الربيع العربي بين فوضى مصر وعفريت تونس

الربيع العربي بين فوضى مصر وعفريت تونس

مشاهدة

03/05/2018

"على كف عفريت"؛ فيلم من إخراج التونسية كوثر بن هنية، عرض في قسم "نظرة ما"، خلال فعاليات مهرجان كان السينمائي الدولي 2017، وهو محاكاة لحادثة اغتصاب فتاة جامعية، من قبل رجال الشرطة، وقعت بعد اندلاع الثورة التونسية، أعادنا لذاكرة الفيلم المصري "هي فوضى"، للمخرج يوسف شاهين وخالد يوسف، الذي تنبّأ بالثورة المصرية قبل اندلاعها، في إطار المفارقة الدرامية التي تعكس حال الشعوب قبيل الثورات وفي أعقابها.

تونس تتأرجح على كفّ عفريت

وصف فرانك كابرا فيلم "على كف عفريت" بأنه واحدة من ثلاثة لغات عالمية، مع الرياضيات والموسيقى"، حيث يبقى تأثير السينما وقدرتها على تجسيد المجتمع، وتعرية القضايا وتجريدها من فساد السياسة وقبضة الدين، لا يضاهيه أي تأثير آخر، هنا يكمن سرّ نجاح فيلمها الثالث "على كف عفريت"، الذي لقي نجاحاً باهراً في المحافل العربية والدولية على حدٍّ سواء، وقد انتهجت المخرجة، كوثر بن هنية، طريقة سردٍ أعطت الفيلم مصداقية، إلى جانب واقعية الحادثة التي هزّت الرأي العام التونسي عام 2012.

المخرجة التونسية كوثر بن هنية

استعرضت المخرجة، الأشهر في تونس خلال العقد الأخير، قصّة الفتاة مريم، طالبة الجامعة المغتربة في العاصمة، التي التقت بغريب ما في سهرة أعدتها الجامعة لطلابها، فيقرّران التعارف، ثم تأتي دورية من الشرطة، لتوقف الشاب وتأخذ الفتاة داخل سيارة، ليتناوب اثنان من رجال الأمن اغتصابها.

تدور رحى الأحداث في العاصمة التونسية؛ حيث وقعت الحادثة بالفعل، خلال ليلة واحدة حتى مطلع النهار، قضتها مريم متنقلة بين مراكز الأمن والمستشفيات، يصحبها الشاب يوسف الذي تعرفت إليه قبيل اغتصابها، ليذهبا معاً إلى المستشفى التابع للدولة، فتتابع المشاهد التي تسلط الضوء على البيروقراطية والإهمال اللذين تتعرض لهما الفتاة، يأبى الجميع أن يساعدها بعد علمهم أنّها اغتصبت، وتبدأ نظرات الازدراء من الآخرين تلاحقها.

انتهجت كوثر بن هنية، طريقة سردٍ أعطت "على كف عفريت" مصداقية، إلى جانب واقعية هزّت الرأي العام

ناضلت مريم حتى حصلت على حكم ضدّ الجناة بالسجن 15 عاماً، عام 2014، لتعدّ القضية انتصاراً احتفى به التونسيون، ليس للفتاة وحدها، إنّما للثورة التي قامت لأجل حياة أفضل للتونسيين، وإرساء قواعد دولة القانون، التي ضلّت طريقها في غياهب نظام بن علي الذي استمر قرابة الربع قرن يحكم تونس.

قصة الفيلم دوّنتها صاحبة الواقعة الحقيقية في كتاب سردت فيه تجربتها، وعنونته "مذنبة لأنيّ اغتصِبت"، ونشر بالعربية والفرنسية، والكتاب والفيلم مأخوذان من سرد صاحبة التجربة، يعكسان بشكل كبير وطأة القهر الاجتماعي الذي تتعرض له الفتيات في المجتمعات الشرقية، لتتحول الضحية إلى مذنب، ويتمنّع الجميع عن مساعدتها، لم يختلف الأمر كثيراً بين ما شهدته مريم في المستشفى عن معقل الأمن الذي لجأت إليه لتقع الصدفة، وتلتقي بمن اغتصبوها، فتجري المطاردات لإيقاع الفتاة التي تعاني انهياراً نفسياً جراء ما حدث لها، بطل الفيلم "غانم الزرلي"، الذي التقته "حفريات" بعد العرض في افتتاح فعاليات أيام القاهرة السينمائية لدورته الثانية، الذي تحدث عن وقع الفيلم في نفوسهم، قائلاً: "لولا الثورة لما مُنحنا حرية أن نصنع فيلماً مماثلاً تدعم الدولة صناعته أيضاً، رغم ما تعانيه الثورة من كبوات، إلّا أنّ حرية التعبير هي ما اقتنصناه ونعضّ عليه بالنواجز".

فوضى مصر تتصاعد

"مريم التونسية"، تعيد إلينا قصة "نور المصرية"، في فيلم "هي فوضى"، الذي تمكّن من استغلال هامش الحرية الثقافية المحدود الذي تركه نظام مبارك، لينتج رائعته، قبل اندلاع أحداث ثورة يناير 2011.

فالثورة المصرية، في الأساس، قامت ضدّ رجال الشرطة وانتهاكاتهم بحقّ الشعب، التي بلغت ذروتها في انتخابات مجلس الشعب2010؛ حيث تمكّن النظام السابق من إرساء قواعد حكمه، وإحكام السيطرة على مفاصل الدولة، وشاهين في فيلمه، أظهر رجل الشرطة المصرية، بتناقضاته الحادة، على الشاشة المصرية، فهو رجل ذو وجهين، يعاني الانفصام، في عمله يمارس شتى ألوان التعذيب على المساجين السياسيين، وليلاً يحلم بفتاته نور التي يقوم في النهاية باغتصابها بعد رفضها الزواج منه، استطاع الفيلم استعراض ألوان الفساد على اختلاف أشكاله المتعددة.

"مريم التونسية"، تعيد إلينا قصة "نور المصرية"، في فيلم "هي فوضى"

وأكّد المخرج المصري، يسري نصر الله، لـ "حفريات" أنّ "السينما العربية، بعد 2011، تشهد طفرة نوعية، فبينما غاصت المجتمعات العربية قديماً، في الإسفاف الفني والركاكة، خلق الحراك الذي شهدناه جيلاً جديداً من الشباب استطاع النفاذ لسينما بديلة، تعكس روح المجتمع، بعيدة عن الزيف والمقاييس التجارية التي سادت لأعوام طويلة".

الإطار المحكم لفيلم "هي فوضى"، استطاع كشف الغطاء عن واقع المجتمع المصري، الذي غرق فساداً في كل نواحي الحياة اليومية، وبقدرة خاصة استطاع الفنان خالد صالح، تجسيد دور "أمين الشرطة"، الفاسد حتى النخاع، الجاهل مفرغ الرأس الذي يبطش بما لديه من سلطة، ويستحوذ على ما يريد بسلطان "البدلة الميري"، يتعالى غرور حاتم ويبلغ ذروته، وهو ما عكسته الجملة الشهيرة: "الي مالوش خير في حاتم ملوش خير في مصر"، لقد أصبحت مصر هي الشرطة ، كما صوّر النظام للشعب، الذي كره مصر، فانطلق شبابها مهاجرين من وطن موحش، هرباً من سجونه السرية، التي تستعرض فيها ألوان التعذيب فوق أجساد الشباب اليافعة، تلك الزنازين التي أخفاها حاتم بدقة عن أعين كبار المسؤولين، وجهات المجتمع المدني، حتى إنّ مأمور الشرطة كان يعتمد على حاتم وحده في إحكام قبضته الأمنية على المنطقة.

بينما غاصت المجتمعات العربية، في الإسفاف الفني والركاكة، خلق الحراك جيلاً من الشباب استطاع النفاذ لسينما بديلة

يطال بطش حاتم محبوبته التي ترفضه بشدة، ليقوم باغتصابها، وتنتقل الفتاة مع خاطبها، الذي يعمل في السلك القضائي، لنرى حرب السلطات بين الخطيب وحاتم، سلطة القانون تواجه سلطة البطش في حلبة واحدة، ولا تنتصر أياً منهما، فالفوضى التي تعمّ على أثر الصدام بين سلطات تحكم دولة بحجم مصر، تستطيع كسر أسوار الزنزانة ليخرج الشباب هاتفين بهتافات تحوّلت إلى حقيقة عام 2011، وانتقل الحدث من الشاشة إلى ميدان التحرير.

تعددت الأوطانُ والثورة واحدة

اندلعت الثورات العربية كالنار في الهشيم، بدأت في تونس، ثمّ انتقلت رياحها إلى مصر، ممتدة إلى ليبيا، مروراً باليمن وسوريا والبحرين، من شعوب تعاني الآلام ذاتها، وتتشابه تطلعاتهم إلى حدّ كبير، وهو ما استطاع "هي فوضى"، و"على كفّ عفريت"، رصده ومقاربة الأوضاع بين مصر وتونس، قطبي الثورات العربية.

فبينما تعجّ الزنازين في مصر قبل الثورة بالمظلومين، وتمارس عليهم فنون التعذيب، يتم إيقاف البطل "يوسف"، بتهمة مشاركته في أحداث ثورية اندلعت بمدينة سوسة، بينما انفرد رجال الشرطة بالفتاة واستضعفوها، واستطاعوا تخويفها، إلّا أنّها لم تستسلم في النهاية، فالطبقة الاجتماعية التي جاءت منها الفتاة جعلتها محطَّ سخرية من رجال الأمن، الذين سخروا من والدها الفلاح الذي يحلب الأبقار، ليطالبوها بالتنازل عن القضية، فهي ليست سوى ابنة فلاح، لا تملك واسطة ولا سلطة حتى تستطيع الثأر لنفسها، بينما نور تستعين بالخطيب وسلطته القضائية حتى تستطيع فتح قضية اغتصابها على يد رجل شرطة، وهو ما لم تكن لتفعله لو لم تملك سلطة تمكنها من البوح بما حدث معها، وهو ما عبّرت عنه المخرجة التونسية كوثر بن هنية لـ "حفريات، حيث رأت "تشابهاً كبيراً بين الفيلمين، الفساد والمحسوبية والواسطة التي تأسست عليها المؤسسات المصرية والتونسية أيضاً، في ظلّ أنظمة قمعية، لكن مريّم قد انتصرت لنور بفضل الثورة التي حققت أهدافها بعض الشيء في تونس، ولولا الثورة لما عرف أحد مأساة مريم". وأكدت بن هنية أنّ "الشكر الأول للثورة التي منحتنا الحرية حتى نتحدث، وللثورة التي انفجرت في مصر رفضاً للظلم، وعوناً للمظلومين".

الصفحة الرئيسية