الراديكالية الإسلامية: مقدمات صحيحة ونتائج خاطئة

الراديكالية الإسلامية: مقدمات صحيحة ونتائج خاطئة

مشاهدة

15/01/2022

يُقدّم المفكّر الأساسي والأكثر أهمية للإسلام السياسي سيد قطب مقولات متقبلة ولا خلاف عليها في الفكر الإسلامي، لكنّه يقفزّ منها إلى مبادئ وأفكار مخالفة للسياق الإسلامي والعام، بل إنّه يكاد يعيد إنتاج الأفكار والجماعات اليمينية والتاريخية التي ترى نفسها الأفضل والأكثر تميزاً، والتي يحقّ لها الاستعلاء على الآخر في قالب "إسلامي"، ويبدو أنّه متأثر جدّاً بـ"التوراتية المعاصرة" والنازية وفلاسفتها وقادتها، وربما يكون قد أجرى عمليات دمج وموافقة بين المصادر الإسلامية والاتجاهات القومية الاستعلائية التي صعدت في القرن الـ10، وألقت بظلها على العالم حتى منتصف القرن الـ20، وأثرت في جميع الاتجاهات والحركات السياسية في العالم.

اقرأ أيضاً: بانوراما التنظيمات الإرهابية 2021: التصورات الراديكالية تهدّد العالم

يتحدث سيد قطب عن الآثار الإيجابية التي تركها الإسلام في البشرية، وهو في ذلك يوافق معظم، إن لم يكن جميع الاتجاهات السائدة في الفكر الإسلامي والعالمي المعاصر، لكنّه يراها تجربة تمنح أصحابها حقّ الوصاية على العالم، وأحقية النهوض به وإرشاده، بل والاستعلاء عليه، والنظر إليه، كما يقول، "من علٍ، كما ينظر الكبير إلى لثغة الأطفال وتصوّراتهم وتفسيراتهم"، ولا شكّ أنّ المشاركة العالمية أمر ضروري لجميع الأمم، ونحتاج بطبيعة الحال أن نكون جزءاً من العالم نتقبّله ويتقبّلنا، ولكنّ الإسلام السياسي استخدم مقولات التميز الإسلامي للشعور باحتكار الصواب وحقّ الوصاية على العالم، بل واستباحة كلّ ما يمكن الوصول إليه وتدميره لدى الآخر، وقد تشكّلت جماعات وأفراد تواجه العالم بأسره، وجرّت معها ووراءها كثيراً من المسلمين، وألحقت بالعالم الإسلامي وصورته أذى كبيراً، وصار المسلم موضعاً للعداء والتمييز، ثمّ دخلت مجتمعات المسلمين في حروب وصراعات أهلية مدمرة أهلكت الحرث والنسل، وسبّبت الفوضى والعبث، ويشكّل المسلمون اليوم أكثر من 90% من اللاجئين في العالم، والبالغ عددهم أكثر من (80) مليوناً، ويشكّل المسلمون أيضاً 98% من ضحايا العنف "الإسلامي"، وصارت هذه الجماعات، ويا للمفارقة المرعبة! تعمل ضد الإسلام والمسلمين على نحو غير مسبوق في تاريخ المسلمين.

 

قال الإسلام كلمته المدوية: إنّ كرامة الإنسان مستمدة من "إنسانيته" ذاتها لا من أيّ عرض آخر كالجنس، أو اللون، أو الطبقة، أو  الثروة، أو المنصب..

 

يقول سيد قطب، ونوافقه في ذلك: "إنّ الإسلام ترك آثاراً إيجابية في البشرية، تشكّل رصيداً للعاملين لعودة الإسلام إلى الحكم والتأثير، ومنها على سبيل المثال: إنسانية واحدة، جاء الإسلام ليقول للناس: "إنّ هناك إنسانية واحدة، ترجع إلى أصل واحد، وتتجه إلى إله واحد، وإنّ اختلاف الأجناس والألوان، واختلاف الرقعة والمكان، واختلاف العشائر والآباء، كلّ أولئك لم يكن ليتفرّق الناس ويختصموا، ويتحوصلوا وينعزلوا، ولكن ليتعارفوا ويتآلفوا، وتتوزع بينهم وظائف الخلافة في الأرض؛ ويرجعوا بعد ذلك إلى الله الذي ذرأهم في الأرض واستخلفهم فيها. وقال لهم الله، سبحانه، في القرآن الكريم: "يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إنّ الله عليم خبير" (الحجرات:13)، "يا أيّها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبثّ منهما رجالاً  كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إنّ الله كان عليكم رقيباً" (النساء:1).

اقرأ أيضاً: التناوب الراديكالي: كيف غزت تركيا وإيران عقول شباب أمريكا؟

ولم تكن هذه مبادئ نظرية؛ ولكنّها كانت أوضاعاً عملية، لقد انساح الإسلام في رقعة من الأرض فسيحة، تكاد تضمّ جميع الأجناس وجميع الألوان، وذابت كلها في النظام الإسلامي. ولم تقف وراثة لون، ولا وراثة جنس، ولا وراثة طبقة، ولا وراثة بيت، دون أن يعيش الجميع إخواناً؛ ودون أن يبلغ كلّ فرد منهم ما تؤهله له استعداداته الشخصية،  وما تكفله له صفته الإنسانية.

واستقرّ هذا الخط العريض في الأرض، بعد أن كان غريباً فيها أشدّ الغرابة، ومستنكراً فيها كلّ الاستنكار، وحتى بعد انحسار المدّ الإسلامي لم تستطع البشرية أن تتنكّر له كل التنكر، ولم تعد تستغربه كلّ الاستغراب.

 

يقسم سيد قطب الأمم إلى حزبين: حزب الله، وحزب الشيطان، ومن ليس من حزب الله، فهو من حزب الشيطان!

 

فكرة الإنسانية الواحدة ما تزال خطاً عريضاً في هتافات البشرية اليوم، وما يزال هذا الخط الذي خطّه الإسلام هو أصل التفكير البشري - من الناحية النظرية- وما تزال تلك العصبيات الصغيرة تبزغ وتختفي؛ لأنّها  ليست أصيلة ولا قويمة.

وقال الإسلام كلمته المدوية: إنّ كرامة الإنسان مستمدة من "إنسانيته" ذاتها لا من أيّ عرض آخر كالجنس، أو اللون، أو الطبقة، أو  الثروة، أو المنصب ...، إلى آخر هذه الأعراض العارضة الزائلة، والحقوق الأصيلة للإنسان مستمدة إذن من تلك الإنسانية،  التي ترجع إلى أصل واحد، "ولقد كرّمنا بني آدم" (الإسراء 70)، ولم تكن هذه مبادئ نظرية، وإنّما كانت واقعاً عملياً، تمثل في حياة الجماعة المسلمة، وانساحت به في أرجاء الأرض، فعلّمته للناس، وأقرّته في أوضاع حياتهم كذلك، وعلّمت جمهور الناس. وكان هذا ميلاداً جديداً "للإنسان"، هذا المستوى الرفيع لم ترتفع إليه الإنسانية قط،  وهذا الخط العريض الذي خطّه الإسلام، في كرامة الإنسان وحريته وحقوقه تجاه حكّامه وأمرائه ترك في حياة البشرية آثاراً لا شكّ فيها، وبعض هذه الآثار هو الذي يدفع بالبشرية اليوم إلى إعلان "حقوق الإنسان.."..

اقرأ أيضاً: كندا تطور برنامجاً خلافياً لـ "رصد الراديكالية"

لكنّ سيد قطب يقفز من هذه المقدّمات ليقسم الأمم إلى حزبين: حزب الله، وحزب الشيطان، ومن ليس من حزب الله، فهو من حزب الشيطان! ثمّ يحصر صفة حزب الله في جماعة صغيرة من الناس، ويكون ما عداها حزب الشيطان.

حزب الله الذي يقف تحت راية الله ويحمل شارته، وحزب الشيطان، وهو يضمّ كل ملّة وكل فريق وكل شعب وكل جنس وكل فرد لا يقف تحت راية الله. ولا يرى سيد قطب الأمّة سوى "مجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة، وهي جنسيتها، وإلّا فلا أمّة، لأنّه ليست هناك آصرة تجمعها. والأرض، والجنس، واللغة، والنسب، والمصالح المادية القريبة، لا تكفي واحدة منها، ولا تكفي كلها لتكوين أمّة، إلّا أن تربط بينها رابطة العقيدة"، هذه المقولة التي لا يوجد سند ديني أو واقعي لها، والتي صاغها سيد قطب في عبارة "جنسية المسلم عقيدته" يتداولها كثير من المسلمين، وأكثرهم لا ينتمون إلى الإخوان المسلمين أو جماعات الإسلام السياسي، على أنّها قاعدة إسلامية من الدين!

اقرأ أيضاً: الإسلاميون الراديكاليون إذ يستعيرون طرائق العنف الثوري لليسار

ويرى سيد قطب أنّ التحوّل الإنساني المعاصر للتجمّع حول مذاهب وإيديولوجيات بدأه الإسلام في التجمع حول "الفكرة"، لكنّه يريد لهذه الفكرة أن تعود إلى صيغتها القديمة السابقة للإسلام والأديان السماوية، حين كان الدين ينظّم كلّ شؤون الحياة، ويجمع الناس، ويصوغ الدول والقيادات والاتجاهات. 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية