الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟

الذئب المنفرد (الوحيد)؛ ترجمة حرفية لمصطلح "Lone Wolf"، وهو مصطلح شاع استخدامه لوصف الأشخاص الذين يتسمون بالانطوائية، كونهم هجروا أو اسُتبعدوا من جماعتهم، تماماً كالذئاب التي تهجر جماعتها، أو تُستبعد منها، وبحسب دراسات علم الأحياء في ممالك الحيوان، فإنّ الذئب الوحيد يصبح أكثر قوة كونه يدافع عن نفسه ويسلك درب حياته وحيداً منفرداً. 

أصبح الاستخدام الأكثر شيوعاً لمصطلح الذئاب المنفردة في إطار وصف منفذي عمليات إرهابية عشوائية منفردة

تمّ تطويع واستخدام هذا المصطلح في عدة مواضع، منها: الدلالة على الإبداع أو التفرد، وإن طالعنا قاموس "أوكسفورد" من الإنجليزية للإنجليزية، في طبعته لعام 2019، سنجد أنّ تعريف "Lone Wolf" يستخدم في وصف الشخص الذي يميل إلى الاستقلالية كطريق للتفرد والنجاح المهني؛ أي إنّ المصطلح قد يشير إلى التحرر من القيود التي تعيق الإبداع.
لكنّ أصبح الاستخدام الأكثر شيوعاً لمصطلح "الذئاب المنفردة" في إطار وصف الأفراد الذين ينفذون عمليات إرهابية عشوائية منفردة، متأثرين بفكر أيديولوجي محدد، رغم عدم انتمائهم الحركي لجماعات سياسية أو أيديولوجية بعينها، وقد ينفذون تلك العمليات بلا تمويل وبأقل الإمكانات المتاحة؛ لذلك يصعُب رصدهم أمنياً كونهم بلا سجلات جنائية سابقة.
نشأة الفكرة والمصطلح
كثير من الأفكار، بشكل عام، وجدت قبل أن يتمّ صكّ المصطلحات التي تعبّر عنها؛ أي إنّه لا بدّ من التمييز بين تاريخ نشأة المصطلح من جهة، وانتشار الفكرة قبل شيوع المصطلحات وصكّها.
من خلال الدراسات البحثية؛ يمكننا رصد شيوع مصطلح "الذئاب المنفردة" كمرادف للعمليات الإرهابية المستقلة منذ العام 1990، حين شاع كالنار في الهشيم على يد جماعات تفوّق العرق الأبيضWhite supremacy" "، التي استهدفت العرق الأفريقي في الولايات المتحدة؛ حيث اعتمدت هذه الجماعات على بثّ أيديولوجيتها العنصرية، وحثّ أنصارها على شنّ الهجمات المستقلة انتصاراً للعرق الأبيض.

كتاب "العمليات الإرهابية المنفردة وخطرها المتزايد" رصد حالات تبدو فردية لكنّها في الواقع تقع ضمن العمل التنظيمي والحركي الممنهج

وفي العام 2017؛ صدرت دراسة بعنوان "Age of Lone Wolf Terrorism "عصر العمليات الإرهابية المنفردة"، للباحث الأمريكي (Mark Hamm)، والباحث الأسترالي(Ramo Spaaij) ، ومن خلالها تطرق الكاتبان إلى رصد الهجمات الإرهابية المنفردة، منذ بدايات القرن العشرين، بسبب دوافع أيديولوجية أو دينية عقائدية مختلفة.
لكنّ الكتاب الأكثر جدلاً كان "العمليات الإرهابية المنفردة وخطرها المتزايد" (Lone Wolf Terrorism: Understanding the Growing Threat)، الصادر العام 2016، من تأليف الباحث الأمريكي (Jeffrey D. Simon) الذي رصد فيه حالات عالمية، سواء في الشرق أو الغرب، قد تبدو أنّها هجمات فردية لكنّها، في حقيقة أمرها، تقع في إطار العمل التنظيمي والحركي الممنهج.
قيمة مستوردة أم موروثة؟
تؤكد التنظيمات الإسلامية، التي تتخذ من الجهاد صفة لها، على سعيها لإحياء سنّة الجهاد على اعتباره فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة، بحسب تأويلاتهم الفقهية، بصرف النظر عن تغيّر الظروف الزمانية والمكانية للدعوة التي يسعون لإحيائها في أذهانهم.
وقد يتبرأ بعض الجهاديين من المصطلحات الحديثة، ومن بينها مصطلح "الذئاب المنفردة"، على اعتبار أنّه مصطلح غريب ودخيل ومستورد، وصفت به الحركات الجهادية على لسان التحالفات الدولية الغربية.
فتسعى تلك التنظيمات لتأصيل الأفكار، بحسب مفرداتها العربية؛ أي إنّها تتغاضى عن المصطلح، لكن لا تتبرأ من الفكرة ذاتها، بل تسعى للتأصيل لها من داخل العلوم الفقهية، لتبرهن أنّ الفكرة إسلامية، بحسب رؤيتها. 
"المقاومة العالمية" مصطلحاً بديلاً
مصطفى بن عبد القادر الرفاعي، المشهور بأبو مصعب السوري (مواليد حلب 1958)، والذي يعدّ مؤسس مكتب دراسات صراعات العالم الإسلامي في لندن، وأحد أهم الفاعلين ضمن الخلية الإعلامية الداعمة للجهاد الجزائري، تبنّى دعوة المؤمنين كافة إلى الجهاد غير المنظم من خلال كتاباته المؤصَّلة فقهياً؛ لهذا صكّ مصطلحاً جديداً، أسماه "المقاومة الإسلامية العالمية"، وهو أيضاً اسم كتابه الذي صاغ فيه ضرورة الجهاد من أجل الجهاد، أي إنّ الجهاد هدف في حدّ ذاته، حتى إن كان خارج الحراك التنظيمي؛ فالجهاد ضدّ من يرفض تطبيق شرع الله (حاكماً أو محكوماً) هو الغاية، حتى إن لم تنتج عن هذا الجهاد حكومة إسلامية شرعية.

العمليات العشوائية لا تعني بالضرورة أنّها غير ممنهجة بل من أشكال العمل الإستراتيجي في الفكر الجهادي المعاصر

وهنا يستشهد في كتابه بالآية القرآنية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: 65]، فيسعى إلى تأصيل ظاهرة الذئاب المنفردة، أو التي أسماها "المقاومة الإسلامية العالمية"، على اعتبار أنّها من الموروثات النصيّة المقدسة، وليست قيمة مستوردة.
فمفهوم المقاومة الإسلامية العالمية؛ هو شكل من أشكال الحثّ على الفردانية (العمل الفردي) في شنّ الهجمات على المؤسسات الحكومية والمدنيين، كذلك بهدف إحداث فوضى منظمة يصعب تتبع أثرها.
لكن من قبل تأصيل أبي مصعب السوري لهذا المفهوم من المنظور الجهادي، قامت جماعة الإخوان المسلمين في البلاد العربية باتباع إستراتيجية مشابهة، في سبعينيات القرن الماضي، عندما دخلت في مفاوضات ومداهنات مع السلطة في بلدانها تباعاً.
هنا ادّعت الجماعة أنّها نبذت العنف، وسعت للسيطرة على المؤسسات الحكومية، ليس بالضرورة بالهجوم  عليها  من الخارج؛ إنما  بالسيطرة  عليها  من الداخل، من  خلال  استقطاب أفراد مستقلين ينتهجون أيديولوجيتها والدعوة إليها، وهؤلاء يتقلدون أعلى المناصب في مؤسساتهم، دون الانتماء التنظيمي للإخوان، هكذا تجلّت ظاهرة تعرَف بـ "الهوى الإخواني"؛ أي بثّ أيديولوجيا الإخوان في أفراد لا ينتمون للجماعة تنظيمياً، وليست لهم صلة رسمية بها، ولهذا فإنّ نظرية الذئب المنفرد قد تكون جهادية صريحة، وقد تكون مناوئة مسالمة في شكلها الظاهري؛ أي  تعتمد على اختراق البنية للسيطرة عليها  لا هدمها.
تأثير الدومينو 
إعلان الجهاد وتطبيق الحسبة الشرعية ضدّ الحريات الشخصية والعامة؛ هو أحد أهداف الإرهاب العشوائي، إما بهدف التمرّد على المدنية بشكل مطلق، أو بهدف الترويع الأمني، وما تتبعه من أزمات تضرب استقرار النظام العام، وتحدث فوضى منظمة، وسخطاً من قبل الجماهير. 

لا بدّ من التمييز بين تاريخ نشأة المصطلح من جهة وانتشار الفكرة قبل شيوع المصطلحات وصكّها

الإرهاب العشوائي، حتى إن نادت به جماعات راديكالية، إلا أنّها لا تخصّ جماعاتها به، أو كما جاء، بحسب أبي مصعب السوري، في كتاب "المقاومة الإسلامية العالمية"؛ إنّ تطبيق الحسبة والجهاد ليس حزباً ولا دستوراً ولا جماعة، وإنما دعوة مفتوحة لجموع المسلمين.
تحثّ التنظيمات الجهادية المعاصرة الأمة على "تغيير المنكر باليد"، نسبة إلى الحديث النبوي الذي رواه الصحابي أبو سعيد الخدري، وفيه جاء أنّ تغيير المنكر باليد هو أقوى الإيمان وبالقلب هو أضعفه، ويعدّ هذا جزءاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو "الحسبة الشرعية".
قد يبدو مصطلح المنكر مبهماً في التاريخ المعاصر، خاصة أنّ المنكر يحمل طابعاً ماضوياً لا يتماشى بالضرورة مع التطور التشريعي، النسبي، في التاريخ الحديث والمعاصر.
كما يستندون إلى فكرة دعوة جموع المسلمين إلى الجهاد الفردي على نظرية تأثير "الدومينو"(Domino Effect) ؛ أي التأثير التراتبي وإحداث حالة من العدوى الجهادية المنفردة.
حتى إن لم يستخدم هذا المصطلح "تأثير الدومينو" من قبل الجماعات الجهادية، إلا أنّ الفكرة تظل هي محور الدعوة إلى الجهاد العشوائي وما يتبعه من محاكاه فردية غير قابلة للرصد مما ينهك القوى النظامية في تتبعها.
استهداف الكنائس، أو منع بنائها، بعد منح الدولة ترخيص بنائها، أو التعرض الجسدي للفتيات غير المحجبات في الطريق العام، أو تطبيق الحدود على من يحسبوه مرتداً، قد يقع في إطار التنظيم الجهادي الممنهج، وقد يقع على يد الأفراد المتشبعين بالفكر الجهادي بدون الانتماء إلى التنظيمات. 
داعش وذئابه المنفردة
في العام 2017؛ قام تنظيم داعش بتوزيع خطبة صلاة الجمعة مطبوعة في مدينة قضاء الحويجة في محافظة كركوك بالعراق، وجاء فيها أنّ التنظيم سيحذو حذو "الخيل المسوّمة"، والخيل المسوّمة؛ هو المصطلح البديل الذي اختاره داعش، بدل مصطلح "الذئاب المنفردة".

بعض الهجمات قد تقع ممنهجة أو على يد أفراد متشبعين بالفكر الجهادي بدون الانتماء إلى تنظيمات

"الخيل المسومة" يعيدنا إلى دراسة تطويع المفردات القرآنية في خطاب تلك التنظيمات الجهادية، كما وردت في الآية رقم 14 من سورة آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ﴾، والخيل المسومة هي الراعية السائمة.
كان الهدف من بيان داعش، بشكل صريح؛ تهديد الحكومات الأوروبية بقدرة التنظيم على الاستقطاب والتجنيد عن ُبعد، من خلال الثورة الرقمية والإعلامية، لتسديد الضربات الموجعة في قلب المدنية الغربية.
لكنّ هذا لا يعني أنّ التنظيمات الجهادية معنية بشنّ هجمات الخيل المسومة، أو الذئاب المنفردة، ضدّ الحكومات الغربية وحدها، وإنّما يتم تقسيم صحيح الجهاد، بحسب تلك الرؤية، إلى الجهاد ضدّ الكفار الأصليين (الغرب)، والكفار المرتدين من المجتمع (العدو القريب)، بحسب ما جاء في عدة أدبيات جهادية، ومن بينها كتاب أبو قتادة الفلسطيني "الجهاد والاجتهاد: تأملات في المنهج".
يمكن القول إنّ العمليات العشوائية لا تعني بالضرورة أنّها غير ممنهجة؛ فالعشوائية شكل من أشكال العمل الإستراتيجي في الفكر الجهادي المعاصر.

الأقسام: