريق إدلب دمشق، وتدخلها يمنح تلك التنظيمات فرصة لتجميع أفرادها، واستعادة أنفاسها ما سيطيل من عمر الأزمة.
وما يثير المزيد من الأسئلة دخول «إسرائيل» على الخط، وقيامها بقصف تجمعات ومخازن أسلحة وغيرها، كل ذلك لإحداث المزيد من الارتباك في الجيش السوري النظامي. ولا شك أن الوجود العسكري لتركيا يهدد الأمن الوطني السوري، وهو جزء من الأمن القومي العربي، ونضيف إلى ذلك وجودها العسكري في ليبيا، ووقوفها إلى جانب طرف ضد طرف آخر، ما سيعقد النزاع، ويعمّق الأزمة الليبية ويبعدها عن الحل.
إن الخطر الأكبر يتمثل في تحالف تركيا مع تنظيم «الإخوان المسلمين»؛ الراعي للتنظيمات المتطرفة في سوريا وغير سوريا، ونعيد هنا إلى الأذهان دعم تركيا لتنظيم «داعش»؛ أي أن دعمها لم يتوقف عند الجانب السياسي؛ بل تجاوزه إلى الدعم العسكري واللوجستي بأنواعه، وتستخدم تركيا هذه التنظيمات؛ لنشر الفوضى في الدول العربية، ومن بينها مصر أيضاً، في سبيل تحقيق هيمنة عسكرية أو اقتصادية أو عقائدية، تتيح لها الحصول على موطئ قدم في البلدان العربية، واستعادة المجد العثماني الغابر.
إن وجود تركيا وأذرعها في سوريا وليبيا ومصر يشكل خطراً حقيقياً على الأمن القومي العربي. وهذا الواقع غير الطبيعي؛ يتطلب وقفة عربية جادة تتجاوز البيانات والرسائل الدبلوماسية والاحتجاجات نحو توجيه رسالة إليها بالكف عن التدخل في شؤون الدول العربية؛ لأن تحقيق الرخاء ونجاح المشاريع العقارية يجب ألا يكون على حساب الدول العربية. وقد يكون من واجب جامعة الدول العربية القيام بدور مهم؛ لوقف الانتهاكات التركية، والتوقف عن تهديد الأمن القومي العربي.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

عندما أضعف العثمانيون العقل ليستسلم للخرافة!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

وليد فكري

"إذا ضعف العقل استسلم للخرافة" هكذا تقول الحكمة المأثورة، وهو قول منطقي، فالعقل السوي يتجه تلقائيًا لمعالجة الأمور بالمنطق والعلم والمعرفة والتجارب والخبرات، وهي العناصر التي تعطيه القوة، أما إذا افتقدها فإنه لا يجد ما يتعامل به مع المشكلات والتحديات فيستسلم للخرافات والأباطيل".

أدرك المسلمون هذه الحقيقة، فعملوا على تقوية وتدعيم العقل أمام وحش الخرافة، فأنتج ذلك حركة علمية عظيمة امتدت من بغداد شرقًا إلى قرطبة غربًا مرورًا بدمشق والقاهرة والقيروان وغيرها من حواضر العرب والمسلمين.

لم تخلُ الحياة من تحديات فردية وجماعية، ولكن دائمًا ما كان الإنسان يهرع إلى العلم والفكر والمنطق لمعالجة تلك التحديات.. ولأن الحاجة هي أم الاختراع، فقد كان التحدي غالبًا ما ينقشع عن إنتاج علمي أو فكري أو ابتكار يضيف للحضارة العربية الإسلامية وللحضارة الإنسانية كلها.

لم تَخلُ حياة الناس-مع ذلك-من بعض من يؤمنون بالخرافات ويميلون إليها اعتناقًا وتطبيقًا، ولكنهم لم يمثلوا ظاهرة ولا "نمط حياة شائع".

بقي هذا هو حال الحضارة العربية والإسلامية، حتى داهمها العثمانيون!

أعداء الحضارة:

لم يُعَرف من المسلمين قوم يعادون العِلم كالعثمانيين، ومما يُدهِش أن أحد أبرز رموزهم "محمد الثاني" المعروف بـ"الفاتح" كان إضافة لكونه حاكمًا وقائدًا عسكريًا، رجل علم.. فقد كان مثقفًا مطلعًا شغوفًا بالعلوم المختلفة ومطالعتها والاشتغال بها.

وبرغم أي سلبيات للفاتح والعثمانيين فإنني أعتقد أن منهجه في تبني العلم لو كان قد وجد من يتبناه من بعده لاختلف الحال، ولكني أجدني ملتزمًا قاعدة صارمة في علم التاريخ هي أنه لا يوجد فيه "ماذا لو".

ما جرى أن ورثة محمد الثاني لم يكونوا بشغفه نفسه بالعلوم والثقافة، ربما لأنه-الفاتح-كان يمثل "نموذجًا غريبًا" بالنسبة للبيت العثماني القائم أصلًا على القتال والغزو وليس على فكرة "بناء الحضارة".

فالفكر العثماني قد ارتبط بعملية التوسع، فحتى العلوم التي برع فيها بعض العثمانيون كان منطلقها الحرب والقتال والغزو وتوسيع الإمبراطورية (ويمكننا هنا تشبيههم بدولة أشور العراقية القديمة التي قامت فنونها العلمية على المنطق نفسه فكانت أحط حضاريًا من قرينتها البابلية مثلًا).

كان لقب السلطان العثماني يتبعه لقب "الغازي"، فكانت طاقاتهم موجهة للغزو وليس للبناء، وانعكس ذلك على مظاهر حياتهم، ففنونهم ملفقة، وآدابهم ملفقة، وكل ما يتفاخرون به إنما هو تلفيق من هنا وهناك أشبه بنموذج رجل يجمع بين الثراء وانعدام الذوق فهو يشتري كل ثمين وغالي ويضعه في منزله بغض النظر عن تناسق ما يضع (مع فارق طبعًا أن العثمانيين لم يشتروا وإنما نهبوا!).

وثمة ظاهرة هنا باعثة على التأمل، فالمغول كانوا كأبناء عمومتهم العثمانيين شعبًا بدويًا مقاتلًا تقوم حياته على الغزو والتوسع.. اكتسحوا ما أمامهم فوجدوا أنفسهم يحكمون شعوبًا ذات حضارة ومعارف وعلوم، فسرعان ما تأثر المغول بتلك النماذج الحضارية-حتى أن من حكموا فيها بلادًا إسلامية قد اعتنقوا الإسلام بل وتعصبوا له-وتبنوها وطوروها إلى حد أننا نستطيع أن نصف دولهم في مناطق كالهند وفارس والعراقين وغرب آسيا بـ"حضارة المغول المسلمين".

هذا لأن "رعاية الحضارة مسؤولية".. فالمغول واجهوا أنفسهم بحقيقة أنهم "قوم أقوياء شجعان بلا حضارة" فقرروا تبني المظاهر الحضارية ورعايتها (في تناقض غريب مع قيامهم بتدمير مركز حضاري جليل مثل بغداد).

أما العثمانيون فقد كانوا أكثر صلفًا من أن يعترفوا بذلك، فقد كانوا ينظرون للشعوب بفوقية شديدة باعتبار أن "هؤلاء عبيدنا"، فبدلًا من أن يستمروا في رعاية الموروثات الحضارية لتلك الشعوب، كانوا يدمرونها بالإهمال المتعمد... كمن يسابقك في مضمار فلما لم يستطع أن يسبقك تعمد عرقلتك لتساويه بطئًا وخيبة!.

تطويع الرعية بالجهل والمرض:

في أغنية مقدمة المسلسل المصري "رفاعة الطهطاوي"-والتي للأسف لا أعرف اسم كاتبها-يدور حوار بين مصري وحاكم عثماني فيقول المصري: "ليه بس يا باش تُرك ليه تحرمنا نور المعرفة؟" فيرد العثماني "نحن نريدكم صُماً بُكماً بَجَماً.. لأن من يتعلم يفهم ويتكلم يخرج على تقاليد ونحن لا نريد تعليما نريد بَلَماً".

لم يكتفِ العثمانيون بكونهم "دولة تأخذ ولا تعطي" فحسب بل عملوا على إضعاف المحتوى الحضاري للشعوب التي حكموها بحيث يجعلون في كل منهم "شغل في نفسه" بمرض أو جهل.. فبينما كنت تسمع عن المدارس والجامعات في اسطنبول وما حولها كانت تلك المشروعات في الولايات الخاضعة لاحتلالهم تُترَك لـ"أهل الخير" أو لو تصادف أن حكم هذه الولاية أو تلك والٍ محب للعلم.. وأقصى ما يستطيع هؤلاء أن يفعلوه هو بناء مدرسة بدائية أو كُتّاب بائس لتحفيظ القرآن.. وبعد أن كانت مدن العراق والشام ومصر تتيه على العالم بجامعاتها صار الجهل يضرب بأطنابه في جنباتها.

والجهل لا يأتي وحده، فإنه دائمًا ما يصطحب رفيقه المرض فيضربان حلقة حول المجتمع: يبتلى بالمرض فيتداوى بالجهل فيزداد مرضًا فيطلب مزيدًا من الجهل وهكذا.

والعثماني راضٍ عن هذا، فما دامت الرعية منشغلة بأمراضها وأوبئتها ومنكفئة على نفسها بجهلها وعزلتها فهذا خير من رعية مستنيرة تدرك علو قامتها على قامة محتلها الغاشم.

ولنأخذ نموذج القاهرة التي كانت في العصر المملوكي ملتقى العلماء في المجالات المختلفة، فقد شاع فيها الجهل حتى أن زائرًا أجنبيًا شكا أنه لا يجد من يصلح ولو تروس ساعة بسيطة إلا لو كان أجنبيًا.. وتحول البيمارستان المنصوري إلى سجن للمرضى العقليين يعاملون فيه كالوحوش الضارية.. واندثرت علوم الفلك والفيزياء والكيمياء والطب.. وتدهور الأدب حتى صار جل ما فيه هو كتابة قصيدة تُقرأ من الاتجاهين أو بعض مدائح الأمراء والعلماء.

شيوع الخرافات:

بالتالي فقد شاعت بين الناس ظاهرتان: الأولى هي "فقدان الأمل في الحياة" وبالتالي الاتجاه للتصوف ليس بشكله المتحضر الراقي القائم على التأمل والتفكر والتقرب إلى الله ولكن بشكله الخزعبلي المليء بالضلالات والخرافات والممارسات الشاذة كالسير عاريًا أو حلق الحواجب وشعر الوجه أو لبس الطراطير ذات القرون أو إيذاء الجسد وما شابه.. نفسيًا يمكننا تفسير ذلك بأنه هروب من الواقع أشبه بمن يدمن مخدرًا ليفصله عن واقعه البائس.

الظاهرة الأخرى كانت اللجوء للشعوذة وتقديس المشعوذين.. فقد أصبحت الشعوذة تجارة رابحة سعى الكثيرون للانتفاع بها.. فهذا رجل يدعي الانجذاب وتكشف "الحضرة الإلهية" له حتى أنه يسير عاريًا ومن خلفه موكب من المريدين.. وهذه امرأة تدعي توزيع الكرامات وهي تجمع الناس وتصطنع الهذيان-باعتبارها تخاطب ما وراء الحجاب-وتهذي بألفاظ بذيئة تركية وعربية ثم تلقي النبوءات.. وهذا الشيخ "صادومة" الذي يكتب للنساء تعاويذ على مواضع العفة منهن لـ"زيادة تعلق السيد والزوج بهن" (وهي واقعة ألهمت صديقي الكاتب أحمد مراد روايته الفيل الأزرق).. بل إن الأمر بلغ حد تقديس البعض عنزة باعتبارها قد بوركت بوصية للسيدة نفيسة حيث زارت شيخًا في نومه وأوصته بها.

هذا التهافت على الخرافات تحول من حالات فردية إلى ظاهرة من ظاهرة إلى "نمط حياة".. والعثمانيون راضون ما دام من يدعي كرامة أو خوارق لا يجمع الأتباع طلبًا للوثوب على السلطة ولا يحرض على عصيان أو منع ضريبة (ومن كان يفعل ذلك فقط كان العثمانيون يتصدون له ويحاكمونه بتهمة الهرطقة في الدين!).

بل وقد بلغ إيمان الناس بالخرافات أنه قد شاع ذات مرة أن القيامة ستقوم يوم كذا .. فأخذ الناس في الانقسام بين مصلين ضارعين طالبين للرحمة بينهم راح بعضهم الآخر ينهمك في العربدة و"نأخذ حظًا".. ثم جاء اليوم الموعود ولم تقم القيامة فشاع أن الإمام الشافعي والسيد البدوي قد شفعا في المسلمين عند الله و"أقنعاه" ألا يقيم القيامة!.

لو أن القارئ يعتقد بما سبق مبالغة فإنني أحيله لما كتب المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ليدرك أن ما سبق هو "غيض من فيض".

وعلى أي حال فإنني أضع "أوراق القضية" بيد القارئ.. فما سبق هو الادعاء.. والأدلة في الكتاب المذكور، وفي كتب مؤرخي العصر المملوكي السابق للعثمانيين كالمقريزي وابن تغري بردي وابن إياس... فلينظر وليتأمل ليدرك بُعد الشقة بين ذلك العربي الذي كان إذا مرض يطلب الطب وإذا أراد لنفسه خيرًا اجتهد في أسبابه، وذلك الذي إذا مرض طلب مشعوذًا وإذا أراد لنفسه خيرًا طلب من يصنع له سحرًا أو يكتب له تعويذة وطلسمًا!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:



سعيّد يلوّح بحلّ مجلس النواب.. ما هو موقف حركة النهضة الإسلامية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

لوّح الرئيس التونسي، قيس سعيّد، بحلّ البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية جديدة إذا انتهت مهلة الحكومة، بعد محاولة حركة النهضة الإسلامية عرقلة تشكيلها مرات عديدة.

ونقلت وكالة الأنباء التونسية الرسمية عن سعيّد قوله، لدى استقباله في قصر قرطاج، رئيس البرلمان (رئيس حركة النهضة)، راشد الغنوشي، ويوسف الشاهد، رئيس حكومة تصريف الأعمال: إنّه "لا سبيل للخروج من أزمة تشكيل الحكومة إلا بالاحتكام إلى الدستور وحده، وليس للتأويلات التي ترد علينا ممن فتحوا دور إفتاء".

وخلال اللقاء؛ أكّد سعيّد أنّ "الفصل 89 من الدستور ينصّ على أنّه إذا مرّت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحقّ في حلّ مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه 45 يوماً، وأقصاه 90 يوماً"، ورأى أنّه "يجب تطبيق نصّ الدستور في هذا الشأن".

سعيد: لا سبيل للخروج من أزمة تشكيل الحكومة إلا بالاحتكام إلى الدستور وحده وحلّ البرلمان

وقال الرئيس التونسي: "الفتاوى الدستورية بشأن الخروج من مأزق تشكيل الحكومة ليست بريئة، وليست مؤسسة على أسس علمية".

وشدّد على أنّه "إذا لم تحصل الحكومة التي سيتم تقديمها إلى البرلمان على الثقة، فسيتمّ اللجوء إلى الشعب، فهو صاحب السيادة يمنحها لمن يشاء ويسحبها ممن يشاء، وله الكلمة الفصل"، مؤكداً ضرورة أن يتحمّل الجميع مسؤوليته التاريخية.

ومنذ تكليف سعيد لإلياس الفخفاخ بمهمة تأليف الحكومة، قبل نحو 3 أسابيع، فإنّ الأخير يواجه صعوبات، تزامناً مع حجج واهية يطرحها حزب النهضة الإسلامي الذي يسعى للحصول على أكبر قدر ممكن من المكتسبات، التي تحصّنه من المسائلة القانونية بما يتعلق بانتهاكاته، هو وتنظيمه السرّي، وجرائمهم في تونس.

 

 

للمشاركة:

هل يوقف التدخّل الأوروبي تدفق الأسلحة التركية والمرتزقة إلى ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

اتفقت دول الاتحاد الأوروبي، أمس، على بدء مهمة بحرية وجوية جديدة في شرق البحر المتوسط، لمنع وصول المزيد من الأسلحة إلى ليبيا، وذلك بعد تخلي النمسا عن اعتراضاتها.

وقال وزير الشؤون الخارجية الإيطالي، لويغي دي مايو، للصحفيين عقب اجتماع في بروكسل: "اتفقنا جميعاً على بدء مهمة تمنع تدفق السلاح إلى ليبيا"، مشيراً إلى حظر فرضته الأمم المتحدة، عام 2011، على إرسال أسلحة لليبيا، لكنّه الآن يواجه عدم التزام بشكل كبير، وفق "فرانس برس".

وقال دبلوماسيون: إنّ سفن الاتحاد الأوروبي ستفتش السفن المريبة في شرق البحر المتوسط، حيث تحدث معظم حالات تهريب السلاح، بعيداً عن طرق الهجرة وذلك كحلّ وسط لتهدئة مخاوف النمسا من أن تؤدي أيّة مهمة بحرية إلى وصول المزيد من المهاجرين إلى أوروبا.

الاتحاد الأوروبي يوافق على إرسال دوريات بحرية وجوية لمنع وصول المزيد من الأسلحة إلى ليبيا

وعبّر بوريل عن أمله في إمكانية بدء عملية الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية آذار (مارس) المقبل، وفي البداية ستجري هذه العملية في المياه الدولية، لا المياه الليبية، موضحاً أنّه لا يمكن توقع قيام الاتحاد الأوروبي بدوريات على الحدود البرية بين مصر وليبيا.

وقال متحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر جليك، الذي يتزعمه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان: إنّ الأمم المتحدة، وليس الاتحاد الأوروبي، هي التي يجب أن تشرف على حظر إرسال أسلحة إلى ليبيا.

وقال جليك، خلال مؤتمر صحفي: "نعتقد أنّ إشراف الاتحاد الأوروبي على حظر السلاح لليبيا لن يحقق نتائج واقعية؛ لأنّ بعض الدول في الاتحاد الأوروبي تدعم حفتر بشكل مباشر وترسل أسلحة إليه".

وأضاف: "تركيا ترى أنّ آلية الأمم المتحدة هي أفضل آلية هنا، بالطبع يجب إعطاء أولوية لتنفيذ وقف إطلاق النار".

وكان من بين الحلول الوسط؛ استخدام الطائرات بدلاً من السفن لمراقبة مهربي السلاح، لكنّ وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، حثّ الاتحاد الأوروبي على الموافقة على القيام بمهمة بحرية، لأنّ "الطلعات الجوية لن تكون كافية".

هذا وقد حذّر مسؤول كبير بالأمم المتحدة، الأحد، من أنّ حظر السلاح ليس له معنى لأنّ لا أحد يلتزم به.

من جهته، قال وزير الخارجية النمساوي؛ إنّ بلاده تخلت عن رفضها لأنّ المهمة الجديدة عسكرية تماماً، وليست إنسانية، ولكن بموجب القانون الدولي سيتعين على سفن الاتحاد الأوروبي إنقاذ من يواجهون صعوبات في أعالي البحار.

وانتقلت تركيا من التسليح السرّي لحكومة الوفاق، التي تعدّها قيادة الجيش الوطني الليبي واجهة لحكم الإخوان، إلى التسليح العلني بطائرات مسيرة وبأسلحة ثقيلة وبالذخيرة وبعربات عسكرية مصفحة وبمرتزقة سوريين، ومع ذلك لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذه الانتهاكات واكتفى ببيانات تجاهلها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

 

 

للمشاركة:

البعث الأممية تطالب بحماية المتظاهرين العراقيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

دانت بعثة الأمم المتحدة في العراق، اليوم، عمليات استهداف المحتجين السلميين في العاصمة بغداد، خلال الأيام الثلاثة الماضية، داعية إلى وقف العنف وحماية المتظاهرين.

وقالت ممثلة الأمم المتحدة، جينين هينيس بلاسخارت، في بيان: "البعثة تتلقى معلومات ذات مصداقية عن استهداف متظاهرين على الطريق بين ميدان التحرير وميدان الخلاني، في بغداد، مساء 14 و15 و16 شباط (فبراير)"، وفق ما أوردت وكالات أنباء عالمية وعربية.

وأضافت: استهداف المتظاهرين أدّى إلى إصابة 50 شخصاً، على الأقل، كما أصيب عدد من أفراد الأمن، مشيرة إلى أنّ معلومات وردت من كربلاء حول إصابة أكثر من 150 محتجاً، في كانون الثاني (يناير) الماضي.

البعثة تلقت معلومات ذات مصداقية عن استهداف متظاهرين على الطريق بين ميدان التحرير وميدان الخلاني

وطالبت السلطات العراقية بـ "منع استخدام القوة ومحاسبة المسؤولين عن إساءة استخدام القوة"، معتبرة أنّ ذلك مصدر قلق أمني خطير يجب التعامل معه بشكل عاجل وحاسم.

وأتت هذه التصريحات تزامناً مع مهاجمة عناصر "القبعات الزرقاء"، وهم أنصار للتيار الصدري، بداية الشهر الجاري، المعتصمين داخل خيامهم قرب ساحة التحرير وسط بغداد، ما أدّى إلى إصابة عدد من الجرحى.

فيما ما يزال المتظاهرون العراقيون، حتى اليوم، مصممين على مطالبهم، رغم مرور أكثر من 4 أشهر على "انتفاضتهم"، وعلى رأسها تكليف شخصية مستقلة من أجل تشكيل الحكومة، وإنهاء النفوذ الإيراني، وبالتالي رفضهم مساعي رئيس الوزراء المكلَّف، محمد علاوي.

يشار إلى أنّه منذ بداية التظاهرات قتل نحو 550 شخصاً، غالبيتهم العظمى من المتظاهرين الشبان، بينما أصيب حوالي 3 آلاف بجروح.

 

 

للمشاركة:



لماذا يحتفل الأمريكيون بمولد مارتن لوثر كينغ؟

2020-02-18

قليلون هم من يتركون أثراً يمتدّ بعد موتهم، قليلون هم من ضحّوا بحياتهم من أجل ما يؤمنون به، مارتن لوثر كينغ واحد من الذين مكثوا عمراً قصيراً، لكنّهم عاشوا لقضية أكبر من أعمارهم، ووهبوها من دمائهم وأرواحهم، فامتدت بعدهم لعقود عديدة.

نشأ مارتن لوثر كينغ في مدينة أتلانتا التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية

فارق كينغ الدنيا وعمره لم يتجاوز ٣٩ ربيعاً، قضى أكثرها في النضال في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، رافضاً العنف بكل أنواعه، مترفعاً عن التورط في صراع السود، من خلال صبره وحكمته؛ بل سعى كثيراً لإنهائه والدعوة لإحلال السلام، قدم حياته "شهيداً للتسامح" في عصر يقدّس العنصرية والتحزب والتعصب الأعمى والتنمر.
وُلد مارتن لوثر كينغ في 15 كانون الثاني (يناير) العام 1929، تحت اسم "مايكل كينغ" لأب يعمل قسّاً لكنيسة معمدانية، اعتمد الأب اسم "مارتن لوثر كينغ" نسبة لمؤسس البروتستانتية الألماني "مارتن لوثر"، ثم أتبعه بـ"مايكل"، واعتمد الاسم نفسه، ليصبح اسمه "مارتن لوثر كينغ الابن".

نشأ "مارتن لوثر كينغ" الابن في مدينة أتلانتا الأمريكية، التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية، وشاهد كيف نبذه أقرانه البيض، وتألم من منع أمهات زملائه البيض في المدرسة أبناءهنّ من اللعب معه، لكنّ كلمات أمه كانت تنير له الطريق وتشدّ من أزره، فكانت إذا رأته يتألم لابتعاد زملائه عنه، تقول له: "لا تدع هذا يؤثر عليك أو يجعلك تشعر بأنّك أقل من البيض فأنت لا تقلّ عن أي شخص آخر".

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ومضت الأعوام، ودخل كينغ المدارس العامة، العام 1935، والتحق بالجامعة في أواخر العام 1942؛ حيث درس بكلية "مورهاوس" التي ساعدت على توسيع إدراكه لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم.
في العام 1947 تمّ تعيينه مساعداً في كنيسة أبيه، وصار قسّاً معمدانياً، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب، العام 1948، ولم يكن عمره قد تجاوز 19 عاماً، وحينها التقى بفتاة  تدعى "كوريتا سكوت"، وتزوجها العام 1953، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بوسطن، وفي العام 1951 حصل على بكالوريوس في اللاهوت، ثم انتقل مع زوجته إلى مدينة مونتجمري بولاية ألاباما، عام 1954، وكُلّف بخدمة الكنيسة المعمدانية، ونجح وقتها في الحصول على درجة الدكتوراه في علم اللاهوت العام 1955.
بداية النضال
حمل الأول من كانون الأول (ديسمبر) العام 1955، بذور حركة نضالية من أجل استعادة القيم الإنسانية للمواطن الأسود في الولايات المتحدة، عندما رفضت روزا باركس، وهي سيدة سوداء، أن تخلي مكانها في حافلة لراكب أبيض، حسبما كان متبعاً، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها، ومن ثم اعترض مارتن لوثر كنيغ على هذه التفرقة  العنصرية، ونادى بمقاطعة شركة الحافلات واستمرت المقاطعة عاماً كاملاً؛ ما أثر كثيراً في إيرادات الشركة، وأدت المقاطعة السلمية إلى كسر قانون العزل العنصري في ألاباما.

أدرك الأمريكيون أنّ كينغ غيّر وجه بلادهم للأبد وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً

فرح الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء بإنجازات مارتن، وصار زعيماً لهم، وعقدوا عليه الأمل في تحريرهم من العنصرية البغيضة، ليبدأ رحلة نضال ضدّ الكراهية والعنصرية، ومن أقواله: "الظلام لا يمكن أن يطرد الظلام، الضوء فقط يستطيع أن يفعل ذلك، الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، الحب فقط يمكن أن يفعل ذلك".
قام بزيارة للهند العام 1959، وعبّر عن اعتقاده الكامل بأيديولوجيا السلام عند نِهرو وغاندي من قَبله، وكان شديد الانتقاد لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وكافأته الحكومة الهندية، العام 1966، بمنحه جائزة نهرو للسلام الدولي، بعد وفاته.

خلال رحلته في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، نضجت شخصية كينغ كثيراً، وركز على الظلم بدلاً من كراهية شخص بعينه؛ إذ تعرّف إلى فكرة العصيان المدني كسلاح من أجل التغيير، والمقاومة السلبية السليمة.
ضاعف كينغ، العام 1963، جهوده لمواجهة العنصرية في الولايات المتحدة، ونظم سلسلة من المظاهرات في برمنغهام، وعبأ الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وأُلقي القبض عليه لمخالفته أمراً قضائياً بمنع كلّ أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام، وبمجرد إطلاق سراحه قاد مظاهرات أخرى، أوقفها تدخل الرئيس الأمريكي آنذاك، جون كينيدي، وإعلانه حالة الطوارئ، ليتدخل مارتن ويهدئ من ثورة الشارع.

في 4 نيسان 1968 اغتاله متعصب أبيض أثناء الاستعداد لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"

وفي 28 آب (أغسطس) 1963، نظّم الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء مسيرة سلمية لم يسبق لها مثيل في قوتها، فقد اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض، متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينغ أروع خطاب له: "لدي حلم" (I have a dream)، التي قال فيها: "لدي حلم بأنّه يوماً من الأيام أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".
ووصف كينغ المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تفِ أمريكا بسداده "فبدلاً من أن تفي بشرف ما تعهدت به، أعطت أمريكا الزنوج شيكاً بدون رصيد، شيكاً أعيد وقد كتب عليه: الرصيد لا يكفي لصرفه".
وفي ذروة الانتشاء بانتصارات الإنسانية ضدّ التعصب والعنصرية، قام المتعصبون العنصريون بإلقاء قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك ممتلئة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فعاد كينغ مرة أخرى إلى مدينة برمنغهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف بين السود والبيض.

نادى بمقاطعة شركة الحافلات في ألاباما عاماً كاملاً ما أدى إلى كسر قانون العزل العنصري
مهّد نضال كينغ لصدور قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، العام 1964، وفي العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينغ لقب "رجل العام"، فكان أول رجل من أصل أفريقي يمُنح هذا اللقب، ثم حصل، العام 1964، على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة بعمر ٣٥ عاماً، ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر والسود، وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل؛ إذ كانت البطالة قد انتشرت بين الأفارقة.
رصاصة التعصب
في 4 نيسان (أبريل) 1968؛ أثناء الاستعداد لأحد لقاءاته لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"، قام أحد المتعصبين البيض، ويدعى جيمس إرل راي، بإطلاق رصاصة من بندقية قناصة أصابت حنجرته، فاغتيل رجل السلام والتسامح والمحبة واغتيلت معه أحلامه في زرع المحبة بدلاً من الكراهية، اغتاله التعصب والكراهية والعنصرية، لتندلع أعمال العنف في ولايات عدة، منها واشنطن ونيويورك وشيكاغو وبوسطن، لكنّ المحبة التي زرعها كينغ لم تذهب سدى؛ إذ أصدرت زوجته المكلومة بياناً طالبت فيه المحتجين بوقف العنف وتحقيق أحلام الزعيم بالسلام والمطالبة بالمساواة والعدل، فخمدت الفتنة، وأدرك الأمريكيون أنّ مارتن لوثر كينغ غيّر وجه أمريكا للأبد، وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً.

اقرأ أيضاً: التطرف الذي يغذي العنصرية
عندها وقّع الرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، قانون الحماية المدنية، الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في جميع الولايات الأمريكية؛ لتتحقق أحلام الزعيم الأسود بعد رحيله.
رأى كثيرون أنّ رسالة لوثر كينغ قد تحققت، وأنّ التفرقة العنصرية قد انتهت في اليوم الذي فاز فيه باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، في 20 كانون الثاني (يناير) 2009؛ حيث تفخر دول كثيرة في العالم بوصول رجل من أصول أفريقية إلى كرسي الحكم في الولايات المتحدة.
يوم مارتن لوثر كينغ
واعترافاً بفضل "شهيد التسامح" على أمريكا؛ وقّع الرئيس، رونالد ريغان، في 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، 1983، تشريعاً ينصّ على تحديد عطلة رسمية لتكريم ذكرى مارتن لوثر كينغ، ثم أعلن الكونغرس العام 1994، أنّ ١٥ كانون الثاني (يناير)، أحد الأعياد الفدرالية السنوية هو "يوم مارتن لوثر كينغ"، داعياً الأمريكيين من جميع الأطياف والشرائح لأن يتطوعوا بوقتهم ومجهودهم للمساعدة في تحقيق رؤية كينغ بقيام "مجتمع المحبين"، وبحلول العام 1999، أصبحت جميع الولايات الخمسين تحتفل بهذه العطلة، لتنتصر الإنسانية والمحبة على الكراهية والتعصب.

للمشاركة:

كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية