الروائي البلقاني الأكثر شهرة في العالم يجعل بيته متحفاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
1804
عدد القراءات

2019-06-11

حوّل الروائي الألباني، إسماعيل قادري، منزله الواقع في تيرانا إلى متحف يشهد على أيام الحقبة الشيوعية، حيث لم يمنعه التضييق والقمع من الكتابة، ليصبح واحداً من أهم الأدباء العالميين، وتجربة روائية لها فرادتها.

وقال الروائي الشهير، في حوار معه وهو جالس في الزاوية التي اعتاد أن يجلس فيها لكتابة مسوّداته: "كنت أعمل هنا، إلى جانب المدفأة"، بحسب وكالات أنباء.

قادري: أنا لست متواضعاً، من حيث المبدأ، أنا ضد التواضع… خلال النظام الشمولي، كان التواضع دعوة إلى الخضوع

وأضاف قادري، الذي أنجز بعض أعماله الأكثر شهرة بما فيها روايته "قصر الأحلام" فيما كان يعيش في هذه الشقة الواقعة في الطابق الثالث من مبنى إسمنتي مع عائلته بين عامي 1973 و1990، "كنت أكتب والأوراق على ركبتَي وأعمل في الصباح فقط".

وخلال تلك الفترة، كانت النوافذ مغطاة بستائر سميكة لحماية منزلهم من أعين النظام الشيوعي الذي كان على رأسه الدكتاتور السابق أنور خوجة، الذي عزل ألبانيا عن العالم خلال حكمه الذي استمر 40 عاماً.

وافتتح هذا المتحف الجديد الذي أطلق عليه اسم "قادري هاوس استوديو"، في نهاية الشهر الماضي. مع أرضيات خشبية وجدران خضراء وبيضاء، تنتشر عليها تذكارات شخصية للكاتب مثل مجموعة من الغلايين موضوعة على طاولة، آلة كاتبة، رف مملوء بالكتب، وبطاقة هوية تحمل صورة قادري وهو شاب وتصنفه "شرطياً احتياطياً". وهناك أيضاً صورة للممثل الإيطالي مارتشيلو ماستروياني الذي أدى دور البطولة في فيلم مقتبس عن روايته "جنرال الجيش الميت" التي كانت أول أعمال قادري التي تحظى بإشادة دولية.

 أطلق عليه اسم "قادري هاوس استوديو"

متحف وليس ضريحاً

وأوضح الروائي أنه يريد أن يكون هذا المكان متحفاً وليس ضريحاً. مع زوجته إيلينا، وهي كاتبة أيضاً، يمضي قادري وقته الآن بين تيرانا والحي اللاتيني في باريس التي اختارها منفى له في العام 1990 قبل فترة وجيزة من انهيار النظام الشيوعي في ألبانيا.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد

وقد وصل حدّ القمع الشديد لنظام خوجة إلى مهندس الشقة ماكس فيلو الذي حكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات بسبب التصميم التكعيبي للمبنى الذي يعتبر انحرافاً عن النماذج الاشتراكية.

بيْد أنّ قادري قال إنه لم يدع الدكتاتورية تقضي على إبداعه. فقد رفض في رواياته ومقالاته وقصائده، الواقعية الاشتراكية التي تمليها السلطات، واستخدم فيها بدلاً من ذلك الرموز والتاريخ والأساطير للإضاءة على ظروف الحياة في ظل الاستبداد الذي كان موجوداً.

قال قادري "الأوقات المظلمة تجلب مفاجآت غير سارة لكنها جميلة

الأوقات المظلمة تنتج أعمالاً رائعة

وقال قادري "الأوقات المظلمة تجلب مفاجآت غير سارة لكنها جميلة". وأوضح "غالباً ما تُنتج أعمال أدبية رائعة خلال العصور المظلمة، كما لو أنّ هدفها معالجة المحن التي يعاني منها الناس". وفي الوقت الذي كان يسجن فيه روائيون وشعراء ومبدعون أو يقتلون، نجا قادري من هذا المصير.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة

في مذكراتها، قالت نجيمية أرملة أنور خوجة الذي كان يدعي أنه يعشق الأدب، أنّ الزعيم الألباني أنقذ هذا المؤلف الشهير مرات عدة. وتظهر محفوظات من عصر خوجة أنّ قادري كان في الكثير من الأحيان على وشك أن يسجن، وأن قصيدته "باشوات حمر" التي نُشرت في العام 1975 تسببت في نفيه مؤقتاً إلى قرية نائية. لكن قادري نفى أن تكون ربطته علاقة مميزة بالدكتاتور وقال "كانت أعمالي تلتزم قوانين الأدب فقط، ولم تطع أي قانون آخر".

حكم النظام الألباني على مهندس شقة قادري بالسجن ثماني سنوات بسبب التصميم التكعيبي الذي يعتبر انحرافاً عن النماذج الاشتراكية

في نهاية المطاف، هرب الكاتب إلى باريس لطلب اللجوء قبل أشهر قليلة من إطاحة النظام في أوائل التسعينات. وأوضح قادري الذي ترك في ذلك الوقت العديد من المخطوطات في شقته في تيرانا التي استولت عليها السلطات، لكن استعادتها الشرطة في وقت لاحق، أنّ تلك المغادرة كانت "نوعاً من الشفاء" وشكلاً من أشكال الاحتجاج.

وتُرجمت أعمال إسماعيل قادري إلى أكثر من 40 لغة، ما جعله الروائي البلقاني الأكثر شهرة في العالم. وقد فاز بجائزة البوكر البريطانية عام 2004 وجائزة أمير استورياس العام 2009 ورشح مرات عدة لجائزة نوبل للآداب.

ورغم أنّ الموضوع "يحرجه"، فقد قال إنه يستمتع برؤية اسمه "مذكوراً بين المرشحين" لجائزة نوبل. وقال "أنا لست متواضعاً، من حيث المبدأ، أنا ضد التواضع… خلال النظام الشمولي، كان التواضع دعوة إلى الخضوع. يجب على الكتاب ألا يحنوا رؤوسهم". وحول ما إذا كان سعيداً خلال الأيام التي أمضاها في تيرانا تحت قبضة الشيوعية قال "كان الناس الذين عاشوا خلال هذه الفترة غير سعداء، لكن الفن فوق كل ذلك".

اقرأ المزيد...

الوسوم:



الروائي البلقاني الأكثر شهرة في العالم يجعل بيته متحفاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
عدد القراءات

2019-06-11

حوّل الروائي الألباني، إسماعيل قادري، منزله الواقع في تيرانا إلى متحف يشهد على أيام الحقبة الشيوعية، حيث لم يمنعه التضييق والقمع من الكتابة، ليصبح واحداً من أهم الأدباء العالميين، وتجربة روائية لها فرادتها.

وقال الروائي الشهير، في حوار معه وهو جالس في الزاوية التي اعتاد أن يجلس فيها لكتابة مسوّداته: "كنت أعمل هنا، إلى جانب المدفأة"، بحسب وكالات أنباء.

قادري: أنا لست متواضعاً، من حيث المبدأ، أنا ضد التواضع… خلال النظام الشمولي، كان التواضع دعوة إلى الخضوع

وأضاف قادري، الذي أنجز بعض أعماله الأكثر شهرة بما فيها روايته "قصر الأحلام" فيما كان يعيش في هذه الشقة الواقعة في الطابق الثالث من مبنى إسمنتي مع عائلته بين عامي 1973 و1990، "كنت أكتب والأوراق على ركبتَي وأعمل في الصباح فقط".

وخلال تلك الفترة، كانت النوافذ مغطاة بستائر سميكة لحماية منزلهم من أعين النظام الشيوعي الذي كان على رأسه الدكتاتور السابق أنور خوجة، الذي عزل ألبانيا عن العالم خلال حكمه الذي استمر 40 عاماً.

وافتتح هذا المتحف الجديد الذي أطلق عليه اسم "قادري هاوس استوديو"، في نهاية الشهر الماضي. مع أرضيات خشبية وجدران خضراء وبيضاء، تنتشر عليها تذكارات شخصية للكاتب مثل مجموعة من الغلايين موضوعة على طاولة، آلة كاتبة، رف مملوء بالكتب، وبطاقة هوية تحمل صورة قادري وهو شاب وتصنفه "شرطياً احتياطياً". وهناك أيضاً صورة للممثل الإيطالي مارتشيلو ماستروياني الذي أدى دور البطولة في فيلم مقتبس عن روايته "جنرال الجيش الميت" التي كانت أول أعمال قادري التي تحظى بإشادة دولية.

 أطلق عليه اسم "قادري هاوس استوديو"

متحف وليس ضريحاً

وأوضح الروائي أنه يريد أن يكون هذا المكان متحفاً وليس ضريحاً. مع زوجته إيلينا، وهي كاتبة أيضاً، يمضي قادري وقته الآن بين تيرانا والحي اللاتيني في باريس التي اختارها منفى له في العام 1990 قبل فترة وجيزة من انهيار النظام الشيوعي في ألبانيا.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد

وقد وصل حدّ القمع الشديد لنظام خوجة إلى مهندس الشقة ماكس فيلو الذي حكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات بسبب التصميم التكعيبي للمبنى الذي يعتبر انحرافاً عن النماذج الاشتراكية.

بيْد أنّ قادري قال إنه لم يدع الدكتاتورية تقضي على إبداعه. فقد رفض في رواياته ومقالاته وقصائده، الواقعية الاشتراكية التي تمليها السلطات، واستخدم فيها بدلاً من ذلك الرموز والتاريخ والأساطير للإضاءة على ظروف الحياة في ظل الاستبداد الذي كان موجوداً.

قال قادري "الأوقات المظلمة تجلب مفاجآت غير سارة لكنها جميلة

الأوقات المظلمة تنتج أعمالاً رائعة

وقال قادري "الأوقات المظلمة تجلب مفاجآت غير سارة لكنها جميلة". وأوضح "غالباً ما تُنتج أعمال أدبية رائعة خلال العصور المظلمة، كما لو أنّ هدفها معالجة المحن التي يعاني منها الناس". وفي الوقت الذي كان يسجن فيه روائيون وشعراء ومبدعون أو يقتلون، نجا قادري من هذا المصير.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة

في مذكراتها، قالت نجيمية أرملة أنور خوجة الذي كان يدعي أنه يعشق الأدب، أنّ الزعيم الألباني أنقذ هذا المؤلف الشهير مرات عدة. وتظهر محفوظات من عصر خوجة أنّ قادري كان في الكثير من الأحيان على وشك أن يسجن، وأن قصيدته "باشوات حمر" التي نُشرت في العام 1975 تسببت في نفيه مؤقتاً إلى قرية نائية. لكن قادري نفى أن تكون ربطته علاقة مميزة بالدكتاتور وقال "كانت أعمالي تلتزم قوانين الأدب فقط، ولم تطع أي قانون آخر".

حكم النظام الألباني على مهندس شقة قادري بالسجن ثماني سنوات بسبب التصميم التكعيبي الذي يعتبر انحرافاً عن النماذج الاشتراكية

في نهاية المطاف، هرب الكاتب إلى باريس لطلب اللجوء قبل أشهر قليلة من إطاحة النظام في أوائل التسعينات. وأوضح قادري الذي ترك في ذلك الوقت العديد من المخطوطات في شقته في تيرانا التي استولت عليها السلطات، لكن استعادتها الشرطة في وقت لاحق، أنّ تلك المغادرة كانت "نوعاً من الشفاء" وشكلاً من أشكال الاحتجاج.

وتُرجمت أعمال إسماعيل قادري إلى أكثر من 40 لغة، ما جعله الروائي البلقاني الأكثر شهرة في العالم. وقد فاز بجائزة البوكر البريطانية عام 2004 وجائزة أمير استورياس العام 2009 ورشح مرات عدة لجائزة نوبل للآداب.

ورغم أنّ الموضوع "يحرجه"، فقد قال إنه يستمتع برؤية اسمه "مذكوراً بين المرشحين" لجائزة نوبل. وقال "أنا لست متواضعاً، من حيث المبدأ، أنا ضد التواضع… خلال النظام الشمولي، كان التواضع دعوة إلى الخضوع. يجب على الكتاب ألا يحنوا رؤوسهم". وحول ما إذا كان سعيداً خلال الأيام التي أمضاها في تيرانا تحت قبضة الشيوعية قال "كان الناس الذين عاشوا خلال هذه الفترة غير سعداء، لكن الفن فوق كل ذلك".