الدين والحياة العامة: مسألة لا يمكن تبسيطها.. ما العمل؟

2624
عدد القراءات

2018-11-11

عندما نوافق على الخروج من الدور المباشر والمقدّس للدين في الحياة العامة، أو البحث عن بديل لحياة عامة منفصلة عن الدين؛ فإننا نواجه مسألة معقدة في فهمها، وفي تقديم الحلول والأفكار، وربما يكون من أسباب نجاح وانتشار النموذجين السائدين، وهما؛ الدين السياسي والسياسة المنفصلة عن الدين (العلمانية)؛ وضوحهما وحسمهما للمسألة، لكنّهما أسسا لمتوالية من المشكلات أكثر تعقيداً، ظلّت تلحّ في البحث عن مخرج يرضي تطلعات الناس وأشواقهم الروحية وأسئلتهم العقلية والمنطقية، وربما كانت المشكلة الأكبر، والأكثر ضرراً في هذا الجدل؛ أنّها حظيت ببحث غير مجدٍ، يشبه طحن الماء، وفي هذا الاهتمام، كما يقول تشارلز تايلور، بقضايا أكثر مما تستحق، أخفيت عن الاهتمام بمشكلات حقيقية تواجهنا.

اقرأ أيضاً: أيّ مستقبل لعلمانية المسلمين؟

يقول تايلور: كي ينشط الناس مجتمعين ويتداولوا من أجل تشكيل إرادة موحدة ينطلقون منها للفعل، يحتاجون إلى درجة عالية من الالتزام المشترك، إحساس بالتماهي المشترك، ويفترض مثل هذا المجتمع الثقة مسبقاً، تلك الثقة التي يجب أن يمتلكها الأفراد وجماعات الناخبين، الإيمان بأنهم جزء من العملية، وأنّ صوتهم مسموع، وآراءهم تؤخذ بالحسبان، ودون هذا الالتزام المتبادل تتآكل الثقة على نحو قاتل.

لا يمكن للدولة أن تكون مسيحية أو مسلمة أو يهودية فالدولة الديمقراطية ستنتهي للتصويت على القوانين التي تعكس قناعات مواطنيها

تحتاج الدولة الديمقراطية الحديثة إلى "شعب" يمتلك هوية جماعية قوية، وتفرض علينا الديمقراطية إبداء قدر أكبر من التضامن ومن الالتزام تجاه بعضنا، في مشروعنا السياسي المشترك، أكثر مما كانت تطلب المجتمعات التراتبية والتسلطية في وقت ما في الماضي، وعلى الديمقراطيات المعاصرة، بينما هي تتنوع على نحو متزايد، ممارسة إعادة تعريف لهوياتها التاريخية تكون واسعة المجال ومؤلمة.

لقد لاحظ المفكرون في التقليد الإنسانوي المدني، من أرسطو إلى أرندت، أنّ المجتمعات الحرة تستلزم مستوى أعلى من الالتزام والمشاركة من المجتمعات الاستبدادية أو التسلطية، وعلى المواطنين أن يفعلوا من أجل أنفسهم ما يمكن أن يفعله الحكام من أجلهم بخلاف ذلك، لكنّ ذلك لن يحدث إلا إذا شعر هؤلاء المواطنون بوشيجة قوية من التماهي مع جماعتهم السياسية، وبالتالي مع أولئك الذين يشتركون معهم في هذا.

اقرأ أيضاً: محمد برادة: ثقافة الهزيمة تجتاح المجتمعات العربية

إنّ المجتمعات تنظم وفق فلسفة مدنية، تحفظ القواعد الثلاث: حقوق الإنسان، والمساواة وعدم التمييز، والديمقراطية، وتبدو مبادئ فلسفتنا المدنية -في نهاية المطاف- كأنها تستدعي تأسيساً أعمق، لكن الإجماع المتداخل بين مختلف الآراء المختلفة المؤسسة على فلسفة مدينة مشتركة؛ هو أمر جديد في التاريخ، ولم يخضع للاختبار نسبياً.

الأنظمة العلمانية التي تستحق هذا الاسم في الديمقراطية المعاصرة يجب ألا تفهم على أساس أنها متاريس ضدّ الدين

يصف تايلور المشكلة في تعقيدها على النحو التالي: إنّ "الديمقراطية المتنوعة بحقّ لا تستطيع أن ترتدّ إلى دين مدني، أو إلى معاداة الدين، مهما بدا ذلك مريحاً، دون أن تخون مبادئها نفسها، نحن محكومون بالعيش في ظلّ إجماع متداخل"، وهنا يتساءل تايلور: "كيف نفهم الفكرة التي تبناها رولز لبعض الوقت، القائلة إنّ بوسع المرء أن يطلب على نحو شرعي، من ديمقراطية متنوعة دينياً وفلسفياً، أن يعتمد الجميع التداول بلغة العقل وحده تاركين آراءهم الدينية عند مدخل المجال العام؟ وقد أدرك رولز بسرعة الطبيعة الاستبدادية لهذا المطلب، أما هابرماس؛ فيشير إلى قطيعة معرفية بين العقل العلماني والفكر الديني.

لكنّ موقف هابرماس من الخطاب الديني تطور تطوراً كبيراً، إلى حدّ الإقرار بأنّ قدرة الكلام الديني على طرح مزيد من الحدوسات، تجعله وسيلة جادة للتوصل إلى مضامين حقيقية محتملة، ويبقى التمييز المعرفي قائماً بالنسبة إليه، لذلك عندما يصل الأمر إلى اللغة الرسمية للدولة، لا بدّ من شطب الإحالات الدينية، ففي البرلمان، على سبيل المثال؛ لا بدّ من أن تتيح قواعد الإجراء لرئيس الجلسة حذف المواقف أو التبريرات الدينية من المخطوطة الرسمية، ولا يبرر هابرماس ذلك بكونها دينية؛ بل لأنّها ليست مشتركة.

اقرأ أيضاً: بين الديني والعلماني... شخصيات حائرة هل تصنع مجتمعاً متوازناً؟

لا يمكن للدولة أن تكون مسيحية أو مسلمة أو يهودية، لكنّها –للأسباب نفسها- لا يمكن أن تكون ماركسية أو كانطية أو براغماتية، فالدولة الديمقراطية ستنتهي، بالطبع، إلى التصويت على القوانين، التي في أحسن الأحوال تعكس القناعات الفعلية لمواطنيها، وقد تكون إما مسيحية أو إسلامية، لكن لا يمكن للقرارات المتخذة أن تؤطر بطريقة تمنح اعترافاً خاصاً لأحد هذه الآراء، وليس مثل هذا الفعل أمراً هيناً، فالخطوط الفاصلة يصعب رسمها، ولا بدّ من أن يعاد رسمها دائماً، لكن هكذا هي طبيعة مشروع الدولة العلمانية الحديثة، وهل ثمة بديل أفضل أمام الديمقراطيات المتنوعة؟

إنّ الأسطورة أوسع انتشاراً مما نظن، حتى المفكرون المتقدمون الذين يتنكرون لها عندما تقدم بوصفها مقولة عامة، يميلون إليها في سياقات أخرى، ومصداقية التعددية التصحيحية التي يقترحها تايلور هنا: الأنظمة العلمانية التي تستحق هذا الاسم في الديمقراطية المعاصرة، يجب ألا تفهم ابتداء على أساس أنها متاريس ضدّ الدين، لكن بوصفها محاولات حسنة النية لضمان الأهداف الأساسية الثلاثة: حقوق الإنسان، والمساواة، والديمقراطية.

 

 

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: